|
|
قراءة في مذكرات محمد رشاد الشيخ راضي
كاظم الموسوي
الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 16:17
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
صدر الجزء الاول من مذكرات محمد رشاد الشيخ راضي، عضو قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي، (اسمه الرسمي)، وعضو القيادة القومية الاحتياط، ايضا، بعنوان: البعث كما عرفته، وتحته: لا شيء يفقدنا الامل، حررها وقدمها وعلق عليها د. طارق مجيد تقي العقيلي، الطبعة الاولى 2025، عن دار الحكمة- لندن. والكتاب في 245 صفحة من القطع الكبير، في 25 قسما او فصلا، وملاحق، باسماء شخصيات، كما عرفهم، وصور شخصية مع قيادات سياسية واصدقاء للمؤلف. ولانها مذكرات شخصية لمسؤول سياسي في حزب وصل الى الحكم في عاصمتين، عربيتين، بغداد ودمشق، وفشل في تحقيق اهدافه التي رفعها لانتشاره ودعواه، في الوحدة والحرية والاشتراكية، وترك صفحات تاريخ مملوءة بالقتلى والدماء واساليب حكم فاشية، اعترف بها اعضاؤه وقياديوه، من ضمن شعبي البلدين، ومما يثبت لضحاياه ما عانوه وعاشوه في السجون والمعتقلات والعلاقات السياسية والوطنية. ولهذا تكون المذكرات مهمة ومحط تقييم واختبار، بالمقارنة مع الواقع والوقائع وشهادة يحكم بها وعليها في تاريخ البلدين والشعوب العربية التي عاشت التجربة المرة وكابدت محنة التناقضات الصارخة بين الافكار والشعارات البراقة وبين ما طوته سجلات التاريخ من معاناة وآلام ومجازر، لا يمكن ان تغتفر او تنسى. ما اكده المؤلف او ما يهم في المذكرات تسجيل صورة الصراعات والانقسامات واسبابها داخل الحزب في القطرين اللذين وقعا تحت حكم الحزب، وانعكاساتها على الحزب، ليس في العاصمتين فقط وانما في كل عاصمة اخرى تاسس للحزب فرع او انتظم له تنظيم باموال مفتوحة الارقام من بغداد ودمشق. واهميتها كما نشر قبله عدد من القيادات الحزبية التي قدمت شهاداتها عن تجربتها وقناعاتها وما آلت اليه النهايات. ومنها ما نقله المحرر للمذكرات، وقدم به فصول مذكرات المؤلف، من فقرة اساسية ومهمة لقيادي بارز سابق في الحزب، هو الدكتور سامي الجندي، بعد تجربة نضالية خاضها في اتون مسيرته الطويلة في الحزب في سوريا. حيث كتب الجندي: ( اصبح البعثيون بلا بعث، والبعث بلا بعثيين: ايديهم مصبوغة بالدم والعار يتسابقون الى القتل والظلم والركوع امام مهماز الجزمة)، واعادها المؤلف في اوراقه الاخيرة، واضاف المحرر له بانه وصف "اقل ما يمكن وصفها بانها تجربة مرة ومحبطة لاماله وتطلعاته القومية في دولة عربية واحدة وشعب عربي واحد، وامة عربية واحدة، وفق منطق حزبه والمنظرين القوميين العرب، وسبب كل ذلك مثلما اعتقد الجندي هو حزب البعث نفسه وقيادة ميشيل عفلق واتباعه، فلم يعد البعث بعثا عربيا بعد تجاربه المدمرة في حكم دولتين، سوريا والعراق" (ص5). وفي تقديم المؤلف لمذكراته اكد على امور تعكس ما عرفه من البعث، الحزب الذي انقسم الى جناحين، يساري ويميني، وقيادات حاسمة له بين عسكرية ومدنية، ورغم تشابهه في "القطرين"، (كما يكرس كتاب الحزب ومنتسبوه، هذه التسمية في اغلب الادبيات الحزبية)، والانقسام الواضح بين جناحيه الرئيسين، او اجنحته المؤثرة في قيادته وما الت اليه تطورات الحكم او اسس التحزب والدولة، ظل الانقسام عاملا كبيرا في ادارته وتعامله الداخلي في حياة أعضائه ومنتسبيه واندفاع أعضائه لعاصمتي "القطرين"، بشكل يعكس او يعطي انطباعات اخرى لطبيعة الانقسام والتدهور السياسي والفكري للحزب وقياداته ودور مؤسسه، ميشيل عفلق، ومؤلفه (في سبيل البعث) واتباعه، في مجريات ما حدث، حزبيا وادارة حكم. "ولكن، ان بقاء افكار الحزب وفق صيغتها العفوية والتجريبية لفترة من الزمن في ضل (كما في النص وتكرر هذا الخطأ في اكثر من صفحة، والاصح ظل) واقع عربي متغير طبقا لتطورات سياسية اقليمية ودولية، كان سببا خطيرا ومؤثرا انعكس على تجاربنا التاريخية المهمة كفشل تجربة الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 وسقوط تجربة الحزب الاولى في العراق عام 1963" (ص13). كما راى المؤلف ذلك سببا دافعا الى تطور الحزب وتحوله وترسيخ "نظريته العملية والثورية في المؤتمر القومي السادس ومنطلقاته عام 1963 التي صاغها الرفيق ياسين الحافظ بصيغة يسارية ثورية وماركسية عربية"، واصبح هذا التطور علامة مميزة للحزب، بتعريف حامليه باليسار، بينما وصفت المجموعة او الجناح الاخر الذي تبع مؤسس الحزب ميشيل عفلق، بصفة اليمين، وعمليا انقسم الحزب الى الجناحين اللذين استمرا في وصفهما، اليسار واليمين، ولا سيما في حكمهما لبلدين عربيين، جارين ولم يتمكنا او فشلا في تطبيق شعارات الحزب واهدافه في الممارسات والعلاقات واساليب الحكم، بل وتجاوز طرف منهما على الاخر حدود الانتماء والخلاف الى العداء والتآمر والارتهان للقوى و"الدوائر الاستعمارية المعروفة" (ص18). عرض المؤلف في فصول الكتاب الاولى، كالمعتاد في كتب المذكرات، بدايات عمله الحزبي، "خطوات على الطريق" في مدينته النجف الاشرف، واتصالاته التنظيمية ومواجهة التطورات السياسية في العراق، وفي سوريا ايضا. وانتقاله "من حزب الاستقلال الى حزب البعث العربي الاشتراكي"، واعلان انتسابه لحزب البعث عام 1959 بدرجة نصير، وهي ادنى درجة في تنظيم الحزب (ص33). وترديده شعار الحزب،" في العام 1961 امام الرفيق المرحوم صدقي ابو طبيخ"(ص40)، ووصف الاوضاع السياسية في المدينة والبلاد، وابرزها الصراعات بين الاحزاب السياسية المتصدرة للمشهد السياسي، والبحث عن مصدر للعيش، في وظيفة حكومية، وكذلك الاشارة الاهم الى قرارات الحزب الحاكم، البعث، في محاربة البعثيين المنتمين الى البعث اليساري، وهو منهم، و"مطاردتهم" واعتقالهم، وتاكيد الانقسام الحزبي، بين اليسار واليمين، في المشهد السياسي، في العراق وخارجه. انتقل بعدها بكشف وقائع الانقسام في الحزب، ومسار الاحداث ودور القيادات الحزبية، المدنية والعسكرية في البلدين في كل ما حصل. وفي نشرها سعي للمؤلف ان تكون توثيقا تاريخيا واثباتا بحكم المشاركة او المراقبة عن قرب، على طبيعة تلك الاحداث، وممارسات قيادات الحزب في الحكم والسلطة. فبعد الاطاحة بقيادة ميشيل عفلق وبمؤيديه في القيادة القومية والقيادة القطرية في سوريا، في حركة 23 شباط/ فبراير 1966، والتي عدت انقلابا داخل الحزب، وسببا في انقسام دائم بين فرعي الحزب في العراق وسوريا. "كنا نشعر بان ثمة صراع حاد اخذ يدب في صفوف الحزب، كلما اقترب موعد انعقاد المؤتمر القطري السادس" (ص45). وبعد انعقاد جلسات للمؤتمر، كانت الجلسة الاخيرة بدون جدول اعمال ولم يردد فيها شعار الحزب، ورغم اعادة انتخاب المؤلف ورفاقه في شعبة مدينة الناصرية، "واصبحنا عمليا اعضاء منتدبين للمؤتمر القطري، ولم يكن صدام مرتاحا لنا. على كل حال انفضت هذه الجلسة او اخر اجتماع اذا جاز التعبير قبل اعلان الانشقاق في الحزب بشكل رسمي ويصبح في حزب البعث اتجاهين متناقضين(!) يتصارعان بعنف وشراسة وبدت ملامح اليسار واليمين تتبلور وتتطور مع تطور الاحداث"، (ص 66). اختصرت عناوين فصول تالية محتوياتها، ابرزها ما اشار له في المقطع المنقول في الصفحة السابقة المذكورة، الصراعات بعنف وشراسة، ومجازر "رفاقية " وتصفيات واغتيالات لقيادات فاعلة في فرعي الحزب، ومن ضمنها الاعتقالات والمحاكمات الشكلية وانعكاساتها على الحزب والحكم والعلاقات الداخلية والارتباطات والارتهانات الخارجية،"وكانت حرب المخابرات السرية والاختراقات بين البعث اليساري والبعث اليميني قائمة بشدة " (ص130)، من بين العناوين، مثلا، الفصل السابع: "اليسار واليمين.. فصل احمد حسن البكر وصدام حسين من حزب البعث"، وعنوان الفصل الثامن، "قيادة قومية مخترقة"، والفصل التاسع: "اعتقالي وسجني في مديرية الامن العامة بعد انقلاب 17- 30 تموز 1968"، والفصل العاشر: "مع شقاوة البعث جبار الكردي في سجن الامن العامة"، والحادي عشر: "مع اليهود في سجن مديرية الامن العامة ومواقف جبار الكردي النبيلة"، والثاني عشر: "من السجن الى القصر الجمهوري وجها لوجه مع احمد حسن البكر وصدام التكريتي"، وعنوان الفصل السادس عشر: "عندما يرتد البعثي عن خطه اليساري، الرفيق ضرغام عبد الله الدباغ (ياسين احمد)"، وواصل بالمعنى نفسه في الفصل التالي له، عن ارتداد منذر الونداوي، واكد الفصل الثامن عشر على: "الصراع البعثي - البعثي، تكريس التكتل والولاءات داخل الحزب"، وعنوان الفصل الواحد والعشرين:"مسلسل الاغتيالات، المحاولة الاولى لاغتيال الرفيق احمد العزاوي"، وعنوان الفصل الرابع والعشرين: "القاتل يتهرب من جريمته والحق ينتصر، ومثولي امام لجنة تحقيقية حزبية وامنية". كتب محمد رشاد الشيخ راضي، كقيادي في الحزب، وكشاهد عيان، مطلع على تفاصيل التنظيم الحزبي والعلاقات البينية وما حملته من وقائع وصلت الى جرائم قتل واغتيال ولجان تحقيق مخترقة، داخل الحزب، (فكيف خارجه ومع معارضيه؟!)، في فصول ختامية لمذكراته، كاشفا اسرارها بالاسماء والزمان والمكان، وقد تكون في ابعادها السياسية والاخلاقية مدعاة استفسار ورد ونقاش ممن وردت اسماؤهم الصريحة، ومازالوا احياء، حيث تظل شاهدة وشهادة في صفحات التاريخ، ومن مهمة الذكريات والمذكرات المنشورة اخذها بواقعية ودليل موثق وصلتها مع الحقائق الدامغة التي حاكمها التاريخ ووثقها في ايامه وذاكرة الشعوب. اضافة الى ما سبق ختم الجزء الاول بملحق عن " شخصيات هكذا عرفتها" مسلطا الضوء على ما وراء المعرفة الشخصية، في الدور الذي مارسه، كل منهم، لا سيما في اعمال سياسية خطيرة، كتشكيل حزب سياسي يساري بدعم اجهزة مخابرات، او العلاقة بعميل موساد، او الانحراف والاسترزاق، كما ورد في العنوان. ولكن، تبقى صفحات المذكرات لاي سياسي ومن اي حزب مهمة اضافية نضالية لتوثيق حياة واسرار وعلاقات واتصالات ووقائع لدروس التاريخ وعِبر للاجيال. وقد تكون هذه المذكرات شهادة ناطقة لما وصلت اليه الامور والتجارب، وما انتهت اليه مسيرتها وضرورة كشفها وفضح ما خفي او ما لم يعرف بعد.
#كاظم_الموسوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله
-
الحزب الشيوعي في فنزويلا وايران: بين الرئيسي والثانوي
-
قراءة في -هَوَس القراءة -
-
في أربعينية الوداع: ذهب الذين احبهم
-
ناجح وداعا
-
قراءة في -حتى مصرع الفجر… سيرة سجين سياسي-
-
المشهد العراقي: تكريس سياسة الاحتلال
-
زياد…وداعا
-
المصطلح والمفهوم والموقف
-
نحو تجسيد حركة التحرر الوطني والقومي الثورية
-
ما هو الصحيح والمفيد؟ ملاحظات عن الترجمة
-
الوطن العربي وعهد ترامب الثاني
-
عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
-
نافذة المعموري ومنفى الحمداني
-
نحو حركة تحرر وطني وقومي ثورية
-
طوفان الطلبة: من اشعاعات طوفان الأقصى عالميا
-
فاضل ثامر .. والميتا نقد
-
قراءة في كتاب -اللا بشر-
-
اشارات من الطوفان: اهمية الوعي السياسي والإنساني
-
طوفان الهدهد امتدادٌ آخر لطوفان الأقصى
المزيد.....
-
مناورات للحرس الثوري في هرمز وتصريحات أميركية قبيل جنيف.. رو
...
-
من معرض 2026 CES.. مساعد ذكي لتحسين تجربة الإبحار
-
للمرة الثالثة.. ظرف غامض يصل إلى مكتب نتنياهو ويثير التساؤلا
...
-
حرق القرآن يقود إلى طلب لجوء في واشنطن.. رجل في لندن يتجه إل
...
-
هل تغيّر موقف حكومة الشرع من ترحيل السوريين من ألمانيا؟
-
اليمن: جولة في السجون السرية في حضرموت
-
طهران تعلن استعدادها لتقديم تنازلات من أجل إنجاح المفاوضات م
...
-
انطلاق موسم الكرنفالات عبر العالم.. من ريو دي جانيرو إلى نيج
...
-
إيلا واوية... عربية مسلمة تتحدث باسم الجيش الإسرائيلي
-
إسرائيل تتهم أحد فلسطينيي 48 بالتخابر لصالح إيران
المزيد.....
-
قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير
...
/ رياض الشرايطي
-
نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و
...
/ زهير الخويلدي
-
-فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2
/ نايف سلوم
-
فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا
...
/ زهير الخويلدي
-
الكونية والعدالة وسياسة الهوية
/ زهير الخويلدي
-
فصل من كتاب حرية التعبير...
/ عبدالرزاق دحنون
-
الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية
...
/ محمود الصباغ
-
تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد
/ غازي الصوراني
-
قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل
/ كاظم حبيب
-
قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن
/ محمد الأزرقي
المزيد.....
|