|
|
الرواية الفلسطيني- أهم مواضيعها وكيفية تلقيها
رياض كامل
الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 14:56
المحور:
الادب والفن
الرواية العربية الفلسطينية- النضوج والارتقاء
مقدمة -1- يعتبر الباحثون أن روايتي "الوارث" الصادرة سنة 1920 للكاتب خليل بيدس، ورواية "الحياة بعد الموت"، التي صدرت هي الأخرى سنة 1920 للكاتب إسكندر الخوري البيتجالي، أول روايتين فنيّتين فلسطينيتين. بدأ البيتجالي كتابة روايته أثناء الحرب العالمية الأولى وفرغ من كتابتها سنة 1918، ولكنها لم تصدر في كتاب إلا سنة 1920. أما خليل بيدس فقد نشر القسم الأكبر من روايته في مجلة "النفائس العصرية" سنة 1919، ثم صدرت كاملة عن دار الأيتام السورية في القدس سنة 1920. وقد سبقتْ هاتين التجربتين تجاربُ أخرى لم ترق إلى المستوى المطلوب. تكاد المصادر تُجمع على أن الرواية العربية الفلسطينية بلغت مرحلة النضوج على يد جبرا إبراهيم جبرا (1920-1994) وإميل حبيبي (1921-1996) وغسان كنفاني (1936-1972). يرتبط هؤلاء الثلاثة، ببعضهم البعض ارتباطا عضويا، نظرا لما لهم، معا، من دور هام في دعم أسس الرواية العربية الفلسطينية وتدعيمها. فقد قدّم كلٌّ منهم، من موقعه الأيديولوجي والجغرافي، رؤيا خاصة انطلاقا من تجربة التهجير والتشتّت والحرمان من الطفولة ومن البيت، ومن حق العودة وإعادة بناء العائلة، فساهمت هذه الرؤى في ترسيخ الهوية الفلسطينية وتأصيلها. كما حظي الثلاثة، بناء على ما قدموه، باهتمام النقاد والدارسين في الشرق والغرب، وترجمت أعمالهم إلى عدة لغات. كان من الطبيعي أن تسيطر النكبة سيطرة شبه تامة على معظم ما قدمه الفلسطينيون في مجال الرواية والقصة والشعر والمسرح والفن على اختلافه. ورغم مرور أكثر من سبعة عقود على النكبة الفلسطينية إلا أن الأدباء والفنانين ما زالوا مشغولين بتناول هذه القضية، نظرا لما لها من تأثير ما انفك يتفاعل، حتى ليبدو وكأن عملية الطّرد والتهجير التي بدأت سنة 1948 لم تتوقف بعد، وأنها ما زالت متواصلة. واللافت للنظر أنّ تناولَ هذه المأساة لا يقتصر على من عاش تلك الفترة بل تعداها إلى الأجيال اللاحقة من الأدباء والفنّانين على اختلاف اهتماماتهم. إن دلّ ذلك على شيء فإنما يدل على حجم هذه المأساة، وما كان لها من أثر نفسي دفع كثيرين إلى تكرار روايتها مشافهة وكتابة، أو التعبير عنها، رسما، تمثيلا وغناء. هناك العديد من الأبحاث التي تناولت موضوع النكبة وتأثيرها في الأدب والفن، ويبقى هناك العديد من الزوايا التي يجب معالجتها في ضوء انتعاش الرواية العربية الفلسطينية، وازدياد وعي الباحثين بأهمية كشفها وإبرازها. لقد أصابت النكبة كل أفراد العائلة، ولم تفرّق بين جيل وآخر، وامتدّت صدمتها واستطالت حتى وصلت الجيل الثالث الذي لم يكن الضحية المباشرة لها، لكن يبدو أن وجع الشتات والفرقة وضياع الأرض قد انتقل تأثيره من جيل لجيل، ورسخ في الذاكرة وتجذّر عميقا، رغم موت الغالبية العظمى ممن عايشت النكبة وذاقت مرها. تقوم الرواية العربية الفلسطينية بدور هام في تفنيد الرؤية الصهيونية، وتعمل على نشر الوعي لدى القارئ الفلسطيني والعربي والأجنبي، إذ يستطيع المتتبّع أن يرى بوضوح سعي الروائيين الفلسطينيين إلى إيصال رسائلهم إلى كل الجهات، عبر توسيع النشر في أقطار عربية متعددة، وعبر الترجمات إلى لغات عدة، بل يمكننا القول إن بعض الروائيين على وعي تام بأهمية مخاطبة الأجنبي حين يكتبون بعض إنتاجاتهم بلغات أخرى غير العربية. لقد أدرك الأدباء الفلسطينيون أهمية الرواية ودورَها في خلق عوالم متشعّبة فعمدوا إليها وطوروا صورتها وشكلها وأثرَوها بتقنيّات عدة كي تتمكن من مجاراة تعقيدات العصر الحديث. فقد أثبتتْ، في الآونة الأخيرة، أنّها أكثرُ الأجناس الأدبية قدرة على لملمة الخيوط عبر الزمان والمكان، فزوّدوها بما تحتاج إليه كي تكون زادا للأجيال القادمة، وحجة ينافحون بها عن حقهم أمام رواية الآخر، وساروا بها في مسالك جديدة. ويقيني أنّ الروائيّ الفلسطيني أدرك ما لها من سجايا ومزايا خاصة تتيح له أن يحيط بعوالم أكثر اتساعا من قدرة الشعر. شغلت قضية الصراع الفلسطينيّ اليهوديّ فكرَ الأديب الفلسطيني منذ بداية القرن المنصرم، فعبّر عن ذلك بوسائله الفنية عبر الرواية والشعر والقصة والمقالة والمسرحية. وبما أنّ الرواية حقلها واسع فإنّها قادرة على الخوض في هذه القضية بطرق شتّى، وأساليب عدّة لتشمل عالما بانوراميا متشعبا. ففي الرواية نجد صورة للماضي، ونعثر على شخصيات قياديّة حفظتها من الضياع، ونطّلع على أحداث لم تذكرها كتب التاريخ، أو مرت عليها مرّ الكرام. إنّ الرواية، أية رواية، ليست شهادة يقدمها المؤلِّف في محفل سياسي، بل هي سرد فنيّ قادر على اختراق الروح وتفعيل العقل والعاطفة على حد سواء. لذلك فقد ساهمت مساهمة كبرى في تثوير الذاكرة وحفظ الماضي من الضياع، خاصة حين يكون هذا الماضي ذا قيمة تتعلق بأهمية الوجود الإنساني. وقد أثبتت التجربة أن الزمن عدو لدود قادر على إضعاف الذاكرة، فقامت الرواية الفلسطينية، بالذات، بدور فاعل في حفظ المكان والزمان والشخصيات واللغة وتثبيتها في الذاكرة، وتوريثها من جيل لجيل، دون حاجة لتسجيلها في أوراق ثبوتية. لا يستهجن الدارس حين يرى حجم اهتمام الرواية الفلسطينية بالفضاء، فليس ذلك إلا انعكاسا لتلك التجربة القاسية، ويقيني أن كل الروايات العالمية التي تحدثت عن التهجير قد أعطت للفضاء مواصفات حميمة تفوق تلك التي تحدث عنها المنظرون والباحثون. بدا المكان في الإبداع الفلسطيني الفردوس المفقود الذي طرد أصحابه منه دونما ذنب اقترفوه، ودون أن يرتكب آدم الفلسطيني أي جرم أو خطيئة؛ لم يأكل من شجرة المعرفة ولم يقضم ولو قطعة صغيرة من التفاحة. تحمل جنتهم ميزاتها من واقع عاشوه، فهي الأرض وما عليها من بيوت يسكنها فلاحون آمنون، يعيشون متجاورين متحابين قانعين بالقليل دون الكثير، وهي في بعض الروايات مدينة نابضة بالحياة وبالتراث وبالحضارة. استوحى عدد كبير من الروائيين والأدباء الفلسطينيين مواضيع كتاباتهم من تجاربهم الذاتية ومن التجارب الجمعيّة التي مر بها الشعب الفلسطيني، نجد في كتاباتهم صورة واضحة لمعالم الفضاء الفلسطيني بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان. وتدور معظم أحداث الروايات في قرية أو مدينة عربية كانت آمنة حتى تعثرت مسيرة الفلسطيني بشكل فجائي فوجد نفسه دون بيت أو أرض. إن الفلسطيني يكتب لكي يبني ما قد هدمه الآخرون، وهو يختلف في ذلك عن كل كتّاب العالم. فلكل كاتب في العالم دولة وأحلام، أما الفلسطيني فهو الوحيد الذي لم يبق لديه سوى الحلم يعيش بفضله، ويحب الحياة من أجله. يذهب بعض الباحثين باتجاه التوقف عند مرحلة النضوج واعتبارها قمة العطاء الروائي الفلسطيني، وهم صادقون ومحقون في جزء من هذه الرؤية لكنهم يتغاضون عما حققته الرواية في العقود الأخيرة في اعتمادها وسائل حداثية تعمل على رقي الرواية. إن الحديث عن تطور التقنيات الروائية لا ينفي دور الرواد الكبار ولا يقلل من حجم عطائهم، لكن التنكّر لدور الجيل الثاني والثالث من الروائيين لهو غبن للرواية وكتّابها وقرائها، والأمثلة كثيرة يعرفها كثيرون ولا أرى أية حاجة للإشارة إليهم أو إلى بعضهم. -2- تطورت الرواية الفلسطينية واستفادت من تجارب السابقين، ومما حققه هذا النوع الأدبي من انتعاش في العالم العربي والغربي على حد سواء، وبالتالي لم يعد التعامل مع فن الرواية كما كان عليه من قبل، فقد شهد العالم تطورا لافتا في مجال التنظير، وزوِّد الدارس والناقد بوسائل وآليات تتيح له التأويل والتحليل، دون أن يعني ذلك اعتبار هذه النظريات مرجعا مقدسا، فلكل كاتب همومه وأسلوبه ولغته ولكل شعب همومه ومشاغله التي تملي عليه طريقة التعبير، وبالتالي طريقة التأويل. يدعونا إدوارد سعيد إلى قراءة ما هو خارج النص، أي قراءة ما يغيب عن النص المكتوب. وهي العملية الأهم، برأيي، في مسار التأويل، وإلا كانت الكلمة في النص لا تحمل أكثر من معناها المعجمي المباشر. تتقاطع هذه الدعوة وتتلاقى مع ما تسعى إليه السيميائية والتأويلية اللتان تبحثان عن المعاني والمقاصد التي يخفيها المؤلف في ثنايا نصوصه. وبالرغم من أهمية هذا الجانب فإن هناك جوانب أخرى لم يعد بالإمكان تحاشيها أثناء معالجة نص أدبي ما حتى تكون عملية التأويل ناضجة فلا تتحول "الدراسة" إلى موضوع إنشائي يشيد بالمؤلَّف أو يذمّه. من هنا نرى إلى أهمية معاينة عملية صناعة النص وطريقة بنائه، وتبيان أهم التقنيّات التي يوظفها الكاتب ودورها في تشييد الجسد الروائي. لم يتوقّف النقاش حول كيفية معالجة النصوص الأدبية منذ زمن بعيد، فهو كان وسيظل الموضوع الأكثر أهمية. يقوم العمل الأدبي على طرح أفكار الأديب بصورة فنّية وبلغة أدبية لها ميزاتها حتى يكون لها وقع أكبر على المتلقّي، تماما مثل فعل الرسم والنحت والموسيقى في النفس والروح والوجدان، لكنّ اللافت، وهذا الأهم، أن النقاش اليوم لا ينحصر في علاقة الشكل بالمضمون في عرضه التقليدي لأنّ التقنيّات الحديثة، التي يوظّفها الروائيون ومساهمتها في تهشيم الزمن وتفتيته واعتماد تيار الوعي والفانتازيا والعجائبية، تعمل كلها على تطوير السرد بصورة جذريّة. وبالتالي فإن دراسة اللغة باتت هي الأخرى مغايرة عما كانت عليه من قبل، وأكثر عمقا وأكثر تشعُّبا، لأنها أحد العوامل الهامة في تحديد هوية الكتابة. لقد اهتم الباحثون التقليديون بالمضمون وبكاتبه وسيرة حياته أكثر من اهتمامهم بالشكل، وكان الروائيون في الغرب، قبل الشرق، يسعون إلى إيصال الرسالة (message) إلى القرّاء من أجل تقويم النفوس. شكّل ظهور المدرسة الشكلانية الروسية تحوُّلا لافتا في النظر إلى الرواية وشكلها، وعزّزت البنيوية هذا الدور وطوّرته وجعلت صورة العمل ومبناه الفنيّ النقطة الأهم، ونظرتْ إلى النص من الداخل تستجلي مكامن القوة والضعف. ثم جاءت نظريات ما بعد البنيوية ونحت مناحي جديدة، فدمجت ما بين الخارج والداخل واهتمت بالقارئ ودوره في تحليل الرواية وتأويلها وفكِّ رموزها وإشاراتها ودلالاتها معتبرة أنّ لكل عمل خالقا يعطي نصا، وقارئا متمرّسا يعمل على تأويله. يرى أصحاب نظرية التلقي أن هناك دورا هاما للقارئ، ويرون فيه شريكا فاعلا في عملية الإبداع، وليس مجرد مستقبِل سلبي، فهو يكمل دور المؤلف، من خلال ذوقه وخبرته، في رؤية أمور لم يكشفها المؤلِّف أثناء عملية الكتابة. يقول وولفجانج إيزر، أحد أهم أصحاب نظرية التلقي، إن الكاتب يخلُق نصا فنيا، ثم يأتي القارئ ليقوم بدوره في الكشف عن جماليات النص، من خلال ما أَطلَق عليه عملية سد الفجوات. هذا يعني أن عملية التفاعل بين القارئ والنص تحدث عندما تبدأ عملية القراءة، فتتكشّف أسرار النص. وكي يكون التحليل أكثر عمقا ودقة فقد نادى إيزر بتعدد القراءات. أما أمبرتو إيكو فقد كان أكثر وضوحا في تحديد هُويّة القارئ الأدبية، إذ قال إن على هذا القارئ أن يكون قارئا نموذجيا، وصاحب كفاءة ومهارة. وإذا لم يكن ذا كفاءة عالية فإنه سيأخذ نصا أبيض ويتركه أبيض كما هو. أما القارئ النموذجي، أو السوبر كما يسميه ريفاتير، فهو القادر على فك شيفرات النص من خلال القراءة الأولى والثانية التي أسماها إيكو "قراءة ما وراء النص". ولن يقوم بذلك، وفق رؤيته، إلا قارئ موسوعي المعرفة حتى تكتمل عملية التفاعل بين القارئ والنص. إن التوازي بين قدرة الكاتب والقارئ أمر لا غنى عنه، وأي خلل فيه سيحدث خللا في النص. فعلى الكاتب أن يتزوّد بثقافة واسعة من مصادر عدة، كالروايات والنظريات الأدبية وكتب الفلسفة والتاريخ والتراث والميثولوجيا لكي يبدع أدبا مميَّزا وجديدا وغير تقليدي، وعليه أن يعرف كيف يوظّف هذا الرصيد في النص، وإلا كان المنتوج ضعيفا خاليا من التناص والإحالات، غير مؤثَّث بثقافة وفكر عميقين، وبمبنى فني متين. تقوم نظرية جمالية التلقي على محاورة النص وتأويله من الداخل اعتمادا على ثلاث وحدات؛ الفهم، التفسير والتطبيق. إن عملية الفهم تستدعي ذوقا راقيا، وهي ميزة هامة جدا، برأينا، وقابلة للتطوير بفعل القراءة والممارسة، ولكن إذا لم يتزود القارئ/ الدارس بالأدوات والآليات التي توفرها له النظريات الأدبية والفلسفية، خلال عملية الدراسة والتحليل للمنتج الأدبي واكتفى بالذوق فسينتج عن ذلك دراسة سطحية تعتمد على العواطف وعلى الترصيع اللغوي والزركشات دون الدخول في صلب الموضوع، ودون الكشف عن العلاقات التي تربط عناصر الخطاب الروائي ببعضها. ونضيف أنّ هناك ثلاث سلطات متآلفة هي سلطة المؤلِّف والنص والقارئ، بحيث لا يمكن إهمال أي ركن من هذه الأركان الثلاثة. وأن التركيز على المؤلف ودوره بمعزل عن الركنين الآخرين قد ولى منذ زمن، وأن الاكتفاء بثنائية الكاتب النص قد ولت هي الأخرى، وأن الدعوة إلى تغليب سلطة القارئ على سلطة الكاتب، برأينا، وبرأي كثيرين، لا تفي بالغرض. تؤمن السيميولوجيا التأويلية أنه لا يمكن إهمال دور المؤلِّف إذ تقوم "الشعرية" (البويطيقا) على قطبين يجمعهما النص؛ القطب الفني (نص المؤلِّف) والقطب الجمالي (نص المتلقي)، والمؤلف يعيش في مجتمع له ظروفه وبيئته فيتأثّر بها، وهو يكتب ليؤثِّر في هذه البيئة التي يعيش فيها. علينا البحث عن مركبات النص والخوض في مبنى اللغة ودلالاتها ورموزها التي تميز هذا العمل عن غيره، وعن شبكة العلاقات بين النصوص وعن تمايزها عن بعضها البعض، فلكل كاتب هويته الأدبية. ننطلق في تأويلنا للنصوص من مقولة للمنظر أمبرتو إيكو: "إنه لمن الأهمية بمكان أن يدرس المرء كيف يُصنع النص وكيف ينبغي أن تكون كل قراءة له إبانةً محضة عن مسار تكوين بنيته... على أنني أظن أن ما يوازي ذلك أهمية أن يدرس الناقد كيف يُقرأ النص بعد أن يصنع". كما نؤمن أنّ هناك ما قبل الكتابة وما بعدها، فما قبلها هو رؤية الكاتب إلى الحياة (الفكر الأيديولوجي)، وما بعدها هو الصياغة، وهما في النهاية كلٌّ متصل مترابط يكوّنان جسد النص. إن التأويل هو ملء البياض والفراغات، وبحث في خبايا النص وفي ما يقال، وفي ما لا يقال، إذ حين يقول أحدهم جملة ما فإنه يضمر جملة أو قولا أو فكرة قد يتلقّفها مؤوِّل ما ويتلقّف غيرَها مؤوّل آخر. وتقع على المؤوِّل مهمّة البحث عن القرائن التي تثبت صدق ما ذهب إليه، وألا يكتفي بالممكن بل بالأكثر احتمالا حتى لا يكون التأويل مجرد تخمين. يتطلب ذلك منه تعقّب النص وما يحمله من إشارات ودلالات، ومتابعة اللغة ومستوياتها من خلال السرد والوصف والحوار، ومعاينة العنوان وعلاقته بالمضمون. إن ما يجمع بين المؤلّف والقارئ/الناقد هو النص، فالأول ينتجه فنيا، والثاني ينتجه جماليا، كما ذكرنا أعلاه، يعمل الأول على تضمين مؤلَّفه أفكارَه ورؤيتَه التي تنعكس أيضا على المبنى الفني، ثم يقوم الناقد بعملية تأويل المُنتج اعتمادا على ثقافته ومعارفه، وعلى ميوله الفكرية. إنّ الروائي، أيَّ روائي، ليس محايدا من ناحية أيديولوجية، حتى وإن نجح في أن يكون محايدا فنيا، وتقع عليه مهمّة إبراز صراع الأيديولوجيات، دون أن يعني ذلك أنه يقبل بها جميعها. يتعلّق نجاح الروائي بمدى قدرته على "التحايل" الفنّي وإتقان "لعبة الإيهام بالواقع"، هروبا من المباشرة، فلا يتكشّف موقفه، ولا تتعرى أيديولوجيته، وذلك عبر توظيف وسائل فنيّة وتقنيّات تجعل النص أقرب إلى التخييل منه إلى الواقع، مهما كان هذا الواقع صعبا أو مؤلما. نعود للتأكيد، كما في دراساتنا السابقة، على أن اللغة هي الأداة التي نعبّر بواسطتها عن أفكارنا، وأنّ شرط الدخول إلى عالم الأدب مرهون باللغة الغنيّة، التي يجيد الكاتب التلاعب بها، بعد أن يتحكّم بها وبأصولها ونحوها، بحيث تسعفه على خلق عوالم متعددة، متناقضة ومتحاورة، فتتماوج وتتمازج وتتحاور لتبتعد عن الرتابة والمباشرة، كي تلوّن عالم النص، كما تُلوِّن الأزهارُ الطبيعة بشتى صنوف الورد والشوك والشجر. فالحياة لا تقتصر على صنف واحد، إذ فيها اجتماع المتناقضات من حزن وفرح، وقبح وجمال، وفشل ونجاح. والرواية تشتمل، فيما تشتمل، على شخصيات متعددة وأماكن متنوعة، وتمزج بين الواقع والتخييل والفانتازيا، وتقع على عاتق اللغة مهمة كشف هذا التنوّع. -3- نخلص إلى القول بوجوب توفُّر ثلاثة أسس رئيسية وهامة قبل القيام بعملية التأويل: أولا تعرّف القارئ بعمق على النص؛ شكله، مضمونه، دلالاته، مركباته ومكوّنات هويته الفكرية والأدبية. ثانيا تزوُّد الناقد/المتلقي بثقافة واسعة في مجالات عدة فكرية وفلسفية واجتماعية ونفسية، والاطلاع على إنتاجات أخرى من نفس النوع الأدبي، لأن ذلك يساهم في عملية الربط ما بين هذه الإنتاجات ودوافع خلقها، ومكانها بين الإبداعات الأخرى السابقة والمتزامنة، وأحيانا اللاحقة. أما العمدة الثالثة فهي المعرفة النظرية التي تساعد الناقد/ المتلقي على تأويل النص تأويلا منهجيا بعيدا عن العفوية والاعتباطية، فمن شأن التنظيرات أن تساهم في تنظيم الدراسة وتنسيقها ودعمها بأسس متينة قائمة على التجربة، وهي تزوّد الناقد بآليات تأويلية تساهم في فك شيفرات النص، خاصة وأن النصوص الحداثية تعتمد على أساليب جديدة وقديمة تتناغم معا وتتقاطع وتتشاكل. هذه الأسس الثلاثة تسعف المتلقي في فهم دلالات النص ومركّباته، فلا يحمّله أكثر من طاقته، من ناحية، ولا يحدّ من انفتاحه وتشظّيه وفك شيفرات النص وتحويله إلى متلقين آخرين، من ناحية أخرى. إن المتتبّع للرواية العربية الفلسطينية يرى بوضوح أنها في سيرورة وفي صيرورة شأنها شأن الرواية العربية عامة وشأن الرواية العالمية، وأنها تجاري العصر من حيث الموضوع والشكل، وأنها في تحرّك دائم بحثا عن الجديد إذ يسعى الروائيون بشكل دؤوب لخوض غمار التجريب والتجديد. ولقد لفت النظر أن بعض الروايات تتناول الصراع العربي اليهودي من جوانب اجتماعية وفلسفية تبيّن اختلاف الرؤى في أمور حياتية يومية، كالصراعات التي تدور بين الطلاب في الجامعات وفي أماكن العمل المختلفة، وهو موضوع هام يستحق دراسة منفردة. كما أننا نشهد اليوم اتساعَ عالم الرواية الفلسطينية بحيث بتنا نرى مواضيع اجتماعية كالقضايا النسوية وما تعانيه المرأة من عنف جسدي وكلامي، ولاحظنا التفاتا حييّا نحو قضيّة المُقعد جسديا وما يعانيه نفسيا من "عنف العين" والإشفاق. كل هذه المواضيع وغيرها تفرض اعتماد آليات وتقنيّات حديثة تجاري الموضوع وتذهب بالنص باتجاه التخييل بعيدا عن مشاكلة الواقع وتتطلب لغة تتلاءم مع مثل هذه المضامين وتتناغم معها. يفتح هذا الكتاب أكثر من كوة على الإنتاج الروائي العربي الفلسطيني، فقد بتنا نرى، في الآونة الأخيرة إقبالا أوسع وأعمق على متابعة هذه الإبداعات، سيما وأنها في تزايد كمّي ونوعيّ، بعد أن تخلّفت عن ركب الشعر الفلسطيني حقبة من الزمن، ولكنها في تزايد مطّرد منذ أن وصلت مرحلة النضوج. يضاف هذا الكتاب إلى كتبنا ودراساتنا السابقة التي تسعى معا في محاولة بناء رؤية توضح تحوّلات السرد الروائي العربي الفلسطيني في العقود الأخيرة. لذلك عمدنا إلى كتابة ثلاث دراسات تستهل هذا الكتاب؛ "الرواية الفلسطينية- مرحلة النضوج"، "الرواية الفلسطينية – النكبة وصدمة جيلي الطفولة والشيخوخة"، "اللغة والمكان والزمان في الرواية العربية الفلسطينية". تهدف هذه الدراسات إلى تزويد القارئ ببعض المعلومات الهامة حول الرواية العربية الفلسطينية الحديثة عبر التوقّف، بإيجاز، عند محطات هامة في مسيرتها، وتبيان ما يميّز هذا الإبداع عن غيره من الروايات العربية، وعلاقتها بأهم الأحداث التاريخية، وبالذات انعكاس النكبة على مجريات أحداث العديد من هذه الروايات، واحتفاء الرواية بالفضاء الفلسطيني، وتعريف القارئ على خصوصيات اللغة والمكان والزمان في الرواية العربية الفلسطينية. يدرك المرء بعد الاطلاع على عدد لا بأس به من الروايات العربية الفلسطينية خاصة والعربية عامة سيرورة الرواية الحديثة وصيرورتها، ويعي دور الرياديين في اقتحام عالم جديد لم يكن سهلا عليهم، في حينه، ولوجُه والخوض فيه. لولا هذه الجرأة، ولولا هذه المغامرات، ولولا تلك الإرهاصات الأولى، ولولا دور المترجمين الذين نقلوا إلى العربية أهم الروايات من الروسية والفرنسية والإنجليزية لما وصلت الرواية العربية إلى ما وصلت إليه اليوم. قد يتفاجأ بعض القراء حين نشير إلى دور المترجمين الفلسطينيين الذين غُيّب فترة طويلة من الزمن حتى كشفت بعض الروايات وبعض القصص والدراسات عن دورهم، بل إننا لنؤكّد أن هناك بعض المساهمين الفلسطينيين الذين غبنتهم الدراسات مثل دور مدير السيمينار الروسي الأستاذ أنطون بلان المولود في حمص، الذي تزوج وبنى عائلة في الناصرة، وقام بترجمة بعض الأعمال عن الروسية إلى العربية مباشرة، وهو الأستاذ الذي تفاجأتُ به حين ورد اسمه في كتاب "سبعون" للأديب ميخائيل نعيمة، وقد قرأته قبل حوالي أربعة عقود، يقول مفتخرا إنه تتلمذ على يدي أنطون بلان في السيمنار الروسي في الناصرة. جعلَنا ذلك نقدّر عاليا دور هؤلاء الرياديين ودور الباحثين الفلسطينيين والعرب الذين وثّقوا لهذه المسيرة وبيّنوا، من خلال دراساتهم، ما واجهته الرواية الفلسطينية الحديثة من صعوبات، وكشفت عن علاقاتها بالبيئة وبأهم الأحداث التي أهملها التاريخ. نرى لزاما أن يعود الباحثون إلى تلك الحقبة المغيَّبة من الزمن، والحفر في تربتها وتقليم أغصانها وريّ جذورها لتتكشّف أفضال أولئك الرواد. إذ بدون تلك الدراسات لن تكتمل صورة المسيرة الروائية الفلسطينية التي تتشابه في إرهاصاتها وبداياتها مع نشأة الرواية وتطورها في كل من مصر وبلاد الشام.
#رياض_كامل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الرواية الفلسطينية- أهم مواضيعها وكيفية تلقيها
-
الذاكرة والتخييل في رواية -عين الزيتون-
-
محاورة النص الروائي- قراءة في رواية -الساعات الأخيرة للشيطان
...
-
تركي عامر شاعر ينام ملء جفونه ويهيم ملء جنونه
-
حوار مع الشاعر الفلسطيني المرحوم جريس دبيات
-
قراءة في سردية رواية -لتكن مشيئتك-
-
الذائقة الأدبية بين الثابت والمتحول- قراءة في ديوان -أجراس ع
...
-
الرواية الفلسطينية- النكبة وصدمة جيلي الطفولة والشيخوخة
-
-تذكرتان إلى صفورية- النكبة، التشتت والهوية
-
حوار أدبي وفكري مع الروائي حيدر حيدر
-
اللغة، المكان والزمان في الرواية العربية الفلسطينية
-
شعرية القصة القصيرة جدا في -عزف على نشاز-
-
الرواية الفلسطينية- مرحلة النضوج
-
قراءة تأويلية: الواقع، التأريخ والتخييل في رواية -بدلة إنجلي
...
-
-عودة جفرا- صوت التمرد رغم المعاناة
-
الكتابة بين الفعل ورد الفعل- -أنف ليلى مراد- أنموذجا
-
-الجنة المقفلة-، إنعاش الذاكرة وتثويرها
-
خطاب جريس دبيات الشعري
-
الطيور تعود إلى أعشاشها والكتابة المغايرة
-
تجليات الذات بين الحماسة والاتزان
المزيد.....
-
في ذكرى أنجيلا كارتر: -شهرزاد- التي ضاعت في الطريق إلينا
-
قبل عرض -حمدية - هيئة الإعلام تناقش المحددات الفنية والمهنية
...
-
الفيلم الكوري -حتى لو اختفى هذا الحب من العالم الليلة-.. الق
...
-
فنانون عالميون يقفون مع ألبانيزي: نرفض الضغط على من يكشف إبا
...
-
جلود فاخرة وألوان جريئة.. هيفاء وهبي تتألق في كليبها الجديد
...
-
بسبب غزة.. القضاء الإيرلندي يبدأ محاكمة فنانة عطلت طائرات أم
...
-
-للدفاع عن صورة المكسيك-.. سلمى حايك تنتج فيلما سينمائيا
-
لوحة فنية للشاعر السياب بريشة الفنان سلام جبار
-
برليناله يشعل نقاشا عالمياً حول دور الفنانين في السياسة
-
المثقفون في الثقب الأسود بسبب فضيحة إبستين
المزيد.....
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|