أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض كامل - الذاكرة والتخييل في رواية -عين الزيتون-















المزيد.....



الذاكرة والتخييل في رواية -عين الزيتون-


رياض كامل

الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 18:13
المحور: الادب والفن
    


الذاكرة والتخييل في رواية "عين الزيتون".

مقدمة - أصل الحكاية
كتب المؤرخون والباحثون الكثير عن النكبة في مجالات عدة، وما زالوا يعاينون ويتفحّصون ويدرسون حيثيّاتها وأبعادها ومسبّباتها ونتائجها، نظرا لما لها من تأثير وأثر لم يقتصر على ذلك الجيل الذي مرّ النكبة وجرّبها، بل تعدّاه ليطال الأجيال اللاحقة. يهدف بعضهم إلى توريث الذاكرة وإثبات مصداقية رؤيتهم وترسيخها، ويسعى أخرون إلى محاورة الآخر وتفنيد سرديّته من خلال ما يأتي به من حجج وبراهين. ولكنّ الروائيين والشعراء والأدباء عامّة، لا يكتفون بما ترويه كتب المؤرخين والدارسين، فسطّروا دواوين شعر ومجموعات قصصية وروايات عديدة تتناول النكبة من زوايا مختلفة وفي أزمان وأماكن مختلفة.
يعود الروائي محمد علي طه في روايته "عين الزيتون" (2025) إلى الجذور؛ إلى نقطة البداية مع حلول النكبة، ويطرحها بديلا للسرديّة التاريخيّة والأبحاث الاجتماعيّة والنفسيّة، مؤمنا أنها ندٌّ لها وأكثر تأثيرا في النفس. عمد، من أجل تحقيق ذلك، إلى اختيار فارس، الشخصيّة المركزية، راويا رئيسيّا للأحداث يسردها عبر ضمير المتكلِّم والرؤية الداخلية، كشاهد عاش النكبة وذاق مرّها، فحفرت في قلبه وفي وجدانه جروحا لا تندمل وندوبا عميقة في النفس، رغم ما مر عليها من زمن
لا يمكننا النظر إلى فارس، الشخصيّة المركزيّة، إلا باعتباره دلالة تشير إلى الفلسطينيّ الشاهد على ما كان، ولا النظر إلى قرية عين الزيتون، إلا كدلالة تشير إلى كل قرية عربيّة فلسطينيّة ذاقت طعم النكبة واضطُرّ أهلها إلى تركها والهروب منها خوفا من موت حتميّ بعد أن تكشّفت لأهلها مذابح أودت ببعض أهلها وأهل قرى أخرى.
إن عين الزيتون قرية ليست أكثر أهمية من حيفا ويافا والقدس، ولا أكثر شهرة، لكنها ليست أقل أهميّة من تلك المدن المركزيّة، خاصّة وأنّ غالبيّة سكان فلسطين كانوا من أهل القرى الذين يعتمدون على الأرض مصدرا رئيسيّا لكسب رزقهم ولقمة عيشهم، ولذلك ليس صدفة أن يُمهّد الروائي، عبر الراوي الرئيسي، للأحداث بسرد يبيّن من خلاله ما كان قبل وقوع النكبة، حيث تعيش العائلة في قرية عين الزيتون حياة هادئة وادعة، تزرع الأرض وتقوم بتربية المواشي التي تضمن لأبنائها حياة هانئة ووقتا لسماع الحكايات التي تزرع البسمة وتنشر الفرح على الوجوه، رغم هموم الحياة ومشقّاتها.
كُتب الكثير عن فضاء فلسطين، سواء كان قرية، مدينة أم مخيما. يعود محمد علي طه في جل ما كتب إلى القرية وما عليها من بشر وحجر وتراب وشجر ودوابّ، فتراه يعطي المواقع والدوابّ أسماء وكنايات وألقابا، ويتعامل معها كأسماء أعلام لتقريبها من القارئ، كما هي قريبة منه ومن شخصيات رواياته وقصصه. لا نستطيع الحديث عن القرية في إبداعه إلا من خلال ربطها بما هو أوسع وأشمل؛ فالأرض هي الجذر والهوية والانتماء وهي، لا غيرها، "أصل الحكاية".
كل رواية عبارة عن بِنية، عمدتها مجموعة من العناصر، تبرز بعضها أكثر وبعضها أقل. وهناك دائما قصة محوريّة تُروى وتُسرد بطرق مختلفة. سيكون حوارنا مع رواية عين الزيتون من خلال الشخصية المركزية، والمنظور الروائي/ زاوية الرؤية، والوصف، والعلاقة بين التوثيق والتخييل.
تؤمن هذه الدراسة بالعلاقة الوثيقة التي تجمع بين بِنية العمل ودلالاتها الوظيفيّة، وترى أن العمل الإبداعي غير مفصول عن الذات المنتِجة، ولا عن التاريخ والبنية الاجتماعيّة والاقتصاديّة للمجتمع الذي يعيش في ظلّ ظروف معيشيّة وبيئيّة محدّدة. فالبنية ترتبط برباط وثيق بهذه العناصر كلّها وفق الزمان والمكان. فكيف تجلى ذلك في رواية "عين الزيتون"؟

تمهيد - صدمة النكبة
يبدو لي أنّ الأديب محمد علي طه ما زال، رغم مرور السنين، يعيش صدمة النّكبة، وتعيش فيه. لقد كتب، سابقا، عدّة قصص مستمدّة منها، ونشر جزءا من سيرته الذاتية في كتابه "نوم الغِزلان" (2017) يتناول، في جزء منه، تشرّده طفلا مع أهله، وأصدر روايته الأولى "سيرة بني بلوط" (2004) المستمدّة من ثورة القسام، والثانية، "نوار العلت" (2021) التي تصوّر حياة العربي وصراعاته داخل دولة إسرائيل.
لا يكتب الروائي تاريخا ولكنّه لا يدير له ظهره، وهو لا ينسخ الواقع كما هو، لكنّه لا يدير له ظهره أيضا؛ إنه يستمدّ نواة عمله من الواقع ومن الذاكرة، ويعمد إلى التخييل الذي يتيح له توظيف تقنيّات ووسائل فنيّة ليبتعد العمل عن المحاكاة وعن نسخ الواقع كما هو.
لا تقتصر "النكبة" على ما حدث في فلسطين سنة 1948، ولا فيما جرى من هجرة وتهجير معظم سكانها في ذلك الحدث الكبير، بل إنها امتدّت لتطال ما تمخّض عنها من مصاعب ومآسٍ نالت من الأجداد والأبناء والأحفاد، بعد أن فقد الناس أرضهم، مصدر عيشهم المركزيّ، وباتوا يشعرون بالغربة والضياع، حتى وإن بقي بعضهم فوق أرضهم. لقد ولّدت النكبة صدمة نفسيّة ملازمة لمن هُجِّر ولمن هُدِّمت قريته وأجبر على ترك بلده ورفاقه ومكان طفولته وصباه وشبابه. إنها معاناة نفسيّة ترافق من جرّب هذه المأساة بكل تفاصيلها فورّثها لمن جاء من بعده كما تورّث الأرض؛ لقد أثبتت النكبة أنّ الذاكرة قابلة للتوريث بقدر ما فيها من أسى ووجع وفقْد. لقد واكب الكاتب الفلسطيني ما حدث للمهجّرين من أبناء شعبه في شتّى أماكن تواجدهم؛ داخل فلسطين، وفي الشتات العربي، وفي دول أجنبية متعدّدة، وقام بتصوير معاناتهم وتجاربهم وغربتهم بعيدا عن الوطن الأم.
ينتمي محمد علي طه إلى الجيل الأوّل للمهجّرين، وقد مرّ التجربة بكامل تفاصيلها، فلازمه همُّها حتى ليبدوَ لقارئ إنتاجه أنّه يسعى إلى إكمال الدائرة، وأنّه مهما كتب فإنّ هناك الكثيرَ مما يجب أن يقال. تولد رواية "عين الزيتون" من ذاكرة النكبة ومن صميم التجربة. تتمحور أحداثها حول حكاية فارس وعائلته وما جرى لقريتهم، عين الزيتون، الواقعة قريبا من مدينة صفد، لتثبت أن الزمن غير قادر على محو ما انغرس عميقا في الوجدان حين تكون الصدمة حادة وقاسية تُفقد الإنسان أمنه وأمانه وأرضه، مصدر رزقه ومعاشه.
من تبعات هذه النكبة، كما تكشف الرواية، هو فقدان المكان بكل ما يحمله من معانٍ، حيث الأهل والأصدقاء والأتراب، وحيث الأزقّة والحارات والبيوت، وحيث الذاكرة والذكريات، ليحلّ بدله حاضر مؤلم مأساويّ، ووجع عميق، واشتياق وحنين إلى ما كان من أُلْفة. تأتي النكبة لتسرق المكان وتصادر الماضي إلا أنها تفشل في محو الذاكرة.
لا تتغيا هذه المقالة دراسة العنوان، لكن لا بأس من الإشارة إلى أهمية المفردتين، عين، وزيتون، وما تحملان من معاني الحياة، حيث الماء والطعام أهم مصدرين للجسد والروح. ضاعت قرية "عين الزيتون"، وتفرّق أهلها وتبعثروا دون أن يعرف فارس ما حلّ بأهله إلا بعد مدة من الزمن، لكنّه يعرف أنّ عليه أن يحصل على ورقة تُسمّى "هويّة زرقاء" تكفل له البقاء في الوطن وحيدا دون عائلته، ودون أن تضمن له السكنى في قريته أو في بيته. وكان مجرّد تحقيق ذلك، بالنسبة له، الحلْمَ الأكبر؛ إنها قمّة المفارقة المأساويّة: الصراع من أجل البقاء فيما كان على مرّ التاريخ بلدك وبيتك وأرضك. إنها رواية الفلسطيني الباقي فوق تراب أرضه، وما يعانيه من تبعات ذلك الحدث الكبير، الذي غيّر كل الموازين وبدّل كل المعادلات، وخلق واقعا جديدا ما انفك يتواجه الفلسطيني معه وفق ظروف جديدة.

الشخصية المركزية
ميّز بعض المنظّرين، وعلى رأسهم إدوين موير، بين "رواية الشخصية" و"رواية الحدث" وذلك منوط بالعنصر الأكثر بروزا في تحريك مسار الرواية نفسها. وهو أمر ليس دقيقا برأيي، رغم أهميته، لأنّ العلاقة بين الحدث والشخصيّة والمكان والزمان هي علاقة عضوية متينة يُكمل أحدها الآخر، بحيث لا يمكن فصلها عن بعضهما البعض، "وذلك أنّه ليس هناك شخصية خارج الحدث كما أنه ليس هناك حدث بمعزل عن الشخصية". (بحراوي، ص218) وليس هناك حدث أو شخصيّات خارج إطار الزمان والمكان.
ولو سلّمنا جدلا بقبول هذه الرؤية، رؤية إدوين موير، لقلنا إنّ رواية "عين الزيتون"، رغم تسميتها المكانية، تنتمي إلى "رواية الشخصية"، حيث تبرز فيها شخصية فارس ابن قرية عين الزيتون بشكل لافت؛ فهو الذي يحرّك الأحداث، وهو الذي يعرضها كراوٍ مشارك، ينظّم السّرد مقدّما بعضه ومؤخّرا بعضه الآخر، منذ الفصل الثاني وحتى الفصل الثالث عشر، الفصل قبل الأخير. ولكن، منعا للبلبلة، وإمعانا في الدقّة، نؤكّد على أنّ الرابط بين المكان والشخصية المركزية في هذه الرواية بالذات، لهو رباط وثيق جدا. فإن كان فارس هو المحرّك لكل الأحداث، إلا أنّ تحرّكاته هي تحرّكات مكانية، وأنّ همومه نابعة من خسارته للمكان، وما سعيه للبقاء إلا لتعلّقه بالمكان.
لا نضيف شيئا حين نقول إنّ الشخصيّة الروائية هي شخصية متخيَّلة، وليست واقعية، لكننا نرى أنّ هناك شخصيات أكثر قربا من الخيال، وأخرى قريبة جدا من الواقع، بحيث يشعر القارئ أنّه يتواجه مع شخصية من لحم ودم، وأنّها تعيش وتتنفّس وتتحدّث كما لو أنها واقعيّة. إن شخصيات رواية "عين الزيتون" من النوع الثاني المألوف للمتلقّي العربي الفلسطيني، من خلال الروايات الشفويّة التي اعتدنا أن نسمعها من الجيل السابق، جيل النكبة. وهي في ذاكرة الفلسطينيّ شخصياتٌ قرويّة تعمل في الزراعة والفِلاحة وقطف الزيتون ورعاية المواشي، بيوتها لها مبنى مألوف، حيث الديوان الذي يستقبل الضيوف، وحيث الحظيرة التي تأوي إليها المواشي عند عودتها مساء يقودها الراعي وكلبه. وهي التي ثبّتتها القصص المكتوبة والحكايات الشفويّة التي تروي قصص "الأبطال" الذين لا يخافون العتمة ولا اللصوص، وينبرون للدفاع عن القرية عندما تتعرض للنهب والسرقة.
يرى كثير من المنظرين أنّ الشخصيّة تتكشّف للقارئ فيتعرّف إليها من خلال ما تقوم به من أعمال وتصرّفات، ومما يصدر عنها من أقوال، وممّا تقوله عنها بقية الشخصيات. وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بالمكان والزمان. يتعرّف المتلقي على فارس، الشخصية المركزية منذ بداية تفتّح وعيه؛ يعيش في بيت قرويّ، وله عائلة ميسورة الحال لا ينقصها أيّ شيء من متطلبات العيش الكريم وفق مفاهيم وظروف تلك الأيام. يملك والده قطيعا من الماشية ويعمل عندهم راع مخلص يقوم بدوره على أكمل وجه فيجد لقاء ذلك تقديرا من الوالد الذي يكرم عليه بالهدايا والعطايا، ويسلّمه راتبه حلالا زلالا في موعده دون تأخير. يكبر الفتى، فارس، في هذه الأجواء، ويدخل في تجارب تشبه كثيرا تجارب أبناء القرية المراهقين في تلك الأيام، ويتحلّى بمواصفات تدلّ على انتمائه القرويّ الأصيل، التي يحرص الروائي على ترسيخها في ذهن القارئ؛ فتًى معتدّ بنفسه وبوالده الكريم المعطاء إلى أن انقلبت الأحوال رأسا على عقب، بصورة مفاجئة لم يتوقّعها فارس ولا أهله ولا أبناء بلدته، ويتحوّل من ابن أحد مالكي الأرض والمواشي إلى مهجّر في بلاده يبحث عن حلّ لمعضلته المفاجئة.
لكل شخصية روائية مواصفات تميّزها عن غيرها، منها المواصفات الشكلية الخارجية، وأخرى النفسية، وهناك الجانب الاجتماعي. وللحقيقة فإن المتلقّي يتعرّف، منذ بداية سرد الأحداث، على الجانب الاجتماعي من شخصية فارس، وعلى بيئته وعائلته وانتمائه القرويّ الفلاحيّ، ويطّلع على قدرته على التحمّل والمواجهة، وعلى الألم النفسي الذي يعاني منه بسبب ما حل به، ولكنّه لا يرسم له في مخيلته صورة خارجية إلا ما يوحي بأنه رجل جذّاب ويتحلّى بقوّة جسدية لا بأس بها، لأن الرواية تعنى بالتجربة الإنسانية للفلسطيني الذي عاش تجربة النكبة منذ بدايتها، وجرّب تبعاتها على مدار عقود سبعة وأكثر، ولذا فكلّ معلومة تتعلّق بالبيئة الاجتماعية أو بالصورة الخارجية كانت تهدف إلى خدمة الجانب النفسي للشخصية الرئيسية.
وبما أنّ فارس ابن قرية "عين الزيتون" الفلسطينية التي اضطُرّ أهلها أن يهربوا خوفا على حياتهم، فإنّه يصبح في هذه الحالة مثالا للفلسطيني الذي داهمته النكبة وخسر أهلّه الذين فرّوا لينجوا بأنفسهم فيما بقي هو في فلسطين وحيدا يصارع من أجل البقاء، يتشرّد داخلها حتى نجح في الحصول على هويّة إسرائيليّة زرقاء تغيّرَ فيها اسم عائلته واستُبدل اسم المكان الذي وُلد فيه وانتمى إليه، باسم بلدة أخرى احتضنه أهلها، فيما يتواصل مع أهله عبر الرسائل.
اختار المهجَّرون أن يولّوا وجوههم ومسارهم نحو الشرق والشمال، حيث الدول العربية، لكن فارس يختار، رغم كونه فتا غرّا يبلغ من العمر خمس عشرة سنة، أن يسير غربا وألّا يترك الوطن. وبما أنّنا نؤمن بدور المتلقي في تأويل الأحداث، وبأنّ كلّ خطوة يجب أن تكون ذات مرمى معيّن وقابلة للتفسير والتأويل سيميولوجيًا، فإننا نرى أنّ هذه الخطوة ذات دلالة واضحة تشير إلى تفتّح وعي فارس المبكر وإلى عدم التزامه بالواقع الجديد الذي فُرض عليه فرضا من الخارج، وأنه يمثّل الأقليّة التي اتخذت مثل هذا القرار؛ وهو يتماثل في ذلك مع الحقائق التاريخية، حيث هُجِّر معظم سكان فلسطين ولم يبق إلا أقلية منهم.
لم تكن هذه المسيرة الطويلة رحلة ترفيهية، بل هي رحلة تحمل الكثير من الوجع والألم والأسى، وتكشف، بدورها، عن المسار الصعب الذي سار به الفلسطيني الباقي في الداخل، وما تعرّض له من ملاحقات متواصلة تمثّلت في فرض قيود صعبة تنغّص عليه حياته بشكل ممنهَج ومدروس. لقد اضطر فارس أن يتوجّه إلى مختار إحدى القرى الذي يقيم علاقات مشبوهة مع الحاكم العسكري كي يساعده في استصدار الهوية الزرقاء بشروط وقيود مذلّة ومهينة عرضَها أمام فارس بوضوح، دون لف أو دوران، شروط لا يستطيع أن يرفضها في ظل ظروف صعبة وقاسية: "أنا بدي منك تشتغل عندي سنتين، لا سبعة ولا عشرة. ماكل شارب مكسي محذي.. وهوية زرقاء، مثل لون السما.. تحطها في عبك وترتاح.. لا تنام في المغر ولا في الوعر.. لا يكبوك في جنين ولا تقضي عمرك في عتليت". (الرواية، ص98)
يمثّل فارس، كما ذكر أعلاه، الشريحة الفلسطينيّة التي بقيت في الوطن وما تحملته من مشاقّ، في ظلّ واقع جديد ومفاجئ، لم يكن الفلسطيني مهيّأ لاستيعابه واتخاذ خطوات لتفادي ما يحدث، فكان عليه أن يتنازل عن الكثير من الأمور وأن يدوس على كرامته، أحيانا، وأن يعضّ على النواجذ حتى يتمكّن من تحمّل الظروف المستجدّة القاسية، إذ أحلى الخيارات مرٌّ، مقابل البقاء فوق الأرض، فيما تمثّل عائلته تلك الشريحة الأكبر التي اضطرت إلى الهجرة والهرب من الموت.
تنتهي الرواية دون أن تنتهي مأساة فارس وحكايته، وكأنه سيتابع المواجهة اعتمادا على تجربته ليتمكّن من البقاء والثبات والصمود، دون أهله ودون عائلته. وأنّ ما حدث قبل ما ينيف عن سبعة عقود لن تمحى من الذاكرة بفعل تقادم الزمن.

المنظور الروائي/ زاوية النظر
للراوي دور هام جدا في التواصل مع المتلقّي، وهو شخصية خياليّة يبدعها الروائي لتنوب عنه في عملية السرد ونقل الأحداث. وقد ميّز كثيرون بين ثلاثة رؤى رئيسية: الرؤية الخارجية، حيث تسرد الأحداث بضمير الغائب، والرؤية الداخلية، حيث تسرد الأحداث بضمير المتكلّم، والرؤية المتعددة التي يتشارك فيها عدد من الرواة. (للمزيد انظر: كامل، ص 82-87) وللروائي وجهة نظر في الحياة يعمل على إيصالها إلى القراء، "فلا رؤية دون راو ولا راو دون رؤية"، (عزام، ص77) كذلك لا راو دون مرويّ له.
يقوم فارس، الشخصية المركزية في رواية "عين الزيتون"، كما ذكرنا أعلاه، بعملية السرد من منظوره الذاتي، كشخصيّة شاهدة على الأحداث ومشاركةٍ فيها، ويسيطر على نقلها سيطرة شبه تامة، بدءا من الفصل الثاني وحتى الفصل الثالث عشر، الفصل ما قبل الأخير.
يستهلّ الحديث في الفصل الثاني بالتعريف بذاته منذ يوم ولادته وخروجه المتعسّر من رحم أمه، إشارة إلى ما ينتظره من مصاعب وعثرات: "روت لي أمي أنّ الداية نفيسة المتواليّة كانت تنهرها في أثناء المخاض قائلة: "شدّي يا مسخّمة شدّي، شدّي قبل ما ينخنق خلَفك، شدّي أحسن ما تروحي فيها، شدّي". (الرواية، ص25)
يدرك الروائيّ أنّ السرد عبر ضمير المتكلّم، إذا امتدّ على صفحات عدّة قد يحوّله إلى أوتوبيوغرافيا، فعمل على إدخال أصوات أخرى، مثل صوت أمه وصوت نفيسة الداية، ليصبح السرد أكثر مصداقيّة في عين المتلقي. كما يبرز الحوار كتقنيّة مركزية في الرواية لتفادي سيطرة الرؤية المونولوجية الأحادية، كما سنبين لاحقا، فيما أنّ توظيف تقنيّاتُ تيار الوعي مثل المناجاة والذكريات والفلاش باك والأحلام والتداعي والجريان، تفسح المجال للغوص في أعماق النفس لتبوح بالأسى والمعاناة، وكشف أحداث الطرد والتهجير وخطر الموت والفقد والتشرّد والتشرذم:
"لم يبق شيء.
اجتاحوا قريتك.
اغتالوا حصانكم، وهدموا بيتكم، ونهبوا قطيعكم، وأعدموا كلبكم.
فرّقوا بينك وبين أبيك وأمّك وأختك زهرة.. بينك وبين بديعة قمر عين الزيتون.
أنت وحدك يا فارس.. أنت وحدك.
لا إنسان ولا حيوان ولا طير.
الناس يهربون شمالا وشرقا.
والدرب مملوءة بالغيلان.
كان العساكر في صفد يطردون الناس شرقا وشمالا "روخ روخ عند قاوقجي".
واليوم العساكر في الجنوب وفي الشمال.
وأنت وحدك. أنت وحدك. كل ما على الأرض يقول أنت وحدك. السنديان والقندول، الصخور والتراب، الجبال والوديان، بنات آوى والطيور." (الرواية ص45)
يخاطب الفتى، فارس، ذاتّه عبر هذا الحوار الداخليّ المؤلم ويرثي لحاله، بعد أن وجد نفسه وحيدا، وبدون عائلة أو بيت، فيما كان قبل ثلاثة أيام، فقط، بيتنا عامرا تدبّ فيه الحياة. أما الآن فلا أب ولا أم ولا عائلة ولا أصدقاء. فقد اعتدِيَ على البشر والحيوان والشجر والحجر، وتعرّض بعض أهل القرية لمذبحة، فيما هرب الباقون شرقا وشمالا. لم يبق أمام فارس، والقريةُ محاصرةٌ من كل الجهات، سوى الرحيل شرقا أو شمالا واللحاقِ بأهله وأهل قريته، لكنّه، على خلاف المتوقَّع، قرّر أن يتوجّه نحو الغرب، ليبدأ رحلة طويلة من الوجع والمعاناة في الداخل.
إن المونولوج ليس إلا صرخة مدويّة لا يسمع المتلقّي لها صوتا، وصدًى مخنوق وموجع يشعر به المتلقي ويتشارك فيه مع الراوي. يطول الحوار الداخلي وتطول المناجاة والجمل القصيرة المكثّفة، وتتراكم الأفكار وتنثال لتزوّد المتلقي بالكثير من المعلومات. وكي تتسع زاوية الرؤية وتخرج من إطار الذات يلجأ الراوي إلى ضمير المخاطَب وإلى أساليب الحوار المتعددة. وعرض أحداث عدة يتعرّف القارئ، من خلالها، إلى الشخصية الرئيسية بشكل تدريجي؛ يتابعها وهي تتحرّك بين أمكنة عدة، وتخوض تجارب متنوّعة تكشف كلٌّ منها زاوية من زوايا الشخصية، وتزوّد المتلقي بكمّ هائل من المعلومات المهمّة عما حدث مع فارس وأهله وأبناء قريته وما حدث في قرًى ومدن أخرى.
أدرك الروائي ما لهذا الأسلوب الداخلي من دور هام، لكنّه عمل أيضا على توظيف وسائل وتقنيّات فنّيّة كي تنجو الرواية من الرؤية الأحادية العاطفية، وذلك من خلال حوارات الراوي مع شخصيات أخرى، أو من خلال حوارات بين شخصيات متعدّدة، لا سيّما وأنّ السرد عبر ضمير المتكلم والرؤية الداخلية قد يبدو في عين المتلقي ذا رؤية منحازة تسيطر عليها العاطفة.
إن سرد الأحداث وفق تقنيات تيار الوعي وأسلوب الجريان، يتيح للراوي التنقّل بين أمكنة وأزمنة مختلفة، والاطلاع على حكايات متعدّدة منها ما يتعلق بعكا وحيفا، ومنها ما يتعلق بالقرية التي حضر منها، وبالقرى التي مر بها، فكان لكل مكان ميزاته لا الشكلية فحسب بل عاداته وتقاليده وحكاياته، كما سنبين في البند القادم. يتيح ذلك للراوي ومن ثمّ للمتلقّي أن يتنقلا بين الداخل والخارج، لتكتمل الصورة.

ما بين التوثيق والتخييل
ذكرنا أعلاه أن بعض الشخصيات تميل إلى التخييل أكثر من الواقع، وبعضها يميل إلى الواقع أكثر من التخييل، ومن عادة بعض الروائيين أن يختاروا لرواياتهم مدينة شهيرة في زمن بعينه مثل لندن، باريس، برلين، القاهرة، اللاذقية، القدس ويافا، على سبيل المثال. ويلجأ بعضهم إلى خلق مدينة أو مكان ما من الخيال. لقد اختار محمد علي طه قرية عين الزيتون الصغيرة لتكون مكانا رئيسيا لأحداث روايته، وهي قرية، كما ذكرنا، تقع بجوار مدينة صفد الشهيرة، واختار أن يكون ابن هذه القرية، فارس، الشخصية المركزية، راويا للأحداث عبر ضمير المتكلم، حتى بدا وكأنه شخصية حقيقية فيما حُيِّد دور المؤلّف وغُيِّب عن ذهن المتلقي، فبدا المتلقي قريبا من الراوي.
لم يتعامل الروائي مع قرية عين الزيتون كمكان صغير ولم يتوقّف عند شكلها وموقعها الجغرافي إلا للدخول في عمق الشخصية. لقد قام بتصويرها كفضاء، والفضاء أكثر اتساعا من المكان، ما أتاح له أن يدخل في تفاصيل حياة أهلها وعاداتهم ومأكلهم وملبسهم وحكاياتهم وبيئتهم.
يروي فارس ابن عين الزيتون، منذ بداية الرواية تفاصيل حكايته موظِّفا، كما ذكرنا أعلاه، ضمير المتكلم، فاقترب السرد من السيرة الذاتية؛ يحدثنا عن والده وعن قطيع الماعز الذي يقوم الراعي البدويّ، خميس، ابن عشيرة الخرانبة باصطحابه إلى المراعي ورعاية شؤونه بإخلاص شديد جعلت والد فارس يقدّره ويرتاح إليه وينقده أجرته دون تأخير، ويكرم عليه بوجبتين في اليوم مما تأكل العائلة. ولما وصلت أخبار المعارك في طبريا إلى خميس طلب من والد فارس أن يذهب للاطمئنان على عشيرته التي تقطن قريبا منها، يذهب ولا يعود أبدا. من حق القارئ أن يتساءل عن أهمية سرد هذه الحكايات والدخول في تفاصيلها. يعي الروائي أن هذه الحكايات وهذه التفاصيل هي جزء هام من واقع هام عاشه الفلسطيني كبيرا وصغيرا، في زمكانية لها مواصفاتها الخاصة.
يتعرّف القارئ إلى عين الزيتون وإلى صفد والقرى المجاورة مثل الخالصة والعموقة وبيريا، وبعض القرى المهجّرة، وإلى أسماء العشائر البدوية ومواقع سكناها، ويطّلع على حكايات فلاحية وبدوية مأخوذة من الواقع تكشف حياة الناس قبل ال 48؛ علاقة الراعي بالقطيع، علاقة المالك بالراعي، الوضع الاقتصادي المتواضع، البيئة الاجتماعية، حيث يجتمع الفتية ويتبادلون الأحاديث فيما بينهم، يصغون إلى حكاية القُبلة المنتظرة من الراعي لحبيبته، وحكاية السيّدة التي تفرك ظهر الفتى، يصدقون أو يودّون أن يصدقّوا نظرا لما فيها من تهييج وإثارة، ويستمعون إلى "بطولات" بعضهم.
إن هذه الحكايات التي نرغب بتسميتها حكايات فلاحية لهي جزء من فضاء القرية، ومن واقعها، سواء كانت صحيحة أم مُختلَقة، فهي تشي بالمستوى الفكري لفئة من الناس في ظل زمكانيّة محدّدة، وبما شغلهم من "هموم" في تلك الأيام، قبل أن تحلّ بدلها همومٌ أقسى وأصعب قطعت مسار عيشهم وبدّلته بمسار هجين، وأصبحت الحكايات من الواقع المستجدّ لا تشبه ما كان؛ إنها الآن حكايات الرحيل والهجيج، وتشتّت أبناء البيت الواحد وضياع البيوت والقرى والمدن، والسعي من أجل ما يسمى "هوية زرقاء" ولقمة خبز تسد الرمق.
لم يتوقّف الروائي عند القرية وفضائها، فقد خصّص حيّزا لا بأس به لمدينتي عكا وحيفا. يتعرّف القارئ على بعض تفاصيل هاتين المدينتين، وأسماء حاراتهما وأسماء بعض أبنائهما ومهنهم ووظائفهم وبعض قصصهم، وكأنّي بالروائي يقول إن النكبة لم تترك أحدا من أبناء فلسطين ينجو من ويلاتها، فقد شملت هذه الويلات ابن القرية وابن المدينة على حد سواء، ما جعل الرواية، رغم عامل التخييل، تميل إلى التوثيق، ولكن الروائي، بوعي تام، جعل هذه التوثيقات تذوب في عملية التخييل لتصبح أكثر تأثيرا في وجدان المتلقي.
يقع المتلقي على تفاصيل دقيقة حول القرى المهجَّرة حتى ليبدو وكأن الروائي، عبر الراوي، يرسم خريطة البلاد ويثبّتها من خلال أسماء القرى والمدن الأصلية وما دخل عليها من "تعديلات" تتناسب مع القادم الجديد من الخارج، ويتعرّف القارئ إلى ما كان وما صار عليه الأمر، وكأنّ عملية المصادرة لا تقتصر على الأرض بل إنها تتعدّى ذلك إلى مصادرة الأسماء، والأطعمة والمشروبات.
وحين يدخل الراوي إلى قرية ما فإنه يجري حوارا مع أحد أبناء هذه القرية أو تلك، يستمع منه إلى قصص وحكايات عمّا كان، وعمّا آلت إليه الأمور، ويسهب الراوي المحلّي في توصيف المكان وذكر حارات تلك البلدة، وأسماء آبارها وعيون مائها وما ينبت فيها من نباتات وأشجار. ويأتي على ذكر أسماء عائلات وشخصيات من مجالات متنوعة حتى إنك كقارئ تشعر أنها أسماء حقيقية، وأن قصص تشرّدهم وضياعهم في لبنان وفي المخيمات هي قصص واقعية لا من الخيال، حتى ليخطر ببالك، كمتلقٍ، أن تبحث عن أسماء الشخصيات وكنياتها وما كانت تقوم به من أعمال ومهن.
لا يقوم الروائي بذلك إلا ليؤكّد على أنّ هذه القرى وهذه المدن كانت عامرة بأهلها وناسها، الذين كانوا يعيشون حياة جميلة وادعة، فيهم التاجر والجواهري، والمحاسب والمحامي وتاجر البيوت والأراضي، والزارع والحاصد ومعلّم المدرسة، ومديرها، وبائع العطور والطيور والأقمشة، وفيها عمارات شاهقة تطل على البحر الجميل يجلس أصحابها على شرفات بيوتهم يتأمّلون جمال بلادهم. ما يكشف عن حجم الخسارة التي مني بها أهل هذه البلاد، وعمق الأسى والوجع الذي يعتري النفوس، بعد أن فقدوا تاريخهم وأرضهم وجيرانهم وحقولهم وديارهم وبحرهم وسهلهم، وبات الكثير منهم إما مشرّدين في مخيمات للاجئين ينتظرون وجبة تسد الرمق، بعد أن كانوا سادة في بيوتهم وبلداتهم وديارهم، أو أصبحوا لاجئين في قرى أخرى غير قراهم، يبحثون عن بيت يأويهم وعن "رجل إيده طايلة" يمكنه أن يساعد في تخليص بيت أو قطعة أرض من "حنتوش منتوش" (ريخوش نتوش- دائرة أملاك الغائبين) مقابل أثمان مذلة ترفضها كرامتهم.
يقيني أن محمد علي طه قد عمد إلى التوثيق وهو العالِم أن عملية التوثيق إذا اقتصرت على كتب المؤرخين والباحثين ستبقى حكايات جافة، وكي ترسخ هذه الحكايات وأصحابها، فإن عليه أن يرويها بأسلوب سردي قصصي يمزج بين الواقع والخيال فتغور في الذاكرة وتنتقل من جيل إلى جيل.

الوصف والدقة في التفاصيل
من الطبيعي أن يتخلّل عملية السرد بعض الوصف الذي يضيف معلومات هامة إلى المتلقي، الذي قد يجد نفسه مشدودا ومشدوها حين يكون الوصف عميقا ودقيقا. وللوصف في الكتابات الحداثية أبعاد دلالية عميقة وهامة، كما سنبين في هذه الرواية، "ولقد يتولد عن ذلك أن الوصف قد يكون أكثر ضرورة للنص السردي، من السرد؛ إذ ما أيسر أن نصف دون أن نسرد؛ ولكن ما أعسر أن نحكي دون أن نصف". (مرتاض، ص250) وقد يكون من نواقص الوصف وعيوبه أنه قد يضعف حركة السرد ويبطئها. فهل نجح محمد علي طه في تفعيل الوصف بصورة جذابة دون أن يشل حركة السرد؟
الروائي محمد علي طه ليس رساما ماهرا فحسب ولا حكّاء يجيد لفت أنظار المتلقّين، والأهم هو مصوّر ماهر خاصة حين يتعلّق الأمر بالريف وحقوله، وبالقرية وعاداتها وتقاليدها، فهي راسخة في روحه وفي وجدانه لا تبرحه أبدا ولا تغيب عن باله مهما ابتعد به الزمن. يحفظ أسماء أشجارها ونباتاتها على اختلاف أنواعها، ويُسهب في الحديث عن مواشيها ودوابّها وألوانها وأشكالها وطريقة تصرّفها مميزا بين أسماء صغارها وكنايات كبارها، وكأنه يعمل على توثيق تفاصيل مكوّنات فضاء فلسطين الجليلي: "دخلت إلى قرية فراضية بعد شروق الشمس تلفّعني رهبة كبيرة ووحشة، فهذه القرية الجميلة جنة الله على الأرض بكروم الزيتون الخضراء، وكروم العنب ذات العناقيد البيضاء والسوداء، وكروم التين البياضي والغزالي والبقراطي والموازي.. وكروم الرمان وعين الماء الصافي مثل عين الديك، [...] فراضية جنة خالية من الناس [...] غادروا بيوتهم وكرومهم وطحينهم. تركوا خوابي الزيت ومرطبانات اللبنة والعسل. تركوا فناجين القهوة مملوءة. تركوا ذكرياتهم وحكاياتهم وقصصهم ورسائلهم". (الرواية، ص55)
ليس النص أعلاه وصفا فحسب، بل هو سرد في أساسه يتخلّله وصف، ولو لم يتخلّله لكان السرد جافا أشبه برواية التاريخ، لكن الوصف يأخذه نحو العاطفة والوجدان والمشاعر ويصبح جزءا فاعلا من السرد الكلّي. قد يتساءل البعض، وبحق، عن ضرورة هذه التفاصيل، وعن علاقتها بالأحداث، ولربما كان السؤال الثاني: ألا تشل هذه الأوصاف وهذه التفاصيل من حركة السرد؟
نذكّر أن لكل كاتب رسائل يعمل على إيصالها إلى المتلقي، وقد أشرنا إلى ذلك بوضوح في بداية هذه المقالة. إن المكان عنصر أساسي من عناصر الخطاب الروائي، وهو ليس مجرد موقع جغرافي، بل هو فضاء واسع بمركباته، وبالتالي فإن فضاء هذه البلاد غني بأطعمته ونباتاته وأشجاره، وقد تكون العلاقة بين هذه المركبات وبين الفلاح الفلسطيني هي علاقة خاصة لأنها مصدر عيشه الذي يضمن له الحياة الحرة الكريمة، وبالتالي فإن فقدان الأرض وما عليها ستجعله يفقد مصدر عيشه الأهم، فجاء الوصف الدقيق والمفصّل ليكشف عن حجم الخسارة.
إن الأمكنة الفلسطينية بكل تفاصيلها وأبعادها راسخة في ذاكرة محمد علي طه، ولربما كان الدافع الداخلي إلى وصفها وتصويرها تصويرا دقيقا هو التوثيق، كما بينا أعلاه، وهذا مهم، لكنّه في هذه الرواية، كما في العديد من قصصه القصيرة، يتعدّى التوثيق لما يحمله من دلالات تشير إلى أهمية هذا المكان في حياة الإنسان العربي الفلسطيني اليومية، ما يجعل الوصف قادرا على مخاطبة وجدان المتلقي، ليدرك حجم المأساة التي حلّت بمن فقد الأرض وما عليها.
لا يتوقف الوصف في هذه الرواية عند القرية العربية الفلسطينية، بل إنه يتّسع ليشمل مدنها وبحرها وساحلها وناسها وجبالها الخضراء؛ إنّ فلسطين التي في الذاكرة ليست محصورة في القرية ولا في حياة الفلاحين وحقولهم وزرعهم فحسب، بل هي أيضا، مدن جميلة عامرة بأهلها وبأسواقها وتجّارها. وهي ليست أرضا خاوية، بل هي بر وبحر وسهول ووديان وجبال عامرة بأهلها، تنبض بالحياة، يعشقها أهلها ويتمتعون بحاضرها وماضيها: "هذه الجلسة العكاويّة، البحر الأزرق الواسع الكبير أمام ناظريّ، والأمواج التي تصفع السور بقسوة وتتكسّر على حجارته، والنوارس التي تحوم على الشواطئ ربطتني بهذه المدينة الجميلة العريقة بأهلها الطيّبين، وجعلتني أقضي ساعات أيضا في قراءة الكتب عن تاريخها العريق، وتعلق قلبي بها وأنا أقرأ عن علاقة معاوية بن أبي سفيان بها، وعن صمودها في الحروب الصليبية، وكسر شوكة الطاغية نابليون، وعن أحمد باشا الجزار، والظاهر عمر". (الرواية، ص158)
يحدثنا جيرار جينيت عن نوعين من الوصف: الوصف الجمالي ذو الوظيفة التزيينيّة، الذي يشكّل استراحة وسط الأحداث السردية، وهو وصف خالص لا دلالة له. وهناك الوصف التوضيحيّ التفسيريّ الذي تكون وظيفته دلالية رمزية. الوصف أعلاه، برأينا، جمالي وتوضيحي، ويؤدي وظيفته التزيينية والرمزية في آن معا؛ إذ يكشف هذا الوصف أنّ عكا كانت ولا تزال مدينة جميلة وساحرة، وأنها قد تعرّضت، عبر تاريخها الطويل، لأزمات قوية، وبقيت، رغم ذلك صامدة، ما يتماشى مع القول الشعبي المأثور: "يا خوف عكا من هدير البحر"؛ ظلّ البحر يهدر وبقيت عكا يتكسّر الموج عند أسوارها، وظلّ أبناؤها عشّاقا مخلصين لها، لا يحتملون فراقها، حتى إذا ما ابتعدوا مسافة قصيرة عن أسوارها أقسموا قسمهم الشهير: "وحياة غربتي".
يُجمل محمد علي طه، في هذا النص القصير، صورة عكا وتاريخها وعشق أهلها لمدينتهم، ويحدّثنا عن صمودها المشرّف المتمثّل في مواجهة نابليون ومحاولة اختراقه الفاشلة لسورها. ووَفقا للوصف فإن عكا الجميلة لا يمكن أن يتنازل أهلها ومحبوها عنها. وعكا المدينة هنا، هي جزء من فسيفساء الوطن الجميل.
قام الروائي بتوظيف الوصف لتشخيص المكان، والمكان في هذه الرواية يتعرّض للسلب والنهب والمصادرة، حتى بات أصحابه أغرابا عنه، كل همّهم البحث عن أية وسيلة تحميهم ليبقوا على قيد الحياة. فقد انتُزع المكان وسُحب عنوة من تحت أرجلهم. لم يكن هذا المكان مجرّد بقعة جغرافية، بل هو كل متكامل بناسه وترابه وزرعه وأشجاره وماشيته وجباله وسهوله وبحره ووديانه. يعكس كل ذلك جماليّات المكان بكل مركباته، ويبيّن العلاقات الحميمة التي جمعت الأهل والجيران وأبناء البلد الواحد، فبرز عمق الخسارة التي مني بها أبناء هذه البقعة من الأرض.

خلاصة
يكتب محمد علي طه روايته هذه من وحي النكبة وتبعاتها على من تبقّى من أبناء الشعب العربي الفلسطيني فوق تراب الوطن. فعمد إلى توظيف الرؤية الداخلية القريبة من أسلوب السيرة الذاتية الذي يقرّب الراوي من المتلقّي ويخلق بينهما وشائج من التقارب والتفاهم والتماهي، فبدا الراوي حكّاء ماهرا يتقن فنّ السرد الذي يخرج من فمه مباشرة ليسكب كلّه في أذن المتلقي، حتى بدا وكأنّ عامل الزمن الذي امتدّ أكثر من عقود سبعة قد تقلّص ومحي من خلال هذه التقنيّة.
واعتمادا على الرمزية والتأويل وما قاله تزيفيتان تودوروف وآخرون، فإن الشخصية المركزية ليست إلا دلالة إلى كلّ فلسطيني عاش النكبة وجرّبها. وما قرية عين الزيتون إلا إشارة إلى ما أصاب القرى الفلسطينية بعامة وما حلّ بها إثر النكبة وتشتّت أهلها وناسها واختفاء بعض معالمها.
يتيح هذا الأسلوب الذي يُوظّف فيه ضمير المتكلم والرؤيا الداخلية أن يوثَّق المكان والزمان والشخصيات، حتى بدا أنّ الترابط بين الواقع والتخييل وثيق جدا يخدم أحدهما الآخر، وبالتالي تتحقّق رسالة الروائي التي يستشفّها المتلقي من مجمل مضمون النص الروائي؛ معارضة سرديّة الآخر. من هنا نرى إلى ظاهرة ترديد وتكرار أسماء القرى والمدن وحاراتها ومسمّيات أراضيها، فضلا عن ذكر أسماء شخصيات سياسية واجتماعية، التي تشير في مجملها، معا، إلى وجود أرض عامرة بالحياة، وأن ما حدث لها ولأهلها له مسمى واحد هو النكبة.
لم تناقش هذه المقالة موضوع الفضاء الروائي رغم أهميته في هذه الرواية بالذات، وقد اكتفت بالحديث عن الوصف الذي نراه قريبا جدا من الفضاء وإن كان لا يغني عنه. وقد وجدنا أنّ الروائي لم يتوقّف عند حكاية عين الزيتون وما جرى لها وحدها، بل إنه قام بتقطيع النص، بوسائل عدة، لعلّ أهمّها تقطيعه إلى مواقع جغرافية وفق القرى والمدن التي مر بها الراوي، متوقفا عند بعضها أكثر وعند بعضها أقلّ، ولكن اللافت أنها كلها تُواجه مأساة واحدة تأخذ أكثر من شكل، لكنّها تتشارك بالرهبة والخوف وعدم القدرة على استيعاب ما حدث، وكأنّه أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع. وبالتالي فإن ما حدث قد أصاب شرق البلاد وغربها وشمالها وجنوبها.
يعمل الروائي على توثيق المكان بكل مركباته، بأشجاره ونباتاته ودوابه، وبناسه عاداتهم وتقاليدهم وطريقة تفكيرهم وبيئتهم، وما تعرضوا له في قراهم ومدنهم، فتوقف عند قرى ومدن بعينها وصوّرها تصويرا دقيقا، ما يتيح للمتلقي أن يطّلع على تفاصيل الحياة، وما تعرّض له أبناء القرى والمدن أثناء النكبة وما تلاها. وقد رأينا أن هناك علاقة وثيقة ومتينة بين الشخصية المركزية وبين الأحداث كلها، فهو الراوي المشاهد والمشارك، وهو الذي يدير حوارات مع أبناء القرى والمدن التي عبر بها في مسيرته داخل البلاد أثناء النكبة وما بعدها.









المصادر
طه، محمد. عين الزيتون. عمان: الدار الأهلية، 2025.
تودوروف، تزيفيتان. الرمزية والتأويل. ترجمة إسماعيل الكفري. دمشق: دار نينوى، 2017.
عزام، محمد. فضاء النص الروائي. اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع، 1996.
كامل، رياض. بنية الخطاب الروائي. حيفا: مجمع اللغة العربية، 2025.
لحمداني، حميد. بنية النص السردي -من منظور النقد الأدبي. بيروت: المركز الثقافي العربي،1991.
مرتاض، عبد الملك. في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد. الكويت: سلسلة عالم المعرفة، 1998.
محفوظ، عبد اللطيف. وظيفة الوصف في الرواية. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009.



#رياض_كامل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محاورة النص الروائي- قراءة في رواية -الساعات الأخيرة للشيطان ...
- تركي عامر شاعر ينام ملء جفونه ويهيم ملء جنونه
- حوار مع الشاعر الفلسطيني المرحوم جريس دبيات
- قراءة في سردية رواية -لتكن مشيئتك-
- الذائقة الأدبية بين الثابت والمتحول- قراءة في ديوان -أجراس ع ...
- الرواية الفلسطينية- النكبة وصدمة جيلي الطفولة والشيخوخة
- -تذكرتان إلى صفورية- النكبة، التشتت والهوية
- حوار أدبي وفكري مع الروائي حيدر حيدر
- اللغة، المكان والزمان في الرواية العربية الفلسطينية
- شعرية القصة القصيرة جدا في -عزف على نشاز-
- الرواية الفلسطينية- مرحلة النضوج
- قراءة تأويلية: الواقع، التأريخ والتخييل في رواية -بدلة إنجلي ...
- -عودة جفرا- صوت التمرد رغم المعاناة
- الكتابة بين الفعل ورد الفعل- -أنف ليلى مراد- أنموذجا
- -الجنة المقفلة-، إنعاش الذاكرة وتثويرها
- خطاب جريس دبيات الشعري
- الطيور تعود إلى أعشاشها والكتابة المغايرة
- تجليات الذات بين الحماسة والاتزان
- لينة الشيخ حشمة بين النقد والبحث
- -نشيد الرجل الطيب- ما بين الواقع والأيديولوجيا


المزيد.....




- -في رأيي لقد سقط النظام-.. المخرج جعفر بناهي عن الاحتجاجات ا ...
- ميلادينوف: لجنة التكنوقراط تمتلك مزيجا جيدا من الخبرات الفني ...
- الممثل السامي لغزة في مجلس السلام: تقليل الفترة الانتقالية ل ...
- من -الحرب- إلى -الأزمة الإنسانية-.. كيف تغير لغة المؤسسات ال ...
- فيلم -التمزق-.. المؤسسات الأميركية على حافة الانهيار
- سوريا: الشرع يرسم اللغة الكردية ويقر -النوروز- عطلة رسمية
- لغز الـ100 مليار شجرة.. هل كُتب تاريخ روسيا على لحاء أشجارها ...
- النوروز -عيد وطني-.. مرسوم سوري تاريخي يعترف بالكرد واللغة ا ...
- الممثلة المصرية جهاد حسام تتحدث لترندينغ عن -كارثة طبيعية-
- غزة تهز المشهد الثقافي الأسترالي.. ما هي قضية راندة عبد الفت ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض كامل - الذاكرة والتخييل في رواية -عين الزيتون-