محمد بسام العمري
الحوار المتمدن-العدد: 8617 - 2026 / 2 / 13 - 02:49
المحور:
الطب , والعلوم
في ركن الحياة الهادئ، تسير القطط على أطراف من نور، كأنها كائنات خرجت من رحم الطهارة ذاتها. تراها تمارس طقوسها اليومية، تغسل وجهها وكأنها تتوضأ للصلاة، وتدفن أثرها في الأرض برفقٍ، كما لو أنها تخفي سرًا من أسرار الكون. هذه الكائنات الصغيرة، رغم بساطتها الظاهرة، تحمل في حركاتها حكمةً تفوق الوصف، وسرًا لا يدركه إلا المتأمل في صنعة الله وإبداعه.
إن القط حين يقضي حاجته، لا يترك خلفه أثرًا، بل يغرس مخلبه في التراب ويخفي ما خلفته الفطرة. كأنها رسالة للصمت، دعوة للنقاء، ورمز للحياة النظيفة التي لا تدنسها شوائب الأرض. دفنها لبرازها ليس مجرد عادة، بل هو انعكاس لنظامٍ كونيٍّ يجعل من الطهارة قانونًا خالدًا. إنها تعلمنا، دون كلمات، أن الجمال في أن نترك خلفنا أثرًا طيبًا، وأن نحافظ على الأرض كما وجدناها، نقيةً عذراء.
العلم، في دهشته، وقف أمام هذا السلوك إجلالًا. قالوا: "إنها تحمي نفسها والآخرين من الجراثيم التي تحملها الأرض." لكن العلم، رغم عظمته، لم يدرك أن دفن الأثر هو سرٌ زرعه الخالق في كيان القطط، جزءٌ من نظامٍ أكبر لا تدركه العقول، لكنه ينطق بعظمة التدبير الإلهي. إنها، ببساطة، طاهرة، كما وصفها سيد الخلق، محمد صلى الله عليه وسلم، حين قال: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات."
في تلك الكلمات النبوية، تشرق الحكمة التي سبقت الزمن. إنها ليست مجرد شهادة لطهارة القطط، بل هي نافذة إلى فهم أعمق لروح هذه المخلوقات التي تمشي بيننا، تحبنا بلا مقابل، وتزين عالمنا بسلوكياتٍ أشبه بالعبادة. القطط لا تحمل الأذى، بل تحمل رسالة: أن الطهارة ليست فقط في الجسد، بل هي في السلوك، في الأثر، وفي العلاقة بين المخلوقات.
وعلى الأرض، حين تدفن القطط برازها، تكتب قصةً جديدة عن التوازن البيئي. إنها تدفن ما يمكن أن يكون مصدرًا للمرض، كأنها تحمي الأرض والهواء والماء من التلوث. في هذا الفعل الصغير الذي قد يبدو بسيطًا، يكمن إعجاز عظيم: نظام فطري ينظف العالم في صمت، ويترك خلفه درسًا للإنسان الذي ربما نسي كيف يحمي بيئته.
أيها السائر في عالم القطط، تأمل كيف تمشي بخفة، وكيف تخفي أثرها كأنها طيف من النقاء. تأمل كيف تنسجم مع الأرض، وكيف تغزل من لحظات وجودها لوحةً من الجمال. إنها رسالة من الخالق إلى الإنسان: "هكذا يجب أن تكونوا؛ أطهارًا في أعمالكم، نقاءً في قلوبكم، ومحبين لكل ما حولكم."
إن القطط، بما تحمل من أسرار، تفتح لنا أبوابًا للتأمل في حكمتها. دفنها لبرازها ليس مجرد عادة غريزية، بل هو نور يضيء طريقنا لفهم عمق العلاقة بين المخلوقات وخالقها. إنها ليست مجرد كائنات أليفة، بل هي شواهد على جمال الخلق ودقته، وعلى طهارةٍ أودعها الله فيها لتكون درسًا لنا.
وهكذا، حين تقف أمام قط يدفن أثره، لا تنظر إليه كحيوان بسيط. بل انظر إليه كمرآة تعكس جمال الكون، وكائن يتنفس الحكمة، ويمشي في طهارةٍ كأنها صلاةٌ ممتدة. هنا، في هذا الفعل البسيط، تجد قطعةً من سر الحياة، وسجدةً خفية للحكمة الإلهية التي أبدعت هذا الوجود.
#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟