أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجبار الرفاعي - الخوارزميات تجهل صرخة الإنسان الوجودية















المزيد.....

الخوارزميات تجهل صرخة الإنسان الوجودية


عبدالجبار الرفاعي

الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 20:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عبد الجبار الرفاعي
في الزمن الذي تتحكم فيه الخوارزميات سيتسارع إيقاع التغيير بشكل مثير، وتضمحل المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية، في هذا الزمن يغدو الإنسان ضائعًا في متاهة لا تمنحه أمانًا. يعيش في تقلب دائم، لا يمكث طويلًا في علاقة، ولا يصبر على صداقة، ولا يتورط في صلة تستدعي الانتظار. ملول حد الضجر، حتى في علاقاته العاطفية سريع الانسحاب من كل ما لا يشبع رغباته المتقلبة، وما لا يحقق له لذة آنية. ينكفئ على ذاته، ويعيش فردانية مغلقة لا يرى فيها إلا نفسه، فيشتد اغترابه، ويتضاءل شعوره بالمسؤولية حيال مَن حوله حتى يكاد يتلاشى.
إثر ذلك تتآكل مشاعر الأُلفة في العائلة، ويتبلد الشعور الحميمي داخلها، ويتصدع الانتماء بمحتواه العاطفي، فيغدو البيت مأوى لأجساد لا قلوب، وسقفًا يظلل جماعة كأنهم غرباء لا يربطهم ود، ولا تنعيش قلوبهم المحبة، ولا يجمعهم حوار. في كثير من البيوت ترى الأبناء غارقين في هواتفهم وأجهزتهم اللوحية، منصرفين إلى تطبيقات وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، لا يكادون يصغون إلى آهات مَن يعيشون معهم، ولا يتواصلون بحميمية مع آبائهم وأمهاتهم وعوائلهم. حتى في الأوقات القليلة التي يلتقون فيها أحيانًا على مائدة الطعام، لا يكادون ينطقون بكلمات تعرب عن حنانهم وامتنانهم للأمهات والآباء والعائلة، ولا يتكشف ما يدل على ذلك في وجوههم أو لغة أجسادهم. كل واحد منهم يعيش عالمه الخاص منغلقًا عليه، يحيط أسراره بأسوار من الصمت، كأن حياته لا تخص أحدًا، وكأن مَن في البيت لا صلة عاطفية لهم به. في هذا الواقع يتفكك النسيج العضوي للعائلة بالتدريج، حين يفقد البيت نبضه العاطفي، وتمسي الحياة المشتركة عاجزة عن إنتاج معنى للحياة، ويتوارى الحنان خلف شاشات باردة لا دفء فيها ولا بوح. تختبئ في هذا الواقع المرير صرخة الإنسان الوجودية، المنطلقة من هشاشته وخوفه، ومن وعيه باغترابه، ومن ظمأه الأنطولوجي إلى معنى يمنحه طمأنينة الحضور في العالم. تتوالد هذه الصرخة في عمق التجربة الوجودية للذات، في موضع سابق على السلوك الظاهر، وأبعد من أن تدركه المؤشرات القابلة للقياس. تلتقط الخوارزميات الأفعال كما تظهر على السطح، وتتعامل مع الإنسان بوصفه مجموعة أنماط قابلة للتوقع، بينما تعجز عن النفاذ إلى الألم الداخلي، وعن الإصغاء إلى الأنين الصامت الذي يتولد في أعماق الكائن البشري حين يفتقد المعنى. تقرأ الآلة ما يختاره الإنسان، وتستبق قراراته، غير أنها لا تلامس القلق الذي يفزعه، ولا تعرف مشاعره، ولا ترى أنين قلبه، ولا تدرك الاغتراب الذي يدفعه إلى البحث عن صلة تتجاوز العالم المحسوس.
في هذا العجز التقني عن ملامسة باطن الإنسان يتفاقم الاغتراب الميتافيزيقي، إذ يشعر الإنسان أن العالم الذي تديره الخوارزميات لا يعترف بحاجته للمعنى، ولا يرى وحشته، ولا يمنحه أفقًا يتسع لأسئلته الوجودية. تتسع هذه الغربة كلما جرى التعامل مع الإنسان بوصفه معطى رقميًا، لا ككائن يشعر، ويتألم، ويحنّ، ويخاف، ويبحث عن خلاص، ويتوق إلى حضور إلهي يروي ظمأه. في هذا الانكسار الوجودي تلوح الإنسانية الإيمانية بوصفها استعادة للإنسان من اغترابه، إذ تعيد وصل الإنسان بذاته، وتفتح أفقًا لمعنى يتجاوز جسده، وتؤسس لصلة حية بالله تتجلى في الرحمة، والرفق، واحترام الكرامة الإنسانية، بوصفها ثمرة لإيمان يشبع الحاجة الوجودية، لا من الإكراه أو البرمجة.
كل مشروع تنموي يتجاهل صرخة الإنسان الوجودية، ولا يعي حاجته العميقة إلى المعنى والمحبة والرحمة، ينقلب إلى مشروع لا إنساني، مهما تضخمت أرقامه، وتكاثرت منتجاته، وانخفضت كلفته المادية، وارتفعت أرباحه، ومهما تحدث عن الرفاه. تفقد التنمية معناها الإنساني حين لا تنبع من مركزية الإنسان وسلطته الأخلاقية على الأرض، وحين تنفصل عن حاجته العميقة إلى المعنى والحرية والكرامة. عندئذ تسير التنمية في مسار آلي، وتعمل بوصفها حالة صمّاء لتراكم الأشياء وتكثير الإنتاج، والتسويق، والاستهلاك، من غير اكتراث بما تخلّفه في قلب الإنسان من وجع. تستهلك هذه التنمية طاقة الروح، وتُنهك القلب، وتبلد المشاعر، وتدفع الإنسان إلى حياة مزدحمة بالأشياء وفقيرة بالمعاني. في هذا السياق يتراجع الإنسان من كائن يبحث عن معنى وجوده إلى عنصر داخل منظومة اقتصادية لا ترى فيه سوى مهنة وظيفية ورقم. هكذا يتسع الاغتراب، ويغدو الإنسان غريبًا عن ذاته، لأن التنمية التي لا تصون إنسانيته ولا تحرس كرامته وحريته وحقوقه لا تؤسس لحياة جيدة، وإنما تعمّق القطيعة بين الإنسان ومعنى وجوده، وتدفعه إلى اغتراب موجع يفقد فيه الشعور بالحضور والجدوى.
الاستثمار الحقيقي لا يقف عند توسيع الإنتاج وتعظيم الأرباح، وإنما يتحقق حين ينقذ الإنسان من التحول إلى شيء، ويعيد الاعتبار إلى قلبه وروحه ومشاعره، ويحرره من اختزاله رقمًا في خوارزمية، ومعطى إحصائيًا في تقرير. هناك فقط تستعيد التنمية معناها، حين تصير فعل رعاية، ومسؤولية أخلاقية، وطريقًا لصون كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه، لا وسيلة لتكريس اغترابه وتجفيف منابع المعنى في حياته.
التنمية التي تنفصل عن مركزية الإنسان تفرغ وجوده من قيمته، وتحيل حياته إلى فراغ لا يشبع حاجته العميقة إلى المعنى، مهما تضاعف الإنتاج المادي. التكنولوجيا حين تخلو من القيم، ولا تحضر فيها الأخلاق، تنقلب سريعًا من أداة رفاه إلى آلة قهر، ويغدو العالم مصنعًا واسعًا يبتلع معنى إنسانية الإنسان، ويعيد تشكيله كشيء لا يختلف عن الأشياء التي يصنعها ويستهلكها. أمّا التنمية التي تستحق اسمها فتنبع من وعي باحتياجات الإنسان الوجودية والمعنوية، وتستمد معناها من صون الكرامة الإنسانية وترسيخها، ولا تختزل الإنسان في أداة إنتاج أو رقم استهلاك، وتحتضنه بوصفه كائنًا يعيش عطشًا أبديًا إلى المعنى، ويبحث عن حياة تنصت لظمأ روحه وأشواق قلبه، كما تلبي حاجاته المادية.
تعمل الرأسمالية على احتكار الذكاء الاصطناعي، وإذا نجحت في ذلك تتسيد على الأرض وتهيمن حتى على الإنسان، وتنكشف همجيتها كوحش كاسر يمتلك قدرات تتفوق على القدرات المتنوعة للإنسان في حقول الحياة كلها، من غير أن تمنع توحشها قوانين عادلة صارمة، أو تكبحها قيم راسخة. حينئذ تصبح خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى أداة استلاب واستعباد وقمع، ووسيلة فتاكة في الحروب، إذا افتقرت البيئة التشريعية والأخلاقية إلى ما يضبط انفلاتها ويكبح استغلالها ضد الإنسان وحقوقه وحرياته بوصفه سيد الأرض.
ليس كل ما يعد به التقدم التكنولوجي يعد نعمة خالصة، ما لم يكن مصحوبًا بتنمية الوعي الإنساني، وتجذير قيم الكرامة والحرية والمساواة والعدالة، والحد من جشع السوق الرأسمالية، ومقاومة تحول الإنسان إلى مادة خام لصناعة الأرباح. وفرة السلع والخدمات لا تعني بالضرورة وفرة في المعنى، ولا تكفل سعادة الإنسان أو أمنه الوجودي وسلامه الروحي. إنسان العصر الرقمي يعيش اغترابًا وجوديًا واجتماعيًا عميقًا، لأن ذاته تتآكل تحت وطأة تسارع الأحداث وتحولات الواقع التي لا هوادة فيها. هذا الاغتراب لا يقتصر على تشييء الهوية، بل يمتد إلى ذوبان العلاقات الاجتماعية، حيث تذوي العلاقات الإنسانية العاطفية وسط صخب الانشغال بتطبيقات العالم الرقمي، وما يفرضه من واقع لم يألفه الإنسان من قبل. نرى الإنسان منفصلًا عن ذاته ومن حوله، فاقدًا للألفة الاجتماعية التي تمنحه الاعتراف والثقة والمودة، لا ذاته منكشفة له بجلاء، ولا تواصله مع الآخرين يتسم بالثقة والدفء.



#عبدالجبار_الرفاعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهوية في عصر الذكاء الاصطناعي الفائق
- اغتراب الهوية في زمن الخوارزميات
- الصمت في المدرسة الفيثاغورية
- صمت الفيلسوف اليوناني سيكوندوس
- الحق في الكرامة والهوية المغلقة
- ثرثرات السياسة تفسد الوعي
- الذكاء الاصطناعي تحدٍّ وفرصة
- مقدمة كتاب الهوية في شِراك الأيديولوجيا
- الصمت مرآة لقوة الإرادة
- أنين الأرض من استباحة مواردها
- يتطور النحو عند المخزومي بتطور اللغة
- الصمت فعل مقاومة للثرثرة والابتذال
- تغلغل المنطق في النحو وعلوم اللغة
- مغامرة تأسيس دار نشر للكتاب الورقي
- اللغة مرآة للدين والهوية والثقافة
- تتعدد اللغات بتنوع سياقات استعمالها ومجالات تداولها
- تحديات اللغة في العصر الرقمي
- اغتراب اللغة عن الواقع اغتراب للإنسان عنها
- كتاب دروب المعنى
- تجديد الرؤية للعالم يمر عبر اللغة


المزيد.....




- تحذيرات من حملة انتخابية إسرائيلية -وحشية- تعيد شبح الصراعات ...
- أردوغان: ربط شبكات النقل في الدول الإسلامية يعزز التجارة وال ...
- قائد الثورة الإسلامية يثني على الحضور الواسع للشعب الايراني ...
- إيران تُحيي الذكرى الـ47 للثورة الإسلامية: هل مازال النظام ا ...
- قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف منزلين في حي الكنيسة وحي المقبرة ...
- مستقبل الدراسات الإسلامية بين مطرقة التاريخانية وسندان الوحي ...
- مصر.. شيخ الأزهر يوجه رسالة للحكومة الجديدة والوزراء السابقي ...
- ضاحي خلفان يقارن الإخوان بجفري إبستين ويرد على من يهاجم الإم ...
- تصريحات مفوضة أمريكية تفجّر جدلا بشأن إبادة غزة وعبارة -اليه ...
- إرث -بطل إسرائيل-.. هل كان ماكسويل الأب الروحي لشبكة إبستين؟ ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجبار الرفاعي - الخوارزميات تجهل صرخة الإنسان الوجودية