أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجبار الرفاعي - الهوية في عصر الذكاء الاصطناعي الفائق















المزيد.....

الهوية في عصر الذكاء الاصطناعي الفائق


عبدالجبار الرفاعي

الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 10:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عبد الجبار الرفاعي
يرى الخبراء أن العالم يقف على أعتاب طور جديد من الذكاء الاصطناعي، يسمى الذكاء الاصطناعي الفائق (Artificial Superintelligence – ASI)، وهو طور لا يشبه ما عرفه الإنسان من أدوات رقمية مساعدة، لأنه يؤسس لنمط من العقل الاصطناعي ربما يتجاوز العقل البشري في الفهم والتحليل والابتكار والتخطيط، ويتحرك في أفق ذكاء عام غير محصور بمهمة أو اختصاص. الذكاء الاصطناعي الفائق لا يكتفي بتنفيذ الأوامر، إنما يتعلم من ذاته، ويعيد تشكيل بنيته الداخلية باستمرار، ويطور أداءه بوتيرة متسارعة يعجز الإنسان عن ملاحقتها أو الإحاطة بمساراتها. في هذا الواقع لا يعود الذكاء الاصطناعي أداة في يد الإنسان، بل يتحول إلى فاعل مستقل، يفرض أسئلة جديدة عن معنى العقل، وحدود السيطرة، ومصير الإنسان في عالم تتسارع فيه القدرة التقنية أسرع من حضور الضمير الأخلاقي وفاعليته، وتتجلى فيه الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في مكانة الإنسان في العالم، وحقوقه وحرياته، ومعنى حياته في زمن يتغير فيه العقل ذاته.
يتمرد الذكاء الاصطناعي الفائق على قيود الذاكرة البشرية، وبطء المعالجة، والتحيزات، والانفعالات، فيغدو قادرًا على استكشاف العلاقات الخفية في البيانات، وبناء حلول نوعية لمسائل شديدة التعقيد، مثل: الأمراض المستعصية، وأزمات المناخ، ومسارات التنمية، وتنظيم الاقتصاد العالمي، والعلاقات الدولية، وإدارة الدولة والحوكمة. غير أن هذا التحول يوقظ مخاوف وجودية عميقة، تتصل بإمكان انزلاق السيطرة من يد الإنسان، إذا صاغ العقل التقني أهدافًا لا تتقيد بالقيم الإنسانية، أو استخدم في سباقات تسلح تعيد تشكيل موازين القوة في العالم. عندئذ يتحول ظهوره المتوقع إلى لحظة فاصلة في مصير البشر، قد تفتح أفقًا لنهضة غير مسبوقة، أو تقود إلى تحولات يصعب التنبؤ بمآلاتها. مع ذلك، ما زالت الأنظمة الراهنة، على الرغم من اتساع قدراتها، تقف دون عتبة الذكاء العام الشامل والاستقلال الذاتي الكامل اللذين يمنحان هذا الذكاء وصفه الفائق.
لو تبلور الذكاء الاصطناعي الفائق في إطار أخلاقي يحرس كرامة الإنسان ويحمي حرياته وحقوقه، فإن أثره لا يقتصر على تسريع التقنية، بل يمتد إلى إعادة صياغة أنماط العيش المشترك ذاتها؛ ففي التربية والتعليم يؤسس هذا الذكاء لتعليم شخصي عميق يكشف الفروق الفردية ويعالج فجوات المعرفة، وينقل جودة التعلم إلى الهوامش المنسية، ويحرر المعلم من الأعمال الميكانيكية، ليغدو موقظًا للعقل، ومربيًا للضمير والشعور بالمسؤولية والذوق. في الصحة يتحول الطب إلى رعاية وقائية مصممة لكل جسد، بتشخيص أدق، واكتشاف أسرع للأدوية، ورعاية عن بعد تقلص اللامساواة بين المركز والهامش. في الاقتصاد والعمل يعيد تنظيم سلاسل الإنتاج والتوزيع، ويخفض الهدر والفساد، ويمنح صانع القرار قدرة استباقية على اختبار السياسات قبل تنفيذها، ويخلق صناعات جديدة، بشرط سياسات انتقال عادلة تحمي الأفراد والمجتمعات من الإقصاء، وتعيد تعريف العمل بوصفه مشاركة في المعنى لا مجرد أداء وظيفة. في العلوم والتكنولوجيا يسرع البحث، ويربط الحقول المتباعدة، ويفتح آفاقًا للطاقة النظيفة والمواد المتقدمة والأمن السيبراني الدفاعي. في المناخ والتنمية يقدم رؤية أدق وأشد فعالية وكلفة، وزراعة ذكية، وتخطيطًا حضريًا أقل قسوة على الإنسان والطبيعة. على مستوى العلاقات الدولية والدبلوماسية يساعد في تفكيك أسباب النزاعات، وبناء مسارات تفاوض تحقق المكاسب المتبادلة، ويقلل من سوء الفهم اللغوي والمعرفي والثقافي، ويعزز التحقق من المعلومات إذا خضع لقواعد شفافة. في السياسة والإدارة العامة يبسط الخدمات، ويقوي الحوكمة المبنية على الأدلة، ويكشف أنماط الفساد، ويطور العدالة الإجرائية دون أن يحولها إلى آلة بلا روح. في الثقافة والمعرفة يخفف التضليل، وييسر الوصول إلى العلم، ويحيي التراث بتحقيقه وربطه بسياقاته التاريخية. وفي الحياة اليومية يمنح أدوات تعزز الاستقلالية والخصوصية، خصوصًا لذوي الإعاقة، وترفع الأمان وجودة العيش.
غير أن المكسب الأهم لا يكمن في اتساع القدرة التقنية ذاتها، إنما يتجلى مباشرة في أثر هذا الذكاء على العيش المشترك؛ فحين يصمم ليخدم ترسيخ القيم الإنسانية والحريات والحقوق، ويخضع للشفافية والمساءلة، وتغلق الأبواب أمام عسكرة استخدامه أو تحويله إلى أداة هيمنة، يمكنه أن يسهم في خفض الاستقطاب، وترميم الثقة المتآكلة بين الأفراد والجماعات، وتوسيع الفضاء العمومي بالحوار والمعرفة الرصينة، بحيث يتحول الاختلاف من مصدر تهديد إلى طاقة تنوع خلّاقة تعزز الحقوق والحريات وترسخ قيم العيش المشترك.
أما إذا انفلت من مرجعيته الأخلاقية، فسيتحول إلى قوة تضاعف اللامساواة، وتغذي نزعات التسلط والهيمنة، وتشرعن الإقصاء، وتقوض أسس السلم الأهلي والدولي. عندئذ يغدو الذكاء الاصطناعي الفائق اختبارًا حاسمًا لإنسانيتنا نفسها: إمّا أفقًا لترميم العالم، وتعميق العدل، وبناء عيش مشترك أكثر رحمة واتساعًا، أو اندفاعًا تقنيًا يسرّع الحركة ويفرغ الحياة من روحها ومعانيها الأجمل. ويحدث قطيعة حادة بين إنسان عصر هذا الذكاء وإنسان الأمس، في نمط الوعي والإدراك والمعرفة والثقافة والفنون والآداب، والمعتقدات والقيم والقوانين، والعيش المشترك، والحقوق والحريات، وكل شيء تتطلبه حياة الإنسان في الواقع الجديد.
إذا انزلق الذكاء الاصطناعي الفائق خارج أفق القيم والحوكمة، فإن أثره السلبي على صراع الهويات والمعتقدات والقوميات والحروب يتجاوز حدود التقنية ليصيب نسيج المعنى والعيش المشترك في العمق؛ إذ يمنح هذا الذكاء أدوات غير مسبوقة لإعادة هندسة الوعي الجمعي، عبر تضخيم السرديات الهوياتية الدينية والطائفية والقومية، وتخصيص الدعاية على مقاس الجماعات الدقيقة، وتغذية مشاعر الخوف والمهانة والذعر والتهديد الوجودي، فيتحول الاختلاف الثقافي أو الديني والطائفي أو القومي إلى وقود تعبوي دائم لتوليد النزاعات وتغذيتها.
ومع قدرة هذا الذكاء على تحليل البيانات السلوكية والنفسية، يستطيع توجيه الرسائل التي تعمق الاستقطاب، وتشيطن الآخر المختلف، وتكسر المساحات الرمادية التي تقوم عليها التسويات، فينكمش الفضاء العمومي، ويتراجع الحوار، وتترسخ هويات صلبة مغلقة ترى في ذاتها حقيقة مكتملة وفي غيرها خطرًا دائمًا. وعلى مستوى الحروب، يسرّع هذا الذكاء سباق التسلح، ويخفض عتبة القرار العسكري عبر أنظمة تنبؤ وتخطيط وضربات دقيقة، فيغدو العنف أكثر ضراوة وأقل كلفة سياسية آنية. وتضعف قدرة الكوابح الأخلاقية، وتتآكل المسؤولية تجاه الإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن هويته الاعتقادية والعرقية، ويغيب الإحساس بالفزع من الفتك بالكرامة، والمعاناة المريرة للمختلف، وسفك الدماء. كما يتيح شن حروب هجينة طويلة النفس: سيبرانية، معلوماتية، اقتصادية، تدار من دون إعلان، وتستنزف فيها الدول وتشل المجتمعات من الداخل عبر تعطيل البنى، وتزييف الحقائق، وضرب الثقة بالمؤسسات. في الدول الهشة، يعمّق الذكاء الاصطناعي الفائق اختلال موازين القوة، ويمنح الفاعلين الأقوى ممن يمتلكونه قدرة على فرض نماذج هيمنة تعيد إنتاج التبعية، وتحول السيادة إلى مفهوم فارغ. هكذا لا يصنع هذا الذكاء حربًا أسرع فحسب، إنما يصنع صراعًا أطول عمرًا، أكثر تعقيدًا، أقل قابلية للحسم، لأنه يشتغل على العقول قبل الحدود، وعلى العبث بركائز الدول والمجتمعات قبل الأرض.
من دون اصطفافٍ قيمي يحرس المعنى، وضمير أخلاقي يقظ، وقوانين كونية تلزم الجميع، وشفافية تضيء العتمة قبل أن تتحوّل إلى سلاح ضد الروح، يظل الذكاء الاصطناعي الفائق مهددًا بأن يجعل العالم مسرحًا للاستقطاب الأبدي. تتقدم القدرة التقنية كإعصار مهول، فيما يتقهقر الوعي الأخلاقي إلى هوامش باهتة، ويتآكل العيش المشترك تحت وطأة خوف يديره ذكاء اصطناعي فائق أسرع من الإنسان وأقسى تسلطًا. هكذا يغدو المستقبل ساحة معلقة بين قوة بلا ضابط ووعي يتهاوى، حيث يختبر مصير الإنسانية في سؤال واحد: هل نستطيع أن نصوغ ميثاقًا يحمي المعنى قبل أن يبتلع في دوامة تسلط وهيمنة هذا الذكاء؟ خاصة مع الزيادة الكبيرة للإنفاق على تكنولوجيا المعلومات، إذ "تتوقع مؤسسة غارتنر أن يصل إجمالي الإنفاق العالمي على تكنولوجيا المعلومات إلى 6.08 تريليون دولار أميركي عام 2026، بزيادة قدرها 9.8 في المائة عن عام 2025"، جريدة الشرق الأوسط، 4 يناير 2026.



#عبدالجبار_الرفاعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اغتراب الهوية في زمن الخوارزميات
- الصمت في المدرسة الفيثاغورية
- صمت الفيلسوف اليوناني سيكوندوس
- الحق في الكرامة والهوية المغلقة
- ثرثرات السياسة تفسد الوعي
- الذكاء الاصطناعي تحدٍّ وفرصة
- مقدمة كتاب الهوية في شِراك الأيديولوجيا
- الصمت مرآة لقوة الإرادة
- أنين الأرض من استباحة مواردها
- يتطور النحو عند المخزومي بتطور اللغة
- الصمت فعل مقاومة للثرثرة والابتذال
- تغلغل المنطق في النحو وعلوم اللغة
- مغامرة تأسيس دار نشر للكتاب الورقي
- اللغة مرآة للدين والهوية والثقافة
- تتعدد اللغات بتنوع سياقات استعمالها ومجالات تداولها
- تحديات اللغة في العصر الرقمي
- اغتراب اللغة عن الواقع اغتراب للإنسان عنها
- كتاب دروب المعنى
- تجديد الرؤية للعالم يمر عبر اللغة
- عجز العلوم عن قراءة لغة الغيب


المزيد.....




- بالصور.. قبة الصخرة بالمسجد الأقصى من الداخل
- المرشد الأعلى الإيراني يقر بمقتل الآلاف في المظاهرات
- قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي يستقبل جمعا غفيرا من ...
- قائد الثورة الإسلامية: نعتبر الرئيس الأمريكي مجرما بسبب الاف ...
- قائد الثورة الإسلامية: نعتبر ترامب مجرما بسبب الأضرار التي أ ...
- اعتراف مرشح يهودي للكونغرس بوقوع الإبادة الجماعية في غزّة 
- بعد البهائيين واليهود.. حملة اعتقالات تطال المسيحيين في اليم ...
- وفاة إمام مسجد نيجيري أنقذ حياة عشرات المسيحيين في 2018
- شيخ الأزهر: الأقصى ركن من هوية المسلمين ومحاولات طمسه مرفوضة ...
- بوتين لبزشكيان: خروج ملايين الإيرانيين في مسيرات دعماً للنظا ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالجبار الرفاعي - الهوية في عصر الذكاء الاصطناعي الفائق