أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مختار فاتح بيديلي - سورية بين وهم «دولة المكوّنات» وأفق الدولة الوطنية















المزيد.....

سورية بين وهم «دولة المكوّنات» وأفق الدولة الوطنية


مختار فاتح بيديلي
طبيب -باحث في الشأن التركي و أوراسيا

(Dr.mukhtar Beydili)


الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 20:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إشكالية المصطلح وبناء الوعي السياسي

لم تكن الأحداث التي شهدتها سورية منذ عام 2011 مجرد صراع عسكري أو أمني، بل شكّلت في عمقها صراعاً مفاهيمياً ومعرفياً حول معنى الدولة، وحدود الهوية الوطنية، وطبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة. وفي هذا السياق، برزت اللغة السياسية بوصفها ساحة صراع موازية، لا تقل خطورة عن ميادين القتال، إذ أُعيد إنتاج الواقع السوري عبر مصطلحات جديدة لم تكن جزءاً من القاموس السياسي السوري التقليدي، وفي مقدمتها مصطلح «المكوّنات».

لقد جرى تعميم هذا المصطلح في الخطاب الإعلامي والسياسي المحلي والدولي، حتى أصبح إطاراً تفسيرياً شبه مسلَّم به لفهم المجتمع السوري، من دون مساءلة جادة لدلالاته السياسية أو نتائجه بعيدة المدى. ومع مرور الوقت، لم يعد الحديث عن «المكوّنات» توصيفاً اجتماعياً بريئاً، بل تحوّل إلى مدخل لإعادة تخيّل الدولة نفسها بوصفها كياناً قابلاً للتقسيم الرمزي والسياسي بين جماعات، لكل منها حقوق سيادية مفترضة.

الثورة بوصفها لحظة قطيعة قانونية

من منظور الفقه السياسي والدستوري، تُعد الثورة فعلاً استثنائياً ينشأ نتيجة انسداد كامل لأفق الإصلاح داخل منظومة استبدادية، تتحول فيها القوانين والمؤسسات إلى أدوات لضبط المجتمع وقوننة الظلم. وبذلك، فإن الثورة ليست خياراً طوعياً، بل استجابة اضطرارية لفشل النظام القائم في تجديد شرعيته.

ومن حيث الطبيعة القانونية، تمثل الثورة خروجاً على المنظومة القانونية القائمة، لا لأنها ترفض فكرة القانون، بل لأنها تستهدف تغيير قانون تحوّل إلى أداة بيد المستبد. ولهذا السبب، يرى غالبية فقهاء القانون الدستوري أن الدستور القائم يسقط حكماً مع نجاح الثورة، باعتباره التعبير الأعلى عن إرادة سياسية فقدت مشروعيتها.

في هذا الإطار، يصبح النقاش حول دستور سورية المستقبل نقاشاً مشروعاً وضرورياً، لا باعتباره تمريناً نظرياً، بل بوصفه محاولة لاستشراف شكل الدولة المقبلة، وحدود السلطة، وطبيعة العلاقة بين الفرد والدولة.

الدولة الغائبة وسلطات الضرورة

في سياقات الثورات والصراعات الداخلية، ومع تراجع سلطة الدولة أو تفككها، يلجأ الأفراد والجماعات إلى بُنى ما قبل الدولة طلباً للحماية، سواء كانت طائفية أو عشائرية أو مناطقية. ويُعد هذا السلوك مفهوماً من الناحية السوسيولوجية، لكنه يظل استجابة ظرفية لغياب الدولة، لا أساساً دائماً لإعادة بنائها.

غير أن إطالة أمد الصراع السوري أدّت إلى تحوّل سلطات الضرورة إلى سلطات أمر واقع، سعت إلى ترسيخ نفسها عبر خطاب أيديولوجي يبرر ديمومتها. فظهرت دعوات إلى كيانات مذهبية أو مناطقية، أو مشاريع سياسية تتغطى بشعارات دينية أو حقوقية، وتتعامل مع الحالة الاستثنائية بوصفها وضعاً دائماً.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل محاولات إضفاء شرعية فكرية على هذه السلطات، سواء عبر الدعوة إلى «كيانات سنّية» أو عبر طرح نماذج دستورية تقوم على المحاصصة الطائفية أو القومية، تحت لافتة حماية الأقليات أو إدارة التنوع.

إشكالية مصطلح «المكوّنات»

يمثل مصطلح «المكوّنات» جوهر الإشكالية المفاهيمية في النقاش السوري المعاصر. فهذا المصطلح، في ظاهره، يبدو توصيفاً محايداً للتنوع الاجتماعي، لكنه في عمقه يحمل تصوراً سياسياً للدولة بوصفها تجميعاً لكيانات متجاورة، لا مجتمعاً وطنياً واحداً.

إن استخدام هذا المصطلح يفترض، ضمناً، أن المجتمع يتكوّن من وحدات متقابلة ومتساوية الوزن، لكل منها تمثيل سياسي مستقل، وهو افتراض لا ينسجم مع التاريخ الاجتماعي والسياسي لسورية. فالتنوع السوري لم يكن، في أي مرحلة تاريخية، أساساً لتقسيم السيادة أو تقاسم الدولة، بل كان جزءاً من نسيج اجتماعي واحد، تحكمه هوية وطنية عامة.

بين التعدد والتنوع: فارق جوهري

يميل الخطاب السياسي المعاصر إلى الخلط بين مفهومي «التعدد» و«التنوع»، رغم أن الفرق بينهما جوهري. فالتعدد، بالمعنى السياسي، يشير إلى وجود كتل سكانية متقاربة عدداً ووزناً، لكل منها حضور سياسي مستقل، وهو وضع نادر تاريخياً. أما التنوع، وهو الحالة السورية، فيشير إلى وجود أغلبية ثقافية ولغوية تمنح الدولة إطارها العام، إلى جانب أقليات قومية ودينية تتمتع بحقوق دستورية وقانونية تصون خصوصياتها.

إن تجاهل هذا الفارق يقود إلى إسقاط نماذج سياسية غير ملائمة على الواقع السوري، ويحوّل التنوع من مصدر غنى اجتماعي إلى مشكلة سياسية يُفترض حلّها عبر المحاصصة.

المجتمع السوري: تاريخ من العيش المشترك

يضم المجتمع السوري تنوعاً قومياً ودينياً ومذهبياً واسعاً، شارك بمختلف مكوّناته في بناء الدولة الحديثة، وفي النضال ضد الاستعمار، وفي الحياة الثقافية والاقتصادية. ولم يكن هذا التنوع، في تاريخه العام، سبباً لصراع أهلي شامل، بل جرى توظيفه سياسياً في ظل أنظمة استبدادية اعتمدت سياسات التمييز والإقصاء.

كما أن مشاركة مختلف فئات المجتمع السوري في الحراك الشعبي، وتقديمها تضحيات جسيمة، تؤكد أن جوهر الصراع كان سياسياً، لا هوياتياً، وأن اختزاله في صراع «مكوّنات» يُعد تشويهاً لطبيعته.

خطاب حماية الأقليات والمحاصصة

رافق انتشار خطاب «المكوّنات» تصاعد خطاب «حماية الأقليات»، الذي يبدو في ظاهره إنسانياً، لكنه كثيراً ما يُستخدم لتبرير مشاريع سياسية تقسيمية أو تدخلات خارجية. وقد أظهرت التجارب المقارنة أن أنظمة المحاصصة، التي تُقدَّم بوصفها ضمانة للاستقرار، تؤدي في الواقع إلى شلل سياسي، وتفكيك مؤسسات الدولة، وتعزيز نفوذ نخب فئوية على حساب الصالح العام.

وتكشف التجربتان اللبنانية والعراقية بوضوح أن المحاصصة لا تحمي الأقليات، بل تحوّلها إلى رهينة لزعامات طائفية، وتعيد إنتاج الأزمات بدل حلّها.

الدولة الوطنية وإدارة التنوع

إن الدولة الحديثة لا تُبنى على توازنات هوياتية هشة، بل على مبدأ المواطنة المتساوية أمام القانون، وعلى مؤسسات حيادية، وهوية وطنية جامعة. وإدارة التنوع لا تعني تقاسم السلطة على أسس طائفية أو قومية، بل ضمان الحقوق الفردية والجماعية ضمن إطار وطني واحد.

وقد أثبتت التجارب الديمقراطية المستقرة أن الدول لا تنجح لأنها ألغت التنوع، بل لأنها نظّمته قانونياً دون تحويله إلى أساس للسيادة أو الحكم.

استعادة البوصلة المفاهيمية

في السياق السوري، تصبح إعادة النظر في اللغة السياسية ضرورة تأسيسية، لأن المصطلحات ليست أدوات وصف محايدة، بل عناصر فاعلة في تشكيل الوعي الجمعي. وإذا استمر توصيف المجتمع السوري بمنطق «المكوّنات»، فإن ذلك يمهّد لإعادة إنتاج الانقسام والاستبداد بصيغ جديدة.

إن سورية ليست فسيفساء متنافرة، ولا كياناً قابلاً للتقسيم، بل وطن واحد غني بتنوعه، ولا يمكن أن يستقيم مستقبله إلا بدولة مواطنة، لا دولة محاصصة، ودولة قانون، لا دولة هويات متنازعة.



#مختار_فاتح_بيديلي (هاشتاغ)       Dr.mukhtar__Beydili#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العدالة أول الطريق سوريا ليست ملكًا لأحد، بل للشعب
- سوريا وأذربيجان .. بين الماضي المتجذر والمستقبل المحتمل
- -سوريتي فوق كل الاعتبارات- هذه ليست مجرد عبارة، بل هي وعد وع ...
- الخلافات الفصائلية في الشمال السوري تفرز أنماطاً متقلبة من ا ...
- اهذا الوطن يستحق سرقته يا من تدعون الوطنية والوطنية منكم بري ...
- تركمان سوريا في في ظل الانتداب الفرنسي
- الزعيم التركماني السوري حاج نعسان آغا بن كال محمد مصطفى باشا
- التركمان في العراق وسوريا يفتقرون إلى الكتاب
- الوضع التركماني في الدول التي يعيش فيها التركمان، يمر بمأزق
- 20 سبتمبر - يوم السيادة لجمهورية أذربيجان على كامل ترابه
- -حرب باردة- في العلاقات الروسية الإيرانية في ظل التناقض الأي ...
- الجمهورية السورية ..لكل السوريين
- التركمان -(عرب التركمان) والأعراق المختلفة الأخرى في شرق الم ...
- من المستفيد الأكبر من فوز أردوغان في الإنتخابات الرئاسية.
- أردوغان -الزعيم الوطني القوي الذي لا يقهر-
- من ذاكرة التاريخ ... مراسم دفن الغازي مصطفى كمال أتاتورك مؤس ...
- أصول قبيلة الرشوان أو ريشفان حسب تقارير القبائل (في الأرشيف ...
- ملحمة أرغينيكون -نوروز -عيد نسائم الربيع
- نحن التركمان سوريون أولا وثانيا وثالثا وعاشرا.. وتركمانيتنا ...
- حراس ثغور الاقصى …تركمان فلسطين .!


المزيد.....




- -باتمان- يظهر في مجلس مدينة بكاليفورنيا.. ويطالب بعدم دعم عم ...
- الكرملين: موسكو وافقت على -طلب شخصي- من ترامب بوقف ضرب كييف ...
- فوق السلطة.. هل خسرت عائلة الأسد سوريا وربحت لبنان؟
- أسطورة الروك بروس سبرينغستين يطلق أغنية مهداة لمينيابوليس تن ...
- أمطار وسيول تدفع المغرب لرفع مستوى التأهب شمالي البلاد
- بوتين يوافق على طلب ترمب وقف الهجمات على كييف مؤقتا
- عندما تُسكت الآلة الضمير.. كيف يغير الذكاء الاصطناعي علاقتنا ...
- -أطباء بلا حدود-: سلامة موظفينا أولوية ولن نشارك بياناتهم مع ...
- حكايات ملونة على جدران صماء.. كيف أعاد فن الشوارع صياغة روح ...
- غارديان: وحدات المستوطنين بالجيش الإسرائيلي تعمل كمليشيات با ...


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مختار فاتح بيديلي - سورية بين وهم «دولة المكوّنات» وأفق الدولة الوطنية