عبدالرحمن مصطفى
الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 10:08
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
تعيش الليبرالية كنظام سياسي اقتصادي واجتماعي في أزمة عميقة تشبه كثيرا أزمة النظام العالمي الليبرالي ما قبل الحرب العالمية الأولى ،وتبرز أزمة الليبرالية أكثر في الصراعات الدولية والقومية التي يمر بها العالم مع محاولات جادة لتغيير أسس النظام العالمي الجديد الذي انبثق بعد انهيار المعسكر السوفيتي في نهاية القرن الماضي لا شك أن النظام العالمي الحالي يمتد في جذوره إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية وانهيار المحور الفاشي والنازي لكنه أخذ مسارا جديدا مع انفتاح أسواق الصين ودول الاتحاد السوفيتي السابق وأوروبا الشرقية وخفوت الإيديولوجية الشيوعية وحتى الاشتراكية الديمقراطية في العالم الغربي ،ومع احتفاء الغرب ببزوغ نظام جديد يتجاوز التكتلات والانقسامات الإيديولوجية التي صبغت النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي مما حدا ببعض المتحمسين الليبراليين بالادعاء أن البشرية وصلت الى نهاية التاريخ كما في كتاب فوكوياما الشهير نهاية التاريخ والإنسان الأخير .
لكن هذه الرؤية الطوباوية أغفلت التاريخ الذي شهد عدة محطات على تفجر تناقضات النظام الليبرالي وما أعقب ذلك من حروب وصراعات قارية في أوروبا أو دولية ،وهذا نابع أساسا من رؤية ايديولوجية أغفلت حقائق الصراع العالمي في الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا وهذه الغفلة وقع بها قادة الاتحاد السوفيتي فظنوا فعلا أن الاتحاد السوفيتي على نفس المستوى مع أمريكا دون أي التفات لعمر التجربة الأمريكية وسياقاتها التاريخية الفريدة التي تجعل من محاولة تكراراها أشبه ما تكون بمحاولات سيزيف العبثية في رواية ألبير كامو الشهيرة
الليبرالية ليست نظاما جديدا وهي شهدت فترات من الخفوت والانتعاش خلال الخمسمائة سنة الماضية فبعد صلح وستفاليا الذي أنهى عصر الحروب الطائفية في أوروبا والامبراطورية الرومانية المقدسة بشكل خاص شهد العالم بعدها موجة من ازدهار الفكر الليبرالي التحرري مع جون لوك وديفيد هيوم وادم سميث والتنويريين الفرنسيين الخ..
التراجع عن القيم الليبرالية الديمقراطية من قبل الدول التي تبنتها يشير إلى أزمة حضارية تعيشها دول الغرب ،تشبه تلك الأزمة الأيديولوجية التي أصابت كوادر الحزب الشيوعي السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي ،هناك تفكك ايديولوجي وتشكيك بجدوى العولمة الليبرالية وتشكيك بقيم الليبرالية وتشكيك بجدوى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو وما يحدث من صراع على غرين لاند هو أحد عوارض هذه الأزمة،فعندما تتفاقم الأزمة الاقتصادية وتزداد الدول ترهلا اجتماعيا واقتصاديا يصبح من المحال المحافظة على التوازنات القائمة ..
ما يشهده العالم اليوم من عودة الحمائية الجديدة وهي ليست عبثية بالكامل كما يحاول أن يصور البعض نعم حمائية ترامب الجديدة هوجاء وتفتقر الى النظرة المعمقة لترابط الاقتصاد العالمي وتوزيع الأدوار بين الدول لكن على الأقل فيما يتعلق بالصين رسوم ترامب فعلا استهدفت حماية الشركات العملاقة ذات العلامات التجارية القوية من القادمين الجدد من الصين خصوصا في قطاع صناعة السيارات ،سابقا كانت الشركات الأمريكية تعقد شراكات مع الشركات الصينية في مجال تجميع أجزاء السيارة مثلا وهذه طبعا تباع في السوق تحت العلامة التجارية الأمريكية لكن الصين الآن تنافس في مجال العلامة التجارية وتحررت فعلا من سلاسل التوريد الأمريكية واليابانية الى حد كبير لذا لم تعد بحاجة فعليا للاستثمار الأجنبي المباشر كما كان في السابق!
.
الليبرالية هي هوية الغرب في الخمسمائة سنة الماضية ،رغم بزوغ فترات غير ليبرالية كثيرا في التاريخ الأوروبي والمقصد هنا ليس حركات وأحزاب معادية لليبرالية كالنازية والفاشية ،بل أيضا سياسات وتوجهات غير ليبرالية في أمريكا نفسها مع ألكسندر هاملتون مثلا الأب الروحي للسياسة الحمائية والذي لم يكن يؤمن بقدرة السوق على توليد التنمية بذاته وسياساته استمرت بالعمل 150 عام على الأقل من فترة ما بعد الحرب الأهلية في أمريكا الى ما بعد الحرب العالمية الثانية ، اقصد امريكا الحمائية والمكتفية بذاتها والتي لاتصدر ايديولوجيا للعالم الخارجي ،إنما كانت امريكا القومية المؤمنة بروحها وثقافتها المحلية مع هذا تبقى الليبرالية هي الهوية السياسية للغرب ،وهي الهوية الايديولوجية فالحريات والحقوق المدنية كلها مرتبطة بالفلسفة الليبرالية .
اليوم تعيش الليبرالية في أزمة عميقة لا يقتصر الأمر على بروز القومية الاقتصادية والتي تنافح نمط الاقتصاد السائد منذ ثمانينيات القرن الماضي أي النيوليبرالية ،النمط العولمي الذي يترافق مع توزيع أدوار محدد بين الدول وقبول كل دولة بدورها ،اليوم نعيش أزمة إيديولوجية أيضا لليبرالية ،فالقومية الاقتصادية تترافق مع نزعة محافظة وقومية هذه النزعة تترجم الى رفض كل أو معظم القيم الليبرالية من حريات مدنية اجتماعية وثقافية وسياسية وحتى اقتصادية ،لعل الدولة الأبرز الممثلة لهذا النزوع المعارض لليبرالية هو روسيا ممثلة ببوتين الذي يرفض القيم الغربية خصوصا تلك التي تفجرت بعد حركة الحقوق المدنية واحتجاجات 1968 ،والصين تمثل النقيض لليبرالية الاقتصادية المعولمة كما تشكلت في الأربعة عقود الأخيرة ،الليبرالية في الغرب ذاته في مشكلة ليس على المستوى الاقتصادي فقط بل السياسي أيضا ،الاتحاد الأوروبي الذي مثل ذروة الليبرالية الغربية في العقود الأخيرة يواجه صراعات بين أعضائه خصوصا أولئك الذين يرون أن الاتحاد الأوروبي خلق لخدمة ألمانيا قبل أي طرف آخر لهذا هناك نزوع يميني وفاشي حتى في دول الاتحاد الأوروبي فالأحزاب اليمينية اعتلت الحكم في أكثر من دولة وهناك ميل رافض واضح تجاه اليسار الغربي المؤمن بالعولمة وبالليبرالية ،هناك نزوع نزوع قومي ويستافالي جديد ويطالب بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء إلى ما قبل الاتحاد الأوروبي ،وروسيا تتواءم طبعا مع هذا النزوع بل تشجعه ،وهنا يشتد الصراع بين حملة المشروع العولمي الغربي وبين أولئك القوميون ومن الصعب أن ينتصر حملة المشروع العالمي مع التراجع الكبير الذي يشهده الغرب ،لذا سيناريو الاتحاد السوفيتي فيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي لن يكون احتمالا بعيدا.
.
هناك من يرون أن أساس الانحدار الغربي هو في ضعف وخفوت النزعة الدينية القومية التي هيمنت على المجتمعات الغربية من نهاية القرن الثامن عشر وحتى سقوط الاتحاد السوفيتي كإمانويل تود مثلا الأنثروبولوجي صاحب كتاب هزيمة الغرب ؛الذي يرى فيه أن الغرب يعيش حالة من التراجع والتفكك البطيء وذلك كنتاج لزوال مفهوم الدولة -الأمة في الغرب ،فالغرب لم يعد يفصل بينه وبين بقية العالم ،المشروع الأمريكي هنا لا ينظر الى شرق أسيا وشرق أوروبا وحلفائه كدول منفصلة بل هي جزء من الامبراطورية العولمية وهكذا ينظر الأوروبيون أيضا ،لكن هذا التفسير الديني الثقافي لا يعكس الواقع كما هو ،فالصين مثلا شهدت حالة من تراجع حضور الدين في الحيز الاجتماعي خصوصا مع العقود الأربعة الأخيرة من الانفتاح لكنها تشهد نهوضا قوميا وتقدما اقتصاديا ،أصل المشكلة هو في انفتاح الأسواق العالمية وتوزيع الأدوار وتقسيم العمل وأخذ الدول الغربية وظيفة المونتور في سلاسل القيمة ،والان يتراجع الغرب مع صعود الصين ومع ابتعاد دول وازنة عن هذا التقسيم شيئا فشيئا .
الديمقراطية لا تخلق من فراغ ،وفي الصراعات تصبح الديمقراطية ترفا خصوصا مع انحدار تدريجي حضاري في منافسة الآخرين ،هذا ما يفسر مثلا صعود هتلر وحزبه النازي بعد انهيار الاقتصاد الألماني بشكل عميق وقيمة العملة هبطت بالآف مضاعفة بشكل رئيسي نتيجة لنظام التعويضات الشديد الذي فرض عليها في معاهدة فرساي فضلا عن استبعادها من التصدير الى دول أوروبا وأمريكا،هنا جاء هتلر وأعاد الاستقرار النقدي والمعيشي والاجتماعي الى الاقتصاد الألماني ،قبل أن يدخل ألمانيا في حرب مدمرة بعد 6 سنوات من وصوله الى الحكم.
ختاماً
مشكلة الليبرالية التي يتبناها الغرب أنها غارقة في الصوابية السياسية وغير قادرة على التعاطي مع أعدائها بالروح القومية التعبوية،أوروبا اذا أرادت أن تواجه روسيا والصين وحتى أمريكا مستقبلا فهي من المرجح أنها ستكف عن كونها أوروبا موحدة حينها! لأن ذلك يتطلب إحياء الروح القومية وأحزاب اليمين هي من تتبنى هذه الرؤية ،ليس هناك مشروع عولمي قابل للحياة الآن مع عودة الروح القومية وهنا مأزق الليبرالية فنحن لا نعيش في عقد التسعينيات عندما كانت موازين القوى لصالح الغرب في الاقتصاد والسياسة والتطور العسكري ،هناك معطيات جديدة ،وبالاستعانة بإمانويل تود يمكن القول أن أوروبا لا تتصرف بمنطق القوة القومية الساعية لفرض رغباتها على الآخرين بل بمنطق ليبرالي يساري والتي تعتمد الصوابية السياسية والرؤية الانسجامية وهيكل اقتصادي وشكل سياسي يتناقض مع ما يتطلبه الصراع مع قوى كبيرة كروسيا والصين وحلفائهم ،لهذا الغرب يسير في اتجاهين إما الى التفكك القومي والانعزال والعودة الى ماقبل الحرب العالمية الثانية مع ما يتطلبه ذلك من إحياء الروح القومية والنزعة الدينية البروتستانتية في الدول الغربية الرئيسية وهذا الأمر ليس سهلا في ظل التعقيد الاقتصادي للعولمة ونمط تقسيم العمل الذي هيمن من ثمانينيات القرن الماضي فضلا عن تشبع الغربيين بالروح الليبرالية والنزعة الفردية التي يصعب تكييفها مع اقتصاد حرب قومي وكذلك الحجم الكبير للمهاجرين في الدول الغربية والذين يتبوؤون مناصب عليا خصوصا في بريطانيا ووجود هؤلاء يصعب عملية إحياء الروح القومية أو أن يتجه الغرب إلى آلانهيار والتفكك البطيء فلا يمكن مواجهة خصوم قوميين أقوياء بمنطق الليبرالية . . لهذا الغرب يواجه مأزق وهو مأزق الحضارة الانسانية ككل أيضا.
#عبدالرحمن_مصطفى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟