أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - طيب الفحلي - الحقّ في الاختلاف أم هل هناك حقيقة مطلقة؟














المزيد.....

الحقّ في الاختلاف أم هل هناك حقيقة مطلقة؟


طيب الفحلي

الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 21:40
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


متى يكون للاختلاف معنى؟ يكون للاختلاف معنى عندما يكون حول القضايا الجذرية، مثلًا: الاختلاف في المعتقد، أو التصوّر، أو الإيديولوجيا، أو الرؤيا الاستراتيجية أو السياسية؛ فلا معنى له عندما يكون حول أمر بسيط.
لماذا يتمّ رفض الاختلاف؟ فرغم ادّعاء قبوله قولًا، يتمّ رفضه فعلًا وسلوكًا. ويتمّ هذا الرفض عندما يعتقد الإنسان أنّه يمتلك الحقيقة المطلقة غير القابلة للنقاش. فإذا أخذنا مثلًا الشخص المسلم، نجده يدّعي امتلاك حقائق مطلقة، مسلَّمات، حول مفهوم الله/النبي/الرسول/القيم/الأخلاق... وبالتالي يرفض معتقداتٍ أخرى تختلف عن معتقداته ومقارباته ورؤاه. وينطبق الأمر نفسه على الشخص اليهودي الذي يصنّف نفسه باعتباره من شعب الله المختار، والذي تمّ اصطفاؤه دون سائر الناس الآخرين، ولذلك يعتقد أنّه مالك للحقيقة.
في هذه الحالات نكون أمام أشخاص لم يفهموا بعد الطرح الذي قال به الفيلسوف الألماني كانط (Emmanuel Kant)، الذي اعتبر أنّ الناس سواسية، ولا أفضلية لأحدهم على الآخر، لأنّ الإنسان غاية في حدّ ذاته، يستحقّ التقدير والاحترام لامتلاكه العقل، كما أنّه لا ينبغي التمييز بين الناس على أساس المعتقد أو الإيديولوجيا أو العرق أو اللون...
إنّ ما يجعل الشخص يرفض حقّ الآخر في الاختلاف عنه هو اعتقاده أنّه يمتلك الحقيقة المطلقة. ولكن هل هناك بالفعل حقيقة مطلقة؟
ما لا يدركه هؤلاء هو أنّ الحقيقة نسبية، وأنّه ليست هناك حقيقة مطلقة. فحتّى في العلوم الصلبة، المعروفة بنتائجها العلمية الدقيقة والموضوعية، لم تعد هناك نظرية تمثّل حقيقة مطلقة. ذلك أنّ النظريات العلمية لم يعد يطبعها التراكم كما هو الحال في العلم الكلاسيكي، وإنّما يطبعها التجاوز. فالنظرية لم تعد صالحة دائمًا، أي لكلّ زمان ومكان، وإنّما تظلّ صالحة داخل سياق زماني ومكاني محدَّد. كما يجب أن تكون قابلة للتكذيب والتفنيد، وإلّا لما عُدَّت نظرية علمية. وهذا ما تحدّث عنه كارل بوبر (Karl Popper) عندما طرح معيار القابلية للتكذيب باعتباره المعيار الذي يمكننا من معرفة مدى صدق وصلاحية النظرية العلمية. ولا تُعَدّ نظرية علمية، حسبه، إلّا تلك النظرية التي يمكن تكذيبها وتفنيدها في المستقبل. وهكذا، فالنظرية لا تمثّل حقيقة مطلقة وثابتة يمكن اعتمادها بصفة قطعية ونهائية.
وفي مجال الفلسفة نجد الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche)، الذي يرى أنّ ما نسمّيه حقيقة ليس سوى أفكار كرّستها الطبقة المسيطرة في فترة زمنية سابقة، ولأنّنا توقّفنا عن إعمال العقل فيها، أصبحنا نعتبرها حقائق مطلقة. فليس هناك حقائق، وإنّما توجد تأويلات فقط:
(Il n’y a pas de faits, seulement des interprétations).
وحسب المقاربة البراغماتية لوليام جيمس (William James)، يمكن القول إنّ الحقيقة مرتبطة دائمًا بالمنفعة؛ فما هو مفيد بالنسبة لي يمثّل الحقيقة، وما هو غير مفيد يمثّل اللاحقيقة. وبناءً على ذلك، فالحقيقة نسبية، لأنّ ما هو نافع لي قد يكون غير نافع لغيري، وبالتالي فهو يمثّل الحقيقة بالنسبة لي واللاحقيقة بالنسبة لغيري.
إذن، عندما ندرك أنّ الحقيقة نسبية، يصبح من الضروريّ أن نقبل بحقّ الآخر في الاختلاف عنّا في المعتقدات والإيديولوجيات والمواقف والتصوّرات... ونحن، في الفلسفة، تدرّبنا على هذا المنهج، لأنّ أيّ أطروحة نشتغل عليها تقتضي منّا أن نبيّن قيمتها الفلسفية والفكرية والعلمية والتاريخية من جهة، وأن نكشف نواقصها وحدودها من جهة أخرى. وتُعَدّ هذه المقاربة الفلسفية النقدية حجر الأساس في الدراسات الفلسفية، إذ لا يوجد تصوّر يمثّل حقيقة مطلقة تدعونا إلى الإيمان بها، لأنّ العالم لا ينبغي أن يؤمن، وإنّما أن يفكّر، وأن يبني ويهدم في الآن نفسه: يهدم التمثّلات والأحكام المسبقة، ويبني معرفة علمية رصينة بالاعتماد على مناهج مضبوطة، مع قابليّة هذه المعرفة دائمًا للمراجعة والتطوير، وأحيانًا للتجاوز.

الأستاذ طيب الفحلي:
• كاتب مغربي؛
• أستاذ الثانوي التأهيلي، تخصّص الفلسفة؛
• باحث في الفلسفة والقانون.



#طيب_الفحلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسالة إلى وزير التعليم
- الإضراب حق مشروع... و الإقتطاع من الأجرة سرقة موصوفة
- إلاّ رسول الله أو هل يُفكر الحشد؟
- الغش في الامتحانات جريمة
- التكفير أسهل بكثير من التفكير
- جائحة كورونا و الأسئلة الغبيّة
- الأستاذ المغربي بين المطرقة والسندان
- فيروس كورونا أو الجائحة العالمية
- أيها الرفاق.. هذه وصيتي!
- متى كان السّفيه نموذجاً يُحتذى أو أستاذاً يُقتدى؟
- شذرات(1)


المزيد.....




- شاهد.. محتج ينزع العلم الإيراني ويرفع علم ما قبل الثورة بمبن ...
- هذه تفاصيلها.. ترامب يصدر أمرا لإعداد خطة -غزو غرينلاند-
- -كنت أظنّ أنني الأم الوحيدة التي تبحث عن صغيرها، حتى أدركتُ ...
- مع سعي ترامب لاستثمارات بـ 100 مليار دولار، رئيس -إكسون- يصف ...
- ترامب: -إيران تتطلع للحرية... نحن متأهبون للمساعدة-
- بنغلاديش تسعى للانضمام إلى القوة الدولية المقترح نشرها في غز ...
- نيويورك تايمز: لهذا التزم بوتين الصمت عندما تحداه ترامب بالت ...
- خروج آخر مقاتلي قسد من حلب وعبدي يتحدث عن وساطة دولية
- تقرير: هكذا ستضرب أميركا إيران -إذا لزم الأمر-
- إدارة جائزة نوبل ترد بعد اقتراح الفائزة بمنحها إلى ترامب


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - طيب الفحلي - الحقّ في الاختلاف أم هل هناك حقيقة مطلقة؟