أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى جمال علي - الألم والفرح في التجربة الإنسانية: بحثٌ في جدليّة الوجود














المزيد.....

الألم والفرح في التجربة الإنسانية: بحثٌ في جدليّة الوجود


مصطفى جمال علي

الحوار المتمدن-العدد: 8543 - 2025 / 12 / 1 - 02:02
المحور: الادب والفن
    


منذ أن فتح الإنسان وعيه على العالم، وهو يطارد سؤالًا وجوديًا لا يهدأ: كيف يهرب من الألم؟ وإلى أين يمكن أن يفرّ؟ غير أن الألم ليس خصمًا خارجيًا يمكن الفرار منه، بل هو جزء من نسيج التجربة الإنسانية، يتسلل إلى الوعي كضرورة تُعيد تعريف المعنى. إن الإنسان، في محاولته للهروب من المعاناة، إنما يهرب من ذاته، من ذاك الكائن الذي لا يكتمل إلا حين يواجه وجعه بعينٍ مفتوحة وإرادةٍ واعية.

فالخوف والرجاء هما قطبا التجربة البشرية؛ يتناوبان على النفس كليلٍ ونهارٍ في دورةٍ أبدية. غير أن جوهر التحدي الإنساني لا يكمن في تجنّب الخوف، بل في القدرة على تحويله إلى طاقةٍ من الأمل والفعل. فالحياة ليست معركة ضد الألم، بل محاولة مستمرة لترويضه، لتحويله من عدوٍ إلى أداة وعي.

تتأسس الطبيعة الإنسانية على التناقض، فهي تعيش بين النور والظلمة، بين الوعي واللاوعي، بين اللذة والوجع. قد يفيض النهار بهجةً وانطلاقًا، ثم تأتي الكوابيس لتمتحن سلامنا في عمق الليل. وكأن النفس لا تعرف الاتزان إلا عبر تذبذبها بين المتناقضات. فالسرور النهاري يحتاج ظله الليلي ليكتمل، والهمّ اليومي لا يشفى إلا بحلمٍ يزرع الطمأنينة في الأعماق. ومع ذلك، يظلّ الوعي اليقظ هو الميدان الحقيقي الذي تتكوّن فيه تجاربنا الأكثر رسوخًا؛ فالأحلام زائلة، بينما الألم الواعي يخلّد أثره في الذاكرة وفي التكوين الروحي للإنسان.

الهرب من الألم عبث، كما أن السعي إليه خيانة للفطرة. لكن بين الهرب والاستسلام طريقٌ ثالث: الفهم. فحين يُدرك الإنسان معنى الألم، يتحرر من سلطته. اللذة لحظة فردية، أما الفرح فهو بناءٌ جماعيّ، ثمرة وعيٍ ومشاركة، وصيرورة تنبع من الداخل. والضحك في جوهره فعل مقاومة، ليس هروبًا من الوجع بل إعلانًا للسيادة على الخوف، كأن الجسد والعقل يتآمران ليقولا للعالم: “ما زلت أملك نفسي.”

الألم يأتي دون استئذان، أما الفرح فهو ثمرة الجهد والإبداع. إنه نتاج إرادةٍ تعرف كيف تحوّل الحزن إلى طاقةٍ خلاقة، وتعيد صياغة الضعف قوةً جديدة. وهنا تكمن فضيلة الإنسان الكبرى: قدرته على صناعة الفرح رغم إدراكه لمحدوديته، على تحويل الفناء إلى معنى، واليأس إلى فعلٍ خلاق.

أما النسيان، فليس خيانةً للذكرى بل حكمة الطبيعة في حفظ توازن النفس. فلو ظلّ الإنسان يعيش في عمق جراحه دون انقطاع، لتفكّك وانهار. النسيان يغطي الجرح بغلالةٍ من الغبار الرقيق، لا ليطمسه، بل ليمنح النفس فرصة الشفاء. لذلك لا يُمَجَّد الألم إلا عند من فقدوا القدرة على تجاوزه. فالمتألّم حين يعبد وجعه يصبح رهينةً له، والشعوب التي تمجّد معاناتها تُحكِم قيودها بنفسها، لأنها لم تتعلم كيف تصنع من الألم وعيًا، ومن الجراح نهضة.

القضية ليست في رفض الألم ولا في تمجيده، بل في تجاوزه بالعمل، بالإبداع، بالانشغال الذي يهب للحياة معناها. فكما قال بلزاك: “لا يأتي شيء إلى الإنسان كاملاً مثلما يأتيه الشقاء.” غير أن الشقاء لا يُقاوَم بالدموع ولا بالمراثي، بل بالخلق: بالشعر، بالموسيقى، بالفن الذي يُعيد الإنسان إلى إنسانيته. غير أن ثقافتنا العربية كثيرًا ما انحازت إلى البكائيات، حتى صار الألم جزءًا من هويتنا الجمالية، لا بوصفه وعيًا بل استسلامًا.

الفرح إذن ليس ترفًا ولا نزوةً عابرة، بل ضرورة وجودية. إنه فعل مقاومة، وإعلان حرية، وتجديد مستمر للذات في وجه القهر. فالفن الذي يبعث الأمل ليس مجرد ترفٍ جمالي، بل فعل تحرّر من كل قيدٍ يفرضه الخوف أو السلطة أو العجز. وعندما ينجح الإنسان في تحويل ألمه إلى بصيرة، وجراحه إلى معرفة، يصبح سيد نفسه، لا رهينة قدره. وهنا فقط يتجلّى معنى الانتصار على الوجود ذاته — حين يصبح الألم ضوءًا، لا عبئًا.



#مصطفى_جمال_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق 2025: الوجوه التي لا تستحي البلاد التي تُعيد انتخاب ج ...
- حين فهمت لندن ما لم تفهمه بغداد بعد!
- الـ جنة كرهان وجودي: بين فلسفة العبث، الإلحاد، والإنسانية
- التطرف الديني: عندما تصبح الأساطير تهديداً للحريات
- “لحم الخنزير المحرّم: طقوس غامضة وأساطير وصراعات سرية تُعيد ...
- رحلة البسطامي: من ظاهر الحج إلى أعماق العرفان
- “الكائنات الفضائية، الأطباق الطائرة، والمحاكاة: هل نعيش في و ...
- -لعنة الطفل: أنياب في قلب الظلام-
- كيف تعرقل الدول الإسلامية حقوق المثليين في العصر الحديث
- زواج القاصرات في القانون العراقي: خرق لحقوق المرأة بتشجيع من ...
- -العنصرية: الحصن الأخير لحماية الهوية الغربية من تهديد الثقا ...
- اللغة: بين بناء الهوية وتفكيك الإنسانية - رحلة في أعماق التأ ...
- الانتهاكات ضد أفراد مجتمع الميم في العراق: تطورات الاضطهاد ا ...


المزيد.....




- احتفاء مغربي بالسينما المصرية في مهرجان مراكش
- مسرحية -الجدار- تحصد جائزة -التانيت الفضي- وأفضل سينوغرافيا ...
- الموت يغيب الفنان قاسم إسماعيل بعد صراع مع المرض
- أمين معلوف إثر فوزه بجائزة أدبية في المكسيك: نعيش في أكثر عص ...
- الدرعية تحتضن الرواية: مهرجان أدبي يعيد كتابة المكان والهوية ...
- أمين معلوف إثر فوزه بجائزة أدبية في المكسيك: نعيش في أكثر عص ...
- يهود ألمانيا يطالبون باسترداد ممتلكاتهم الفنية المنهوبة إبان ...
- هل تقضي خطة ترامب لتطوير جزيرة ألكاتراز على تقاليد سكانها ال ...
- محافظ طولكرم ووزير الثقافة يفتتحان مهرجان ومعرض يوم الكوفية ...
- حاز جائزة الأوسكار عن -شكسبير عاشقا-.. الملك تشارلز ينعى الك ...


المزيد.....

- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية
- الذين باركوا القتل رواية ... / رانية مرجية
- المسرواية عند توفيق الحكيم والسيد حافظ. دراسة في نقاء الفنون ... / د. محمود محمد حمزة
- مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة. الطبعة الثانية / د. أمل درويش
- مشروع مسرحيات مونودراما للسيد حافظ. اكسبريو.الخادمة والعجوز. ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى جمال علي - الألم والفرح في التجربة الإنسانية: بحثٌ في جدليّة الوجود