أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عروب عيبال - أثقل من أن يحمله الهواء














المزيد.....

أثقل من أن يحمله الهواء


عروب عيبال

الحوار المتمدن-العدد: 8523 - 2025 / 11 / 11 - 19:36
المحور: الادب والفن
    


كان يقيني به أثقل من أن يحمله الهواء. هكذا تبدأ حكايتي، أنا الغولة المقصية التي أعرفُ ما يجب أن يُنسى، والتي تورطت برجل حتى غدوتُ حارسة أسراره المكنونة، لم أعد أذكر أي صيف كان ذلك، لست متأكدة، لكني أتذكر بوضوح كلي كيف بدأت القصة، تحت سقف القوس الحجري العتيق، مرصع بوهج فوانيس الزيت النحاسية التي تتقيأ الضوء الأصفر المريض، وكأنه آخر شمس رأتها المدينة قبل أن يظهر الرجل الذي جلس تحت القوس تماماً، لقد انبثق من الضوء، وقد استعادت بشرته ملوحة أيام لم يعرف فيها النوم سوى على الحافة، لا ينظر إلى أحد ولا يتحدث مع أحد، هاديء لأنه عاش كل ما لا يمكن تخمينه، ويقظ لأنه يتوقع الآتي مثل مُنجّم، يبدو وكأنه نُحت من صخر قديم، في عينيه الضيقة المستطيلة انكماش مزمن وخفيف عند الزاوية كأنه يراقب شيئا داخلياً أو ربما بعيدا، محتجزة تلك العيون بين الهدوء واليقظة، الغموض والثقل، لا تبدو هادئة تماماً، رغم الابتسامة الخافتة على الثغر المنقبض، التي يمكن القول أنها ملغزة ساردة إلا أنها توحي بالوداعة حتى لو ظهرت مجرد حركة عضلية ثابتة على الوجه، ثم هناك انفصال بين شفته المنعقدة وجمود العين، ربما بسبب تجعيدات خفيفة وانتفاخات توحي بتاريخ طويل من الخبرة، لم أر في حياتي لمعة عين رطبة، عيونه تحمل رطوبة الأيام الأولى لشهر حزيران من العام التاسع.
شاربه ولحيته القصيرة، بلون الصدأ الخفيف، لم تكن كثيفة بما يكفي لحجب سرّه، إنما كافية لتحكي قصة غامضة يحملها كحرز كتبه له كاهن مرتل، بعد أن حفر اسمه في خرطوش بيضاوي مؤطر ومحصن حفظ هويته الطلسمية، ودوّن حكايته على برديّة محفوظة في سرداب تحت الرمال المتحركة في صحراء الجيزة، سرداب جدرانه مطلية بملاط النيل المحمر المختوم بتعويذة حماية صارمة تقول: من يقرب هذه البردية يصاب بهذا الرجل ولا يشفى مطلقاً، لقد كانت ثقيلة بالتحذيرات، لكن الغولة الحارس شقيت بالمعرفة المحرمة حينما عرفت مالذي كان مكتوباً في البردية التي حصنها الكاهن بلعنة الإصابة بمرض لا يبرأ.
ينسكب الشعاع على رأسه الأجرد فيكشف أنه وعاء للذاكرة؛ مكدسٌ بقصص وأصوات مختلطة: بعضها تحول إلى فراشات ملونة وروائح عطرية انتشرت في الأثير بحيث لا يزال عقله قادر على إيجادها والتمييز بينها بمهارة لم تضعفها المدة، ناهيك عن صوت غولة تعشقته حد العذاب إذ كانت تعرف بشكل واضح جميع النسخ التي كان عليها في حياته الماضية، لقد أضحت النسخة الحية من برديته.
ابتسامته الخافتة التي لم تصل إلى عينيه، تحمل عبء خمسة عقود من الوحدة، وحدة رجل أدرك أن العزلة حضور كثيف للأشباح التي تأبى المغادرة، إنه يرتدي دائماً معطفاً ثخينا من الذاكرة وقفازات الصوف حتى في حرارة الصيف تجنباً لبرودة الأبدية، لقد فهم وهو يحدّق في بؤرة الضوء أن هذه الليلة حاشية باهتة على هامش حياته السرية المقوضة، لم يعد بحاجة إلى مصباح معلّق خلفه، فالظلال تجسيد لنقطة تكرار في عقله المعقد، لقد قرأ في البردية المكتوبة بالرماد السر الأكبر فلم يكن هو المحارب الذي عاش، بل كان النسخة التي يُعاد توليدها في كل مرة يتذكر فيها الحكاية.
الآن، وبعد عمره الطويل المرهق بالحجارة، أدرك أن مصيره الشخصي هو الهوية الحقيقية للخالد الفاني الذي تحول إلى صيغة أدبية رقاع في عقل الغولة التي أبدته في كتاب ضخم يحمل أسماءه المحتملة، أما هو فكلما حاول أن يتذكر متى وكيف بدأ هذا كله وجد أن السؤال مقيم في ذهنه رغما عن صلابته، لقد تحول هو نفسه إلى لغز هيروغليفي، أصبح المدخل إلى دهليز المعرفة المغلق، والفتق الوحيد لفكّ لغز برديته المكتوبة، أن يكتشف يوماً ماذا يعني اسمه في لغة لم يتكلمها قط في حياته المتعددة






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مادي مرة أخرى
- باب الحرية
- صفي العقل
- نوايا طيبة
- ست قطط تنام على سريري
- الغولة


المزيد.....




- أبرز ما قاله أحمد السقا عن طليقته وصديقه الفنان الراحل سليما ...
- مسؤول يمني: اليونسكو أوفد بعثة للتحقيق في الانتهاكات التي تع ...
- تركي آل الشيخ يشارك -أجواءًا طربية- من حفل أنغام في رأس السن ...
- من الاحتفال إلى -فيلم رعب-.. تفاصيل حريق مروع في سويسرا
- ترامب ينتقد منح باريس الممثل الأمريكي جورج كلوني الجنسية الف ...
- سيدرا التركية.. مدينة سكنت بها معاصر الزيتون في كل بيت
- المخرج والمنتج كمال الجعفري: فيلمي -مع حسن في غزة- يستخدم ال ...
- لعبة -أحلام على وسادة-.. حين تروى النكبة بلغة الفن والتقنية ...
- مخرج فلسطيني يوثق غزة بالذاكرة البصرية: السينما مقاومة للنسي ...
- -تسويق إسرائيل-.. كتاب يكشف دور الهاسبارا في -غسيل الدماغ- ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عروب عيبال - أثقل من أن يحمله الهواء