أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - بشار مرشد - جائحة الفيتو... وسكسونيا النظام الدولي














المزيد.....

جائحة الفيتو... وسكسونيا النظام الدولي


بشار مرشد
كاتب وباحث

(Bashar Murshid)


الحوار المتمدن-العدد: 8451 - 2025 / 8 / 31 - 21:45
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


##المقدمة:
الخلفية التاريخية للمصطلح
تعود قصة "سكسونيا" إلى إقليم ساكسونيا في ألمانيا القديمة، حيث وُضع نظام قضائي كان يُفترض أن يحقق العدل، لكنه في الواقع كان يُطبَّق بصرامة على الفقراء والضعفاء، بينما يُغضّ الطرف عن النبلاء والأغنياء مهما ارتكبوا من جرائم. ومن هنا وُلد المثل الشهير:
"قانون ساكسونيا هو القانون الذي لا يُطبَّق إلا على الضعفاء."
هذا الإرث التاريخي لم يبقَ حبيس الماضي، بل تحوّل إلى رمز يُستحضر كلما برزت ازدواجية المعايير في تطبيق العدالة.

##تشكل المنظومة الدولية:
عقب الحرب العالمية الثانية، خرج العالم منهكًا من ويلات الصراع، فاجتمعت الدول المنتصرة لتؤسس نظامًا دوليًا جديدًا تحت مظلة الأمم المتحدة، هدفه المعلن حفظ السلم والأمن الدوليين، ومنع تكرار المأساة. وهنا برز مجلس الأمن كأعلى سلطة تنفيذية، لكن تركيبته حملت في طياتها بذور "سكسونيا حديثة": خمسة مقاعد دائمة للقوى المنتصرة، مزوَّدة بالفيتو، مقابل عشرة مقاعد غير دائمة لبقية الدول.

##الفيتو كسكسونيا العصر:
حق النقض "الفيتو" الذي مُنح لتلك الدول الخمس تحوّل إلى أداة لإلغاء تطبيق القانون الدولي متى تعارض مع مصالحها. فهو ليس مجرد صوت معترض، بل "مقصلة قانونية" تُسقِط أي قرار مهما كان الإجماع حوله. وبذلك، يمكن لدولة كبرى أن تُفلت من المحاسبة أو تحمي حليفها، فيما تُترك الدول الضعيفة مكشوفة أمام العقوبات والقرارات. إنه "سكسونيا" بلغة جديدة: القانون على الضعفاء، والفيتو درعٌ للأقوياء.

##أمثلة واقعية على سكسونيا الدولية:

فلسطين: عشرات القرارات الأممية التي تؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بقيت حبرًا على ورق، والفيتو الأميركي حاضر دائمًا لحماية الاحتلال من المساءلة.

العراق: غُزيت بغداد سنة 2003 دون تفويض أممي، بذريعة أسلحة دمار شامل لم يُعثر لها على أثر. ومع ذلك، لم يُحاسَب أحد من صُنّاع الحرب، بينما دفع الشعب العراقي الثمن باهظًا.

المحكمة الجنائية الدولية: اقتصرت ملاحقاتها على قادة أفارقة ودول ضعيفة، في حين ظلّت ملفات جرائم الحروب الكبرى، كفيتنام وأفغانستان وفلسطين، خارج دائرة المساءلة.

التجارة الدولية: تُفرَض على دول الجنوب التزامات وقيود صارمة، بينما تُمنح الدول الكبرى استثناءات وفق مصالحها الاقتصادية والسياسية.


##المقارنة المباشرة:
كما كان قانون ساكسونيا يُطبَّق على الفقراء دون النبلاء، كذلك القانون الدولي يُطبَّق على الدول الضعيفة دون القوى الكبرى. في الحالتين النصوص موجودة، لكن التنفيذ انتقائي؛ العدل مُعلَن، لكن الظلم مُمارَس.

##العدوى السكسونية في الداخل:
لكن الأخطر من بقاء "سكسونيا" على مستوى مجلس الأمن هو تحوّلها إلى عدوى داخلية؛ فالكثير من الأنظمة المحلية استبطنَت هذا المنطق، فأصبح القانون عندها يُطبَّق بصرامة على الضعفاء ويُعطَّل أمام المتنفذين. وكما تنتشر الأوبئة من بيئة موبوءة إلى أخرى، انتقلت سكسونية النظام الدولي إلى الداخل، لتصبح عقلية حكم وسلوكًا مؤسسيًا، يُبرَّر به الظلم باسم السيادة أو المصلحة الوطنية. وهكذا يتضاعف الخطر: ظلم دولي من فوق، وظلم محلي من تحت، وكلاهما يُصادران العدالة ويجعلان القانون مجرد واجهة.

##الخاتمة:
إذا استمر النظام الدولي محكومًا بآلية "سكسونيا" جديدة، حيث الفيتو يُسقِط العدالة، والقوانين تُفرَّغ من مضمونها، فإن الثقة في المؤسسات الأممية ستتآكل تدريجيًا، ليبقى القانون رهينة القوة لا أداة إنصاف. العدالة لا تُجزَّأ، وإذا لم يُكسَر هذا النمط، فسيظل العالم يعيش تحت حكم الغلبة لا حكم القانون.



#بشار__مرشد (هاشتاغ)       Bashar_Murshid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثريا في صحراء الظلام… الغاية التي لم تُدرك بعد
- الغرق في بحر الشعارات…
- الأفلاطونيون... صدى التفهيق في دهاليز السياسة والحكم
- المناورة في الغابة ... واستراتيجية الدفاع الرباعية
- ما بين الوطن والوطنية… كرامة أم تضحية؟ استبدال العدل بالمساو ...
- المناورة.... واستراتيجية الاحتلال في رباعية الحرب
- حماية المؤسسات: كيف تبني الكفاءة والنزاهة سدًا ضد الفساد وال ...
- الصداقة النادرة .. في زمن المصالح العابرة
- العالم الرقمي.. تواصل وحوار أم تهجّم وصراع؟
- الاستقلال والسيادة الحقيقية... هل تُبنى أم تُعطى؟


المزيد.....




- -أسنان التنين-.. ليتوانيًا تنصب أجهزة دفاعية على حدودها مع ر ...
- هل الصيام المتقطع مفيد أم ضار؟ - دراسة حديثة
- بوندسليغا ـ كولن ودورتموند يحققان الانتصار وفولفسبورغ يفرط ف ...
- إندونيسيا: السلطات تستجيب لمطالب المحتجين وتلغي عددا من امتي ...
- حكومة بايرو تواجه خطر الانهيار
- رئيس الحكومة الفرنسية يتهم قوى سياسية بالسعي إلى -إثارة الفو ...
- بعد مقتل رئيس حكومتهم...الحوثيون يعتقلون ما لا يقل عن 11 موظ ...
- الاحتلال يمضي في محاولاته لتهجير سكان غزة تحت وطأة التجويع
- السفير الأميركي في إسرائيل يزور مستوطنة جنوب القدس
- هآرتس تكشف -بقية- تفاصيل خطة احتلال غزة


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - بشار مرشد - جائحة الفيتو... وسكسونيا النظام الدولي