بشارة مرشد
كاتب وباحث
(Bashar Murshid)
الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 15:50
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
الغرق في بحر الشعارات… حين يبتلع البحر الهتاف
الهتاف ملأ الأفق… والبحر ابتلع الحقيقة.
بقلم: بشار مرشد
في قلب الصحراء، حيث تمتد الرمال بلا نهاية، عاش رجل يعرف بالصبر وحساب خطواته في متاهات الصحراء. كانت العواصف بالنسبة له دروسًا، والرياح مدرسة للقوة، والسراب علامة لتمييز الحقيقة من الخيال.
ثم جاء صباح غريب، ووجد نفسه في قرية ساحلية تعج بالناس، أصواتهم ترتفع هتافًا واحدًا:
"البحر خلاصنا… البحر طريقنا إلى الحرية!"
خفق قلبه، وارتفع في صدره شعور غريب. اقترب منه بعضهم وقالوا:
"من لا يقفز معنا، فقد خان الحقيقة، وخان الشرف."
لم يشأ أن يكون خائنًا، فانطلق معهم نحو الأمواج. بدا البحر مرحبًا في البداية، كأن الأمواج تمنحه جناحًا، ورأى على صخرة بعيدة رجلاً يلوّح لهم، صوته يجلجل:
"اسبحوا… اصمدوا… النصر قريب!"
غاص الرجل في الماء، يدفع الأمواج بيديه المرتجفتين، لكنه شيئًا فشيئًا بدأ يرى أن الأصوات حوله تتلاشى، وأن الأجساد التي كانت معه تتبدد. وعندما رفع عينيه نحو الصخرة، لم يجد أحدًا.
كان وحيدًا، وسط المحيط، بلا خطة، بلا قارب، بلا منقذ. الكلمات التي أغرته — صمود، بطولة، نصر — أصبحت صدى فارغًا، بلا قوة.
غاص صدره بالماء، وتجمّدت أطرافه، وفجأة انكشفت الحقيقة المرة: تلك الشعارات لم تكن إلا فخًّا مقنّعًا، نوايا غير بريئة لاختبار البحر الهائج. لم يكن الغريق هنا بطلاً، بل كان ضحية لتجربة أولئك الذين يخشون السباحة، يلوّحون من بعيد ويهتفون بالحماسة، بينما يختبرون قوة الأمواج على الآخرين، في أمانهم على الشاطئ.
في صمت البحر حوله، أدرك أخيرًا: الكلمات لم تُنشئ قاربًا، ولا الهتافات تمنح زعانف. العاطفة وحدها لا تصنع الانتصار، والتاريخ لا يسجل النوايا… بل النتائج.
ومن المؤسف أنه، رغم معرفته بحقيقة السراب، أغراه هدوء البحر المخادع الذي يسبق العاصفة، فوقع في فخ الانجراف وراء السكون الزائف، وتعلم أن البحر لا يرحم من يصدق السراب مهما كان حذرًا أو واعيًا.
#بشار__مرشد (هاشتاغ)
Bashar_Murshid#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟