أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مامند محمد قادر - قصة فصيرة / الحافلة رقم 18














المزيد.....

قصة فصيرة / الحافلة رقم 18


مامند محمد قادر

الحوار المتمدن-العدد: 8383 - 2025 / 6 / 24 - 00:58
المحور: الادب والفن
    


في كل صباح , تصل نسرين الى موقف الحافلات قبل الجميع , لا لأنها على عجل , بل لأنها اعتادت أن تسبق الزمن بخطوة , و كأنها تبحث عن لحظة صافية قبل زحام اليوم .
تركب الحافلة رقم 18 , و تتجه مباشرة الى مقعدها الثابت , قرب النافذة . من هناك تراقب الحياة و هي تمضي خارج الزجاج , مشاهد صامتة تتكرر دون ان تصيبها بالملل . بل كانت ترتاح لذلك التكرار .
خمسة أعوام مرت على غياب زوجها , دون موت مؤكد , و لا خبر . حرب أخذته و لم تعده .
في البداية , كانت تتشبث بالأمل , ثم صارت تتشبث بالصمت , و من ثم اعتادت على انتظار لا يحمل رجعة .
ذات صباح بارد , حين كانت تتابع بعينها ما وراء زجاج النافذة , صعد رجل في خريف العمر الى الحافلة . مظهره بسيط , كان يحمل ملامح رجل أنهكته الحياة دون أن تهزمه .
جلس امامها , لم ينظر اليها , بل الى الخارج .
في البداية لم تنتبه اليه الا كغريب جديد , لكنها لاحظت و بدافع الفضول انه لا ينظر الى الركاب , و لا مهتماَ بما يجري داخل الحافلة , بل ينظر بصمت الى خارج الحافلة .
مر اسبوع , ثم آخر , و الرجل يظهر دائماَ في التوقيت ذاته .
لم يتكلما , ولكن لم يعد بالنسبة اليها غريباَ كما كان . كان هناك شيء بينهما , شيء لا يُرى و لا يفسر .
و ذات يوم , حين توقفت الحافلة فجأة , تمايل جسداهما في اتجاه واحد , و تلاقى نظرهما في ومضة خاطفة . نظرة واحدة فقط , لكنها كانت مثل نسمة ناعمة مرت على صفحة ماء راكد .
كانا يتحدثان بين حين و آخر و في كل يوم بلغة تفهما القلوب , دون كلمات .
حل الشتاء , و تحولت الأحاديث من العيون الى صمت مشترك له مذاق غريب , صمت يقال فيه ما لا يقال .
صارت الحافلة بالنسبة لها موعداَ يومياَ , مع احتمال جديد , مع شخص يعيد ترتيب أنفاسها .
في أحد الصباحات , صعدت لتجده جالساَ يسبقها . حين جلست التفت نحوها و قال لاول مرة بصوت خفيض : - " الحافلة بدونك تصبح باردة " .
كانت جملة عادية , لكنها أربكت نبضها , و أحست بشيء يتحرك في صدرها , شيء يشبه الحياة .
في صباح آخر , أخرج من معطفه ورقة صغيرة , طويت بعناية , و مدها اليها بصمت .
فتحتها بتردد و قرأت : " أنا لا أعرفك , لكن قلبي يذكرك ".
ارتبكت , لم ترد . لكنها احتفظت بالورقة , كمن يخفي شيئاَ ممنوعاَ .
مضت الأيام , و بدأت الأبتسامة تزور عينيها في الصباح , و أصبح للأيام نكهة أخرى .
صار يحمل غصن ياسمين أحياناَ و يضعه قرب مقعدها دون أن يتكلم . و صارت حين تنزل من الحافلة , تشعر بأن شيئاَ خفيفاَ يتبعها .. كالحنين , أو الود دون موعد .
غاب عن الحافلة يوماَ . شعرت بأرتجافة باردة , كأن الغياب يعيد نفسه من جديد . جلست مكانها , لكن العالم بات باهتاَ , شيء ما قد فُقد .
في اليوم التالي , انتظرته , و لم يأت . و في الثالث , صعد فجأة من باب الحافلة الخلفي , اقترب منها و همس : " اردتُ أن أراك حين لا تتوقعينني , لأتأكد أنك تنتظرينني فعلاَ ".
كانت الكلمات مثل الدفء يفكك طبقات الجليد . ابتسمت . لم تتكلم .
مرت أيام , و ذات صباح , كانت الحافلة تقترب من محطتها الأخيرة , كان هو واقفاَ عند الباب , يحمل غصن ياسمين , مده نحوها بهدوء , بلا وعود , ولكن بشيء من الأطمئنان .
شعرت أن قلبها يطرق صدرها . نهظت ببطء و سارت نحوه , و خرجت معه . لم يكن ذلك نزولاَ من الحافلة , بل صعوداَ الى شيء جديد , ربما الى بداية تأخرت . و ادركت ان الحب لا يعود كما كان , بل يعود أجمل مما كان .

* شاعر و قاص عراقي كوردي



#مامند_محمد_قادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة / البديل
- قصة قصيرة / القطار الذي قد يصل
- قصة قصيرة / الطائرة الورقية
- قصة قصيرة / الوجه الذي لم يكن مألوفاً
- عزف على الرمال ... قصة قصيرة للنشر
- ( لا تنس ) قصيدة للنشر
- قصيدة للنشر
- قصيدة
- سقوط في الضفاف


المزيد.....




- ثقافة تخدم الاقتصاد.. كيف أضحت الصناعة الثقافية أفقا للتنمية ...
- كشف تفاصيل علاقته برمضان.. محمد دياب: هذه حكاية فيلم -أسد-
- العين العربية مؤجلة.. ندوة في معرض الدوحة تحفر في علاقتنا با ...
- كتارا تعلن فائزي جائزة كتارا للشعر العربي -أمهات المؤمنين رض ...
- مهرجان كان السينمائي-المسابقة الرسمية تستعيد ظلال الحرب العا ...
- كتاب -سورية الثورة والدولة- يفكك تحولات دمشق بعد سقوط النظام ...
- مهرجان كان: فيلم -توت الأرض-.. عن معاناة العاملات الموسميات ...
- من مخطوطة في العشق
- باريس تستضيف فعالية موسيقية فرنسية لبنانية لدعم الأزمة الإنس ...
- معرض الدوحة للكتاب.. الكَمْلي يستحضر قرطبة وسمرقند ليُجيب عن ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مامند محمد قادر - قصة فصيرة / الحافلة رقم 18