أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سيد كاظم القريشي - حين ابتسمت المراثي (قصة قصيرة)














المزيد.....

حين ابتسمت المراثي (قصة قصيرة)


سيد كاظم القريشي

الحوار المتمدن-العدد: 8330 - 2025 / 5 / 2 - 12:21
المحور: الادب والفن
    


*حين ابتسمت المراثي*
(قصة قصيرة)
إلى ابي وروحه الحاضرة

سيد كاظم القريشي

في كل مرّةٍ أفتحُ درجَ الذكريات، يخرج أبي أولًا. لا يقول شيئًا… فقط يبتسم، ويجلس قبالتي، كأنّه لم يغب يومًا.
وحين تداهمني المراثي، لا تصرخ كما تفعل بالجنائز، بل تتسلل بهدوء، وتضحك مثل طفلٍ ذاق المثلّجات لأول مرّة. كأنّها لا تنعي الموت، بل ترويه بلغة أخرى.
أنا ذاك الطفل. وهذه حكايتي معه… كما حفرتها ملعقةٌ صغيرةٌ في ذاكرتي.

غرستُ الملعقة المعدنية الصغيرة في المثلّجات، ملأتها، ودسستها في فمي. انتابني شعور غامر باللذة، بطعمٍ حلوٍ لم أذقه من قبل. كانت المرة الأولى التي أرى فيها المثلّجات، أو أتناولها.
كان الماء في النهر ينساب كسرب طيورٍ تعِب من الطيران، يحمل على سطحه إسفنجةً بيضاء وبعض النفايات.

كنّا نعيش وسط النخيل، ولم تطأ قدماي المدينة قط قبل هذه المرة. المدينة... يا لها من دنيا أخرى! نابضة بالحركة، صاخبة، ملأى بالمفاجآت: سيارات، تلفاز، رسوم متحرّكة، شوارع مبلطة، محال تجارية... ومثلّجات!
لو لم تلدغني الأفعى، لما رأيتُ كلّ هذا.
الأفعى... كم هي ماكرة، قاسية، كافرة.

– لا تخف، لم يبقَ الكثير ونصل.
– أبي، أشعر بالنعاس.
– إن نِمتَ الآن، قد لا تستيقظ أبدًا.
– إن نمتُ، هل سينتهي ألمي أيضًا؟
– تبًّا! إن نِمت الآن، فقد تفارق الحياة!

قالها أبي وهو يركض بي في الظلام، كأنّه يحمل عمره لا جسدي. ارتعدت مثل كل مرة يصرخ فيها، خفت أن يضربني.
– أشعر بالألم، يا أبي.
– حين نصل إلى المستشفى، سيُخرجون كل السمّ من جسدك، وبعدها كعادتك، ستعود إلى اللعب.
– لا أريد أن ألعب مجددًا.

فرغ الإناء الورقي فجأة. تمنّيت لو تبقّى فيه شيء. لو كنت أستطيع أن آخذ القليل منه إلى أمّي في القرية!
أطبقت كفّيّ الصغيرتين النحيلتين على الإناء الفارغ، ثم رميته في النهر. راقبته وهو يبتعد ببطء، يذوب في الماء كما تذوب لحظةُ سعادة في ذاكرة موجعة.

خرجتُ هذا الصباح من المستشفى بعد عشرة أيامٍ من الرقود. قال الطبيب لوالدي: "لو لم تحالفه رعاية الله، لفقدناه قبل أن يصل إلينا".
آه، في تلك الليلة... كنتُ على حافة الرحيل. كنت أصارع الألم على العرزالة، حتى جاء أبي، وركض بي في العتمة، منحدرًا باتجّاه الهور.

– جسدي يحترق، يا أبي!
– سأشتري لك مثلّجات.
– ما هذه "المثلّجات"؟
– شيء بارد وحلو، ستُحبه كثيرًا.
– أجل، سأشتري لك المثلّجات، وسأشتري لك كلّ ما تريد.

أراقبه الآن وهو يجلس جواري يتناول قطعة خبزٍ يابسة من كيس نايلون مهترئ. لم يذق المثلّجات. فقط ابتسم وهو يراقبني أتلذّذ بها، كأنّ الفرح الحقيقي بالنسبة له، أن يراه على وجهي.

كان العرق يتصبب من جبينه، وثوبه الأبيض تلطّخه بقع من الغبار، كأنّه عبر لأجلي طرقًا لا نهاية لها.

في الطريق إلى هنا، قال لي:
– سترى الدنيا بعد اليوم بشكلٍ آخر، فقط لا تخف من الألم… هو طريق الشفاء.
لم أفهم ما قصده تمامًا، لكنّي تذكّرت قبضته تلك الليلة وهي تشدّ على جسدي، وتُقسم أمام الموت أن لا يأخذني.

جلست على ضفة النهر إلى جواره. نظرت إلى المجرى، فرأيت الإناء الورقي يطفو بعيدًا، نقطةً بيضاء في مياه ملوّثة. ثم غاب. كأنّه أنا، حين كنت على وشك الغياب... وها أنا الآن هنا، حيًّا.
بفضل من؟
ذاك الذي جلس بجانبي الآن… أبي.

– هيا بنا، إن تأخّرنا لن نجد وسيلة نقل.

نهض ومسح يديه بثوبه. مدّ لي كفّه الخشنة:
– هل نعود؟
أمسكت بها، فنهضت. مشينا.

كانت الشمس تميل نحو الغروب، وظلالنا تمتد على الإسفلت كأنّها نقشٌ في لوحة قديمة.
نظرت إليه، ثم همست:
– في المرّة القادمة… سأشتري لك واحدة.
ابتسم من دون أن يجيب. لكنّ عينيه كانتا تضحكان.

وهكذا يسير الحبّ في الأرض... بهيئة أبٍ وابنه.
وها هي المراثي، التي كانت دومًا تتشح بالسواد، نزعت وشاحها هذه المرّة، وجعلت من ابتسامته نشيد نجاة

*٢ مايو ٢٠٢٥*

🔹🔹🔹



#سيد_كاظم_القريشي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طائر الشقراق ( قصة قصيرة)
- منفى الأساطير (قصة قصيرة)
- انت
- لم يحن دورنا بعد!
- لا يسكب ضوءه القمر على الخيّين
- قصيدة نثرية
- لا تشرق الشمس علي ضريح سيد زكي (قصة قصيرة)
- شعر (صور فتوغرافية لحياة مابعد الحداثة)
- يأتي يوم الأحد بعد الثلاثاء (شعر)
- عبید الماء


المزيد.....




- إمبراطورية الست.. تفكيك خمس مغالطات تاريخية في مسيرة أم كلثو ...
- الفنان محمد هاشم في حوار مع (المدى): الدراما في تطور ونمتلك ...
- حكاية مسجد.. مسجد الكهف أو -زاوية درنة- الليبية
- الممثل التجاري الأمريكي: لم تنسحب أي دولة من اتفاقيات الرسوم ...
- وزير التربية السوري يبحث في الحسكة تنفيذ مرسوم تدريس اللغة ا ...
- وزير ألماني ينسحب من الحفل الختامي لمهرجان برلين السينمائي ب ...
- كيف يؤثر التمويل المشروط على الهوية الثقافية في القدس؟
- مخرج فلسطيني يصدح بمهرجان برلين السينمائي: ألمانيا شريكة في ...
- مهرجان برلين السينمائي : رسائل صفراء يفوز بجائزة الدب الذهبي ...
- الأدباء في رمضان.. هجرة من صخب الكتابة إلى ملاذ القراءة


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سيد كاظم القريشي - حين ابتسمت المراثي (قصة قصيرة)