أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - غياث نعيسة - دراسة حول ( الماركسية و - قاطرات التاريخ ) - الجزء الثاني















المزيد.....



دراسة حول ( الماركسية و - قاطرات التاريخ ) - الجزء الثاني


غياث نعيسة

الحوار المتمدن-العدد: 1804 - 2007 / 1 / 23 - 11:35
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


هل التصنيع والتحديث ورأسمالية الدولة تعني الاشتراكية؟
اذا كان المشروع الاصلي لماركس وانجلز ما يزال صالحاَ ، وهو " النضال من اجل مجتمع شيوعي حقيقي يكون فيه الافراد متحررون من اللامساواة الطبقية ومن قمع الدولة" وهو في الوقت نفسه مجتمع " يتجاوز ويرقى مستويات الانتاج والاستهلاك التي تعرفها الرآسمالية ،لذلك فان ندرة المواد الاساسية سوف تزول فيه.. وسيشهد قيام شكل جديد من الحكم الذي سيحل محل بقايا اداة الدولة".
لكن اقتصادات الدولة في ما كان يسمى بالدول الاشتراكية تميزت بسمتين متناقضتين. من جهة هي اقتصادات موجهة(التخطيط) بمعنى انها لم تكن خاضعة للميل المتكرر لازمات فائض الانتاج الذي تشهده الرأسمالية. ومن جهة اخرى، فان هذه الميزة كان يتم اهدارها من قبل ادارة بيروقراطية رديئة ، اضافة الى توجيه الانتاج لصالح تحقيق الاحتياجات الاستهلاكية للبيروقراطية الطفيلية. وهذا التناقض استند عليه طرح بعض اليساريين الذين يصفون هذه الاقتصادات بانها "تقدمية" مقارنة بالرأسمالية "لانها اقتصادات تخطيط" ، واذا كان طرح بعض هؤلاء اليساريين نقدياَ فانه كان يضيف بان هذه الاقتصادات كانت تدار من قبل مستبدين وتعاني من تشوه بيروقراطي.
والحال، فان دينامية اقتصاديات هذه البلدان ( الاتحاد السوفياتي و اوربا الشرقية سابقاَ والصين وكوبا..) انما يكمن في حقيقة اخضاع كل النشاط الاقتصادي من اجل بناء وسائل الانتاج. ومايعنيه هذا من نتائج على كل الصعد.
لأن سيطرة اقتصاد يعمل من اجل بناء وسائل الانتاج – في أي بلد كان- هو الذي يمكن ان يفسر الخلل الهيكلي والفوضى والهدر في كل مجالات الانتاج. فان النمو الصناعي الذي نتج عنه بوتيرة سريعة ترافق مع انخفاض مذهل في منتوجات المواد الاستهلاكية والغذاء والسكن لغالبية السكان. وكان ثمن هذا التوجه هو سحق الوعي السياسي للطبقة العاملة لابتزاز الفائض منها ومن الفلاحين لتحقيق هذا التوجه الاقتصادي من خلال استغلال مضاعف . لانه ،وفق فكرة ماركس ،"فان العمل الحي ليس سوى وسيلة لزيادة العمل المتراكم. اما في في المجتمع الشيوعي، فان العمل المتراكم ليس سوى وسيلة لتحسين واغناء وتعزيز وجود العامل".
ويدعي بعض اليساريين بان البيروقراطية في دول ما كانت تسمى بالاشتراكية لم يكن لها من خيار اخر، سوىتصنيع البلاد باعتباره الطريق الوحيد للدفاع عن الدولة العمالية.
ولكن في الواقع هنالك بديل اخر، وهو القيام بتصنيع محدود لا يدمر ويستنزف حياة العمال والفلاحين ، ويسعى الى تطوير الثورة العالمية كطريق وحيد ، على المدى البعيد، لمنع قوى الانتاج الارقى التي تملكها الدول الراسمالية المتقدمة من ان تستخدم لسحق الدولة العمالية. وقد كان هو الخيار الذي طرحه قادة البلشفة لغاية عام 1924 ومن ثم المعارضة اليسارية . ولكنه لم يكن خيار البروقراطية الستالينية.
ونتيجة ذلك فقد تم دفع الاقتصاد نحو دينامية جديدة ، اذ عوضاَ عن الانتاج لصالح استهلاك الطبقات المختلفة حل الانتاج من اجل التراكم.
واصبح التراكم ، عوضاَ عن الاستهلاك، هو هدف النشاط الاقتصادي ، وهوايضاَ الرد على الضغوط الخارجية.
وباعتبار البيروقراطية الحاكمة كانت جزء اَ من نظام عالمي تنافسي ، .فقد كانت هنا ، تحديدَا، تكمن جذور ازمة هذه الانظمة ، أي الضغط من اجل التراكم في سبيل مزيد من التراكم. ويمكن القول ، في هذا السياق، ان الخصخصة ، التي اعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي ، كانت بالنسبة لاقسام من البيروقراطية، انما هي محاولة لحماية انفسها من الازمة العامة للنظام ، ولم تكن ، كما يعتقد البعض، سببا للازمة.
لذلك فاننا نجد ان الكثيرمن اليساريين وعلى خلفية الانموذج السوفياتي ، كان يخلط – والبعض ما يزال- بين رغبته بالتغلب على التخلف الاقتصادي لبلاده وما بين الاشتراكية و "التنمية الاقتصادية" . والبعض منهم يرى – حتى اليوم- ان هدف الثورة الروسية كان "التصنيع " والتحديث .
والواقع ، ان وجهة نظر البلاشفة في عام 1917 كانت غير ذلك.
كان اليسار الماركسي الروسي يرى ان روسيا بلد معزول. وان الطريق الوحيد للتغلب على تخلفه هو طريق التطور الرأسمالي ، الذي يقع على عاتق البرجوازية الروسية .
وما كان يفرق البلاشفة عن المناشفة قبل عام 1917 هو ان البلاشفة كانوا يعتقدون ان الطبقة الرأسمالية الروسية هي من الجبن الى حد انها لن تسعى الى اسقاط القيصرية. وان هذه المهمة تقع على عاتق تحالف الفلاحين والعمال ، أي ما يسمى ب"الدكتاتورية الديمقراطية". وكان يرى البلاشفة انه بمجرد ان انجزت هذه المهمة فان العمال سينتقلون الى صف المعارضة ، للدفاع عن مصالحهم في مواجهة الاثار السلبية للتصنيع الرأسمالي. وقناعتهم هذه تستند على ايمانهم بان الاشتراكية اصبحت ممكنة التحقيق لان تطور الانتاج في ظل الرأسمالية ابرز ، ولاول مرة في تاريخ البشرية، امكانية الانتقال الى الاشتراكية.
لكن البلاشفة غيروا من موقفهم هذا الى موقف اخر اقرب الى موقف تروتسكي القائل بامكانية البدء ببناء الاشتراكية في روسيا ، ولكن دون ان يعني هذا القيام بالتصنيع داخل حدود الاقتصاد الروسي المغلق. وكثيراَ ما كرر لينين فكرة ان فرص التقدم نحو الاشتراكية ممكنة ومتوفرة ، لأن انتشار الثورة عالمياَ سوف يتغلب على تخلف روسيا.
وتؤكد التجارب في الدول التابعة او شبه المصنعة ان برامج "التنمية" التي تهدف الى اللحاق ( وفي اطار بلد واحد) بمستوى قوى الانتاج القائم في الدول عالية التصنيع (المتقدمة) في العالم لم تتم الا من خلال امتصاص كتل هائلة من الفائض من العمال والفلاحين.
ومن الوضوح اكثر ، يمكن القول انه في حالة انتصار ثورة في بلد شبه مصنع ، فان الثورة يمكنها ان تحقق تحسناَ في مستوى حياة جماهير الشعب من خلال توزيع ثروة الاكثر غناءاَ لصالح الافقر ، ويمكنها ان ترفض دفع الفوائد والارباح للراسمال العالمي ، ويمكنها ايضاَ ان تبدأ باحداث نقلة في الصناعة والزراعة لصالح سياسة انتاجية تهدف الى تحسين شروط حياة الجماهير. وبامكانها ايضاَ – اذا توفرت الشروط الموضوعية – ان تسعى وبالتدريج الى رفع مستوى الانتاجية للمجتمع ككل ، وخاصة من خلال دعم الزراعة الفلاحية بما يسمح بتوفير المزيد من الغذاء للسكان وبما يوثق من ارتباط الفلاحين بالمشروع الثوري.
بالرغم من ذلك ، ليس بامكان الثورة ان تبدأ برفع مستوى قوى الانتاج الى مستوى مشابه لما هي عليه في الدول المتقدمة ، الا في حالة واحدة هي ان تعيد التجربة الروسية ، أي ان تقوم الثورة بمهمة الرأسمالية وليس الاشتراكية . بمعنى اخر ان تقوم بالتراكم من اجل التراكم ، وبناء وسائل الانتاج على حساب شقاء جماهير الشعب....
وسيجد النظام الثوري نفسه ، على المدى المتوسط ، امام خياران قاتلان ، طالما بقي معزولا في بلد واحد.
الاول هو ان ينعزل عن السوق العالمي ، وحينئذ سيعاني من انحدار في مستوى قواه الانتاجية ، وسيخسر امكانية تحقيق تنمية تقنية لها قيمة على الصعيد العالمي، مما سيؤدي الى ركود اقتصادي ، وخسارته للدعم الشعبي.
والثاني هو ان ينفتح النظام الثوري على النظام العالمي ( وهذا ما حصل في فيتنام وكوبا..) ليجد نفسه ،في تبعيته اللاحقة، اسير لتقلبات النظام الرأسمالي العالمي.
لذلك على اليسار الماركسي ان يقول هذه الحقائق ، اذا رغب بالقطيعة مع الاطروحات " التنموية والتصنيعية والتحديثية" على الصعيد المحلي التي لا تعني سوى استمرار ومفاقمة استغلال العمال والفلاحين.

حركات التحررالوطني في العالم الثالث والاشتراكية

عرف لينين الامبريالية باعتبارها " الاستعباد الكولونيالي والمالي للغالبية الواسعة من سكان العالم من قبل اقلية محدودة من اغنى البلدان الرأسمالية واكثرها تقدماَ" (اطروحات حول المسألة القومية والاستعمار). وكان اول ماركسي طرح ضرورة تحالف عالمي بين الثورة البروليتارية في الغرب وحركات التحرر الوطني في الشرق . وطالب بضرورة دعم الشيوعيين لها في النضال ضد "الامبريالية" ، لكنه حذر في الوقت ذاته من الخلط" بين مصالح الطبقات المضطهدة ومصالح جماهير العمال والمستغلين والمفهوم للمصالح الوطنية ككل ، والذي يعني ضمناَ مصالح الطبقة الحاكمة"
ولذلك فقد اعلن المؤتمر الثاني للكومنترن " ضرورة النضال الحازم ضد محاولات اعطاء صفة شيوعية لتيارات التحرر الديمقراطية البرجوازية في البلاد المتخلفة.. . وعلى الاممية الشيوعية ان تدخل في تحالف مؤقت مع الديمقراطية البرجوازية في البلاد المستعمرة والمتخلفة ولكن عليها ألا تندمج معها ، وعليها تحت كل الظروف الحفاظ على استقلالية الحركة البروليتارية حتى لو كانت في اكثر اشكالها جنينية".
اما السياسة الستالينية للدولة السوفياتية فقد سارت في الاتجاه المعاكس تماما. ومع الخمسينات والستينات اصبحت تقريبا كافة انظمة حركات التحرر الوطني تسمي نفسها "اشتراكية" والعديد منها ادعى الماركسية ، فيما ينطبق عليها مقولة ماركس في (18 من برومير ولويس بونابرت) :" كما يميز المرء في الحياة الخاصة ، بين مايعتقده ويقوله شخص ما عن نفسه وبين حقيقته وحقيقة ما يفعل . فيتبغي التمييز بدرجة اكبر في الصراعات التاريخية بين مقولات وخيالات الاطراف المشاركة في هذه الصراعات ، وبين تكوينها الحقيقي ومصالحها الحقيقية. وما بين تصورها لنفسها وبين حقيقتها".
كيف يمكن تفسير ذلك ؟

والحال ، فان مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، أي مرحلة نزع الاستعمار وحركات التحرر الوطني ، قدمت انموذجَاَ "معكوسا" لنظرية الثورة الدائمة لتروتسكي.
بمعنى ان نظرية الثورة الدائمة تقوم على مقولتين اساسيتين ، الاولى هي حقيقة ان البرجوازية اصبحت عاجزة عن استعادة ماضيها الثوري في الظروف الحديثة، وبالتالي هي عاجزة عن بناء دولة رأسمالية موحدة ومستقلة في مواجهة طبقات قبل-رأسمالية او كولونيالية حاكمة. الثانية هي ضرورة ان تقوم الطبقة العاملة بملئ الفراغ السياسي الناتج عن ما سبق، وبالتالي عليها ان تحل وبنفس الوقت قضايا الثورة الديمقراطية والاشتراكية.
ولكن ماذا يمكن ان يحدث اذا كان الشرط الاول متوفر وصحيح ،أي الضعف الموضوعي للبرجوازية . بينما الشرط الثاني ،أي الدينامية الذاتية للطبقة العاملة ، لم يتحقق بعد؟
انها قوى اجتماعية اخرى هي التي تلعب دوراَ سياسياَ هاماَ . فقد شهدت ثورات الصين وكوبا( طوني كليف، الثورة الدائمة) وايران وغيرها لحظات يتفكك فيها النظام القديم نتيجة ازمة اجتماعية واسعة ، مع وجود طبقة عاملة عاجزة . في حالة الصين شكل الفلاحون الجسد الرئيسي لقوى الثورة ، ولكن منذ ان اضحت الثورات الحديثة يطغى عليها الطابع المديني ، فلم يعد للفلاحين امكانية تقديم قيادة سياسية تنبع منهم، وهكذا قيادة توفرها في كل الاحوال شرائح من الطبقة الوسطى هي الانتلجنتسيا.
فاذا كانت هذه الشريحة قد لعبت دوراَ هاماَ في قيادة الثورات البرجوازية الكلاسيكية ، الا ان دورها برز اكثر في المجتمعات "النامية" الحديثة.
لقد وفرت شروط ضعف الطبقة العاملة لهذه الطبقة الوسطى ان تلعب دوراَ قيادياَ في الحركات الشعبية. لكن الثورات التي نتجت عن هكذا شروط كانت تحديثية وقومية ومناهضة للاستعمار ، ولكنها لم تكن ولا باي حال ثورات اشتراكية.
يجد افراد هذه الشريحة الوسطى الباحثون عن اله جديد غايتهم في مفهوم "الشعب" وخاصة تلك الاقسام منه التي تعاني من صعوبة شديدة في تنظيم نفسها أي الفلاحين. وتترافق رغبتها بالالتحام ب"الشعب" ووضع حد لخضوع البلد او "الامة" مع شعور متنامي بالفوقية . فهذه النخبة تشعر بان الجماهير(ها) هي الى درجة من التخلف و البلادة تعيقها عن القيام بالثورة لوحدها ، هذه المقاربة تفسر ميل وانجذاب اغلب هذه البلدان النامية (مصر، الجزائر، سوريا ، غانا، اليمن الجنوبي......) الى شكل سياسي من الحكم الفردي ورأسمالية الدولة. وقد اطلق على هذه السيرورة مصطلح " الثورة الدائمة المنحرفة ، او بالمقلوب)
في كل مكان كانت فيه القوى الاجتماعية الاساسية ، وبشكل خاص الطبقة العاملة ضعيفة او مفككة وتفتقر الى قيادة سياسية اشتراكية ، فقد استمرت فيه هذه الشرائح الوسطى بلعب دور سياسي طويل حتى بعد اندثار وتفكك تجسيداتها الايديولوجية. وانهيار الاتحاد السوفياتي وحقبة الحرب الباردة.

و ماذا عن "الكتلة التاريخية"؟

لا يمت مفهوم "الكتلة التاريخية" لدى غرامشي(دفاتر السجن) باي صلة بمفهوم شاع عنه باعتباره نوع من التحالف مع البرجوازية. مثلما ان مفهوم الهيمنة لدى غرامشي لا تعني عنده حجة لكل من يرغب بتقديم تنازلات للطبقات المالكة او السعي للاتفاق معها.
لقد اكد غرامشي ، بما لا يترك مجالاَ للشك، ضرورة بناء تحالف بين حركتي العمال الصناعيين والزراعيين. كما اكد على الدور الحاسم للمثقفين في تشكيل هذه التحالفات . لانه يرى بان المثقفين يلعبون دوراَ رئيسياَ في ربط الفلاحين بطبقة ملاك الاراضي ، لذلك دعا الى الحاجة لكسر هذا الرابط من خلال بناء تيار يساري في اوساط المثقفين.
واذ اشار غرامشي الى اهمية توفر شكل من التوافق في اوساط الجماهير الفلاحية كشرط اولي قبل تعبئتهم في مواجهة الرأسمالية، فانه انما يعني التحالف مع الفلاحين وليس مع الرأسماليين من اجل قطع علاقتهم مع ظبقة كبار ملاك الاراضي.
هذا هو مفهوم "الكتلة" التاريخية" الذي له دور محدد في التغيير الاجتماعي ، لا علاقة له باي شكل من الاشكال مع دعوة التحالف او التعاون بين العمال والرأسماليين ، او بين العمال وبين الاحزاب الشعبوية او الليبرالية او ما شابهها.
لأن تحقيق الهيمنة السياسية تعني – وفق غرامشي- قدرة الطبقة العاملة على قيادة تحالفات سياسية ، وان تصبح شعاراتها ومطالبها هي شعارات ومطالب الشرائح الوسطى والفلاحين والشرائح المفقرة من الطبقة الوسطى ، باعتبار تحقيق ذلك شرط اولي لتحقيق النصر.
الثورة ، في النظرية الماركسية ، لا يمكن ان تكون سوى من عمل الجماهير الواسعة، وليست ابداَ من عمل اقلية صغيرة كائناَ ما كانت ، والانتفاضة هي اوج هذه السيرورة ولحظة نوعية تنظم كفن.
ومن اجل اقناع وكسب الجماهير للثورة الاشتراكية ، فان عمل يومي وشاق سيكون ضرورياَ ... من اجل " مراكمة القوى داخل الطبقة العاملة". فالدعوة للثورة الاشتراكية والسلطة العمالية لا تتضمن في كل الاحوال ادنى تبني للمغامرات اليسارية المتطرفة التي تدفع بالجماهير في شروط يتم فيها هزيمتها وسحقها. ومهمة الماركسيين ان يعرفوا تماماَ التمييز بين مرحلة مراكمة القوى وبين مرحلة استخدام هذه القوى في العمل الثوري.
الخطأ الفادح الذي ارتكبته الاشتراكية –الديمقراطية كان تحويلها لاستراتيجية مراكمة القوى الى استراتيجية دائمة. وتحويلها للمشاركة في الانتخابات الى استراتيجية لاستلام السلطة وليس لمراكمة القوى.


الديمقراطية والدكتاتورية

تقوم انظمة الحكم على اليات من نوعين : الاولى تحقيق الرضاء والثانية الاكراه. وفي حين نجد ان وزن الاجهزة الايديولوجية ووسائل الاعلام كبيرة وهامة في الديمقراطيات، دون غياب الاكراه والقوة . فاننا نرى بان اليات القوة والاكراه هي الاهم والابرز في الدكتاتوريات ، دون الغاء حاجتها الى حد ما من الرضاء. وعلى الرغم من سيطرة الانظمة الدكتاتورية على مفاصل نشاطات المجتمع ، ووجود –اوغياب- مؤسسات برلمانية شكلية الا انه يبقى دائما مساحات ومجالات يمكن الصراع عليها.
ان سيرورة هزيمة هذه الانظمة- بقراءة التجارب العديدة الحديثة(وخاصة في امريكا اللاتينية وجنوب شرق اسيا)- تنمو من خلال عملية تراكم لقوى بطئ وسري ، حتى تنفجرالنضالات في بعض القطاعات المؤثرة ان كانت الحركة الطلابية ام النقابية او الحركات الشعبية. وتشير قراءة هذه التجارب الى انه ليس مهماَ ماهية القطاع الذي يبادر بالحركة ، والتي تأخذ عموماَ طابع تحرك جماهير ينفجر بعد فترة طويلة من الاختمار والاعداد . وتحمل هذه الحركات مطالب ديمقراطية ( مثل شعارات لتسقط الدكتاتورية او لتسقط الحكومة) مما قد يؤدي في البداية الى تعديل موازين القوى مع الدكتاتورية ، حتى يصل الى نسف اسسها.
ان التحركات الجماهيرية تبدو في البداية وكأنها "حرب حركة" ، اذ يؤدي بروز نضالات كبيرة يعمق التناقضات الاجتماعية ، الى ان تظفر القوى السياسية بمساحات جديدة للعمل والتوسع في عدد من المؤسسات وان تعيد بناء ذاتها وتراكم مزيد من القوى، مما يسمح لها بنشاطات اكثر هجومية ، حتى لو كانت امكانياتها ما تزال محدودة ، مثل "احتلال" اماكن للتظاهر والاعتصام والدعاية والنشاط..الخ.
وتأخذ التحركات الجماهيرية في ظل الانظمة الدكتاتورية ،في العادة، طابع طبقي تعددي ، وتشمل حتى قطاعات من البرجوازية . ولكن البرجوازية ، كطبقة غير حازمة حتى في الصراع من اجل المطالب الديمقراطية، لا ترغب باي ثورة خشية ان لا تذهب الجماهير بعيداَ في المطالبة بما هو اكثر من مجرد تغيير اشكال السيطرة (الطاقم الحاكم). ومشاركة اقسام من البرجوازية في الصراع من اجل الديمقراطية يأتي عموماَ عندما يصل هذا الصراع الى ذروته، وتحاول ان تضعه في اطار وحدود الرأسمالية. اذن ، تقوم البرجوازية باستخدام قوتها الاقتصادية والاجتماعية للتلاعب بالثورة وتجميدها في مرحلتها الديمقراطية.
على سبيل المثال، ترافق الضغط الثوري من الاسفل (الجماهيري) في البرازيل عام 1982 مع اصلاح –ذاتي للدكتاتورية ادى الى انتقال ديمقراطي متفاوض عليه وحافظ على سيطرة البرجوازية المدنية، بينما لم تلعب الطبقة العاملة البرازيلية دوراَ مستقلاَ بل انحلت في الحركة الديمقراطية العامة.
اما في الارجنتين عام 1982 فان الثورة وسقوط الحكم العسكري لم يترافقا مع بروز هيئات مجالسية او هيئات ازدواجية سلطة. ولم يكن هنالك أي حزب ذو نفوذ جماهيري ، مما ادى الى قيام اقسام من البرجوازية باستلام السلطة.
ليس المثال الارجنتيني يتيماَ. فقد شهدت بلدان امريكا اللاتينية سيرورات مشابهة . أي ان سقوط الدكتاتوريات مع غياب لهيئات سلطة بديلة ادى، مع وجود طبقة حاكمة جاهزة لاستخدام مؤسسات البرجوازية الديمقراطية ، الى حرف النضالات الجماهيرية وتجميد السيرورة الثورية.
والدرس الرئيسي من هذه التجارب هو ضرورة ان يجهد الاشتراكيون في العمل داخل صفوف الحركة العمالية واوساط الشباب والمنظمات الشعبية والفلاحية. . والقيام- على اساس هذه الاستراتيجية الدائمة- بالتنظيم من الاسفل(القاعدي) والسعي لتوحيد الصفوف والشرح الصبور والمثابر لضرورة بناء نظام من نوع جديد يقوم على الحشد الجماهيري الدائم وقيام الجماهير العاملة والمأجورة بتنظيمها الذاتي وادارتها الذاتية للحكم.

الثورات المخملية

ان محصلة تجارب ثورات اوربا الشرقية عام 1989 كانت مزيجاَ من الانجاز وخيبة الامل في الوقت نفسه.
الانجاز الحقيقي لثورات 1989 هو انها اسقطت سياسية دكتاتورية واقامت محلها شكل للحكم يسمح فيه للعمال بحق تشكيل والانظمام الى النقابات التي لم تعد تحت سيطرة الدولة.وحقهم في التنظيم السياسي والتعبير عن انفسهم ، وحرية لم يعهدوها في ظل الانظمة الستالينية السابقة.
اما خيبة الامل فتنبع من ان مثل هذه الحركة الثورية العالمية قد انتهت باقامة نظام اقتصادي وسياسي يحافظ على السلطة الواسعة للطبقة الحاكمة ، متيحاَ لها في المجال باعادة تجديد سيرورة تراكم رأس المال ، من خلال مفاقمة استغلال العمال. هذه الخيبة يمكن النظر اليها من زاويتين . الاولى هي تحرر العديد من الشخصيات القيادية لهذه الثورات من اوهامها ،وقد اجادت روزا لوكسمبورغ في وصفها بان " المصلح البرجوازي الصغير يرى جوانب (حسنة) و (سيئة) في كل شئ . انه يقضم قليلاَ من كل انواع الاعشاب" .والثانية هي في فداحة الاستغلال الاقتصادي وعملية العزل السياسي الذي تتعرض له جماهير العمال في مجمل دول اوربا الشرقية . والذي يترافق مع تدهور حاد للمستوى المعيشي لغالبية السكان.
بالمقارنة، فان خيبة امل ثوريي ثورات 1989 هو نوعياَ مختلف عن خيبة امل ثوريي الثورات البرجوازية الكلاسيكية . لأن برنامج الاخيرين لم يكن ممكناَ تحقيقه بسبب الشروط الاقتصادية- الجتماعية للعصر . بينما تم هزيمة برنامج البلاشفة في روسيا من خلال ثورة –مضادة هي الستالينية. اما ثوريي الديمقراطية لعام 1989 فان خيبتهم نتجت –على العكس من الاخيرين- من ان برامجهم قد تحققت . والخطأ (سبب الخيبة) يكمن في البرنامج وليس في شروط الوضع الموضوعي او سلطة القوى التي واجهتهم.


خاتمة

تشير دروس كل الثورات السابقة الى ان كل الثورات ومن ضمنها الثورات الاشتراكية تبدأ بالمعركة من اجل المطالب الديمقراطية. وعلى الاشتراكيين ان يكونوا في مقدمة النضال من اجل كل انواع الاصلاحات الديمقراطية.
وقد اكدت التجربة الاندونيسية، مثلاَ، حقيقة ان الدولة الاندونيسية هي دولة رأسمالية ، وان البرجوازية الاندونيسية مرتبطة عضوياَ بالدولة، مما يوضح وببساطة حدود السياسات الديمقراطية الصرفة، والسرعة التي يمكن ان تبرز من خلالها السياسات والمطالب الاشتراكية في دينامية الثورة اللاحقة، مما يعزز من اهمية طرح مطالب اشتراكية.
بل ان الاهم ، هو ان يرفع الاشتراكيون المطالب الديمقراطية بطريقة مختلفة عن اؤلئك الذين هم مجرد مشاركين في "الثورة الديمقراطية". وان يلجأوا الى وسائل ولقنيات انظيمية مختلفة لتحقيق هذه المطالب.
وكان قد اكد ماركس عام 1848 على ضرورة ان يبقى العمال متقدمين" بخطوة" امام المعارضة الليبرالية ، وان تكون مطالبهم، وان كانت "ديمقراطية" ، ذات محتوى طبقي خاص تضع العمال في مواجهة الديمقراطيين الليبراليين.
كانت قضية التكتيكات والشعارات اليومية بالنسبة لماركس جزء لا يتجزأ من فهم استراتيجي اوسع يتمركز حول ان الهدف الذي نسير نحوه هو الثورة الاشتراكية . وهو لذلك لم يتحدث عن عن خكومة مؤقتة يشكلها العمال او حاول التكهن بشكل الخكومة المؤقتة التي يمكن ان يشكلها الديمقراطيون البرجوازيون.
لقد فدرك ماركس وانجلز ان الاستقطاب الطبقي يقسم ويفرز المعسكر الديمقراطي. وقد اشار انجلز الى ان كل الثورات تبدأ ب"وحدة ديمقراطية متعددة الطبقات في موادهة النظام القديم. ولكن تطور الثورة في مراحلها الاولى يفسح في المجال للانقسامات والاصطفافات السياسية ضمن المعسكر الثوري على اساس التمايزات الطبقية. هكذا كان الحال في كل الثورات السابقة ومن ضمنها الثورات البرجوازية الكلاسيكية.
لكن كل الثورات اللاحقة لعام 1848 تتميز –بسبب الشروط الموضوعية لتطور الرأسمالية والامبريالية – بامكانية ان يتطور هذا التفاوت الطبقي الى درجة يقوم فيها العمال باقامة سلطتهم المتميزة أي المجالس العمالية. فالاشتراكية عند ماركس هي " التحرر الذاتي للطبقة العاملة ، ولا احد اخر يمكن ان يحقق الاشتراكية لهم".
وقد برزت هذه المجالس ، كهيئات للنشاط والنضالات، عمومأ بشكل عفوي في كل الانتفاضات الثورية : في المانيا 1918 وهنغاريا 1919 وايطاليا عامي 1919 و 1920 وفي اسبانيا 1936 وهنغاريا 1956 وتشيكوسلوفاكيا وفرنسا 1968 والبرتغال 1974 وتشيلي .....

ولأن مقولة ان"تحرر الطبقة العاملة هو من عمل الطبقة العاملة نفسها" هي من المقولات الاساسية في الماركسية ، فان مجالس العمال والمنتجين ،التي هي هيئات غير حزبية، تمثل الاقسام المتعددة لنضال الطبقة العاملة . وقد تمر فترة طويلة يكون فيها الهيمنة هي لاشتراكيين"معتدلين" من الباحثين عن تسوية مع الحكومة المؤقتة ، كما حصل مع سوفييتات الثورة الروسية التي سيطر عليها المناشفة وحلفائهم معظم عام 1917 ، ولكن نتيجة و مصير الثورة الروسية لم يكن بالامكان حسمه الا من خلال قدرة الثوريين –ام لا- على الظفر بالاغلبية داخل السوفييتات خلال مسار الثورة. وفقط عندما حازوا على هذه الاغلبية داخل السوفييتات قادوها الى القضاء على الحكومة المؤقتة.
ان تطور الرأسمالية الحديث يجعل البرجوازية تخشى الطبقة العاملة اكثر من خشيتهامن النظام القديم الذي يجثم على كاهلها.
واخيراَ، فان انهيار ما كان يسمى بالانظمة "الاشتراكية" في فترة ثورات 1989 لغاية انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 فتح الباب امام حقبة يسودها خطاب ديمقراطي يتمحور حول الحدود الدنيا من الليبرالية البرلمانية والانتخابات مع ربط المطلب الديمقراطي "حكماَ" باقتصاد السوق. ويتم في هذا الاطار فصل امكانية تحقيق الديمقراطية عن النضالات الشعبية التي كانت دائماَ شرطاَ ضروريا للظفر بالحريات الديمقراطية.

غياث نعيسة
ك2 /يناير 2007






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وحرب امبريالية ايديولوجية أيضاَ..
- مواقف حول العدوان الصهيوني ودعم المقاومة
- الإعلانات السياسية وصراع الاستيراتيجيات في سورية
- مفارقات العقل والحرية في سورية
- الملتقى الاجتماعي الدولي الرابع تحديات وآفاق
- حركة مناهضة العولمة الرأسمالية وسيرورة عالم آخر
- فشل قمة كانــــــكون والحادي عشر من أيلول
- بيان الحركات الاجتماعية ضد منظمة التجارة العالمية - كانكون ف ...
- روزا لوكسمبورغ : شيوعية القرن الحادي والعشرين
- المسألة الزراعية في سورية
- عولمة الحروب وا لنهب - احتلال العراق وبعض نتائجه
- الحرب الإمبريالية على العراق والمنطقة العربية
- مناهضة العولمة و روح العصر


المزيد.....




- بيان صادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأردني بخصوص تش ...
- النهج الديمقراطي يحمل الدولة مسؤولية تبعات الإضراب عن الطعام ...
- حزب التجمع يرفض الموازنة العامة للدولة:استمرار انحياز السياس ...
- احتجاجات في تونس بعد مقتل شاب على يد قوات الأمن
- تقرير: ارتفاع في أعداد أنصار اليمين المتطرف في ألمانيا عام 2 ...
- تقرير: ارتفاع في أعداد أنصار اليمين المتطرف في ألمانيا عام 2 ...
- ألمانيا ـ تقرير استخباراتي يرصد تنامي اليمين المتطرف ومعاداة ...
- الكاظمي: لا نقبل بتحول الفقراء ورواتبهم مادة دسمة تستغل في ا ...
- إيران.. المرشح الرئاسي عبد الناصر همتي: -التعايش الإيجابي- ق ...
- الكاظمي يتحدث عن وزارة في حكومته بدأت بها الدعاية الانتخابية ...


المزيد.....

- فشل الرأسمالية وراهنية البديل الاشتراكي / محمد الحباسي
- فى مهازل وثيقة - هل يمكن أن نعتبر ماو تسى تونغ ماركسيّا - لي ... / ناظم الماوي
- فى نقد كتاب محمد الكحلاوي - مئوية ثورة أكتوبر الإشتراكية 191 ... / ناظم الماوي
- لحظة عدم السماح بسقوط الراية / التيتي الحبيب
- متابعات عالمية و عربيّة - نظرة شيوعيّة ثوريّة (3) 2019-2020 / شادي الشماوي
- الحلقة السادسة والأخيرة: منظمة -إلى الأمام- الماركسية الليني ... / موقع 30 عشت
- استعادة الإرث الثوري لروزا لوكسمبورغ / ماري فريدريكسن
- السيرورة الثورية في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط: حصيلة ... / الاممية الرابعة
- الاستعمار الرقمي: هيمنة متعددة وعنيفة / أحمد مصطفى جابر
- الشيوعية الجديدة / الخلاصة الجديدة للشيوعية تشتمل على التقيي ... / ناظم الماوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - غياث نعيسة - دراسة حول ( الماركسية و - قاطرات التاريخ ) - الجزء الثاني