أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بديعة النعيمي - متى نكسر الأقفال ونخرج من الأقفاص؟؟














المزيد.....

متى نكسر الأقفال ونخرج من الأقفاص؟؟


بديعة النعيمي
كاتبة وروائية وباحثة

(Badea Al-noaimy)


الحوار المتمدن-العدد: 8303 - 2025 / 4 / 5 - 14:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تتوالى المجازر في غزة وسط صمت عربي يكاد يكون مطبقا وتضيع الضفة وتؤكل كتف سوريا ولبنان. ولا يعلو خلال هذا كله سوى ضجيج الشاشات، أما الشوارع فساكنة سكون المقابر، والنفوس مثقلة بجمود ليس بمستغرب. والفجيعة التي تحدث في غزة طوال ٢٤ ساعة لا توقظ أحدا، ولم تعد الصور الدامية تصنع موجة غضب كما كانت تفعل في زمن مضى. والصدمة الحقيقية باتت لا في مشاهد الدم، بل في موت الحس.

هذا الصمت، الذي قد يبدو للبعض طبيعيا، ليس وليد اللحظة. بل إنه نتاج عملية استمرت عقودا من الترويض، بدأت منذ أن تفككت الروح الجماعية للأمة بعد سقوط الخلافة العثمانية. وهنا أود أن أنوٌه بأن الخلافة سقطت في الحقيقة منذ إجبار عبد الحميد الثاني على التنحي أي عام ١٩٠٨ وقلب الدولة من إسلامية إلى علمانية على يد جمعيات الاتحاد والترقي وغيرها من الجمعيات التي كان من ضمن أعضاءها يهود من "يهود الدونمة"، التي سهلت وصول "كمال أتاتورك" إلى الحكم فيما بعد. وكان لهذا ارتداداته على البلاد العربية التي تم تقسيمها بحسب اتفاقية "سايكس بيكو" التي استبدلت مشاريع التحرر القومي بأنظمة استبدادية استخدمت الدولة كأداة للسيطرة، لا كمساحة للكرامة.

وكما قال عبد الرحمن الكواكبي: "إن مشكلة الاستبداد السياسي لا تكمن فقط في القمع، بل في تحويل الإنسان إلى عبد يرى عبوديته حقا من حقوقه".

وقد ورث حكام تلك البلدان آليات القهر من المستعمر، حتى صارت الشعوب تعيش في أقفاص داخل أوطانها، تعيش وهم الاستقرار مقابل خنق الحريات وقتل أصوات الحق.

وأدوات التدجين لم تكن مجرد سجون ومشانق، بل مدارس وكتب وأناشيد تُطبع في الذاكرة منذ الطفولة، ترسخ في ذاكرة الأجيال وبالتالي وعيها: "لا تفكر، لا تحتج، لا تسأل".
هكذا تم إنتاج مواطن لا يرى في نفسه فاعلا بل مفعولا به، مشاهدا للألم، عاجزا أمام الاستبداد الذي ارتضاه لنفسه.

النكبات المتوالية، من فلسطين إلى العراق، ومن سوريا إلى اليمن، أحدثت شرخا نفسيا عميقا في وعي الإنسان العربي. تراكمت الصدمات حتى تحوّلت إلى حالة من "الخدر الجماعي"، وما صنعه العقل العربي اليوم من التبلد ما هو إلا من أجل أن لا ينهار. فحين يعجز عن التغيير، يصبح الصمت وسيلة للبقاء. وحين يُجرَّد الإنسان من أدوات الفعل، يفقد تدريجيا إحساسه بالمعنى.

لكن التدجين لم يكن نفسيا فقط. بل ساعدت سياسة الأقفاص على ترسيخه. فتشوهت البوصلة وصار الاحتلال الصهيوني "شريكا في السلام"، والمقاومة هي "العقبة " في وجه ذلك السلام المزيف.
فانقلبت المصطلحات وأصابها الخدر.حتى أصبح التطبيع مع العدو واقعا يقدّم ك "فرصة تاريخية". فانقلبت الحقيقة في الوعي الجمعي حتى صبح "الصهيوني" صديق يقتل بذريعة "الأمن", والمقاومة "إرهابي معتد".
وكنتيجة لهذا الخلل لم تعد المجازر تستفز الغضب، بل تمر كما يمر أي خبر عادي غير مهم. وفي ظل هذا كله، تراجع الحلم الجمعي ولم تعد الشعوب العربية تحلم بالتحرير. ولم تعد فلسطين وبالتالي غزة تعني له قضية وانتماء، بل عبئا نفسيا يهرب من أخبارها بمتابعة قنوات الطبخ وآخر صرعات الموضة وغيرها من قنوات التفاهة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي زمن الفردانية المغتربة هذا، حيث أصبحت النجاة مشروعا شخصيا لا جماعيا، ماتت فكرة الأمة، وتحوّلت قضاياها إلى موجات موسمية من التعاطف العابر. وهذا ما يسعى له العدو، وقد تحقق.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد صمت، بل نتيجة هندسة عميقة للنفس العربية، تفككت فيها المعاني، وذبلت الروح، وانهار الحلم. فلا غرابة أن تمر المجازر بلا غضب، لأن الغضب نفسه تم تدجينه.

ولكن حين تدرك الشعوب أنها جزءا من الجريمة بصمتها وأن العدو أصبح قريبا منها وحان دورها في أن تكون الوجبة التالية له، وأن ما كانت تعيشه من أمن وأمان ما هو إلا أوهام في زمن التخدير، وأن تحررها يبدأ من الداخل، فإنها قد تقدم على كسر أقفال أقفاصها.



#بديعة_النعيمي (هاشتاغ)       Badea_Al-noaimy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجازر الثالث من نيسان/٢٠٢٥ في مدارس غزة
- لماذا رفح؟؟
- لو كانت جثة فرعون تنطق لأخبرته بذلك.
- حين ألبسته الكفن بدل ثياب العيد
- امرأة من رفح.. وجع يمشي على الأرض
- ستفشل كما فشلت كل مرة...
- الحرب الفاشية تعود إلى غزة ١٨/آذار
- القوانين الدولية والاتفاقيات تسقط في وحل حصار غزة
- ما بين قرط ساندي بيل وقرط روح الروح يتقزم الخيال وتتضخم الحق ...
- الاستيطان الرعوي أداة سريعة لقضم الأراضي الفلسطينية
- البحث عن الهوية في رواية مرايا القدس-سفر سقوط الأقنعة للكاتب ...
- كأنه لم يجرب أداة الحصار من قبل
- قرية ناصر الدين..كانت هنا وستنتفض كفينيق
- التحدي الكبير لا يجابه إلا بالتصدي الكبير
- مياه الليطاني والأردن ولاحقا النيل والفرات
- لا بقاء للصهيونية دون توسع
- من هو القادر على تقويض خطط التهجير؟؟
- الرموز والدلالات في -عبرنا مثل خيط شمس-
- أين -جابوتنسكي-؟ وقريبا أين -سموتريتش-؟
- القسطل


المزيد.....




- -أوسكار- المطاعم.. الكشف عن أفضل 50 مطعمًا في العالم لعام 20 ...
- بالألوان والأزياء.. أهلاً بكم في موكب -يوم الموتى- بالمكسيك ...
- مصدر يكشف رد دانا وايت رئيس الـUFC على عرض ترامب لتولي منصب ...
- الإمارات.. إنقاذ 22 شخصا من سفينة تعرضت لحريق في بحر عمان
- باراغواي.. توجيه تهمتين للرئيس المعزول على خلفية انهيار بنك ...
- الدفاع الروسية: تدمير محطة كهرباء وسفينة حاويات غرب أوكرانيا ...
- أمطار غزيرة وفيضانات تجتاح كردستان العراق
- دوي انفجارات في الرياض، والتحالف يعلن اعتراض صواريخ باليستية ...
- من هو غادي أيزنكوت المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية خلفا لن ...
- العرش البريطاني يمهد لاستعادة الطريق إلى بكين


المزيد.....

- جون ميرشايمر - فخ الحروب الثلاثة الذي وقع فيه ترامب / زياد الزبيدي
- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بديعة النعيمي - متى نكسر الأقفال ونخرج من الأقفاص؟؟