أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علا شيب الدين - ماوكلي: من قصور القطيعية إلى رشد الإنسانية














المزيد.....

ماوكلي: من قصور القطيعية إلى رشد الإنسانية


علا شيب الدين

الحوار المتمدن-العدد: 8296 - 2025 / 3 / 29 - 20:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في (كتاب الأدغال)، أبدعَ روديارد كبلينغ (1885 ـ 1936)، شخصيةَ "ماوكلي"، ذلك الطفل الرضيع الذي يتوه في إحدى الغابات؛ فيربِّيه قطيعٌ من الذئاب.
ينشأ "ماوكلي" في الغابة، حيث الذئاب، الضباع، النمور، الثعابين، الدببة...حيث يسود قانون الأدغال: (القوي يقتل الضعيف، فالضعيف طعام للقوي. والجريح والمريض هما هدفان للصيادين)، وحيث لا يسود الخير والشر بالمعنى الإنساني القصديّ، ففي "عالم" الطبيعة البحتة، ما من قصدية، كون هذه الأخيرة شيمة للعقل البشري وحده، إذ هو الكائن الوحيد الذي يقصد خيراً، أو يقصد شراً، بينما بقية الكائنات هي كائنات غير قصدية، لا تقصد..لا تنوي.. ولا تُضمِر.
في الغابة،يحاول "ماوكلي" التكيف، لكنه يفشل في البداية، فهو ليس لديه مخالب كالذئاب التي بات "جزءاً" منها، وليس لديه أنياب طويلة تُمسك بالطريدة وتُخضِعها، كما أن سرعته ضئيلة جداً بالقياس إلى سرعة الذئاب، لذلك لم يستطع اصطياد الفرائس في البداية، وتعمَّق في داخله شعور عميق بالنقص.
وكان قد قبل ذات مرة، تحدّي التسابق مع إحدى الذئبات، كونه "شخصية" غير مستسلِمة، مغامِرة، ومقبِلة على الحياة، وكون السباق هو، في معنى ما، تنافس على صنع الأفضل؛ غير أنه أخفق، وبقي متمنياً لو أن لديه مخالب وأنياب وسرعة هائلة. وحيث أن كل الحيوانات تتغلب على تحديات الطبيعة، بوسيلة تكيُّف معينة، فإن "الصدفة" كانت قد هدَتْ "ماوكلي" إلى اكتشاف أهمية وجود "الأداة" في حياته بوصفه "بشراً"، حتى لو كان "جزءاً" من قطيعِ ذئاب..الأداة بوصفها وسيلة تكيف بشرية..أداة من "صنعه" هو، يستثمرها في التكيف الضروري للتغلب على تحديات الطبيعة، ولاستمرار الحياة. لقد اكتشف ماوكلي أداة صيْدٍ، منحتْه ثقةً بالذات، بعدما كادت هذه الثقة تنعدم، من جراء انعدام وجود وسائل تكيف طبيعية كتلك الموجودة لدى الذئاب. إنها أداة للصيد، جعلته يتغلب حتى على أعتى الحيوانات (النمر شريخان). لقد تغلب على "شريخان" رمز الشر، وأتباعه من الضباع، رمز النذالة؛ عبر المبارزة لا الغدر، وعبر أخلاق القتال الرفيعة.. أخلاق الفرسان الشجعان، إذ أن الأشرار يقتلون الحيوانات والبشر على حد سواء!. هناك "شر" رفيع، وهناك شر نذل ودنيء، والشر الرفيع هو ذاك القتال الشجاع، الحامل لقضية محِقَّة، ولمعنى ومغزى حقيقيَّيْن أصيليْن.

يحاول "ماوكلي" إثبات أنه قد كبر ونضج، عبر الإصرار على النجاح في الصيد، لكن ثمة جوهراً إنسانياً بشرياً، ما ينفك يلحّ ويلحّ، ليثبت أن الإنسان يكبر وينضج عبر الاستقلال عن القطيع، إذ هناك ماوكلي "الحيوان"، وماوكلي "الإنسان"، وإذا كان الأول غريزة وفطرة، فالثاني عقل ورشد.. حكمة واختيار.. حُلم وتطلّع. ينضج الإنسان ليس بالشعر الذي يغطي الجسم، ولا بالمخالب والأنياب، بل بالعقل..بالانسلاخ عن الحالة الأُمِّيَّة المَحْضَة..بالقطع مع القطيع. وربما هذا ما يُفهم من طرد أمّ "ماوكلي" الذئبة، لأولادها من الوكر، كونهم قد كبروا، وصار لا بد من الاستقلال عنها..عن حالة الأمية المحضة. إنه الانشقاق والانفصال الذيْن من شأنهما إحداث صدمة تُفضي إلى النضج والرشد والاستقلال والانتقال من مرحلة التلقي التام.. من مرحلة الحيوانية البحتة، إلى مرحلة الفعل والإنتاج والإنجاز والخلق والإبداع. إن جميع الحيوانات تخضع لاختبارٍ يُدعى في قصة "ماوكلي":(اختبار بداية الحياة)، وهو اختبار يميّز القوي من الضعيف، فيكون الضعيف طعامٌ للقوي. أما بداية الإنسان بوصفه إنساناً، فهي الرشد ـ التعقل والتفكر. في النهاية، يقول "أكيلا" كبير قطيع الذئاب التي طالما ربَّت "ماوكلي" ورعته: "أُخرج من القطيع. أنت إنسان..إنسان“. كان ذلك، قبل أن يقرر "ماوكلي" ـ أخيراً وبعد تردد كبير ـ الذهاب إلى القرية، قائلاً: „ أيها القطيع، لقد قررت أن أخرج من القطيع، وأذهب إلى قرية البشر. أنا مخلوق من البشر ويجب أن أخرج من الغابة". كانت تلك لحظة حاسمة وصعبة بالنسبة إليه، كونه كان قد تماهى مع الغابة وانصهر فيها مدة من الزمن.كانت وقفة أمام الذات..أمام الحقيقة.
قبل خروجه من القطيع، كان قد التقى برجل عجوز داوى قدمه المجروحة، فبُنيت بينه وبين ذاك البشري أواصر ثقة، من جراء معاملة المسنّ اللطيفة له. ( يُحكى أن الحضارة بدأت، عندما عالج أول إنسانٌ إنساناً آخر مريضاً!). لقد علَّمَه الرجل اللطيف كيفية مقاومة الوحوش بالعصا وبـ"الحيلة"، عندما هاجمتهما الضباع.

كان "ماوكلي" بريّاً، قبل الانتقال إلى القرية ـ الحضارة، حيث بدأت رحلة تهذيب الوحشية بالحب وباللغة، واللطف والخير المتمثل بالفتاة "ميشو"، حفيدة الرجل العجوز الذي طالما داواه وأحسن معاملته. فالحضارة رقة في قبالة التوحش، والإنسانية لطف في قبالة الخشونة. ربما يشدنا هذا إلى التفكر والتأمل بملحمة (جلجامش)، وبـ"عشتار" إلهة الحب والجمال في حضارات منطقة بلاد الرافدين، عندما قادت "أنكيدو" المتوحش، إلى الحضارة.
أخذت "ميشو" على عاتقها، تعليم "ماوكلي" اللغة، وكانت "أزهار"، هي أول كلمة تَعلَّمَها، فصار يميز ـ باللغة ـ النهرَ من السحاب، من السماء..، بعدما كان يعيش في الغابة حياة القطيع..حياة سديمية دونما أدنى قدرة على التمييز. لقد صار ـ الآن ـ يميز الجمال أيضاً ويدرك قيمته حين علمته "ميشو" أن "الزهرة جميلة"، والتمييز، وخاصة تمييز الجمال، خاص بالإنسان فقط..بالإنسان الراشد. وقد يذكّرنا هذا، بما قاله يوماً ما، سيجموند فرويد: „بدأت الحضارة، عندما قام رجل غاضب لأول مرة بإلقاء كلمة بدلاً من حجر".

في القرية ـ الحضارة، يكتشف "ماوكلي" أيضاً العمل وفكرته، حيث يبدأ بتعلم تقطيع الخشب، وفي القرية سيتعلم أيضاً تناول الطعام باليد بدلاً من الفم (أوَلم تبدأ الحضارة ـ أيضاً ـ بأصابع اليد/العمل؟!).
ثم، أليست الطائفية..العنصرية..الفئوية..الشعبوية، هذه كلها وما شابه، هي قطيعية قاصرة قصور الضباع و"شريخان"، فيما الإنسانية هي رشد وحكمة..نضج، تعقل، وتفهّم؟.



#علا_شيب_الدين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن صراع اللونيْن
- في البساطة والهجران
- اللجوء والزمن
- على قيد الرَّفض
- الاغتصاب
- الصورة والنَّص
- الحاسة اللغوية السادسة
- الأم العظيمة
- الشر إذ يتديَّن
- هكذا صرتُ سائحة حقاً!
- ومضتان عُشبيّتان
- الثورة والكتابة وحرية التعبير*
- ملفٌّ أُغلقَ ويُعاد فتحُه
- لن نبتسم في وجه الجريمة
- مفارَقتان
- الثورة السورية و - المجتمع المدني -
- النظام السوري.. من -العصابات المسلحة- إلى -القاعدة-..!
- السلطة السورية: بين خطّين متوازيين
- انتفاضة اللّغة..أم لغة الانتفاضة؟!
- الأصنام..إذ يحطّمها الوعي


المزيد.....




- زلة لسان أم حقيقة؟ تصريح يفتح النار على ترمب
- ترامب يريد فنزويلا الولاية الأميركية 51
- ترامب يصف مراسلاً بـ-الغبي- بسبب سؤاله حول ارتفاع تكاليف قاع ...
- حصرياً لـCNN.. كيف تُصعِّد CIA حربها -السرية- داخل المكسيك ض ...
- -إسرائيل قلقة من إبرام ترامب صفقة سيئة مع إيران-.. مصادر تكش ...
- 29 مليار دولار أم تريليون.. كم تكلّف حرب إيران الأمريكيين؟
- تصاعد الهجمات الجوية في السودان يوقع 36 قتيلا مدنيا خلال 10 ...
- إيران تؤكد أن الطريق الوحيد لتفادي -الفشل- هو قبول واشنطن اق ...
- ترمب ينشر خريطة تصوّر فنزويلا -الولاية الأمريكية الـ51-
- كاتب أمريكي: خطر الصين يكمن في ضعفها


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علا شيب الدين - ماوكلي: من قصور القطيعية إلى رشد الإنسانية