أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الحسين شعبان - بروموثيوسية مظفر النواب: الشعرية والشاعرية














المزيد.....

بروموثيوسية مظفر النواب: الشعرية والشاعرية


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 7614 - 2023 / 5 / 17 - 12:44
المحور: الادب والفن
    


تقترب صورة مظفر النواب في الذاكرة الجمعيّة العراقية والعربية من صورة برومثيوس في الميثولوجيا الإغريقية، الذي انحاز إلى البشر حاملًا شعلة النار الإلهية من جبل الأوليمب لتكون قبسًا لهم، وهو ما أغضب زيوس، آلهة السماء والصاعقة الذي يمثّل قوّة الطبيعة، منه غضبًا شديدًا.
لم يكن التمرّد بالنسبة لمظفر ضربًا من العبث أو اللّاجدوى، بل إن العبث ألّا يتمرّد الإنسان، وبقدر ما تشبّث بروموثيوس بالحياة، تشبّث النواب بها أيضًا متحدّيًا القدر الغاشم رافضًا المساومة والخنوع، وهكذا صنع بتمرّده وإصراره لحن حياته البروموثيوسية.
وحسب ألبير كامو يصبح الإنسان بتمرّده أقوى من المصير. والمقاومة هي لحظة وعي وفقًا لمظفر، وهذه هي التي تقود الإنسان إلى التمرّد، وهكذا فشرارة واحدة تكفي بالنسبة لمظفر أن تلهب روحه المتمردة فتتحوّل الرغبة إلى فعل والحلم إلى إرادة نشوانًا للكمال والاكتمال ورفضًا للهوان والامتهان.
المتمرّد هو من يقول "لا" وفقًا ﻟ طه حسين، والتمرّد مسار فيه قوّة "الأنا" المحرّكة لتحقيق الذات، حتى وإن كان الخروج من الجماعة والانشقاق عنها ورفض الشائع والمستقر والمعروف، وهو ما عمله مظفر النواب، فلم يكن متمردًا فحسب، بل كان مثل شهاب انفكّ من السديم، ليكون القدوة والمرجع.
هكذا أصبح مظفر بوصلةً وشراعًا باختيار طريقه الخاص في الإبداع بدلًا من الاتباع، والحداثة بدلًا من القدامة والأشكال الجديدة بدلًا من القوالب الجامدة، وانتقل من الشكّ إلى اليقين في إطار شكوك فرعية صغيرة في اليقينيات الكبيرة السائدة، فقد تمرّد على المسلّمات، بمختلف مسمّياتها وأشكالها وهو تمرّد عقلي لأجل إنسان لم يولد بعد وحلم لم يتحقق وأمل قد يبدو الوصول إليه مستحيلا. إنه تمرّد للخروج من شرنقة الخنوع إلى فضاء الحريّة ومن قيد الاستتباع إلى رحاب الاستقلالية ومن عبء التقليد إلى شاطئ التجديد، ويمكن القول "أنا أتمرّد فأنا موجود" وهو لسان حال مظفر النواب، باقتفاء أثر ديكارت "أنا أفكّر فأنا موجود".
في هذه الأجواء الإبداعية - التمرديّة نشأت شاعرية مظفر، حيث تلاقحت موهبته مع رسالته الشعرية باستخدام تكنيك شعري ولغوي ومصطلحي خاص به، حتى ليمكن القول أن ثمة قاموسًا مظفّريًا بدأ يتكوّن، لاسيّما في اللغة المحكية (القصيدة الشعبية).
وإذا كانت الشعرية تتعلّق ببحور الشعر وأغراضه والشواهد الشعرية والانفتاح على اللغة ودلالاتها، فإن الشاعرية كمصطلح استُخدم في أواسط القرن العشرين كتعبير عن الإحساس الرفيع بتمثيله الروح التي تلامس الشعر وتعبّر عن جوهره، وهو ما جاء عليه غوستاف باشلار في كتابه "شاعرية أحلام اليقظة" (1991)، فكيف يمكن التوقّف عند شاعريّة المبدعين ومنهم مظفر النواب؟
الشاعرية تتميّز بالحساسية والجمال والإلهام، ومثلما ترتبط بفن الشعر فهي ترتبط بعموم الإبداع. وقد توقّف باختين عند شاعرية الروائي ديستوفسكي. وسبق للمعلّم الأول أرسطو أن تناول في كتابه "فن الشعر" التكوين الفني ومحاكاة الطبيعة بصفتها جوهر الشعر بما فيه الملهاة والملحمة والحوار والموسيقى والرقص، فثمة فارق بين ما يسمّى شعرًا وبين ما يسبغ عليه حيّزًا جماليًا بحيث تشعر أنه "شعر"، وهو ما نشعر به ونتحسسه حين نقرأ شعر مظفر النواب، ناهيك حين نسمعه بصوته المؤثر ونبرته المتميزة مموسقًا وممسرحًا تتراقص صوره الفنية برشاقة فائقة، وهارموني عالي الانسجام.
وتختلف الشاعرية من شاعر إلى آخر باختلاف إبداعه، وهذا هو الفرق بين شاعرية تنطلق من الروح وأخرى شكلية. وبالطبع هناك معمار لكلّ قصيدة يتم هندستها وفقًا لمعجم الشاعر اللغوي واستعاراته وتركيباته، والأمر ينسحب على مكنونات الإبداع الأدبي والفني، وبقدر ما يكون المبدع متقنًا لصنعته تكون اللغة مطواعة بين يديه؛ والرسالة الابداعية بقدر جماليتها فإنها تعبّر عن مدى إنسانيتها.
وبالنسبة لمظفر النواب فكتابة الشعر وإن كانت خلاصًا فرديًا وتعبيرًا عن روحه التوّاقة إلى الحريّة، إلّا أنها بدأت تأخذ بعدًا أكثر جماليةً ورمزيةً في الخلاص الجماعي، لاسيّما الانحياز إلى المظلومين والمهمّشين.

*أديب وكاتب

نشرت في مجلة الشبكة (العراقية) في 15 أيار / مايو 2023.



#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن تقريظ أحمد عبد المجيد لكتاب الغرفة - 46 :قراءة خارج المتن
- العقل الديني: في نقد الناقد والمنقود
- عن الكراهية والعنف
- مؤلف -فقه التسامح- حاور فضل الله والبغدادي ودافع عن المسيحيي ...
- أوكرانيا والاقتصاد -المسلّح-
- بشتاشان -خلف الطواحين-... وثمة ذاكرة...شهادة وليست رواية (ال ...
- شتاشان -خلف الطواحين- ... وثمة ذاكرة... شهادة وليست رواية (ا ...
- بشتاشان -خلف الطواحين- ... وثمة ذاكرة - شهادة وليست رواية (ا ...
- بشتاشان -خلف الطواحين- ... وثمة ذاكرة..شهادة وليست رواية (ال ...
- بشتاشان -خلف الطواحين-... وثمة ذاكرة..شهادة وليست رواية (الح ...
- السودان من الانقلاب إلى الانقلاب
- عن شيء اسمه -السيادة-
- نداء عاجل من مجموعة السلام العربي بشأن تطورات الوضع في السود ...
- منطق ويستفاليا
- -المبعوث- - عامان في العراق
- صورة الجواهري: الشاعر والشعر
- رسالة من د. شعبان إلى الأصدقاء في مؤتمر القمة الثقافي العربي
- ما الذي يُقلق واشنطن؟
- في ثقافة العنف واللّاعنف
- «دين العقل وفقه الواقع» لعبد الحسين شعبان (1) و (2)


المزيد.....




- السوبرانو المغربية سميرة قادري، من الغناء الأوبرالي إلى البح ...
- -سبيل الحوريات-.. حمّام الأميرات الذي يروي حكاية عمّان قبل أ ...
- موسيقى السيرك في المدرجات.. جماهير فالنسيان الفرنسي تحتج بسخ ...
- موسيقى السيرك.. جماهير نادٍ فرنسي تحتج بأسلوب ساخر على أداء ...
- 25 عاماً على أفلام هاري بوتر في السينما: إنتاج جديد كمسلسل ه ...
- قاعات أمريكية كبرى ترفض استضافة جولة الفنان ماكلمور الداعمة ...
- إليسا تعلن ارتباطها برجل ليس لبنانيا
- خمسون عاماً على انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
- مصر.. أول ظهور لمحمد الحلو بعد عمليات القلب
- -أرشيف الحياة-.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الحسين شعبان - بروموثيوسية مظفر النواب: الشعرية والشاعرية