أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عباس علي العلي - أسس الديانة العراقية القديمة ح 4















المزيد.....

أسس الديانة العراقية القديمة ح 4


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali)


الحوار المتمدن-العدد: 7454 - 2022 / 12 / 6 - 00:34
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


الحياة والموت في الدين العراقي القديم
ح1
في الأدب الديني العراقي القديم نجد مفهوم الأرضين "الأرض الدنيا" والتي تختصر عادة في تعبير الدنيا أو الحياة الدنيا، بأعتبار أن الإنسان عاش وسكن فيها ومارس كل أنشطته الوجودية وهو حي (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ .....وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) الحديد 20، أما الأرض الأخرة أو الحياة الأخرة وكما ورد في نفس النص السابق فهي أرض الحساب والعقاب، وبتعبير النص أن الحياة الدنيا حياة غير حقيقية فهي غرور، أما الحياة التي نعيشها حقيقة فهي في الأرض البعيدة الأرض الأخرة، والسبب أنها حقيقة لأنها أرض اللا عودة حيث الخلود فيها بين الجنة والنار، إشارة أرض اللا عودة لها علاقة مع فكرة أستدعاء آدم من قبل الله أنو أو أنا في ملحمة خلق البشرية التي تحدثنا عنها في المبحث السابق، فقد كانت الجنة الت سكنها آدم الزوج والزوجة ليست أرض خلود لأنهما عادا منها كما في النصوص المذكورة، فالجنة التي يشار لها بالخلود هي عندما يرتحل الإنسان من الأرض الدنيا أو الحياة الدنيا إلى الحياة الأخرة، بينما صعود آدم وهبوطه من الجنة أو المكان الذي أستدعي له فلم يكون مغادرو من عالم إلى عالم، فكلاهما كانا أرض عودة، من أرضو أو أريدو إلى حيث المكان الذي يحرسها الملكان ديموزي وجيشيدا أو "تيموز و جيـﭽدا".
إذا الديانة العراقية كانت تدرك وتفهم معنى الموت على أنه أنتقاله من عالم متحرك حي وديناميكي، يمكن فيه للإنسان أن يفعل ما يريد وفق ما يستطيع أو مقدر له ذاك، لكن عالم أو أرض اللا عودة هو النقيض الكامل في كل شيء لعالم الأرض الدنيا، فكما للحياة في الأرض الدنيا ملوك وقادة وكائنات مسئولة عن إدارتها، الأخرة أيضا لها نفي الكيفية وليس بنفس الأدوات التي في الأرض الأولى، تذكر النصوص القديمة عندما تشير إلى عالم الأرض الدنيا تسميها عالم النور أو عالم الأنوار، أما الأرض الأخرة التي تتميز ببعدها العميق بأنه أرض الظلام أو أرض الموتى، وبالرغم من هذا الوصف القاسي الشديد الأكتئاب لكن هناك فسحة أخرى تتبدد هذه الصورة ولو مؤقتا عبر حدث رمزي أو فعلي أحيانا يعيد التوازن لسكان أرض الى عودة، فمثلا كما يرد في النصوص الدينية القديمة (في أحد الأعمال السومرية الذي يشار إليه باسم "وفاة أورـ نمو "، يصف أرواح الموتى على أنها كانت مبتهجة وفرحة عند وصول الحاكم أورـ نمو إلى العالم السفلي، وكذلك قيام (شمش) " الملك الموكل بالشمس والذي يمثل رب العدل "، بزيارة عالم الظلام كل ليلة وعلى مدار السنة .
الفكرة الدينية العراقية القديمة لا تؤمن بجنة فيها ناس سعداء تتوفر لهم كل مستلزمات السعادة والكرامة التي يجعل من الإنسان راغبا بالفعل أن يرحل إلى أرض اللا عودة من أجلها، كذلك لا توجد نار ولا عالم جحيم يخشى الكثيرون أنهم سيلقون فيه نتيجة أعمالهم المخالفة لإرادة الله، العالم الظلامي أو عالم الموتى ليس إذا عالم حساب بل أنتقاله وجودية إلى عالم مغاير يعتمد في معايير السعادة فيه والشقاء على ما يفعله الأحياء للأموات، ذكر آندرو كوهين ـ في كتابه طقوس الموت (جاء في النصوص التي تحدثت عن وفاة الملك أور ـ نمو ، " طعام العالم السفلي طعمه مرّ ، والماء رائحته كريهة) ، مع أن أور _ نمو ملكا وربما من الذين أنجزوا قيما مضافة للحياة مما يجعلهم مؤهلين كما في أعتقادات الديانات الإبراهيمية للجنة، والتي من المفترض وحسب التعابير القرآنية مثلا أن يسكنوا في عليين، أي في السماء العليا إن لم يكم كجسد فعلى الأقل روح، فالديانة العراقية لا تؤمن أبدا لصعود الأرواح البشرية للسماء لأنها محل ملأ الله وأعوانه، وهذا ما يمكن به تفسير النص القرآني الذي يقول (يا أيتها النفس المطمئنة أرجعي إلى ربك راضية مرضية) النص هنا يتحدث عن النفس وليس عن الروح، ومعلوم أن الفرق بين وكبير بين دلالات النفي بأعتباره إنعكاس لشخصا الإنسان، بينما الروح هي الطاقة التي تحرك النفس وتمنحها الحياة، فالأمر برجوع النفس إلى ربك تعني إلى المكون الذي مسيطر عليها بالطبع والأصل وهو الطين أو التراب كما في النصوص القرآنية، وليس معنى ذلك أنها تعني العودة إلى الله أو على الأقل للسماء أو عليين.
كانت فكرة العقاب والحساب الذي ينزله الله بالبشر تتضمن الجانبين الإيجابي والسلبي لكن حينما يكون في الأرض الدنيا، في الحياة فقط، فلا فائدة من معاقبته في عالم لا ينفع فيه الحساب بعد أن تم فعل الخير وفعل الشر، هذه الفكرة تماما هي عكس فكرة الأديان الإبراهيمية التي تجعل من العقاب والثواب مؤجلا في العالم الأخر ، مما يفقد قيمة الرادع والمكافأة المرجوة والمنتظرة منه، ينقل الأتاري والمؤرخ فراس السواح نصا يتعلق بالقيم الأخلاقية المطلوبة من الإنسان والتي يشير فيها النص إلى أن العقاب والحساب دنيوي مباشر، النص عبارة عن ترتيلة مرفوعة للإله شَمَش إله الشمس والعدالة، الذي يعاقب الأشرار ويكافئ الأخيار وقد عثر على هذا النص في مكتبة آشور بانيپال .
"" أيا مبدد الظلام وقاهر الشر في الأسفل وفي الأعلى .
أنت راعي العالم من أسفل، وحارس العالم من أعلى .
يا من تحاسب بالحق، الصالح وتحاسب الشرير .
تكسر شبكة المجرم وتقطع دابره،
وتذهب بمال من يتلاعب بالحسابات .
تودي عدالتك بالقاضي الفاسد الى السجن،
وتُنزل عقابك بالمرتشي الذي يحرف سير العدالة .
أما المستقيم الذي يرفض الرشوة وينتصر للضعيف،
يفرح به فؤادك، فتثري حياته وتزيد في أيامه .
القاضي النزيه الذي يصدر الأحكام بالحق،
تجعل مكانته سامية وتسكنه مساكن الأمراء "" .
إذا كانت الفكرة الأساسية والتي ركز عليها كثيرا الفهم الديني في عصر الإيمان العراقي تعتمد على إصلاح وصلاح الإنسان في الدنيا وهو معيار الحساب والمحاسبة المباشر والمعجل، إذا لنقرأ نض ثاني:.
توصي واحدة من (نصائح الحكمة) البابلية :-
(أعبد كل يوم إلهك
و أظهر العطف للضعفاء
لا تهن المساكين
قم بالأعمال الصالحة
وقدم العون في كل ايامك...
لا تشهر بالآخرين وحدث بالحسنات
لا تقل أشياء خبيثة
وقل في الناس قولًا جميلًا ) ..
كان العرافي القديم يؤمن تماما كمسلمة يقينية عنده أن العظمة والمبالغة في الطغيان لا تسمح له أن يكون عنصرا خارج المقباس الطبيعي له كإنسان، وعليه أن يمضي حسنا في الحياة الدنيا كلقية الناس، فقد ورد في ملحمة كلكامش نصا على لسان الملك الذي يطل من شرفة قصره ويتذكر المصير الذي سيلاقيه، فهو نفس مصير العامة لا فرق....
في مدينتي، يموت الرجل كسير القلب
يفنى الرجل حزين الفؤاد
أنظر من فوق السور
فأرى الأجسام الميتة طافية في النهر
و أرى أني سأغدو مثلها حقًا
فالإنسان مهما علا، لن يبلغ السماء طولًا
و مهما اتسع لن يغطي الأرض عرضًا...
إذا فلسفة الحياة الدنيا عند العراقي القديم تقوم على عنصرين، الأول أن الفوز والفلاح والسعادة هذه مفردات ممكنة وواجبة ومطلوبة في الحياة الدنيا، في أرض العودة لأنه من نسحها ومن نتائج وجودنا فيها، إذ لا يمكن أن نتصور أن الأجساد الذي سترسل إلى العالم السفلي أو أرض اللا عودة يمكنها أن تمارس هذه الأمور أو ممكن لها، لأنها أساسا لا تستطيع ولا يمكنها فعل ذلك، وهذا يعني أنه لا فرح هناك ولا أمل ولا عمل سيكون في العالم الأخر، ان الصورة التاريخية عن عالم الظلام هي بشكل عام كئيبة ومخيفة، وقد وصِف في النصوص المدوّنة على أنه "أرض اللا عودة، المظلم ، الموحش والقاسي، وهو المنزل الذي لا يسمح في الخروج لمن يدخله، والغبار يملأ بابه ومُقفل من الداخل، لذا فالسعادة مثلا والخلود المطلق وما ورافق وصف الجنة من مغريات حسب العقائد الإبراهيمية لا وجود حقيقي له بقدر ما هو تغرير وحث على العمل الصالح في الحياة الدنيا.
العنصر الثاني في فلسفة الحساب أو العالم الأخر يقوم على فكرة أن الأحياء الذين يخلفون الأموات تقع عليهم مسئولية التحفيف عن الظلام والنصب والإرهاق الذي يصيب الموتى، بعبارة أخرى هي أن الحياة يجب أن تتواصل بين السلف والخلف ولا يمكن أن يكون الإحسان في الدنيا في جزء منه في إنكار حق الموتى في التواصل، بعض نصوص الملاحم والأساطير مثل ملحمة گلگامش وإنكيدو والعالم السفلي تشير إلى أن الكثير من المتوفين في العالم السفلي يعتمد وجودهم في العالم السفلي ودرجة التميز على ما لديهم من الأبناء والأحفاد، وكلّما زاد عددهم زاد الإيتيمو (العتيمو أو الروح) وجودهم في العالم السفلي، حيث اذا كان هناك المزيد من الأقارب فهذا يعني أداء الطقوس المطلوبة ما بعد الوفاة سوف تكون مضمونة .



#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)       Abbas_Ali_Al_Ali#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسس الديانة العراقية القديمة ح 3
- أسس الديانة العراقية القديمة ح 2
- أسس الديانة العراقية القديمة ح1
- الدين بين طورين ح 4
- الدين بين طورين ح 3
- مقامات الهوش في وسط الحوش ح2
- الدين بين طورين ح 2
- الدين بين طورين ح 1
- مقامات الهوش في وسط الحوش
- أهلا بصباحك ... سيدنا المطر
- الأكراد ومشكلة الهوية وإشكالية الأحتواء.
- غزل وردة
- فلسفة مكافحة الفساد في دولة حقيقية.
- في سنين النضال الجديدة
- الصراع الديني ونتائجه في سقوط منطق الإرث المقدس
- كتاب من الله
- المدنية بين العنوان وواقع النظم
- الرب الصديق في حانة الفقراء
- -دولة وطنية حضارية للأمة العراقية- 3
- -دولة وطنية حضارية للأمة العراقية- 2


المزيد.....




- بايدن في خطاب الاتحاد: أتطلع إلى العمل مع رئيس مجلس النواب ا ...
- بايدن: ديمقراطيتنا لا تزال -صامدة- على الرغم من الصعوبات وال ...
- زلزال تركيا وسوريا: جثث في الشوارع وتصاعد الغضب بشأن المساعد ...
- مواطن مغربي يضرم النار في نفسه قبالة قنصلية الرباط في مدريد ...
- زلزال بقوة 4.4 درجات على مقياس ريختر يضرب منطقة نابلس وشمال ...
- الهلال الأحمر السوري يناشد المجتمع الدولي رفع العقوبات عن سو ...
- دول أوروبية ترسل 100 دبابة ليوبارد لأوكرانيا -الشهور المقبلة ...
- كوستاريكا: بكين اعتذرت عن تحليق منطاد في مجالنا الجوي.. والس ...
- اختطاف طائرة وقائدها النيوزلندي في إندونيسيا
- أكثر من 8000 وفاة في تركيا وسوريا جراء الزلزال المدمر


المزيد.....

- عبد الله العروي.. المفكر العربي المعاصر / أحمد رباص
- آراء سيبويه النحوية في شرح المكودي على ألفية ابن مالك - دراس ... / سجاد حسن عواد
- معرفة الله مفتاح تحقيق العبادة / حسني البشبيشي
- علم الآثار الإسلامي: البدايات والتبعات / محمود الصباغ
- الابادة الاوكرانية -هولودومور- و وثائقية -الحصاد المر- أكاذي ... / دلير زنكنة
- البلاشفة والإسلام - جيرى بيرن ( المقال كاملا ) / سعيد العليمى
- المعجزة-مقدمة جديدة / نايف سلوم
- رسالة في الغنوصبّة / نايف سلوم
- تصحيح مقياس القيمة / محمد عادل زكى
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عباس علي العلي - أسس الديانة العراقية القديمة ح 4