أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - المنصور جعفر - هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟















المزيد.....



هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟


المنصور جعفر
(Al-mansour Jaafar)


الحوار المتمدن-العدد: 7333 - 2022 / 8 / 7 - 17:17
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


1- نقاط أولية في موضوع إختلاف الفهم بإختلاف إتجاه كل قراءة:

1- جدل الإختلافات:
(أ) نعم، رغم وجود نفس الكلمات لن يكون الفهم واحداً مع إختلاف نوع وإتجاه القراءات، فإضافة إلى ما هو معلوم عن إختلاف الفهم حسب نوع المنظار المستعمل سواء كان سياسي أو إقتصادي أو ثقافي فكذلك يختلف الفهم بإختلاف إتجاه حركة القراءة، بدايتها ونهايتها: فإن بدأت قرآءة معينة من "نظرية" أو تصور معين منتقلة منه أو به إلى "إنتقاءات ثقافية" إلى بناء أو إقتباس أو تعزيز أو رفض "تأريخ" معين. فإن الفهم من هذه القراءة بختلف عن الفهم المتكون من قراءة تبدأ من "تأريخ" معين تدخل به في "إنتقاءات ثقافية" تصل منها أو بها إلى "نظرية" معينة تبنيها أو تنفيها نفس هذه القرآءة.

(ب) كذلك تختلف نتائج القراءتين بحكم 1- إختلاف كيان وظروف القارئي، وبحكم 2- إختلاف ظروف القراءة، و3- بحكم إختلاف نوع وتأثير الإنتقاءات أو التأثيرات الثقافية، وبحكم 4- الإختلاف في قراءات كل نظرية وأيضاً بحكم 5- الإختلافات في قراءة التواريخ، وبحكم 6- التباين بين تواريخ النظرية ونظريات التاريخ، و كذلك بحكم 7- إختلافات المعرفة المواشجة لكل.

(ج) بعد فترة من الصراع بين نوعي القراءة وتعطل هيمنة كل واحدة من القراءتين بسبب مقاومة الأخرى تتراكم الحاجات المعرفية والعملية خلف كل نوع منهما وتبدأ الظروف المحيطة بهما في التأثير عليهما بأكثر من تأثير أي من القراءتين المنهكتين في الظروف. ومع تبين نقاط ضعفهما تبدأ محاولات معرفة جديدة بأسلوب جديد يحاول تجنب سلبيات القراءتين.



2- "التأثيل" كنتيجة من نتائج جدل إختلاف القراءات:

(أ) منطقاً يضمحل جدل القراءتين ويندثر بولادة قراءة جديدة يتكون بعضها من فحص وتمحيص جدل وتكوين هذين الإتجاهين القديمين الراسخين، وبتبن سلبياتهما تنبني/تبدأ قراءة جديدة تبحث في طبيعة الكينونات الطبقية والثقافية للنصوص وتنوع فهمها ومعرفتها للأمور ومعرفة طبيعة تغيرات تاريخ وثقافة ونظريات تكون واختلاف أو وحدة المعرفة والفهم.

(ب) سميت القراءة الجديدة ونشاطها المعرفي الجديد "التأثيل"، من إسم شجرة "الأثل" وهو شجر مقاوم للملوحة والجفاف والتصحر، تصنع منه أدوات ومواد مفيدة، ففيه تحويل لعوامل الموت إلى عوامل حياة.

(ج) تختلف عملية "التأثيل" عن "التأصيل" الذي ينحصر نشاطه في تتبع تاريخ الوجود الحروفي للكلمات واستعمالها، أما "التأثيل" فيركز على تمحيص طبيعة وجود وإتساق النصوص والإصطلاحات السياسية والتغيرات الطبقية والثقافية في تأسيسها واستعمالها، وإنتقاد القراءات النمطية التي تستعمل منظاراً واحد لمعرفة ظواهر مركبة من عناصر مختلفة الأنواع والأحجام والوجود.


3- تفرد "التأثيل":

يختلف "التأثيل" عن القراءات النمطية بكونه قراءة إنتقادية متعددة الأشكال من حيث إنه:

(ا) قراءة مزدوجة لإتجاهي النص لها ما بعدها، إذ يقرأ من أول كتلة سياسية في الكلام إلى آخر كتلة فيه ومن الكتلة التي تبدو في آخر الكلام إلى كتلة إفتتاحه،

(ب) يمحص طبيعة وجود بعض الإصطلاحات أو الكلمات المميزة وجدليات خلقها وإستعمالها،

(ج) يحلل طبيعة حياة النص كـ"رسالة إعلامية" بداية بظروف خلق فكرتها، ثم ظروف صياغتها، ظروف إرسالها، وظروف تحولات سفرها، وتنوع وصول جسدها، وطبيعة وحدة أو إختلاف تأثيرها واستقبالات معانيها، وكذلك تنوع الإنتقادات ضدها أو ضد بعض أجزائها، وضد بعض ما واشجها، ثم ظروف قراءة كل واحد من هذه الأمور، وظروف تقييم كل قراءة إنتقادية.



4- بداية "التأثيل":

قد يختلف الكلام أو التفكير السياسي حول طبيعة ظاهرة ما حسب إختلاف مصدره ومتكلمه وهدفه وحسب إتجاه قراءته لطبيعة "الدولة"، "المجتمع"، "الثقافة"، "السياسة"، "الإعلام"، "، "الآيديولوجيا ونوع المعرفة" وتنظيمها أو حسب موقفه أو موقف قارئه إزاء إختلافات المعارف أو إختلافات تنظيم كل معرفة متخصصة وطبيعة تقييمها لكل عملية تقييم، ومدى تأثر طبيعة القرآءة أو البنية التي يفحصها "التأثيل" بتنوع وجود ونشاط هذه العناصر وتقييماتها وعلاقاتها.

نصوص الكلام/القراءة التي تبدأ من "النظرية" فـ"الثقافة" وتنتهي إلى "التاريخ" تعطي نتائج مختلفة عن نتائج قراءة ومعرفة تبدأ من "التاريخ" و"الثقافة" وتصب في قراءة "نظرية" أو نظريات معينة لذا فإن محاولة تجاوز التناقض بين نتائج اتجاهي القراءة تحتاج إلى تحليل وتمحيص هذه القراءات وطبيعة اختلافاتها، وعبر عمليات التمحيص والتحليل ذات القراءة المتعددة الإتجاهات والمستويات تتبلور عملية "التأثيل" مؤسسة قراءة جديدة إنتقادية متعددة البنى والأشكال لعناصر وعلاقات الجدل القديم وانتقاداته.

ضرورة قراءة طبيعة بداية كل نص وطبيعة نهايته ترتبط بمعرفة إتساق تفاعلات النص وإنها لا تؤدي إلى نتائج متناقضة إذا تم النظر لموضوع النص بمنظار الجهة الأخرى، لذا لابد من قراءة طبيعة أول النص وأخره وإتجاهات قرآءته هو لعناصر وعلاقات ومباني الظاهرة أو النص.




5- التصور الأول لبعض معالم إختلاف القراءات:

1- تصور فيزيائي:
في فيزياء كتل متساوية الأوزان في نطاق الجاذبية المألوفة في كوكب الأرض يختلف ثقل كتلتين منهم على عشرة كتل أخرى عن ثقل العشرة الكتل على الكتلتين رغم ثبات جملة عدد الكتل (= 12 كتلة) وثبات أوزانها. كذلك تختلف الطبيعة العامة لمادة معينة عن طبيعة أجزاءها: فطبيعة وجود وحركة جزئيات أي مادة وأثرها تختلف عن طبيعة وجود وحركة نفس المادة الكلية لنفس الجزئيات.


2- تصور حسابي:
في الحساب نجد إن الأرقام بعد الصفر محدودة (1 وزياداته، أو من 1 إلى 9) وأيضاً محدودة أساليب إجراء عمليات الحساب (جمع، ضرب، طرح، قسمة) لكن أنواع الحسابات وعدد الأرقام داخلها وعدد النتائج فكثير لا نهاية له.


3- الجغرافيا و الشعور:
في الرحلات: نجد نفس المسافر، نفس الميناء، نفس الناقلة، نفس المدينة الأخرى، ونفس الزمان والزمن والوقت واللحظات، نفس الناس، نفس الإنسان، لكن حسب الإلفة والمحبة يختلف الشعور بالوصول إختلافاً كبيراً عن الشعور بالمغادرة أو العكس. وشبه لهذا يحدث في رحلة الكلام أو قراءته من منطقة معرفية إلى منطقة معرفية أخرى.


4- تأثير تكوين الوجدان وثقافته على حدوث انفعال معين:
فرق كبير في انفعالات النفس بين محطة البداية ومحطة النهاية، حتى لو كان فرق المسافة بينهما أقل من ساعة وكانت ملامح المحطتين متشابهة أو كانت واحدة معالم الطريق، أو تشابه الكلام عنهما، بل تزيد طبيعة الإختلاف ويختلف إتجاه الراحة لو إختلفت الظروف والأحوال داخل الثقافة التي ينتقل بها الذهن أو ينتقل عبرها. وبحكم التأثير المتبادل بين الثقافة والوجدان، تتأثر بعض مواقف القراءة التاريخية أو القراءة النظرية بإنفعالات معينة.


5- تأثير الموقع الطبقي وظروفه:
إضافة لتأثير الزمان أيضاً يؤثر الموقع الطبقي لنظر كل قراءة من … وإلى ...، وتقييمه، فلكل موقع طبقي في زمان معين مجتمعات وثقافة/ثقافات مختلفة، ولمتكلمي كل ثقافة مواقع طبقية ومواقع نظرية مختلفة، والاختلاف في المواقع أو القراءات أو للكلام إنطلاقاً من هذه القراءات، وإنتقاءاتها الثقافية و"نظرياتها" له إرتباط بإتجاه القراءة وموقع "التأريخ" كبداية أو بموقع "التأريخ" كنهاية ومصب للأفكار والقراءات والنظريات والإنتقاءات الثقافية والإنحيازات الآيديولوجية التي سبقت الوصول إلى قراءة بعض تفاصيل هذا التاريخ أو بعض عناوينه، أو التي كتبته أو التي انتقدته نافية بعض معالمه أو كاسرة تمجيد وتعظيم هذه المعالم. (كما في نقاشات التفريق بين "الفتح" و"الإستعمار").


6- تأثير البداية والنهاية:
تتواشج إختلافات قراءة "التاريخ" كبداية أو كنهاية في تنظير معين مع طبيعة قراءة "النظريات" وكيفية ونوع تحديدها لطبيعة أو صحة علامات أو معالم هذا "التأريخ" أو ذاك، وبالتالي إختلاف تقديرها الموجب أو السالب لتغيرات طبيعة كتابته (نظريته)، وطبيعة وظروف توصيله إليها أو وصولها إليه في فترة معينة في ظروف معينة . وهذا الوضع يؤدي إلى نتائج مختلفة.

كذلك مع رسوخ أو تغير ظروف الطبيعة والإنسان قد يؤثر الوضع الأول للإنسان على الإحساس بما يليه حيث يختلف الإحساس الأول بالراحة إلى برد أو حر حسب الظرف السابق لهما فإن كان الظرف قبل برد خفيف هو حر شديد فإن الإحساس الأول به سيكون إنتعاشاً لطيفاً، ولو كان الظرف السابق لقدوم حر خفيف برداً شديداً و قر فإن أول حس بذلك الحر سيكون لطيفاً. طبيعة البداية تحدد طبيعة الاحساس بها وبما يليها.


7 - القرآءة كجمعة من قراءات وظروف وعبارات قديمة:
قراءة/قراءات وكتابة وإرسال "التأريخ" إلى متلقين محددين، وإختلاف استقبالاتهم لهذا "التأريخ" عملية إجتماعية حافلة بمختلف صنوف الإنحيازات والأدلجة في أمور "الطبقة"/الذات الطبقية، "المجال الطبقي"، "الدولة"، "المجتمع"، مؤثرة ومتأثرة بإنتقاءات "ثقافية" الهدف أو الأصل ، كما تواشج إختلافات "نظم المعرفة" عبر الفئات والزمان والمكان، ويشمل هذا التداخل وإختلافاته موضوعات كثيرة أهمها:

(أ) بعض أسس أو أشكال التقسيم الطبقي للموارد والثقافات،
(ب) بعض أسس أو مظاهر التنظيم الثقافي للأعمال والأوضاع الطبقية، وطبيعة تقييمها وإحترامها،
(ج) بعض أمور "النظرية السياسية" وأسس احترامها أو إهانتها وجود/نشاط الإنسان عبر تفسيرات وأنشطة شتى عسكرية، إدارية، دينية ، معرفية أو إعلامية، لكل منها خبرتها وأدواتها المناسبة لتحقيق موقف ذهني إجتماعي معين سواء كانت أدوات "تاريخية" أو"ثقافية" أو"نظرية".


8- الموجهات الأدبية والسياسية كمكونات ونتائج ثقافية:
في داخل كل ثقافة أياً كانت الطبقة الإجتماعية الحاملة لها أو المتلقية أو المقاومة ضدها أو الرافضة نجد أشكال وأنواع من الميثولوجيات والآيديولوجيات: ففي خلفيات كل ذاكرة توجد ميثولوجيات حاكمة بخبرتها وأخلاقياتها لبعض أسس التشبيك والترتيب المكونة للفهم.

كذلك تتنوع الآيديولوجيات فبعضها يؤكد أو يرفض جزء من الميثولوجيا/ت، وبعضها إزاء الحاضر يأخذ آيديولوجيا مهيمنة تبرر أو توكد تحسن الحاضر وتقبح التبشير إلى تغيير جديد، وبعضها يأخذ شكل آيديولوجيا مقاومة تكشف قبح الحاضر وتبشر بمستقبل حسن.

بيدأن تكون الأسس الإجتماعية أو الأسس السياسية لكتابة/قراءة تاريخ معين أو لتبلور جزء من ثقافة أو لتكون نظرية معينة لا يتم في سياق وجود منفصل لكل مجموعة من هذه الأسس بل بل في تفاعل بينها، كما أكد ذلك مراراً ماركس وإنجلز زعيما أسلوب قراءة التفاعل الإقتصادي الإجتماعي السياسي وتكويناته.

9- صراع طبقات داخل كل ثقافة وصراع ثقافات داخل كل صراع طبقي:
في داخل أي قراءة تبدأ من "النظرية" إلى "الثقافة" إلى "التأريخ" أو من "التأريخ" إلى "الثقافة" إلى "نظرية" أو نظريات معينة، تتكون صراعات فكرية شتى تتمثل بقراءة طبقية في:

(أ) صراع أساسي بين الطبقة المقهورة والطبقة القاهرة،
(ب) صراع ثانوي داخل كل طبقة بين بعض فئاتها،
(ج) صراع داخل كل فئة طبقية بين بعض شرائحها.

تتكون هذه الصراعات رغم تشابه المنبع الطبقي أو الثقافي لقراءة الآيديولوجيا أو تشابه بعض المواقف الآيديولوجية إزاء موضوع معين، رغم إختلاف منابعهم وبيئاتهم أو إتفقت ظاهراً أو باطناً بعض إختلافاتهم أو إختلفت ظاهرياً بعض إتفاقاتهم. وبالتالي يستحيل تحقق قراءة متساوية الكفتين، بل مختلفة النتيجة.


10- النص/الكلام/ الخطاب كرسالة:
في خضم هذه الفروق/التشابهات تبدو أهمية تجويد معرفة طبيعة أي نص أو خطاب للقيام بثلاث مهمات:
(أ) فحص عناصر وعلاقات وبنى تكوين وإرسال كل نص/كلام كبير ونظم معالمه/علاماته،
(ب) تحليل عناصر وعلاقات وبنيات صوره وصياغتها ونقله،
(ج) فحص عناصر وعلاقات و مباني إستقبال النص.
يلزم لتحقيق هذا التمحيص فحص كل مرحلة بشكل مفرد ثم فحصها جمعة.


11- وقاية المعرفة الجديدة من العلل القديمة:
يرتبط تكوين أسلوب القراءة الجديد النوع بفحص عناصر وعلاقات بنيات النصوص، وتبدو فضيلة أو موضوعية فحص العناصر والعلاقات والمباني القديمة من النتائج المفيدة لتطور المعرفة التي تحققت من فحص ودرس حقيقة أو طبيعة بعض الأحداث والنصوص القديمة الكبيرة الأثر: (الكتاب المقدس، التوراة، تصحيح آثار إسلامية، تحقيقات الأدب، تحقيق التواريخ، تحقيق أو فحص النصوص الأكاديمية، التصريحات الإعلامية، الوعود السياسية، ..إلخ).

من فحص هذا الكلام القديم أو ذاك تبينت لباحثيه وقراءهم حقائق شتى تختلف الإستفادة العملية منها وأهمها: وجود معارف منظومة ووجود حكم وطيدة، ووجود خرافات وأساطير، ووجود أمور مقتربات إلى قوانين الطبيعة وسنن الكون، وأخرى مبتعدة عنها، كذلك وضح وجود صور مرسخة وأخرى مجددة لمعالم المجتمع أو لبعض معالم ثقافة أو تأريخ كل فترة/مجتمع.

أيضاً إكتشفت بعض أنشطة علوم التأريخ والتوثيق والأرشفة إختلافات شتى في بعض نسخ النصوص المكتوبة واشجت ظروف صنع تلك النصوص أو نسخها أو ترجمتها أو مناسبتها تقوية أو إضعاف تأثير معين للنص، كما بين التمحيص إختلافات الشفاهة عن بعضها وعن الكتابة بإختلاف السرد أو تأريخه مع تغير بعضه بتغيرات اللغة واللهحة أو باختلاف ترتيب عناصر النص والظروف الثقافية السياسية للمكان والزمان إزاء جملة أحداث أو بعضها، وحسب موقف الشخص/جماعته إزاء أحداث أو مضمون النص/المشافهة إما شاكراًً وإما كفوراً.

6- بعض مسائل إتجاه حركة القرآءة:

1- مسألة الجدل بين إطلاقية التنوع ونسبية التعميم؟
تختلف طبيعة أجزاء المادة وعناصرها في حالتها المفردة عن الطبيعة العامة أو الكلية للمادة، بسبب ظروف وجودها وتركيبها وإختلاف الوسط المؤثر على وجودها،فينشأ إختلاف نسبي بين الجزء الفرد والمجموعة التي تضمه مع توائمه، وكذلك في عالم الأفكار والمباني الذهنية حيث يختلف كل نوع من المباني الذهنية في مادته عن مكوناته الدقيقة أياً كان هذا المبنى الذهني: (فكرة، نظرية، ثقافة، تاريخ). ويحدث الاختلاف بإختلاف إنتقاء وترتيب وسبك الأفكار وإختلاف التعميم حتى لو إتسم الجزء وكل بتشابه في الملامح.

(أ) "النظرية" كمجموعة نسبيات:
عند القراءة من "النظرية" إلى "الثقافة" إلى "التاريخ" نجد حقيقة نسبية مثل كل الحقائق وهي إن أي نظرية علوم إجتماعية تتكون من خبرات وفهوم نسبية أقدم منها نشأت في ظروف مختلفة.

(ب) "الثقافة" كمجموعة نسبيات:
نشكل "النظرية" (أياً كانت) بكل "نسبياتها" الإجتماعية جزءاً مهماً من عملية تحديد وقراءة صور من "الثقافة"، أو ما نتصوره هو "الثقافة"، فالفهوم والخبرات والتقاليد الأولى المكونة للثقافة هي حالة عفوية ولا تصبح ثقافة إلا بعد أن يتم إنتقاء وترسيخ بعض أجزاءها ووثقه كفهم وسلوك وأسلوب حياة لجماعة ممارسيها يميزون بها عن غيرهم.

(ج) "التاريخ" كمجموعة نسبيات:
المزيج السياسي النسبي من "النظرية" و"الثقافة" بكل نسبياتهما وكل إنحيازاته يشكل في الواقع جزءاً مهماً من تصورات وتحليلات نسبية للأحداث القديمة يركز هذا المزيج على بعضها ويسميها "التاريخ". ما يعني ان ما نسميه "التاريخ" هو مجموعة نسبيات بعضها قديم كتبه منتصرو الزمان القديم وبعضها حديث يتحكم في إنتشاره وترسيخه في مؤسسات المعرفة ومؤسسات الاعلام منتصرو الزمان الحاضر.

(د) النتيجة النسبية/العامة: إن "التصور العام" هو حصيلة نسبيات تم ربط/تعميم بعضها:
أسلوب القراءة الذي يبدأ من نظرية أو من نظريات معينة تتحكم فيه عمليات إنتقاء و"تحديد" أو قراءة معالم معينة في "النظريات" الأخرى وفي "الثقافة" وفي "التاريخ" وبصورة معينة توكد بعضها وتنفي بعضها، هو أسلوب يؤكد إن الخبرات أو تصورات "النسبية" القديمة تؤسس نوعاً من التعميم والإطلاق يحكم المعارف التي تتكون بها مثل تأثر وجود الفلسفة ونظريات العلوم الإجتماعية بنظريات المنطق وبشكلي الفيزياء: فيزياء نيوتن الميكانيكية ثم فيزياء إنشتاين النسبية، ومن ثم تأثر بعضها الحديث جداً بتنوعات الفيزياء الحديثة بنشوء محور "بوز- انشتاين" Bose–Einstein condensate وما بعده.


2- مسألة اختلاف نتائج القراءة ذات الأسلوب/الإتجاه الواحد:
وفق النظرية النسبية فان إختلاف ظروف رصد شيئ معين أو رصد حركته يؤدي إلى إختلاف في نتيجة الرصد وكلها صحيحة بحكم ظروف الرصد. في ضوء هذه النظرية تختلف نتائج كل معرفة حسب إختلاف سياقها ومواشجة أسلوبها لتحكم أو تحكيم نظرية معينة، بما يؤدي في أي موضوع سياسي إجتماعي طبقي أو ثقافي أو فلسفي إلى نتائج مختلفة عن النتائج المكونة بأسلوب آخر للمعرفة أو القرآءة.

(ا) جدل المواقع والحركة والنتائج:
بالإمكان رصد تناقض بعض نتائج قراءة أو تدوين ظاهرة معينة وفق بداية التعامل معها سواء من نظرية أو نظريات معينة أو من تأريخ معين. فبداية كل قرآءة تؤثر على تعاملها لاحقاً مع بعض مفردات "الثقافة" قبل وضع نهاية للكلام ومن تؤثر البداية وبعض معالم الثقافة على تصورات/تكوين "النهاية". بإختلاف ظروف إنتظام مكونات أو تركيب كل نهاية وشخوصها في شكل ووضع وموقع معين تختلف درجة قبول/حقيقة هذه "النهاية" ايأ كانت "نظرية" معينة أو "تاريخاًً" وأيضاً تختلف أي قرآءة تواشجها.

(ب) أسلوب هدم:
بهذه النسبيات وصراعاتها يختل رسوخ أي كلام إذا بدأ إنتقاده من الجهة الأخرى، فبالإمكان زلزلة أفكار ونظريات راسخة كنظريات "الدين" أو نظريات "العقل" ونظريات "الحرية والإخاء والمساواة" بفحص تناقضات تاريخها، وأيضاً بالإمكان تغيير تمجيد أو تهميش "تاريخ" معين لأمور معينة، إذا تمت قراءته على ضوء نظرية معينة نقيضة لهذا النسق أو النظر إليه بمنظار طبقي مختلف.

(ج) ضرورة التنوع والتكامل لتخفيض الإختلافات:
مع إختلاف نتائج تنوع القراءات وإختلاف تصور الظاهرة/النص، يختلف وصف كل قراءة لقرآءة أخرى وتتنوع التقييمات إزاء كل نص من أي متفردات متشابكة أو من متشابكات متفردة، وأيضاً يختلف السرد الشفاهي عن المكتوب، وتزيد الإختلافات بإختلاف سمع ونقل الكلام، وإختلاف لحظات استقبال كل سرد منذ تكوينه وولادته وتنوعه حسب إختلاف إرسال ونقل وحضور واستقبال كل جزء منه.


3- مسألة جدل المعيشة والمعرفة ؟

1- تصور لتكون خبرات المعيشة:
تؤثر أمور المعيشة والفهم وتتأثر بالجدل بين أمور المعرفة (تواريخ، ثقافة، نظريات) مع بعضها ومع أمور المعيشة. وقراءة هذه الحقيقة بداية من "التاريخ" تصور تسلسلاً لتكون المعرفة المنظومة يبدأ من:
(1) تعامل عفوي، يتحول إلى
(2) تعامل منظوم بخبرات صغيرة معينة مع بعض حالات البيئة والمجتمع، يتحول إلى
(3) ترسخ بعض التعاملات كصور ذهنية وسلوكية تسمى "التقاليد" أو "الثقافة"، يبدأ منها
(4) تحديد بعض حاجات الجماعة وينتظم التفكير في كيفية تلبيتها، من تكرارها تتكون
(5) خبرات أولية أكبر، يؤدي تراكمها وإنتظامها إلى
(6) بداية تكوين تصورات عامة أو قواعد أو موجهات عمل (نظريات).

2- تراكم الخبرات العفوية وتحولها إلى شبه نظريات:
بتراكم الخبرات يبدأ نشوء عملية "تنظير" وهل عملية واضحة منذ "العصر الحجري" بنظريات تم إثباتها بالممارسة شكلت وبلورت المعرفة البدائية/الأولى ونسقتها في شكل موجهات عمل من قبيل إفعل ولا تفعل أو الصحة كذا والخطأ كذا وهي نظريات تشمل كثير من موضوعات البيئة والبقاء والتواصل والصراع والتطور التقني والذهني، أهمها:
1 - نظريات إنتقاء ماء الشرب وإلتقاط الثمار وجمعها وفرزها وتوزيعها،
2- نظريات ترتيب بعض الأعمال،
3- نظريات الصيد،
4- نظريات إشعال وإستعمال النار،
5- نظريات تنظيم وطهو الطعام،
6- نظريات تحديد المواقع،
7- نظريات تحديد الزمن، الزمان، سرعة الحركة،
8- نظرية "الطريق" من وإلى مكان معين،
9- نظريات صنع الأدوات،
10- نظريات رفع وتحريك الأثقال،
11- نظريات نقل المياه (دلاء، قنوات، شواديف، سواقي) وإكتشاف الآبار،
12- نظريات بناء المساكن،
13 - نظريات صنع الملابس و الأحذية،
14- نظريات إستعمال وصنع الحبال،
15- نظريات الغزل والنسج،
16- نظريات استعمال وبناء القوارب،
17- نظريات التعدين،
18- نظريات الزراعة والتدجين،
19- نظريات الجروح والعلاج،
20- نظريات تحديد ذات المجتمع بتحديد منطقة انتشاره و بحصر تزاوج أفراده،
21- نظريات الدفاع والهجوم وصنع الأسلحة،
22- نظريات إنتقاء وتحريك وإستعمال الحيوان،
23- نظريات بناء المساكن وإصطناع الجسور،
24- نظريات تقدير الأوضاع،
25- نظريات بناء الأدوات والآلات،
26- نظريات جمع أعمال ومعارف ونظمها في حرف وعلوم وفلسفات (تأسيس العمل، الدولة، الدين)،
27- نظريات السرد والحكاية والكذب،
28- نظريات التحكم والسيطرة،
29- نظريات الفحص والإختبار والتعامل بالقبول والرفض،
30- نظريات تمييز الذات الفردية بالجماليات وبالقوة والبطش.

بتجمع هذه الخبرات (النظريات) المفردة العفوية الخام نشأت نظريات/أعمال إختصاص وامتلاك وقتال وحرب وبها زاد في الجماعات البشرية الأولى تركيب الأفكار وتجسدها في شكل مجتمعات ودول، وتبلور بعض قيمها وتصوراتها في شكل تنظيرات موجهة بعضها ميثولوجية وأخرى أدلوجانية.


3- ميثولوجيات وآيديولوجيات العصر الحجري:
(أ) لعل نوابغ الجماعات البشرية الأولى تخيلوا ان البشر جزء من الطبيعة، من ملاحظة إن تغيرات المد والجذر، والنبات والذبول، وتزاوج الحيوان، وتغيرات الرياح والتيارات والجو تزامن بعض تحركات النجوم والشمس، وتصادف حدوث أمور جيدة أو سيئة داخل الجماعة.
بالإمكان تخيل أن الدهاقنة وسدنة الحكمة آنذاك تصوروا علاقة بين انتظام الطبيعة وإلتزام البشر بنظم جماعاتهم عبر أفكار بدائية عن "التأثير" و"القيم" لعل بنموءها بدأ تلقين أجيال الجماعة (أسرار) البقاء والنشاط والإزدهار عبر كلمات وتعبيرات ثم حكاوى محفزة أو منفرة لعلها بدأت "الميثولوجيا".

(ب) أما الأودلوجات الأولى فلعلها بدأت ككلام يوكد صحة وضع الجماعة ورؤوساءها ويهاجم أعداءها بشكل ميز الجماعة بـ"(نحن"/"هم")، وشكل ("صديق"/"عدو") سواء كان هذا العدو أو الصديق حيواناً أو تغيراً في البيئة أو تصرفاً داخل الجماعة أو من جماعة أخرى.


4- فكرة النظام الكبير:

(أ) الواقع:
بإدراك القديمين وجود تفاعل بين بعض عناصر الطبيعة الظاهرة بدأت تصورات عن وجود قوى خفية في السماء والأرض وكائناتها (= طاقة؟) تؤثر في أفعال الناس وتتأثر بها، متصورين عبر الكهنة إن الخير يبدأ بتوقير فردي وجمعي لمظاهر إنتظام الطبيعة من شروق الشمس إلى لألأة النجوم، وإن مخالفة نظام الطبعة/الجماعة/الكاهن قد يثير غضب الطبيعة على الجماعة بقحط، جفاف عواصف، زلازل، براكين.

(ب) التفسير:
بتلك الخبرات والنظريات البدائية الخام كرست الجماعات الأولى تعاليم وقيم معينة ورسخت آداباً سلوكية وفنوناً وصيغاُ كلامية شتى. لعل أهم صورة مواشج لكل هذه الأمور هي فكرة "العلاقة" أو "المناسبة".

(ج) فكرة وحدة العالم وتداخل تأثيراته:
تخيل قدسية ما لتزامن تغيرات الحيوات، المياه، الأرض مع تغيرات السماء تخيل أكده متصوفة من شاكلة "آمونحوتب"، "جورياس"، "فيثاغورس" و"أفلوطين" وكل متصوفة الأديان ثم كل العلميين "الخميائيين" نسبة إلى "خيمياء" اسم عمل مشتق من حضارة خم Khem مواشج لأرض الخصب والتحول الخلاق. محاولة استكناه أو سبر القدس أو زعم حماية معارفه تكشف اهتمام المجتمعات القديمة بمعرفة كنه النظام الكبير والعلاقة الخفية والتناغم بين مظاهر الطبيعة. مبتدئين تشكيل مباني معرفة تكرس هذا الفهم.



4- مسألة وحدة وتنوع الحقائق وأساليب المعرفة:

1- لغط المعرفة التي تبدأ بقراءة أو كتابة التاريخ بدون نظر/ية:
بإسم الحياد بين النظريات أو بزعم حرية الفكر أو بفصل التأريخ عن التحيز الطبقي/السياسي فإن أهم معالم/نتائج القراءة/المعرفة التي تبدأ من التاريخ دون أي نظرية تنظم إنتقاءاتها منه هي الفوضى الذهنية، وأهم معالم هذه الفوضى إن "التاريخ" نفسه لن يكون كـ"التأريخ" المألوف كسجل منطقي، فبإنعدام أو حتى اختلاف نظريات قراءة الأحداث والظروف والصراعات سيكون التاريخ المزعوم صوراً مختلفة من ذواكر مختلفة وسجلاً لإنفعالات مختلفة بأحداث أو ظروف قديمة. أي بلا ترتيب منطقي تحكمه نظرية معينة.


فبتغييب الآلة/النظرية التي تكشف طبيعة عناصر الأحداث وتأثير ظروفها على حضورها ومستقبلها تغييباً يزعم انه يمثل حرية المعرفة أو تحريرها من الميول المسبقة هو تغييب يلغي دور آلة النظرية في تمييز وتقييم الوقائع وفرز وتصيف الصالح منها والطالح وفق تقدير معرفي وطبقي معين ظاهر بل يمارس التمييز والتقييم وفق تقدير معرفي طبقي خفي أو مستتر.


2 - جدل التاريخ ومعالم الثقافة، وأثر ذلك على تكوين النظريات؟
(أ) تاريخ مشتت:
القراءة ذات البداية اللانظرية تشتت "التاريخ" تجعله تفاصيلاً متناقضة يتحول بها غللى بناء مضطرب الكينونة وبهذا التكوين المضطرب يتعامل مع بعض مسائل الثقافة بشكل إنتقائي يرسخ أو يهمش بعضها، بل يشكل من تجميع وتعميم بعضها كل ما يسميه "الثقافة".

(ب) تبجيل بعض أجزاء ثقافة وتهميش بعضها:
ولا تتوقف فداحة الانتقاء والتعميم على جزافية الإنتقاء وصنع دوغماءات تنسب للثقافة أو إقصاء بعض التفاعلات منها، بل يؤثر عبر التعليم والإعلام على سايكولوجيات المجتمع إزاء تفاعل الخبرات المعارف والأمور العالمية والوطنية، يحلل بعضها ويحرم بعضها.

(ج) إنتاج معارف ونظريات ومناهج وعلوم تدعم مصالح النخبة:
تتفاقم فداحة هذا الاصطناع السياسي بتواشج هذه الإنتقاءات الثقافية مع ظروف البيئة ومصالح نخبة المجتمع ونظمها المعرفية لدرجة تشكيل خبرات ونظريات وأنشطة معرفة تتعامل مع النظم والأمور والقيم بشكل لا يؤثر كثيراً على مصالح النخبة.

(د) تولد الصور الجديدة المعاصرة لكيانات التاريخ والنظرية من تداخل خبرات المعيشة والعمل:
بدأ تداخل وتوالد التاريخ والثقافة والنظريات بإجتماعهم لا بتنافرهم، لعل أشهر صورة لذلك التداخل نشأت من تعامل الجماعات الأولى مع النار، وتحول ذلك التعامل من المصادفات والعفوية إلى انتظام معين.

فمن تكرار التعامل العفوي مع النار وكل مكاسبه وخساراته وتكرار نتائجه، أصبح ذلك التعامل جزءاً من "تاريخ" و"ثقافة" جماعته، ومنه، وعبرهما بدأ تكون نظريات تعامل مع النار شملت: تمييز بعض فوائد النار، نظريات أوقادها وإستعمالاتها للطهي، الإنارة، الوقاية من شر الحيوانات، العلاج، التعدين، صنع بعض الأدوات، صنع الطوب، وفي الحرب، ونظريات أخطار النار وتجنبها أو إستعمالها للتعذيب أو القتل، ونظريات التحكم فيها بالتخفيض أو الإطفاء أو الزيادة. بجمع وترتيب هذه الخبرات البدائية تشكلت "نظرية" بدائية مكتسبة من تكرار التعامل مع النار ونتائجه، كما أدى الترسيخ الفعلي والكلامي المميز لكل تعامل من هذه التعاملات إلى تكوين "تأريخ" بدائي جمع معالم كل تعامل معين ومنافعه وسلبياته.
من تحديد وتعميم وترسيخ الخبرات المتوفرة في كل مجال معيشة بدأ تكون صور بدائية متداخلة نوعاً ما لما نسميه حاضراً "الثقافة" و"النظرية" و"التأريخ".

يبدو من إرتباط توالد التاريخ والثقافة والنظرية بالمعيشة والعمل إن "النظرية" لم تكن تقييداً لحقيقة ما بل كانت ترتيباً ذهنياً يوضح تسلسل وتأثيرات عمل ما وطبيعة النفع به، فكينونة النظرية كانت ولم تزل تأريخاً لموضوع معين وخبرات التعامل معه موضحة فائدة أو ضرر ذلك على الجماعة أو على جزء منها.

3- ترابط بعض نسبيات التاريخ والثقافة والنظرية:
المعرفة الحديثة التي تبدأ من "تأريخ" مضطرب بهدف تكوين خبرة أو "نظرية" معينة تنتهي إلى إختلافات بين صورها رغم إتساق بعض مهماتها الوظيفية ومبانيها الذهنية وبعض تسمياتها، أكبر مثال لذلك إن وجود "الله" عند المسلمين يختلف في بعض فهومه وآثاره عن وجود "الرب" عند المسيحيين وعن وجود "ياهوه" (تاحوت) عند ما قبل اليهود ثم عند اليهود وكذا اختلاف صور الأديان عن صور ثقافات وادي النيل، وعن أي فهم منسوب لتلك الثقافة يتكلم وجود الـ"لآهو" كتأصيل لإسم "اللهُ" في اللغة العربية.

4- وحدة وتنوع القراءات ونتائجها:
في القراءة التاريخية البداية أو القرآءة التي تبدأ من نظرية معينة تبدو حالات التشابه والاختلاف سمة جامعة لكثير من القصص أو الإكتشافات كثابت مشترك في كل النظريات وفي كل الثقافات. أيضاً تبدو كل كلمة أو نظرية كبرى مثل "التاريخ" أو "الثقافة" أو "المعرفة" حمالة أوجه وليست ذات معنى واحد صالح لكل زمان ومكان وظرف إجتماعي إلا كلمات أو عبارات مثالية للتأشير والقيادة والتوجيه مثل "الخير" أو "الإيمان" أو "التعليم" أو "العدل" دون بيان دقيق لمضمونها وعدتها بل تختلف حسب عمليات التاريخ أو الثقافة أو النظرية المؤثرة على قراءتها.



5- مسألة تناقض إتجاهي القرآءة وكشف هذا التناقض لفشل "العقل":

1-المحدود لا يلم بكل التنوعات:
يوجد شيء سلبي مشترك في كل اتجاه قراءة سواء كانت القراءة التي تبدأ من "النظرية" إلى "التأريخ" أو التي تبدأ من "التاريخ" إلى "النظرية" مع إختلاف كل من القراءتين في الانتقاء من "الثقافة" حسب بداية كل نص وطبيعة وعي كتابه وقراءه. هذا الشيء السلبي المشترك هو ان التفكير السائد ذو المنظار الواحد واتجاه الحركة الواحد المركز على موضوع جزئي واحد هو تفكير فشل في بناء قراءة متنوعة متكاملة، بل مجمله ردود أفعال متفرقة.

2- حسنات "العقل" الحديث ونسقي تكونه:
بشكل عام تمثل كلمة "العقل" إسماً لأسلوب التفكير المنظوم بحساب سلبيات وموجبات كل ما يريد التعامل معه، وبظروف ومصادفات مجتمع العقل وبدراساته الخطية أنتجت البشرية كل المعارف والعلوم والرياضيات والتكنولوجيات بالغاً ذروة معرفة (علمية) في كل فترة له. وبشكل متنوع واشجت عقلنة أمور المعرفة والمعيشة فرزاً وتجميعاً وتنضيداً لخبرات تعامل المجتمع مع البيئة ومع مكوناته بصور حسابية أو ذوقية جمالية في نسقين لحل المشاكل والأزمات نسق عملي ونسق نظري:

(أ) نسق نظري: اهتم بحل مشكلات معرفة وفلسفة الأمور وطبيعة النظر إليها، وهي مشكلات نابعة من إختلاط أنواع المعرفة القديمة حينما كانت الفلسفة مجرد تجميعات حكمة، وكان التاريخ مجمع حكايات، وكانت الاداب مشتتة، وكان تفسير طبيعة "العلم" محتاراً بين الإلهام والمصادفة والسحر والعبقرية، وبين منازعات أنواع التنظيم والنهوج واختلافات المنطق وتنوع المناظير والخبرات وجدل الذات والموضوع.

(ب) نسق عملي: اهتم بحل مشكلات الأعمال الحرفية في موادها وأدواتها وآلاتها وتجارتها وفي أمور الأسعار والتكاليف والضرائب والتنظيم والإدارة والنظم الكبيرة السياسية والثقافية المرتبطة بها.

بالنسقين النظري والنسق العملي زاد تمحيص الأعمال والمعارف المواشجة لها ومن التمحيص والتجديد والإكتشافات والمشاكل الجديدة لإستعمالها ومحاولات حلها تشكل طور حياة جديد.

3- جزء من التأريخ الجغرافي لتكون العقل الحديث:
بدأ الطور الحياة الجديد من زواج ونشاط الحرف والمعارف في مدن الدول الإسلامية وأشكالها الفاخرة المكتبات والجامعات والمباني في بغداد والاستانة وفي مدن الأندلس، وكلها كانت نسخاً محدثة من التمدن القديم جداً في مروي وطيبة وبابل وصور وآثينا والإسكندرية. بشكل عام إنتقلت تطورات الفهم الحسابي لفوائد الأمور ومضارها أشتاتاً من مدن المسلمين الباذخة المعرفة والمباني إلى أوروباً ثم تركز في "عصر النهضة" في بعض مدن إيطاليا قبل ولادته "عصر الأنوار" في عموم غرب أوروبا.

ففي مدينة/جمهورية جنوى Republic of Genoa قرب الأندلس وكذلك في مدينة/جمهورية فينيسيا Republic of Venice جارة الدولة العثمانية وحبيبة تجارتها وأموالها وكتب ثقافتها، تركزت فضائل آداب وحرف الدول الإسلامية ثم من تفاعلاتهم بدأت ولادة "عصر النهضة" بقيام أنشطة إقطاعية ورأسمالية عائلة ميديشي Medici family في جمهورية فلورنسا Republic of Florence بجمع فضائل وفوائض وآداب وفنون المدينتين، وإسهام ذلك في تنمية أساليب مدارس ونظرات "التفكير الحر".

4- بعض الجماعات القديمة الشهيرة بعقلانياتها:
بطبيعة كل تطور إجتماعي كانت عوامل تجدد الحياة بتحرير نظم الحرف ونظم التفكير أكثر وأكبر من تقدم أنشطة ثلاثة مدن أو تقدم جزء من قارة بل أرتبط التجدد بتاريخ من الصراعات الطبقية والمعرفية التي بدأت في مجتمعات الحضارات القديمة ثم في مجتمعات الأديان الإبراهيمية، وبإشراقات جماعات الإعمار الحرفي والثقافي ضد الكهنة أو بإشراقات بعض من الكهنة ضد كهنة آخرين كصراع كهنة/ مثقفي آمون وآتون في وادي النيل الفرعوني، أيضاً أشرقت العقلانية بـ"شجرة الحياة" في تصوف اليهود، وبتمرد نسطور ضد مسيحية أوروبا، وظهرت إشراقات جماعات الأحناف، ثم المعتزلة ثم الإسماعيلية والقرامطة و"إخوان الصفا" Brothers of Purity وبعض رؤى تصوف مسلمين وأفكار وأنشطة جماعات التصوف المسيحي الإعماري النشاط في غرب أوروبا كجماعات "فرسان المعبد" Knights Templar، وأخوة فرانسيس Fransiscian Brotherhood، وأخوية دومنيك Dominican Brotherhood وحتى جماعة البابا المسماة "مجتمع المسيح" Society of Jesus أو "الجزويت" The Jesuits (= المحبين)، ومع كل واحدة من هذه الجهود والجماعات عدد من أفكار ومدارس وجماعات الحرفيين في كل مدينة وأشهرهم في أوروبا جماعات الـ Guilds .


5- بعض التناقضات التي ولدت آيديولوجيا العقل/العلم الحديث:
بدأت ولادة معالم العصر الجديد من التناقضات الطبقية الكبرى عبر ثورات البرجواز في هولاند وإنجلترا وأمريكا ضد تسلط وحبروت الإقطاع، وبتجويد كل هذه الخبرات الثورية الثلاث في الثورة البرجوازية في فرنسا. ساد الشكل اللاطائفي واللاملكي أو اللاإقطلاعي السمة في مجالات المعيشة والمعرفة ومنه نشأ طور الحياة الجديد المسمى "الحداثة" Modernism في غرب أوروبا ثم انتشر منها في العالم بقوة السفن والمدافع والتحكم الدموي في التجارة والتمويل. وكان الشعار الكبير لهذه الحداثة هو شعار "الحرية الإخاء والمساواة" أما الحقيقة العالمية لهذه الحداثة فكانت رسملة إستعمارية غرب أوروبية لمجتمعات العالم تحول فيها كل بلد من البلدان المستعمرة إلى إقطاعية للنخبة البرجوازية المسيطرة في مركز الإستعمار.

بهذه الحداثة الظالمة رغم ما فيها من أساليب تزيد التجهيل والتضليل بلغت أنشطة أجزاء من العقل العلمي طوراً جديداً في القرن العشرين تميزت فيه بتكوين فكر سياسي يزعم لنفسه سمتين يهمش بهما كل فكر سواه: السمة الأولى هي نسبة الصحة السياسية إلى المنطق والعلم، والسمة الثانية هي جمع أساليب الشعبوية والصحة الأكاديمية معاً، ومن ثم قيام الفكر الجديد بتنصيب نفسه عياراً لصحة باقي الأفكار السياسية.

الخلاصة التاريخية لهذا التحول هي تقدم الفكر أو الأسلوب الذهني لقراءة ومعرفة وتنظيم الأمور من حالة التاريخ المقدس المساند لكل حكم من الخلف حامياً ظهره أو وضعه تحت الحكم كعرش، إلى حالة سلاح متقدم أمامي تتحكم به سلطة الحكم في تفكير وأعمال الناس حتى قبل أن يعارضوها.


6- آيديولوجيا حرية الحرف كمفتاح نسبي للتطور:
أيا كانت مزاعم الحكم فقد فتحت حرية الحرف فرصاً تجارية هائلة للقيام بأعمال مثيرة للتفكير والحياة وبعضها مربح التجارة في مختلف المجالات النظرية والعملية لعل أهمها:

(أ) في المجال النظري: النظريات الحديثة للعلوم الإجتماعية ودراسات أنواع وتناقضات بعض فهوم المعرفة والمنطق والفلسفة والدولة والعائلة والملكية الخاصة والاقتصاد والقانون والدين واللغة والآداب والعلوم الطبيعية والرياضيات والجماليات وصولاً عبر صراعاتها ومصالح المرتبطين بترسيخ أو نقض بعض نتائجها إلى فكرة تحرير الكادحين وعتقهم من نظم الاستغلال كبداية منطقية لتحرير الإنسانية من كل موبقات الاستغلال الطبقي وإرتباطها بالنظرية الماركسية اللينينية كمقدمة وبداية منطقية لتشكل علم الثورة الإجتماعية والتغييرات الاجتماعية الكبرى في مجالات الفكر والنظر وفي مجالات العمل,

(ب) في المجال العملي: بإختراع آلات المرحاض المائي والمصباح والتليفون والراديو والمحركات والنواقل الحديثة وجهود ونجاح الدراسات الحديثة لـ"النظم المعقدة" Complexity والتحكم في بعضها، ونجاح تطوير "الحواسيب" Computers وصنع "الحواسيب الخارقة" Supercomputers و"الحاسوب الكمومي" Quantum Computer والنجاح في جمع ونقل واستثمار "البيانات الضخمة" Big data وفي بناء منظومات "الذكاء الإصطناعي" AI، و"إنترنت الأشياء" IoT والنجاح في شحن وتحريك كتل المعلومات "بلوكيشن" Blockchain وزيادة امكانات النقل الكهربي للمعلومات بـ"جيل خامس" 5G و"جيل سادس" 6G من تقنيات النقل المطورة إمكانات تحويل صور الطبيعة والحياة إلى رموز وحسابات كهربية وإمكان تحويل الصور النظرية وحساباتها الكهربية إلى أعمال وأنشطة مادية أو حيوية بل وتنفيذ بعضها.


7- فشل العقل الحديث:

(أ) قراءة محدودة:
رغم تقدم تنظيم وانتاج المعلومات إلا إن الأسلوب العقلي بواحدياته فشل في إجتراح قراءة جديدة متنوعة ومتكاملة البنى، كون أكثر أنشطته ردود أفعال على مشكلات وأزمات جزئية يتناول بعضها عشواء مصادفات ظروفه. ولعل أهم معالم فشل أسلوب المنظار والإتجاه والخط الواحد في تقديم قراءة متنوعة ومتكاملة البنى هي حالة إرتباط ولادة كل جديد بحدوث "ثورة علمية" على أهم معالم الإنتاج المعرفي القديم أي على الأسلوب العقلي، وإن كانت ثورة ظاهرية تكرر الأسلوب الذي تنفيه.

(ب) إضطراب وتناقض:
خلال عشرات آلاف الأعوام كانت نتيجة الأسلوب العقلي نتيجة مضطربة حافلة بالموجبات وتضخم السلبيات وذلك بحكم جزئية البحث والمعرفة والتفكير التي بلورت أعمال "العقل" ومنتجاته حيث لم يتغير هذا الفشل في الزمان الحاضر عن الفشل في الزمان القديم بل تجدد بحكم تطور وترابط السيطرة زادت صعوبات التقدم العلمي في الزمان الحديث الحاضر.

(ج) تأخير الجديد:
أكبر ما يدل تجدد رفض الجديد هو قسوة معارضة النخب العقلانية الحديثة لإكتشاف وتنظير الفكر الإشتراكي العلمي وصعوبة تفعيله كفكر طبقي جديد في المجال الاجتماعي لترتيب البشر حول الموارد أو لتوزيع الموارد المادية والتقنية على البشر، إلا بعض منه إحتاج تفعيله إلى ثورات فنية وأدبية وعلمية وإجتماعية، وسياسية تنسقه مع الواقع أو ليتسق جزء من الواقع مع جزء من الفكر أو التوزيع الجديد.

(د) المصالح النخبوية كأساس من أسس للتأخير:
تبدو الصعوبة المتجددة لحياة العقل وأنشطته التغييرية أسوأ من الصعوبات التي واجهته في الماضي رغم ان إمكانات ونتائج المعرفة في الزمان الحاضر أكثر، لعل السبب هو موقف النخب المالية والتقنية والسياسية وإلفتها مع مصالحها التي ترفض أي تغير جديد يؤثر سلباً عليها أو لا تستفيد منه. فلزيادة جبروتها أو حمايته تقابل النخب الجديد مقابلة سالبة أسوأ من سلبية النخب القديمة أي قبل "خمسمائة عام أو خمسة آلاف عام" حين كانت إمكانات المعرفة والإستثمار أقل.



6- بداية الحل:

1- طبيعة الأزمة:
تظهر ملامح الأزمة في بعض التناقضات بين عملية المعرفة ومجالاتها الاجتماعية وأهمها:

(أ) التناقض بين ضيق أسلوب فحص محدد، واتساع طبيعة وتنوع الظواهر،

(ب) التناقض بين حالة الضبط والتحديد في أمور المعرفة المألوفة وانفتاح طبيعة الثقافة وتناقض كينوناتها الداخلية كما بين ("المحلي" و"الغريب") أو بين ("الخاص" و "العام") و ("القديم" و"الجديد")،

(ج) التناقض بعض إجتماعيات "المعرفة" وبعض إجتماعيات "الثقافة" في بعض فترات إنتاج أو وصف أو إستقبال خطاب أو ظاهرة سياسية.


2- مقدمة الحل:
يحتاج حل هذه التناقضات إلى قراءة تجمع بين المفردات وتفرد المتداخلات وتحدد الابهامات وتحرر المغلقات المواشجة موضوع البحث أو المؤسسة له..

لتنسيق هذا التجميع والفرز تبدو أهمية فحص التمظهر الطبقي والثقافي لإصطلاحات الكلام ومبانيه السياسية أكثر من الفحص النمطي المألوف لتناسق الإصطلاح مع طبيعة مبناه أو عشيرته، بل فحص للتمظهر الطبقي للكلام بمنظار ثقافي وفحص التمظهر الثقافي للكلام بمنظار طبقي، ضمن قراءة سياسات الحالتين، وتبين لإتجاهات ونقاط حركة نصوصهما.


3- وصف أولي لعملية التأثيل:
التأثيل محاولة لحل الأزمة بين أسلوب المعرفة ذو النهج والموضوع والإتجاه الواحد وتنوع وإنفتاح المجالات الإجتماعية التي يدرسها هذا الأسلوب العقلي.

موضوعية حل "التأثيل" لهذا التناقض تنبع من عوامل مختلفة أهمها طبيعته كتمحيص يمتاز بسمة التحديد و سمة الانفتاح، فهو إطارين متفاعلين:

(أ) إطار تنويعي ينفي الواحدية في جذور وصور الكلام،

(ب) إطار ناظم يجمع ويرتب ما يبدو متفرقاً في خطاب أو خطابات معينة.

وإزدواج التأثيل كوجود واحد متعدد الأمكنة والمهمات شبه -مع اختلاف- إلى حالين ثقافيين ماديين حال كوانتمي Quantum وحال كان جزءاً من المعارف النوبية القديمة أسمته اليونان Metaphysics. أي إنه
نشاط فحص وتمحيص متعدد المهمات والأشكال والأعمال كآلة وأنشطة مركبة وليس مجرد أداة بسيطة واحدة الإستعمال.


4- بعض منافع التأثيل:
(أ) كشف بعض تفاصيل طبيعة عناصر وعلاقات وخريطة بناء بعض الإصطلاحات والخطابات السياسية يسهم في تصعيد التناقض الطبقي أو الثقافي في أي ضدين إجتماعيين،

(ب) تصعيد تناقض الأضداد الطبقية/الثقافية إلى انتصار الطرف المرن في عمليات جمع وتفكيك المعرفة/المعارف سواء كانت بداية معرفته من "التاريخ" و"الثقافة" إلى "النظرية" أو كانت حركة جمعه وتفكيكه وفهمه الأمور تبدا من "النظرية" و"الثقافة" لتصب في "التأريخ". فبـ"التأثيل" يحقق الطرف المرن في استعمال القرائتين إنتصاراً متكاملاً مستداماً على الطرف المرتبط بقراءة واحدة قليلة المرونة، أو قد يعينه "التأثيل" على الخروج من التناقضات المولدة لضعفه.

(ج) مكاملة بعض التحليلات الطبقية بتحليلات ثقافية وبعض التحليلات الثقافية بتحليلات طبقية، بحكم طبيعته كشبكة خطوط متنوعة ومتداخلة التفريدات، كافية لإكمال ما ينقصه كل تحليل مرتبط بعنصر أو ببعد واحد، وتثقيف أو نفي الشطط السياسي (الطبقي أو الثقافي) المواشج لواحدية بعض الخطابات.




5- لمحات من طبيعة التأثيل:

1- نسقين من القراءات:
"التأثيل" كم متنوع متداخل من عمليات المعرفة والانتقاد فهو قراءة متنوعة تضم نسقين من القراءات:

(أ) نسق "المادية التاريخية":
نسق يقراً تناغم أو تنافر التغيرات الاجتماعية مع طبيعة البيئة والمعيشة والصراع الطبقي،

(ب) نسق "التصورات" المفردة:
نسق مشتت في تصورات فردية يتصور بعض الأمور بشكل يحودب أو يقعر بعض عناصرها أو علاقاتها أو مبانيها، أو موقعها، أو طبيعة تعامل معها.


2- الزمان والعلامات:
في النسقين يهتم "التأثيل" بتبين بعض ظروف الماضي وطبيعة تصور المستقبل في تكوين واستعمال بعض الاصطلاحات/العلامات وفحص طبيعة وجود الخطاب في بيئته الطبقية والثقافية وتناسب الكلام مع بيئته وهدفه والأوضاع المحيطة به.


3- شكل التأثيل:
في تعرف "التأثيل" على إتجاهات وطبيعة القراءات يأخذ شكلي "النظام" و"الإنفتاح" في نفس الآن: كونه نظام انفتاحي كاسر للمغاليق السياسية والثقافية، وكونه تفتيح نظامي يرتب الخبرات الخام بمستجدات الحياة المستدعية أو النافية تلك الخبرة، أو يرتب بعض مستجدات الحياة ببعض هذه الخبرات.




7- في أهمية "الوعي" في سياقه وكأساس للتأثيل:

1- نموء المعرفة وتطور "التأريخ" و"الثقافة" و"النظرية":

(أ) بدايات إنتظام وتنظيم المعرفة:
يتفق كثير من مؤرخي "علم المعرفة" Epistemology على إن المعرفة البشرية لم تهبط من السماء بل تشكلت أطواراً بالتتالي من تطور خبرات البشر وتفاعلاتهم وانتظام وتنظيم هذه الخبرات بداية من الخبرات البدائية لإلتقاط وجمع الثمار ثم تكوين نظريات إستعمال الأغصان والحجارة والنار وارتقاء المعلومات والأفكار إلى طور إصطناع نظريات كبرى حاولت مع تفسير وجود الطبيعة تنظيم عدد كثير من أنشطة الأفراد والمجتمعات.



(ب) النظام الكبير:
كان ذلك التصور يحاول رصد وجود كل شيء معلوم وإكتشاف طبيعة أو (سر) تغيراته وكانت مهمة "العلم" آنذاك هي معرفة الصلة بين مفردات الوجود في كل شيء بل وتنظيم الجماعات في مجتمع ودولة وفقاً للنظام الكبير، الملك فيه أو المدينة العاصمة بمثابة الشمس والمدن الأصغر والوزراء كواكب حولها، فكانت مروي وطيبة وبابل وصور وقرطاج ودمشق وبلخ وآثينا ثم روما والقسطنطينية وبلوفدوف، آنذاك كانت السيطرة على الأرض والبشر عنواناً (النجاح) وليست عنواناً للظلم.

(ج) الدين، العقلانية، والنهضة:
مع وبعد حضارات الإستعباد القديم إنتقلت المعرفة إلى مرحلة تعمم أو تحقق فيها المجتمعات البشرية نظرية النظام الكبير عبر "الدين" الذ كان ولم يزل تضوراً لبداية ونهاية الكون وبينهما إرشادات عبادة وإرشادت سلوكية تحث جماعة كل دين على الفضيلة وعلى القوة والتعلم، ثم بتطورات المعيشة والمدن والدول زاد تفريد وحساب تكوين المنافع في الدول الدينية فنمت عقلانيات متنوعة أشهرها العقلانية العربية، ومن العقلانية العربية وإمتداداتها في غرب أوروبا ولد في قلب القرون الوسطى "عصر النهضة".

(د) العلم الحديث:
في "عصر النهضة" Renaissance بدأت إرهاصات "العلم الجديد" New Science الذي شكل نواة "عصر الأنوار" Enlightenment وبداية "العلم الحديث" و"الحداثة" Modernism. وتسمية "العلم الحديث" هي التسمية العامة أو الجزافية لنسق وأسلوب المعرفة الذي يدرس الظواهر المرتبطة بتحسين عمل أو زيادة منفعة مواد أو آلات أو نظم أو بعض تنوعاتها في المجتمع أو في دراساته. وأكثر جهود "العلم الحديث" شهرة أو عدم شهرة تكمن في مجال العلوم الطبيعية (فيزياء، كيمياء، أحياء) والرياضيات والهندسة وفي تنوعات العلوم الاجتماعية ثم في الاداب والانسانيات والإلهيات والجماليات.

في العلوم الطبيعية تمكن أسلوب الفحص الموضوعي الدقيق والملاحظة والافتراض والتجربة والبرهان متخذاً شكل عملية متسلسلة منظومة تشمل أموراً كثيرة أهمها:
1- محاولة منظومة مرتبة لحل مشكلة معينة أو جزء منها،
2- تحديد ورصد وتحليل العناصر والعوامل والعلاقات والتغيرات في الظاهرة أو المشكلة المعينة،
3- رصد أو ملاحظة أشكال وأسباب بعض تغيرات المادة أو الآلة أو النظام المبحوث أو في إستعماله،
4- وضع افتراضات سالبة و موجبة بشأن التغيرات السابقة أو المحتملة وكيفية الإستفادة بها بشكل معين،
5- التحقق من صحة كل افتراض بسلسلة تجارب،
6- حسب نتائج التجارب يتم ترجيح إستنتاج معين بشأن المكونات أو الخواص أو التأثير وتحديد طبيعة إستعماله في حل المشكلة الأساس التي دفعت لدراسة المادة أو الآلة أو النظام أو تنوع منه، ثم
7- البرهنة على صحة هذه النتائج وتوكيدها.
من ثم يبدأ تخديم الإكتشاف الجديد حسب طبيعته في تطوير مادة أو عمل أو نظام. مع رصد إحصائي لظروف ونتائج إستعماله

رغم إن إن فترة نهاية عصر الأنوار واكتمال سيطرة البرجواز على هولندا وإنجلترا وأمريكا وفرنسا هي الفترة التي شهدت تقدم التنظيم الأكاديمي لإجراءات البحث العلمي وتحرر استعمالاته إلا إن بلوغ حركة المعرفة هذه المرحلة استغرق كل الفترة منذ العصر الحجري إلى العقدين الأولين من القرن العشرين.

خلال كل هذه الفترة لم تبلغ حركة العلم هذا الشأو بفعل تراكم ورقي رتيب للدراسات والبحوث، بل تطورت حركة المعرفة والعلم عبر سلسلة صراعات وتفاعلات إجتماعية سياسية حول أربعة مسائل هي:
1- مسألة تحديد المشكلة؟
2- مسألة كيفية دراسة المشكلة؟
3- مسألة تحديد نقطة بداية الحل؟
4- مسألة "أسلوب/تنظيم" النشاط البحثي؟ أسسه وإجراءاته؟ ونوع مستواه أقاعدي أو تطبيقي؟ وتقييمه؟

شملت هذه المسائل تعريف الموضوع ومجاله؟ ونوع التعامل معه أكسجل إنطباعي أو كتقصي؟ وهل يبدأ درس الظاهرة بعمومها أو بموضوع فيها؟ وهل التعامل مع الموضوع كمي عددي أو مصنف لتنوعه وفق سمة ما؟ وهل يكون مفرداً أو بمقارنة؟ وأي نوع مقارنة؟ وطبيعة الإختبارات ؟ ..إلخ

مع صراعات تحديد وتصنيف الموضوع والبحث والنظرية والمنهج والأسلوب اللازم لحله ورغبة الخبراء في حل أو إثارة مشاكل معينة، تواشجت توافقات وتعارضات كل واحدة من هذه المسائل بمصالح وأرباح أو خسائر إجتماعية وسياسية لفئات وطبقات عبر توكيد أو نفي حل أو عدم حل هذه المسائل لنظم وأعمال وأرباح مخضومة مع صراعات مالية وسياسية بعضها دموي لعل لبعض تأثيراتها دور في جعل خبير هندسة المدافع والقذائف اسحق نيوتن يكتشف قوانين الجاذبية وحركة الأجسام.

في كل فترة مع تنوع وزيادة المشكلات والحلول، كانت هذه الصراعات والتفاعلات السياسية تزيد تنوعاً مع اجتهادات الخبراء فنمت المعرفة عبر عمليات فحص بعض الظواهر أو تنسيقها أو عزل بعض منها، وبكل هذه الصراعات والتغيرات إرتقت أعداد ومستويات الكشوف والبحوث من نسقها القديم إلى حال أكبر وأنساق جديدة كان إكتشاف وجودها وتمجيدها يتم بعد فترة من تبلورها.


(هـ) التأريخ:
إرتبط جزء مهم من تطور العلوم الإجتماعية بتقدم التاريخ وجغرافيا وشمولهم أوضاع المجتمعات حيث تكفلت التواريخ المكتوبة بمهمة ملاحظة المشكلات والأزمات الإجتماعية والاقتصادية والسياسية وعرضت عفواً أو قصداً عناصرها وعوامل ونظم تأزمها ومحاولات حلها ونتائجها. وكذلك بينت الجغرافيا مواضع الدول والجماعات ووسائل عيشها وتغيراتها.

تبلورت العلوم الإجتماعية في سياق جديد لم تنتظم فيه التواريخ نفسها إلا متأخرة بجهود يشتهر فيها إسم إبن خلدون ثم الإيطالي فيكو.، ومن تواتر صراعات تحديد الشيء الجدير بالتأريخ وطبيعة فائدته والمستفيدين من جهد تأريخه ولد "البيان الشيوعي" Communist Manifesto الذي بدأ (متأثراً بالنسق الموسوعي) في تحويل "التأريخ" من حالة سجلات متفرقة بل جعله مادة دراسة ومنظار كشف ودراسة في نفس الوقت، يفحص به البحاثة طبيعة عناصر حياة المجتمع وشكل هيكله وتقسيماته وتفاعلات وصراعات جماعاته، وطبيعة التعامل القديم والحاضر والمستقبل مع النتائج النظرية والعملية لتلك الصراعات.





(و) كينونة الوعي:

1- تشكله السياسي:
كإدراك جمعي لكيفية تكون الأوضاع الإجتماعية وطبيعة تحكمها في حياة الناس ومصيرهم وكيفية تخفيض ضغوطها في الزمان الحاضر وتغييرها في المستقبل، لم يتشكل الوعي السياسي لرافضي الظلم من رسالة أكاديمية أو رؤية شخصية أو نظرة حزبية، بل مع تأثره بهذه العوامل الصغيرة وغيرها إلا إن تبلوره الثوري واشج وضوح أزمة النظام الطبقي في أذهان طلائع الكادحين، وفق ثلاثة أسئلة هي:
1- لماذا صاروا وآباءهم في بؤس؟
2- ماهي علاقة الدولة ونظام توزيع الموارد وقادته ومنطقه ببؤس الغالبية؟
3- كيفية تغيير الدولة/البؤس؟ (طبقة التغيير وطبيعته وتنظيمه)

2- جزء من بداية تبلور "الوعي":
في خضم فترة ولادة "العلم الحديث" وما فيها من تناقضات حرفية وطبقية وسياسية بدأت إرهاصات تكون "الوعي" كنسق شمولي لفهم عملي لتطورات وصراعات العلوم وعلم التاريخ وتطور الصراعات الفلسفية وفي عموم تطور المعرفة مع تطور الحاجة إلى إستعمالها في كل صراع وتنظير له في ثقافة كل فئة.

من تناقضات هذا الخضم من الصراعات الطبقية والفكرية والسياسية وثوراتها الليبرالية الدموية وفشلها وتحولها إلى إستغلال رأسمالي وإستعمار بدأت ولادة معالم نسق جديد للتفكير والمعرفة تشكل من تطور تنوعات التأريخ الاجتماعي وفلسفاته وصراعاته وارتقاء هذه التنوعات من حالة تدوين وقائع هي في حقيقتها أعراض ومظاهر إلى ملاحظة كيفية تكونها وجذورها ومآلاتها.

3- عوامل تميزه النظري:
كانت التواريخ القديمة سجلات تدوين مختلفة يهتم كل نوع منها بتدوين بعض أو كل ما أحاط به من أخبار الرسالات الدينية أو وصف الممالك والمسالك أو الحروب أو وأدوار الملوك وتسلسلهم، وصعود وسقوط بعض العوائل الحاكمة، وأقوامها، وتغير الدول، ووصف المدن والأسواق وبدائع الصنائع، أو نفائس الكتب والحوارات وأعاجيب الحكمة، وصور عن بعض المآسي وبعض أسبابها.

من هذه الركامات والصراعات بين مدارسها والصراعات بين الجهات المستفيدة منها إتجهت بفعل الحاجات الحرفية والسياسية بعض كتابات التأريخ أو قراءاته إلى كشف جذور ما هو ظاهر في كل مجتمع وتمحيص موقف المؤرخين إزاء كل ظاهرة من ظواهر المجتمع وكيفية إستذخار دروسه والإتعاظ بها في تخفيض سلبيات الحاضر أي في تحسين بناء المستقبل. من ثم أصبحت صراعات التاريخ وصراعات الحاضر وكيفية تدوينها وكيفية قراءتها مادة وآلة بحث علمي تفيد في تحسين نظم المعيشة ونسق الحياة والتخلص من المظالم الكبرى.

4- أكبر معالمه:
كنسق تفكير جديد جمعي ومعرفة لجذور الأمور وسيرها ومآلاتها ارتقى تبلور الوعى داخل صراعات وتطورات المعيشة والمعرفة والفلسفة من حالة أولية إجتماعية متأثرة بتمييز ونزاعات القوميات والأرياف والمدن وبتحرر الكادحين والمستعمرات من تناقضات الزراعة والصناعة والمهن وأصبح نسقاً أكثر إجتماعية وسياسية ذو محاور طبقية وثقافية ثائرة ضد العشواء والمظالم تحاول تخفيض أسسهم في إتجاه مستقبل يمتاز بالكفاية في الإنتاج والعدالة في التوزيع.

5- بعض جذور "الوعي" العلمية/ الأكاديمية/ الفلسفية:
بشكل نظري يعد الوعي عملية قراءة طبقية وثقافية جدلية للتأريخ والمعرفة العلمية معاً قراءة منتبهة إلى تغيرات قيم/ثقافات "العدل" و"الحرية" وتباين أوضاعهما في صراعات المعيشة، حيث تكون هذا التنبيه بتأثير زيادة "الموسوعات" والمقارنات وزيادة تثقيف المعارف وتنظيفها من حشوها ومواتها وضعفها ومن ثم تداخلت في تكوين عناصره أساليب ونتائج تجديد مناهج العلوم الطبيعية (ديكارتيه وسبينوزا) وتجديدات علوم التاريخ والإجتماع وإشراقات من علم الجمال والمنطق والهندسة. أي إن التحول من نظرة إنتقادية إلى كتلة متداخلة من المعرفة وتجديد المعرفة.

6- بعض تركيزات وآثار "الوعي":
بتراكم تنوعات الوعي وإنتقادياتها يضطرب الذهن الواحد المعلومات والتفكير والاتجاه من أثر قراءة التاريخ بمناظير العلوم الإجتماعية وقراءة تنظيرات المجتمع وعلم الإجتماع بمنظار تاريخي، وقرآءة تحديدات وتغيرات التأريخ والمعرفة وفق دراسات متجددة متكاملة لطبيعة تلبية الناس لحاجاتهم من البيئة عبر علاقاتهم مع بعضهم وتوزعهم جهود العمل وثمراته. وهي أمور تتطلب دراسات متجددة لتداخلات وتفردات طبيعة وجود الناس وتنوع تأريخ مجتمعاتهم وطبيعة تشكيل ثقافاتهم ومعارفهم وتكون أهدافهم بما في ذلك توكيدهم أو نفيهم بعض فهوم رئيسة في المعرفة والحياة.

7- موضوعات مهمة لتصور طبيعة "الوعي":
"الطبيعة" و"طبيعة المعرفة"، "العمل"، "التأريخ"، "التطور"، "وحدة وصراع الأضداد"، "الإنتاج"، "تنظيم المجتمع"، "القيم"، "الدين"، "الدولة"، "الثقافة"، "التجارة"، "الإقتصاد"، "السياسة"، "الطبقات"، "التصورات والنظم الفكرية"، "التكنولوجيا"، "الفلسفة"، "اللغة"، "الإستلاب وتغريب وتشييء الإنسان"، "الوعي"، "الآيديولوجيا"، "الضرورة والحرية"، "العدل"، "الإنتقاد"، "الحضارة"، "الإستعمار"، "الإستعمار الحديث"، "المركز والهامش"، "الثورة"، "المعرفة الجديدة"، "علم الجمال"، "الإنسان".

8- فائدته الأولى:
وضحت الكينونة الثورية الطبقية الشعبية لنسق المعرفة المضاد لسيطرة النخب على موارد ومعيشة ومصير غالبية كل مجتمع وضوحاً جاهراً في "البيان الشيوعي" Communist Manifesto الذي شكل علامة ميلاد أو دالة إلى نشوء هذا النسق الجديد في عالم المعرفة وفي حركة نضال الشعوب المضطهدة ضد "الاستغلال الرأسمالي" و"الاستعمار" وما يرتبط بهم من جذور وأسس وأشكال ونتائج متنوعة.

9- فائدته في المستقبل:
تبلورت بدايات معالم "الوعي" كنسق معرفة بجمع "البيان الشيوعي" خلاصة تدوينات التاريخ السياسي وأوضاعه الطبقية ونظر البيان إلى جذور وتغيرات معيشة الإنسان وطبيعة تأريخه/ تاريخها، وأشكال وأسس تنوعات المعيشة ومجتمعاتها، وطبيعة وفهم كيفية تكون الحاضر وبناء المستقبل بدلاً لانتظاره.

الظاهر إن علمية "الوعي" لم تنحصر في مسألة كشف مادة أو صنعة حرفة، بل أهتمت بجمع ووضع وأوضاح الأسئلة التاريخية الإجتماعية الكبرى في مجالات المعيشة والإقتصاد السياسة والثقافة والمعرفة والطبيعة الطبقية لسيطرة كبراءه على موارد ومعيشة غالبيته، شارحاً الوسائل النضالية المناسبة لتحرر الكادحين وعموم الشعوب المضطهدة من هذا الوضع الإستغلالي.

10- إعتقال الوعي وتغييبه:
على أية حال رغم الزخم الذي بثه "الوعي" في نظم المعرفة فإن إشراقاته في المجالات العملية ونظرياتها لم تزل في بدايتها الإجتماعية كونها كفكر أو ممارسة صارت إشراقات محجوبة أو مرفوضة سياسياً من غالبية النخب المسيطرة على دول العالم وعلى نظمه المعرفية.



7- أطوار المعرفة وتأثيرها على "التأريخ"، "الثقافة" و"النظرية":

شملت تغيرات كل نسق معرفة منذ العصر الحجري إلى العقد الثاني من القرن ال21 كل كيان ذهني كبير كـ"التاريخ" و"الثقافة" و"النظرية" مغيرة تركيبته وسماته وطبيعة التعامل معه. بحيث إن أي منهم أصبح مؤشراً إلى حقيقة عامة دون أن يكون علامة توكيد شامل، بل أصبح كل منهم مجال بحث وتمحيص وموضوع دراسات لا نهائية.

في كل نسق وأسلوب وفترة معرفة تتغير معالم التاريخ ومعالم الثقافة ومعالم النظريات وتتبلور فيه كل منها سمات آيديولوجية مختلفة بعضها ينتمي للطبقة المسيطرة وبعضها ينتمي للطبقة المخنوقة الكادحة. وفي هذا السياق يختلف الكلام التاريخي عن النقل بين يزعمون إن كل ماضيه قبيح وإن حاضره ومستقبله هو الأفضل ونهاية التاريخ، وبين يزعمون إن حاضره ومستقبله سيكون أسوأ مما كان، ولكل زعم أدلة (علمية) حسب طبيعة ونوع إحصاءات المقارنة.

عبر التاريخ استمرت كل نظريات وثقافات وتواريخ المعرفة تتزين بتاج الكمال متباهية به جاهلة إنها تحمل بذور فناءها حتى وضحت في نهاية فترة "عصر الأنوار" المفارقة بين الأماني والرغبات العامة وأنانية الفائدة والمصلحة حيث بين الاشتراكيون والشيوعيون تجديد "الحداثة" للمظالم الكبرى القديمة، بنقلها معيشة الناس من جبروت الإقطاعيين والملوك إلى جبروت الرأسماليين والبنوك، ونقلها الاذهان من بؤس الأمية إلى بؤس التضليل، كما كشفوا زور تقديس "العلم" الزور الممارس بواسطة الكهنة الجدد من كتاب وصحافيين وأساتذة، وكان الدليل على مظالم تلك الحداثة هو تضاعف عمليات الإستغلال والإستعمار والتضليل، وزيادتها كثيراً عن مظالم عصور الإقطاع والاستعباد وزراعتهم.


(أ) ترتيب لمراحل المعرفة:
في قائمة أسماء أساليب أو أيديولوجيات أو مراحل خبرة وثقافة المعرفة، يوضع "التأثيل" كأحدث إسم في آخرها. حيث بدأ تكونت مراحل المعرفة قبل عشرات آلاف الأعوام ونمت وفق الترتيب الآتي:

1- مرحلة "البدائية" لاكتشاف معالم وخصائص الطبيعة وبداية تسمية تلك المعالم (تكون اللغة)،
2- مرحلة "الصوفية" القديمة اكتشاف جوانيات وعلاقات الظواهر، واللغة والفكر وحركة المعاني،
3- مرحلة "الأديان"،
4- مرحلة"العقلانية" وزيادة رصد وتدوين مفاضلة فوائد الأمور وتنظيمها،
5- مرحلة "المعرفة العلمية" و"الحداثة" الغرب أوروبية وتمجيد "العلم" ضد التصورات الذاتية والدينية،
6- بداية ظهور "الوعي" التي وهو أول مرحلة لم تكتمل ولادتها بعد،
7- "التأثيل" كتجميع وتمحيص للأساليب السابقة وبناء نسق قراءة جديد متزامنة التعدد.

8- موات التصورات القديمة:

1- ضعف وموات تحكم الطبقة يؤدي إلى ضعف وموات أفكارها:

(أ) ضعف التحكم الطبقي:
مع استثناء وضع "الوعي" لأنه لم يزل في أوله وإستثناء فكرة "التأثيل" لكونها محاولة. نجد إن كل تأطيرات مراحل المعرفة القديمة قد إنتهت واحدة تلو الأخرى إلى ضعف وموات مزامن لضعف وموات للنظام الطبقي الذي رفع قواها السياسية ورجح بها ميثولوجيات وآيديولوجيا تشرعن تحكيم فئة السيطرة وبعض من ثقافة تسلطها على المجتمع.

(ب) التناقض الطبقي يضعف الطبقة المسيطرة :
في كثير من المجتمعات زامن ضعف وموات سيطرة الطبقة الحاكمة على الطبقة الكادحة زيادة في مقاومة الكادحين ونفاد فاعلية أساليب التحكم القديمة وموت إمكانات تحملها، وقد يمازج هذا الضعف الداخلي في سيطرة النخبة عامل خارجي.

(ج) ضعف وموات الانتقاء الثقافي المشترك:
بتأثير الصراع الطبقي والتناقض وضعف أو قسوة التحكم وتباين المصالح والأفكار تختلف معالم الانتقاء من الثقافة القديمة ومن الثقافة الحديثة، حيث تختلف ثقة كل طبقة أو بعض فئاتها في أجزاء وتفسيرات الدين أو السياسة المنتقاة من التاريخ أو تقاليد الثقافة أو من بعض النظريات لإختلاف حاجة كل طبقة أو فئة لمدد ثقافي معين، ومع زيادة الحاجات تزيد الإنقسامات ضد الأجزاء الأخرى من الثقافة.

(د) مفارقة القديم وولادة الفكر الجديد؟
بتبدد القبول العفوي القديم لأجزاء من الميثولوجيات المهيمنة وبضعف تماسك الآيديولوجيا المسيطرة بحكم زيادة الشكوك والاتهامات والانقسامات والمطالب في كل طبقة، تتفكك البنية الثقافية المشتركة لطبقتي المجتمع التي ولدت سيطرة النخبة بينما ترتفع في الطبقة المقاومة أجزاء مقاومة من الميثولوجيا المشتركة وقد يبدأ تكون آيديولوجيا جديدة أو تتحول آيديولوجيا المقاومة إلى آيديولوجيا حاكمة.

بكل هذه العمليات السياسية وأسسها المعيشية يتحقق ضعف وموات النظم الفكرية القديمة قبل ان يظهر مكتوباً ويبدأ نشوء نظم تفكير ومعرفة مواشجة لتجدد نظيم وحاجات المعيشة والمجتمع والدولة ونوعية أفكارهم ورؤى قادة الحكم الجديد لدور وفاعلية تركيب ونشاط كل مجال ومجتمعه.


9- جدلية "التأثيل":
(أ) موضوعاتها:
يهتم "التأثيل" كقراءة متنوعة بتكوين وحركة بنى الخطابات وبعض مكوناتها وجدلها مع بنى الظواهر الحياتية (= "الواقع") قارئاً طبيعة جدليات "الكلام" أو "الخطاب" وتنوعات حضوره في كل بنية من بنى الحياة الإقتصادية الإجتماعية والثقافية السياسية أو إحضاره لها. فهو بقرأ مع الكل الظاهر تركيبة أجزائه الداخلية وطبيعة إنتظامها وتأثيرها على بنى وحركية الخطاب وتأثره بالبنى التي أسسته أو يهدف لتغييرها.

(ب) الفرز:
أيضاً يتجنب "التأثيل" تناقضات أسلوب المنظار الواحد والموضوع الواحد والإتجاه والخط الواحد وضيق أو إلتباس بعض هذه الأحاد النخبوية الأصل محققاً تجنبها بفحص نهج وعلامات الخطاب، وطبيعة رسوخ أو حركية هذه العلامات في وحدة وتناقض الأمور الإجتماعية والإقتصادية والثقافية السياسية.

(ج) طبيعة الفرز:
يرتبط "التأثيل" بفحص نوع إستعمال العلامات؟ (نفي، إثبات، توكيد، إحالة زمانية، إحالة إلى نظرية أو تاريخ أو ثقافة، مزج، فصل، إثارة مشاعر، كشف، ستر؟) وطبيعة إستعمال العلامات في الهدم؟ (هدم جزئي، كلي، إسقاط الجزء الأعلى أو كسر الأساس، أو هدم المرافق الضرورية لاستعمال الآلة أو البناء أو قطع الصلة مع البناء أو الآلة؟) كذلك كيفية إستعمال العلامات في البناء؟ (بناء أساس، حائط، سقف، بيت/عمارة، أو بناء آلة أو جزء منها؟)

أيضا يشمل الفحص إتجاه حركة العلامات في سياق الخطاب المقروء وبنيته العامة، هل تبدأ حركة العلامات من التاريخ إلى النظرية أو من النظرية إلى التاريخ؟، عمقاً وسبراً نحو الجذور أو إرتقاءاً؟ عزلاً وفصلاً أو وربطاً وجسراً؟. وأيضاً يدقق التأثيل في مهمة العلامات في سياق البنى الأكبر لصراعات المجتمع وصراعات الدولة وصراعات العالم في أزمان وظروف متشابهة أو مختلفة؟ فما يصلح لتفكير مجتمع في زمان معين قد يصلح أو قد لا يصلح لمجتمع آخر في زمان مختلف.


10- أدوات التأثيل:
لتمحيص أي خطاب من خطابات الاقتصاد والسياسة والمجتمع والثقافة والمعرفة يرجح "التأثيل":

(أ) أساليب نمطية لتجميع وفرز معالم الكلام بعمليات أولية لإجمال أو تفريد بعض فقرات النصوص.

(ب) إستعمال شبكة من الخطوط المتنوعة الإقتصادية الإجتماعية والسياسية والثقافية والجمالية.

(ج) إستعمال الفلسفة المثالية الصورية والفلسفة المادية والعلوم الإجتماعية والدراسات الثقافية.

(د) جمع إنتقادات الفلسفتين بمنول مزدوج بعضه مادي تاريخي طبقي إزاء الطبيعة الإجتماعية لبني وجماليات النص، وبعضه شكلي أو صوري في تعامله يأخذ الجدليات كصور كلية أو جزئية للمجتمع والمعيشة والتاريخ والمعرفة والتنظير الكامنة في كل نص مرتبط بقضية عامة.


11- التصنيف والتأثيل:

(أ) التصنيف:
في عالم طنقعة الكلام والفلسفة الدارجة قد ينسب التأثيل جزافاً إلى رؤى أو تصورات لأمور الفكر له معها صلة كـ"الإفريقية" أو "السودانية" أو "الخومية" Khemtic "الحكمة" (بالعبري = حخمة) أو إلى "القرءآنية" أو "الشمولية" أو "الثورية"، وقد ينسب إلى الميتافيزيقيا Metaphysics لاهتمامه بتصورات الجدل المثالي بين أفكار مختلفة إزاء صورة و كفكرة إزاء صور مختلفة.


(ب) أزمة التصنيف:
1- تقريب المتنوع إلى واحد:
قد تؤدي محاولات تصنيف ونسبة "التأثيل" إلى فلسفة محددة بحكم صلة فيه ببعض بموضوعاتها سواء كان تصنيفه سابقاً أو لاحقاً لموضوع (((معين))) إلى نشوء تصور خطأ عنه فتقريب "التأثيل" إلى أي قراءة خطية ينافر تنوع التأثيل وطبيعته المتعددة الخطوط ويضاد إنفتاح نشاطه القائم على كسر إنغلاقات عملية "التعيين" لذا من الصعب منطقاً تحديد "التأثيل" وقصره على وصف ومعنى واحد وإختزاله فيه.


2- تقريب الطبيعي إلى المثالي:
أيضاًً يشوب القصور وصف "التأثيل" بإنه فكراني مجرد كتأملات وتفكرات هيجل أو جورياس أو أفلاطون أو هايدجر أو هوسرل وتغالبها صور في فكرة وفكرة في صور، فطبيعة "التأثيل" النظرية والتاريخية وبالتالي الثقافية تجعله مختلفاً عن التصورات المثالية المهتمة بصورية إنعكاس الواقع في الذهن أكثر من دراستها ظروف الإنعكاس نفسه. كما فـ"التأثيل" إضافة إلى مهمة فتح المغاليق يختصم إنبهامات الفكر المثالي المرتبط بفصل متفاوت بين الفكر والواقع وإعتماد الخبرة القديمة أكثر من دراستها.


3- التنميط كإحالة إلى تصور قديم مغلق البداية أو إلى تصور شبه ذاتي مفتوح النهاية :
يحصحص التأثيل كلام الإصطلاحات التي تبدأ في اللغة العربية بحرفي (الـ) أو التي تنتهي في اللغة الانجليزية بتنميط أسلوب سياسي أو أدبي/فني إلخ بحروف (ism) كون هذه الحروف تمارس مع ربطها بإصطلاح معين مهمة وضع الحمولة التاريخية القديمة للكلمة كواجهة لها بشكل نفسي يثير الذاكرة في إتجاه معين تاريخي في اللغة العربية أو تصنيفي في اللغة الانجليزية بشكل يوجه التفكير والقراءة بحروف تمييز الكلمة أكثر من أن ترك معالم طبيعتها ومعناها التفكير.

المثال لدور حرفي "الـ" في توجيه الذهن وصرفه عن التفكير في تنوع معاني الكلمة كل الإصطلاحات الألفلامية البداية كـ: "البداية"، "الجوهر"، "البيئة"، "الفكر"، "الحقيقة"، "الكون"، "الإعتقاد"، "الفكرة"، "الإشتراكية"، "الثورة"، "المرحلة"، "المقدس"، "الرسالة"، "السياسة"، "الشعب"، "العدل"، "الحرية"، "السلام"، "النهاية"، فكلها مرتبطة بإحالة إلى حمولة تاريخية أكثر من كونها واقعية، وهي إحالة سياسية لتعميم وإدامة معاني قديمة تحتم بعض موضوعيات المعرفة أن تكون نسبية ومؤقتة.



4- تأريخ ردئ لحل التناقض:
حاول شرق ما قبل الإستعمار تجنب إختلاف التفسيرات بإعتماد التعريفات المتوافق عليها وترك الإختلافات لكتابات أخرى ولـ"تصاريف الزمن" في وقت كان القول فيه للسيف والمال لا للقلم! فكانت نتيجة ذلك الإصطفاء تشقق المعرفة أكثر من تكاملها.

عكس ذلك في هروب إلى الأمام الميل إلى الأمور المستقبلية في حداثة غرب أوروبا وأنشطة الجامعات الحديثة حيث جعلت الإصطلاحات القديمة موضوعاً للتشريح والإنتقاد مع ميل بإسم "العلم" إلى إغلاق وإحكام وترسيخ الإصطلاحات الجديدة المرتبطة بالآيديولوجيا البرجوازية ضد جبروت الإقطاع.

في بعض مجالات التفكير والقراءات شملت اشكالية "التعيين"/"الانفتاح" بعض التناقض بين إتجاه لتحديد معاني بعض الإصطلاحات وإغلاقها على معنى معين، وإتجاه أخر لفتح تأويل بعض الإصطلاحات في ثقافة النخب السائدة مثل إصطلاحات "الملكية"، "الشرعية"، "القانون"، "الحق"، "الحرية"، "العدل" كونها ثقافة متأثرة بشيزوفرانيا الرأسمالية حيث تتناقض حالتي الألم أو المتعة في القرار الواحد حسب مصلحة كل فئة في تنميط معين و تضرر فئة أخرى منه!


5- في التناقض النسبي الكامن في الإحالات الرجعية وفي التنميط مفتوح المستقبل:
كثيراً ما تكشف النصوص أو القراءات التناقض بين ممارسة النخبة البرجوازية للظلم في غالبية حياتها وكثرة مطالبتها بالعدل ! كيف إنها تتألم من تدمير البيئة وتدعو إلى عقلنة الإقتصاد وفي نفس النص تدافع عن حرية التجارة والصناعة والنشاط الرأسمالي! لعل التناقض الفلسفي المواشج لعمليات التحديد والإنفتاح داخل النصوص النخبوية السائدة يمثل إزدواج الثقافة البرجوازية التي تجعل "الوجودي" يكتئب وينتحر وتجعل "الاستشهادي" يقبل على الملذات، تجعل الفنان يبحث عن النقود والمال وتجعل الرأسمالي يحابي الفنون ويتعشق (وليس يعشق) الجمال!


6- الطبيعة الإستعمارية لشعار "لحرية والإخاء والمساواة":
بإستعمال "التأثيل" كتغيير جذري لعملية القراءة النمطية ذات الموضوع والإتجاه والتفسير الواحد تبدأ إمكانية منطقية لتحرير المعرفة من هيمنة ثقافة البرجواز ونزوعها التجاري والإستهلاكي وما فيه من واحدية وتناقض، وتصنيم لمنتجاتها الفلسفية.

لتصور شيء من هذا التحرير بالإمكان تجريد كلمات شعار"الحرية والإخاء والمساواة" من حرفي التمييز أي جعل هذه الكلمات بدون (الـ) ومافيها من إحالة إلى جمولة تاريخية/ثقافية مثالية، بل وضع هذه الكلمات عارية كمجرد "حرية وإخاء ومساواة"، فبتعريتها يتبين إن وضعها كآلهة للحقيقة السياسية وضع له صلة بسيطرة وهيمنة برجواز غرب أوروبا، وهي سيطرة ليس لها صلة بمنطقية فلسفاتهم أو بجسارة ثوراتهم ونبل أهداف عموم الثائرين فكم في العالم من فلسفات وثورات.

فعلاً وعملاً ونظريةً إرتبط وضع كلمات "الحرية"، "الإخاء" و"المساواة" كآلهة للحقيقة السياسية أو كعيار آيديولوجي مثالي لها ومنظار لقراءة الماضي والحاضر والمستقبل بقيام تحالف البرجواز وكبراء البنوك والجيش وموظفي الحكم بزيادة سيطرة تنظيماتهم وحكوماتهم دولهم على مدن وأرياف بلادهم، وعلى باقي مجتمعات دول العالم غير المستعمرة.


على خلاف الفكرة المهيمنة في ثقافة البرجواز فلا علاقة لقوة غرب أوروبا بنموء الفلسفة وإكثار المعرفة والاستنارة وإزدهار المنطق وإلا لكان الفلاسفة هم حكام العالم أو لملكت الجامعات والمكتبات الدول، بل إرتبطت ظاهرة قوة غرب أوروبا بعملية ثورية طبقية سياسية لتنظيم وتقوية الحكم وإنهاء إنفراد الملوك وخصوماتهم ومحسوبياتهم، وتبديلها بحسابات إنفراد تجاري تتفوق في جمع وتوزيع الموارد على حسابات كل إقطاعي مفرد وعلى أنانيات كل ملك.

بدأ هذا التغيير ببناء تنظيمات جمعية وحكومات مرتبة الأعمال تنظم الأمور الداخلية والخارجية، وبإكثار عدد وقوة السفن والمدافع والجيوش، وبهذا الترتيب السياسي والعسكري زادت قوة دول غرب أوروبا وتطور نشاطها الإستعماري وزادت فيها أنشطة المعرفة والبحث العلمي وذلك بسبب تحسين الترتيب والتنظيم السياسي وزيادة القوة وليس فقط بسبب زيادة الفلسفة.

بشكل عام لم يك نشاط الدولة تحقيقاً أو نتيجة لمعاني لحرية والإخاء والمساواة إلا من قبيل كسر سيطرة النخب الطائفية والأوروستقراطية على التجارة كسرأ شاملاً إرتبط بوقف حقوق ملكية الملوك والإقطاعيين وبإلغاء الوجود المستقل لباقي بلاد العالم. لكن ضد هذه الحقيقة رد التثقيف والتعليم البرجوازي الغرب أوروبي القديم والحديث قوة دوله وتوسعها إلى تقدمها في الفلسفة والعلم أو إلى تقدم الفلسفة والعلم في شؤونها ! وهو زعم تنفر منه حقيقتان:

الحقيقة الأولى: إن الإستعمار نفسه ممارسة قديمة مارسها البدو في العالم القديم بدون فلسفة أو علم حديث بل فعلوه بإصرارهم وشراستهم القتالية ضد مدن ومناطق أكثر منهم علماً ونظاماً وقوة. كتب تاريخ كل منطقة إما بإعتزاز أو بتبخيس توسع و سيطرة البدو اللومبارديين، الهكسوس، الإغريق، الفايكنج، الجرمان والفرانك، العرب، المغول، والعثمانيين، كل في منطقته.

الحقيقة الثانية: إن شعوب دول الإستعمار الغرب أوربي نفسها كانت ولم تزل تقاوم نظم تلك الكلمات وسياستها ورفض الزيف الآيديولوجي لفلسفتها، وهي مقاومات تكشف إرتباط تحكم البرجواز باستغلال موارد وحاجات معيشة شعوب بلادهم وموارد الشعوب الأخرى، وإهدار إنسانية ومصير كل مجتمع بعيداً عن شعار الكلمات الثلاث وعن روح الفلسفة والعلم.



7- "المركزيات" ممالك ذهنية شكلتها ثقافة البرجواز ونظمهم التعليمية:

(أ) المركزيات/المثاني:
في سياق التحرر من ثقافة الإستعمار وتناقضات تفكيكه نشأت سجالات مثنويات حول موضوعات كبيرة مثل: "الأصالة/المعاصرة"، "الأدب/العلم"، "أوروبا/العالم"، "إفريقيا/أوروبا"، "الإثنية/الدولة"، "الفرد /المجتمع"، "الجندر/المجتمع"، "المحلي والوطني/العالمي"، "المركز/الهامش"، وحتى "الثقافي /السياسي"، و"سجالات "التنمية والبيئة والمناخ"، .. إلخ، بشكل فيه مركزة معينة وإنحيازاً إلى أحد قطبي الثنائية مع كلام قليل عن موضوع مركزية أطماع رأس المال أو عن مركزية حماية ورعاية رأس المال!


(ب) تناقض المركزيات مع تنوع الفهوم:
بداية من تمركز آيديولوجيا الدولة العمومية، تكاثفت التصورات المركزية في مؤسسات الإعلام وفي مؤسسات المعرفة البرجوازية، وساد نسق فهم وتبرير برجوازي خطي للتوزيع الرأسمالي أو النخبوي للموارد وفرص المعيشة والتعليم وصف بكلمات: "عقلي"، "علمي"، "موضوعي"، "حقيقة".

رغم كل هذه الأوصاف وتواشجها مع تضخم المركزيات ومع خنق الكلام والدراسات عن "مركزية طبقة البرجواز" زاد إختلاف تصورات وفهوم "تاريخ" و"ثقافة" و"نظريات" الوجود الإجتماعي، ومن ثم زاد إنعطاب أنساق معرفة عصر "الحداثية" وشكلها الخطي بحكم التناقض بين القراءات داخل الموضوع الواحد وداخل المركزية الواحدة.

(ج) نشوء "ما بعد الحداثة":
مع بوار واحديات الحداثة تم إختراع تنظيرات جديدة سميت بعد فترة من ظهورها بإسم "ما بعد الحداثة" وتقدو كملحق إنتقادي بـ"الحداثة" أو كملحق إنسحابي من خطيتها وعقلها وعلميتها وموضوعيتها والتحول إلى تنوعات جديدة لقراءة الموضوع.

(د) المشروب القديم في الإناء الجديد:
بحكم وحدة ظروف ومنطق الثقافة الطبقية تكونت في كل واحدة من هذه التنوعات معالم آيديولوجية وخطية تشبه ما أصاب موضوعاتها القديمة لكن بينما سحب التعظيم والتبجيل من الإنتاج (العلمي/الفلسفي) القديم صارت تطلق على الرؤى والمحاولات الجديدة نفس كلمات الإجلال والتحكم في ذهن القارئي، أي كلمات: "عقلي"، "علمي"، "موضوعي"، و"حقيقة". وهذا بحد ذاته يكشف طبيعة إنتقاء وبناء أو قراءة "نظرية" و"تاريخ" و"ثقافة" كل واحدة من هذه الكلمات شديدة السياسة رغم شكلها التقييمي ولعبها دور القاضي، طالما إنها جزء من نظام معين لتحقيق العدالة المعرفية وفق ثقافة الطبقة الحاكمة.

(هـ) تمجيد القديم كمقدمة تحكم جديد:
واشج تعرقل تكامل المعرفة عمليات فصل العوامل الطبقية والعوامل الثقافية أو ضربها ببعضها وذلك عبر أمور شتى منها: مفاضلة الوطني/الأجنبي أو أي مفاضلة أخرى ترفع أحد هذه العوامل وتخفض أخرى، بشكل أثر على فهم غالبية المجتمعات لموضوعات "التاريخ" و"الثقافة" و"النظرية" بعد أن قدمتها ثقافة "الحداثة" البرجوازية كبديهيات وصور راسخة أي كـ"تاريخ مجيد"، "لغة عبقرية"، "عقيدة سمحاء" (الأولى أو الأفضل في العالم) ، "وطن كبير"، "رسالة حضارية"، "ثقافة غنية"، و"شعب عظيم"، وغيرها من سمات التفوق يصور بها البرجواز نشاطهم وتحكمهم الحاضر كمواصلة لذلك الماضي (المجيد).

(و) أفول التقييم الإستعماري القديم وظهور تقييم جديد له أيضاً جذور وأشكال إستعمارية:
أدت الممالك والإقطاعيات الذهنية أو الفكرية لأسلوب المثاني أو المركزيات إلى تحكم قيم نخبة دول الإستعمار في تقييم طبيعة الإستعمار نفسه وفي تقييم فترة ما بعده! وبالتالي وقع بعض الكلام عن تحرير الشعوب والنصوص إما في فهم مثالي يمجد التاريخ القديم أو في فهم براجماتي تتقلبه النظريات الحديثة.

الخطأ المشترك الرئيس في مفاضلة القديم/الجديد أو مفاضلة الداخلي /العالمي أو في تحبيذ "ما بعد الحداثة" كعلاج لحالات "ما قبل الحداثة" هو تصوير أحدهما كموجبات أو كسلبيات راسخة! رغم إن الحياة كلها تفاعلات، ورغم إن مصدر وثوقية أي مثنوية أو مركزية هو قراءة أو كتابة إنتقائية للتاريخ والثقافة والنظريات، أساسها عناية بيروقراطيا إعلام وأكاديميات غرب أوروبا بها وبشؤون تمويل وتجارة بحوثها.

وفق منطق المثنويات وتركيز التفكير التابعي في ثقافة التحرر الوطني على بداية ذلك التحرر بإزاحة جنس الحكام ثم لغتهم ثم بعد ذلك الإتجاه إلى التفكير في أمور الإقتصاد بدأت منذ منتصف القرن العشرين في غالبية البلدان المستقلة حديثاً أمور عفوية وأخرى قصدية لتجديد الإستعمار


8- تجديد الإستعمار:

1- تغيير شكلي:
لقد أدت حالة الإستعمار ثم الحرب الإمبريالية الباردة والساخنة ضد أفكار وسياسات "التحرر الوطني" و"الإشتراكية" منذ أربعينيات القرن العشرين إلى أواخر ستينيات ذلك القرن وما بعدها إلى تخفيض ثورية أفكار وأنشطة "التحرر الوطني" مع ضعف عدد كوادره ومحاربة ثقافته، فانحصرت جهود ذلك التحرر في إزاحة الأجنبي وتغيير حكام الدولة أكثر من محاربة الإستعمارية الكامنة في كل عناصرها الحكومية.

2- أساس التجديد: إستعمار داخلي:
طبيعة "الدولة" كآلة نخبوية أوامرية لمركزة أو لتوزيع الموارد وفق مصلحة الطبقة المسيطرة عليها تجعل كل جهاز من أجهزتها بذاته ومع باقي أجهزة الحكم والسيطرة يبدأ في الدولة الجديدة الشكل تكرار النظام النخبوي الإستعماري وعلله القديمة داخل مكونات الإقتصاد والحكم والعدالة، خاصة إذا كانت الدولة ترتبط بنظام التملك الإنفرادي لموارد المجتمع.

كرست سياسية الإستعمار وسياسات تكرار أساليبه الإدارية في الإنتقاء وترسيخ التمييز وجود تفاوت حاد في إقتصاد كل مستعمرة ماثل في وجود قطاعين كلاهما رخو أحدهما منتج للحياة والآخر مسيطر على تفاصيلها، بشكل جعل وجودهما نواة حالة مزدوجة مكونة من الإستعمار الداخلي و الإستعمار الحديث :

(أ) القطاع الأول:
قطاع قديم في نطاق الدولة الحديثة بدأ قبل تأسيسها، وهو بدائي الزراعة والرعي، ريفي المقر، ينتج غالبية غذاء السكان، ومنتجيه وهم غالبية المجتمع ممنوعين بضعف التعليم وقسوة شروط التمويل من إنتاج ما هو أكثر من الغذاء.

(ب) القطاع الثاني:
قطاع حديث كونه الإستعمار بداية بقوانين التملك الإنفرادي ومنح الرخص للأجانب ونخبة المجتمع، ويركز أمواله في المدن ولا يصنع إلا القليل بل غالبيته توزيع تجاري يشتري بثمن بخس خامات الريف الرخيصة ويستورد بأموال البنوك من غرب أوروبا المصنوعات الغالية، وفي أهم أنشطته نفوذ أجنبي.

(ج) سيطرة الجديد على القديم:
منذ تأسيس القطاع الحديثي وسيطرته بقوته المالية وتحكمه التجاري في لوازم الإنتاج الريفي وتصريفه صار متحكماُ في القطاع التقليدي مؤسساً أكبر أجزاء ظاهرة "الإستعمار الداخلي"، وما تفرضه من فقر في الإنتاج وفي المنتجين وهيمنة ونفوذ دول غرب أوروبا وتوابعها على تمويل وتجارة وصناعة البلد.


بشكل عام بتمايز حياة القطاعين الرخوين حياة فقر في القطاع المنتج وحياة إسراف في القطاع المحتكر للتجارة الخارجية، تحولت الدولة الجديدة الإستقلال من وضع "مستعمرة مباشرة" لأحدى دول غرب أوروبا إلى دولة "تابعة" ومستعمرة غير مباشرة لمصالح نفس الدولة التي كانت تمارس فيها الإستعمار القديم المباشر، أو تابعة لمصالح المجموعة السياسية أو الإقتصادية لنفس الدولة الإستعمارية.



9- النخبوية والإستعمار يجددان بعضهما:
بعد الإستقلال الشكلي صارت الحكومات في خدمة نخبتي القطاعين التقليدي والحديث بدلاً لأن تنفذ تنمية متكاملة تبدأ بإلغاء نظام الإمتلاك الإنفرادي الرأسمالي المؤسس للتفاوت الطبقي والتفاوت بين المركز والأقاليم ،هو النظام الذي وطدته مصالح الإستعمار الغرب أوروبي.

بحكم التحالف مع النخب الوطنية ضد الإستعمار وظروف الحرب الباردة ضد الشيوعية نشأت عملية "التحرر الوطني" مبتعدة عن الفكر والأسلوب الثوري الشعبي ومقتربة إلى فهم النخب المحلية لـ"الوطنية" وتصورهم لتحقيقها كإزاحة لخواجات غرب أوروبا من مقاعد السلطة دون تغيير في طبيعة نظام الدولة بل تشدق زعماء الاستقلال في كل بلد بكمون النجاح السياسي (والسلامة) في المطالبة بالقليل المتاح.

بفعل تفكك هياكل الإقتصاد وسيطرة قطاع التجارة الخارجية على معيشة القطاع التقليدي الذي يقبع فيه غالبية السكان وغالبية إنتاج الغذاء والخامات ومنعه من التطور وتشجيع حرية وسيطرة الاستوراد ووكلاءه صارت الدول الجديدة مديونة. وبفرضه شروط "فخ الديون" تمكن الإستعمار الليبرالي الغرب أوروبي من إعادة التحكم في مستعمراتهم القديمة معطلاً ثم مدمراً تحقيق أهداف مشروع التحرر الوطني.


10- إنكشاف خلل كبير في زعوم "قابلية الإستعمار"، "الوطنية" و"الدولة":

1- خلل القراءة الجزئية لنظرية "القابلية للإستعمار":

(أ) النظرية:
خلاصة نظرية "القابلية للإستعمار" إن القهر الداخلي يجعل المجتمع ضعيفاً أمام الغزو والإستعمار.
وقد رأى تنظير "القابلية للإستعمار" تفاصبل تكون هذه القابلية في التاريخ السابق مباشرة للغزو الإستعماري في المجتمعات التي تعرضت للإستعمار الغرب أوروبي في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

(ب) خلل القراءة:
وشجت بعض القراءات التي بدأت التأريخ من نهايته الاستعمارية في المنطقة المستعمرة هذه القابلية بشعوب ومناطق إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية التي وقع عليها الإستعمار الغرب أوروبي ومن إنحصار هذا الوشج تبلور تصور خاطئي ان مجتمعات ومناطق غرب أوروبا بكل نظمها الإستغلالية معصومة من هذه العلة! وهي قراءة أدى إنفعالها ضد القهر في البلاد المستعمرة لتجاهل حالة الاستعمار الداخلي في كل بلد من البلدان الاستعمارية نفسها ولتغييب حقيقة تمكن النازية من استعمارعموم ألمانيا و وأوروبا الليبرالية.


(ج) الحقيقة الواقعية:
ينكشف خلل هذا التنظير الذي يغيب الصورة الكبيرة للقهر في العالم بحقيقة إن "الإستعمار" كنشاط منظم تمارسه فئة متحكمة لإستغلال موارد وأعمال مجتمع معين، كان ولم يزل حقيقة داخلية في كل مجتمع طبقي قبل أن يكون وباءاً قادماً عليه من الخارج، ففي تاريخ كثير من البلدان نجد إن نخب بدو ونخب مدينة كل منطقة تتبادلان حالة الغزو والإستعمار قبل أن تأتي عليهما من خارج منطقتهما قوة إستعمارية كبرى.

(د) الفرق:
الفرق بين القراءة الجزئية لنظرية القابلية للإستعمار والواقع ان علة القابلية للإستعمار علة عالمية وليست منحصرة في المنطقة التي أصابها الإستعمار الغرب أوروبي، خاصة إن نفس هذه المنطقة توصف في مرات أخرى في جوانب نفس نسق التنظير الرافض للإستعمار بأنها منطقة أو مجتمعات ذات تاريخ مجيد !


2- خلل القراءة التي تفهم "الوطنية" كعملية إبدال نخبة محلية لنخبة الإستعمار:

(أ) الفكرة المحدودة لبناء "الدولة الوطنية":
قبيل موجة الإستقلال في بلاد العالم سادت فكرة نخبوية في المجتمعات المستعمرة خلاصتها إن إزاحة الحكام الأجانب من دست حكم الدولة سيمكن أبناءها من تحسين أوضاعها. ورغم بدايتها النخبوية وبسبب برجوازية عدد ونوعية التعليم وتفشي آراء النخب وزيادة القمع أصبحت فكرة عامة تشارك الناس جميعاً نجاحها وفشلها.

(ب) فشل الفكرة المحدودة:
بهذه الفكرة المحدودة التي توجس أو تأنف أو تخاصم نخبها تغيير النظام الطبقي للدولة والمجتمع نشأت ثم فشلت دولة الاستقلال المنقوص القائمة على حرية التملك الإنفرادي لموارد المجتمع، وحماية ورعاية نخبه ورأسمالياته المنتجة للتفاوت الطبقي والأقاليمي والجندري وأزماتهم وإنقلاباتهم، وتكريسها الحالة المزدوجة لتدهور المجتمع وتفككه بالإستعمار الداخلي والتبعية للتمويل الخارجي الإستعماري الشروط.

(ج) خلل المحدودية:
أكبر الزيف الذي أكل الجوهر الطبقي القديم لفكرة مناهضة الإستعمار وبناء مجتمع شيوعي عالمي خال من التسلط والإستغلال الطبقي والأقالمي والدولي مفاعيلهم، كان زيفاً نخبوي الأساس إرتبط فشله المنطقي وفشل دولته الليبرالية المحدودة بحرية التملك الانفرادي، وكان ذلك الفشل في مجالات تحسين المعيشة وفاعلية السيادة فشلاً وئيداً وعاماً مثل ضوء النهار يحسه جميع الناس ويراه المبصرون لكنهم قط لا يستطيعون الإمساك به.

(د) إفشال بعض إنتقاءات التاريخ والثقافة والنظرية لدولة الإستعمار الداخلي والتبعية:
1- فكرة ملتبسة:
من الأفكار التأسيسة للدولة الحديثة فكرة "القومية" أو "الوطنية" هما شبه كلمة واحدة في كل لغات دول الإستعمار الغرب أوروبي وأشهرها كلمة ناشوناليزم Nationalism. رغم إن كلمة "قوم" من نسيج إثنوثقافي وكلمة "وطن" ذات سحنة جغرافية سياسية، لكن مصالح برجواز غرب أوروبا مزجت معاني الكلمتين إبان ثوراتهم في غرب أوروبا وضعتهما في تلك الأعوام الأمية والإنفعالية كأساس لدولهم الليبرالية ومنها تسيدت "النشوناليزم" جزء اً كبيراً من تنظيرات القانون والسياسة في العالم.

2- تزويف نتيجته وهم:
في دول العالم الثالث ومشروعات التحرر وحب نخبها للإبتعاد عن الصراعات التي قد تؤثر على إستقرار جاههم واشج إستعمال إصطلاحات "القومية" و"الوطنبة" إستعمال منظار التاريخ بشكل إثنوثقافوي ونظري يقدم حالة المجتمعات التي تعرضت للإستعمار كتاريخ مجتمعات أخوية خالية من التناقضات الكبرى وجرائمها، إما كتاريخ "معيشة في سلام" أو "حضارة عظيمة" أو "رسالة خالدة"، ومن ثم مع هذا التبجيل فإن قارئه المستلب بالنصوص التي انتقتها النخبة من تاريخ أو من ثقافة كل منطقة أو من نظريات تدعم وضعها سيتصور إن نخبة الإستقلال الشكلي التي نشرت وتواشجت مع هذه النصوص هي إمتداد لذلك التاريخ (المجيد) وليست إمتداداً لنظام التناقضات الموجودة داخل كل مجتمع في كل العالم.

3- إما تصور ضعيف يحلم بدولة مثالية أو تصور مثالي يقود إلى دولة ضعيفة:
المصيبة الكبرى من هذه النتيجة هي التصور الشائع حاضراً في غالبية بلدان العالم الثالث الذي يظن إن الدولة الوطنية المثالية يجب ان تكون بعيدة عن الصراعات الطبقية أو عن الصراعات الدولية أو يجب أن تكون مبتعدة عنها بينما هذه الصراعات كامنة في عمق معيشة وتعليم ومصير كل دولة خاصة إن كانت هذه الدولة نخبوية رغم تسميتها "الدولة الوطنية" بينما هي وطنية محدودة في باطنها كل أنواع الإستعمار.


3- خلل الدولة من خلل جذورها أو من خلل بيئتها؟

1- في الإختلافات بين غرب أوروبا والعالم:
الإختلاف بين حالتيهما الحاضرتين فقد تبلور منذ إنتقال السيادة على العالم من أقوى دول الشرق إلى أقوى دول الغرب دول غرب أوروبا، وهي إختلافات ترجع إلى سببين جديدين متزامنين متداخلين هما:

(أ) فرق طبقي سياسي:
عروته قيام نخب برجواز غرب أوروبا بإلغاء التنافس الفردي الإقطاعي ومساطره العنصرية العائلية والطائفية، وتولي تحالفات هذه النخب بنفسها تنظيم التجارة والتمويل والحكم والإدارة منجزة هذا التغيير عبر نشاط ثوري شعبي مستعينة بشرائح تقدمية من الكهنة والأكاديميين والمثقفين دعاة "العدل" و"الإخاء" و"المدنية" و"العلم" إلخ، حتى بلغت مرحلة "المهمة الحضارية في العالم للإنسان الأبيض" (الإستعمار).

(ب) فرق إداري وتقني:
بدأ داخل دول غرب أوروبا بقيام حكومات البرجواز بتنظيم جمع أموال الضرائب والتوسع فيها ثم توجيهها إلى مقاولات صناعة السفن وصناعة المدافع ومن ثم تنظيم عمليات نهب موارد المجتمعات الأخرى في العالم بشكل توريدات وتجارة عالمية كتجارات الرقيق والذهب والفضة، وتجارات المحاصيل وبعض المواد الخام والمصنوعات الحرفية، وما رافق ذلك من هجرات واستوطان وتسلط على المجتمعات المنكوبة بنفوذ هذه المدنية.

من ثم تميزت دول غرب أوروبا كثيراً في عدد ومقدار القوة أما أنواع التحكم والجرائم والتناقضات فلم تختلف عن جرائم وتناقضات المجتمعات التي غزتها عصابات وجماعات وجيوش غرب أوروبا في قارات أمريكا وآسيا وإفريقيا التي كانت إلى حين دخول الاستعمار الغرب أوروبي مجتمعات ترزح في نظم إستعباد وإقطاع محكومة بالقوة العسكرية.

2- في التشابه بين مجتمعات غرب أوروبا والعالم:

(أ) ملامح التشابه:
واقعياً تتشابه تواريخ ومجتمعات دول عالم المستعمرات وتواريخ مجتمعات دول غرب أوروبا الليبرالية الإستعمارية فكلها تواريخ تغالب وتحكم، فرغم اختلاف الأشكال كانت البنى الداخلية لدول الحداثة الليبرالية الرأسمالية في غرب أوروبا تشبه البنى الداخلية للمجتمعات التي قامت بإستعمارها.

(ب) وجوه الشبه:
1- تشابه الهرم الطبقي المعيشي، 2- تمركز الدولة، 3- نخبوية السياسة والإدارة، 4- نخبوية التجارة 5- نخبوية التعليم، 6- ذكورية مناصب المجتمع والدولة، 7- ترسخ الحكم بالقوة العسكرية، 8- تحكم الشريحة المسيطرة في الأوضاع الطبقية، 9- مواشجة الدولة لإثنية وثقافة معينة.

(ج) أثر التشابه على حجة تفوق المستعمرين:
تشابه البني الداخلية بين دول الاستعمار والدول التي تم إستعمارها يضعف ربط حدوث الإستعمار بتفوق قوة مجتمعات غرب أوروبا، فالربط الجزاف بين الإستعمار وزيادة التمدن يضاد الحقيقة التاريخية العالمية لقيام مجتمعات رعوية ضعيفة التنظيم والمدينية بغزو وإستعمار مجتمعات مدينية قوية كما فعل الهكسوس، الفايكنج، اللومبارديين، الإغريق، الجرمان، الفرانك، العرب، المغول، والعثمانيين.



3- إرتباط الإستعمار ببنية الدولة وليس بجنسية حكامها:

1- وحدة هيكل التحكم:
وضحت التواريخ والنظريات إن ربط غالبية المثقفين الوطنيين بين تحرر مجتمعاتهم وخروج النخبة الأجنبية المستعمرة وتبديلها بنخبة محلية لم يغير الكثير من أمور دولة الوطنية المحدودة تغييراً مستداماً، بل كان تغييرأ في شكل العلامات الخارجية للمجتمع (العلم واللغة والإسم وشكل النقود والتراخيص) فقد بقيت البنى الهرمية قائمة متسلطة في الحكم والتنظيم السياسي للمعيشة والاقتصاد، والثقافة الإجتماعية والإعتقادات والآداب وحتى في الفنون والجماليات، ترجح النخبة بعضها ويصورونها كأساس لدولتهم.


2- المستحيل في طلب بعض الثمرات:

نقل الثروة من العالم الثري إلى العالم المفقر:

(أ) المستحيل:
أحياناً في خضم الإنبهار أو التمثل بتقدم دول غرب أوروبا في حل مشكلات المياه والكهرباء والمواصلات وسرعة إصدار بعض الأوراق الحكومية الخ يظهر طموح أو تضليل إلى إمكان تحقيق تلك الخيرات والقوة المالية المحيطة بها بمجاراة سياسات "الديموقراطية"، "العولمة"، "القومية" أو "الوطنية"! طموحاً يربط الثراء بجودة الآيديولوجيا والشكل السياسي للدولة والتقدم العلمي فيها أو تقدمها في الشؤون العلمية.

(ب) وجه الاستحالة:
ان تراكم الثروات في أي مركز من مراكز الإستعمار منذ أقدم العصور إلى الزمان الحاضر كان ولم يزل غير وثيق الصلة لا بالآيديولوجيا ولا بالشكل السياسي لتنظيم الدولة ولا بأمور العلم فيها، بل بالقوة الحربية وضخامة حجم الإستعمار الذي تحققه. وفوق ذلك لم يتمتع كل الناس في أي دولة من دول الإستعمار بتراكم هذه الثروات بل نخبة منهم.

(ج) في إفتراق حجم الثراء عن جودة الفكر وشكل الدولة وعلميتها:
لا يرتبط ثراء الدول بجودة الفكر والتعليم بل بسيطرة حكمها على موارد كبيرة بالقوة الحربية والحذق، وإلا لخلد في التاريخ ثراء (حضارات) الفكر القديم في وادي النيل وبابل إلخ التي استعمرتها مجموعات قليلة التعليم، ولأصبحت الجامعات مراكزاً لثروات هائلة. أيضاً لا برتبط ثراء الدول بديمقراطية ما أو بليبرالية عمليات الإمتلاك فالهند الليبرالية أفقر من الصين والاثنتان قد تتفوقان على أوروبا الأكثر ليبرالية وإمتلاكاً للعلم منهما، كما إن بعض النظم الملكية في أوروبا وغيرها أكثر ثراء من كثير من الجمهوريات، ولو كانت الأمور بالعلم والتعليم لكانت دول سويسرا وسنغافورة وكوبا وروسيا سابقة في الثراء.

(د) طلب النتيجة دون العمل الضروري لتحقيقها:
غالبية نخب دولة الوطنية المحدودة تريد لدولها/لنفسها ثمرات مالية ومعيشية مثل ثمرات التنظيم الهرمي الوطني أو العالمي على دول غرب أوروبا ونسخها في شمال أمريكا وأستراليا، وهي لم تشارك في تأسيس ذلك التنظيم بل تريد خير آلاته دون ان تهدم النظام الطبقي الإستعماري الكامن فيها والمرتبطة به وعرقلته البنيوية لكل أسس التنمية والتطور والإخاء الإنساني. أي إنها تريد الفوز بثمرات الإستعمار لكن مع إبقاء حالة الدولة الوطنية المحدودة ذات الإستعمار الداخلي والتبعية للإستعمار الحديث المكبلة في فخ الديون!


4- حب التقدم مع إبقاء نظام إعادة إنتاج التخلف:

(أ) هدف النخب:
تخشى تصريحات زعماء النخب أو تحتقر الصراع الطبقي وتخاف على مصالحها من "الشيوعية" أو من الحرب ضد الشيوعية، ومن ثم ضمن الإنتقاءات الإستعمارية للتاريخ والثقافة والنظريات تنشد النخب المالية المحور تكوين حالة خيالية رأسمالية تريدها منخفضة الاستغلال والتفاوت الطبقي والإقليمي،..إلخ أي تريد رأسمالية تعزز مصالحها مع الدول الإستعمارية، لكن تزعم إنها مرضية لكل الطبقات! وكل المجتمعات! وكل الحقوق! البية النخب الضعيفة رأسمالياً تريد تحقيق هذا التطور الرأسمالي المرتبطة ثرواته بالإستعمار تحقيقاً كريماً أساسه قيام دول وشركات وبنوك الخواجات مستغلو دولتها بتمويل تنميتها!

(ب) رسملة بداية دولة الإستقلال المنقوص، ظاهرها السلامة وباطنها الخراب:
التصور الخيالي لإمكان وجود رأسمالية ترضي جميع الطبقات تصور شائع مستعمل في حماية نظام التملك الإنفرادي لموارد المجتمع، ومرتبط بكينونة وتأريخ النظام الرأسمالي وثقافاته ونظرياته كونه حالة إنفراد وسحق نخبوي يسيطر على موارد وأدوار كل مجتمع في العالم بمبررات مثالية كـ"كطبيعة الأمور" أو "حرية التجارة"، أو "نشر التمدن" و"نشر الحضارة" أو "تحسين الأوضاع" بينما هو إستغلال طبقي وعالمي ونشاط مدمر لهدف التقدم الإجتماعي المتناسق ومحطم للتنمية اللازمة لتحقيق هذا التقدم المتناسق إضافة إلى تدميره البيئة والمناخ والروابط الإجتماعية وقيم الصداقة والتضامن الأممي.

(ج) إستحالة قيام الدول النامية بضعفها الظاهر بتكرار نشاط الإستعمار الغرب أوروبي في العالم:
منطقاً يستحيل على قوة رأسمالية صغيرة في أي بلد تحكمه التبعية تكرار تراكم وتجميع الثروات الذي حدث في غرب أوروبا نتيجة أوضاع شتى لا يمكن تكرارها ومن ثم لايمكن تكرار فكرة الثورات البرجوازية الغربية أوروبية ونجاحها كتجميع جهود تجارية ورأسمالية محلية في نطاق وطني مستقل ومتكامل ومستدام نوعاً ثم سيطرتها على باقي مجتمعات ودول العالم ما نأهيك عن عدم قوة البرجوازية المحلية الضعيفة القوة على ممارسة الإستعمار على نطاق العالم.

(د) الخطر في دعاوى السلامة:
تتجاهل دعاوى تحقيق الدولة الوطنية الجيدة بأسلوب تجنب الصراع العالمي إن الاستعمار فعل ضروري لبقاء كل دولة إمبريالية في حال مراكمة مالية متقدمة ومسيطرة بالقوة والجبروت والاحتيال على دول العالم الثالث غير الاشتراكية التنظير والهدف. وإن الخوف من الإشتراكية وطلب السلامة من مشاكلها كان ولم يزل هو أكبر أبواب بقاء وتوسع النفوذ والتحكم الإستعماري.

(هـ) التضليل بفكرة "الوطنية الخالية من أو المبتعدة عن الصراع الطبقي":

1- تداخل القمع والتضليل:
مع حالة قمع ونشويه مستدامة لأفكار وأنشطة الحركات النقابية القوية و"الإشتراكية العلمية"، و"الماركسية اللينينية" و"السلطة الشعبية التصاعدية" و"الإستقلال المتكامل"، و"الديموقراطية الشاملة المتكاملة" تقوم دوائر المعرفة والإعلام (التضليل) البرجوازية في مراكز دول الإستعمار أو في مراكزه الداخل العالم الثالث بعمليات تضليل تتضمن تهميش وتشويه كل هذه الأفكار والأنشطة عبر:

2- طبيعة التضليل:
إوهام النخب والجمهور بإن الدولة مستقلة ومتوازنة ونامية وتواجه فقط مشكلات أو أزمات لكن وجود الدولة والمجتمع بنظام أخوي ومعقول سيحل غالبية المشاكل دون حاجة إلى أفكار وأنشطة الصراع الطبقي مبررة ذلك في مرة أولى بأن المجتمع والدولة لم يبلغا مرحلة الصراع الطبقي! كأنما للصراع الطبقي مرحلة معينة ! وفي مرة أخرى تبرر رفضها لأفكار وأنشطة الصراع الطبقي بإنه خطر على سلامة وأمن المجتمع (= سلامة وأمان النخبة)، وفي مرة ثالثة تقوم بإشهار الإتهام بالتطرف والحماقة اليسارية في وجه المطالبين بإزالة أسس الإستعمار الداخلي والتبعية للتمويل الأجنبي المسموم الشروط.

3- الإحصاءات كاشفة التضليل:
قد يتبين للباحث زيف هذا التضليل من بيان إحصاءات التفاوت الاقتصادي لارتفاع معدلات التراكم الإيجابي في مجموعة الدول المسيطرة (رغم تناقصها وخلل توزيعها الداخلي) بتواشج مع إرتفاع المعدلات السلبية في الدول (النامية) أي الدول المستتبعة للسيطرة الإمبريالية، وتواشج هذا الإرتفاع في الإفقار العالمي للدول (النامية) مع إرتفاع التفاوت بين طبقات مجتمعاتها في توزع موارد وجهود وثمرات الإنتاج.

بالفرق الواضح بين التراكم الموجب في عالم الدول الاستعمارية وتوابعها والتراكم السلب في عالم الدول المخنوقة بشروط صندوق النقد الدولي يتبين للباحث ان ثلاثة أرباع العالم يعيش أزمة وجودية أساسها السيطرة الاستغلالية الداخلية والسيطرة الامبريالية التي تحقق بها نخب المراكز الداخلية ونخب المراكز الامبريالية وتوابعها أنانيات ذواتها.


5- المخرج الموضوعي من التفاوت السلبي المنتج للتخلف والتبعية:

خطوتان متلازمتان
يبدو إن المخرج الموضوعي من الأزمة الوجودية لمجتمعات التملك الانفرادي يبدأ بالإقرار بحقيقة وجود طبقات ومصالح طبقية متناقضة في مجتمعات الدول النامية: طبقة كادحة وطبقة نخبوية مسيطرة: ومن ثم يدلف أصحاب المصلحة القادرين على التغيير إلى الخطوة الثانية وهي عملية إنهاء التفاوت السلبي بإلغاء ثوري شعبي لأشكال التملك الإنفرادي القديم القبيلي والحديث الرأسمالي كونهما أساس التفاوت الإقتصادي السلبي ومظالمه. وهو إلغاء ضروري لتحقيق تغيير جذري نحو التقدم الاجتماعي أو العالمي المتناسق ومن ثم إنهاء حالة "الاستعمار الداخلي" التي تستغلها الامبريالية.



إنه "التأثيل" أيها النمطي:

لا، لم تبتعد كل هذه الإشارات عن موضوع تأثيل قراءة حركة النصوص من الكيان الذهني المسمى "التاريخ" إلى "الثقافة" ثم "النظرية" أو من النظريات البرجوازية السائدة في غالبية دول العالم إلى صور "ثقافية" وصور "تاريخية" تبجلها تلك النظريات!

لا، لم تبتعد إشارات هذا التأثيل في إهتمامها بالمعرفة والإستعمار ونظم الوطنية عن مهمة تمحيص بعض علامات القراءتين النمطيتين وإختلافاتهما في فهم وتقييم طبيعة الإستعمار؟ وكيفية تصحيح آثاره؟ وبعض التنقيح اللازم لتكريب تلك التصحيحات. مبيناً علامات القراءة النمطية بداية بالمنظار الواحد وطبيعة حركة القراءة من "التاريخ" الخام إلى "التنظير" أو من "النظريات" البرجوازية إلى ما تصوره أو تتصوره إنه "التاريخ" مروراً بما تتصوره أو تصوره نخبة كل إتجاه إنه يمثل "الثقافة".

نبهت بعض إشارات هذا النص إلى إن المسؤول الأول عن كل هذه التناقضات هو الكيان والأسلوب الذهني المسمى "العقل" الذي بحكم تواريخه وثقافاته أو نظرياته النخبوية ولد وزاد الاتجاه المفرد في المجتمعات عبر سبعة مراحل تاريخية ثقافية تشمل:
(1) مرحلة الخروج من حالة "الوحشية" وبداية تسمية الأشياء،
(2) مرحلة "العشيرة" وتحديد ذاتها/مواردها،
(3) مرحلة خروج العشائر القديمة من ضراوة ومحسوبيات وحروب وجودها، بتحالفها وتجمعها،
(4) مرحلة تأسيس حالة كبرى من "التدين" و"الدولة" وإحتكار الكهنة/المثقفين للمعرفة ومقاليد السلطة،
(5) مرحلة "العقلانية" وبعض الناسوت إزاء بعض اللاهوت، مع رؤى وأداليج "الفردية" في المجتمع والتجارة والمنفعة المالية كبيان لحالة للحكم، مع حروب إقطاع وممالك،
(6) مرحلة "الاستعمار" وذبول طبيعة العقلانية الأوروستقراطية وجمع عقلها الامتلاكي بين الأنانيات الشخصية والعشائرية والطائفية والتسلط العسكري والعنف والحساب المالي الأناني الفردي للمنافع،
(7) مرحلة زيادة تنظيم الأفكار والشؤون العامة والمعرفة العلمية المكتسبة غرباً من "الشرق" سواء التي قبسها اليونان من النوبة (جنوب مصر) أو من فارس أو قبسها الرهبان والمثقفين الخواجات من الشام أو من الأندلس أو من الهند والصين.

يؤكد التأثيل إن تغير كل مرحلة ثقافية اجتماعية يؤسس تغيراً في الإجابات المألوفة عند الناس عن الأسئلة النمطية كإجاباتهم على السؤآل عن "تاريخهم"؟ "ديانتهم وتقاليدهم" "هويتهم"؟ أو إجاباتهم على أي أسئلة عن علامات "ثقافة" مجتمعهم، كذلك مع تغير المرحلة الثقافية تتغير بعض أسئلة وأجوبة مجال "النظرية" عن العقيدة الحق؟ أو "النظرية" الصحيحة؟ فمع تغير الأساس يتغير البناء وتصير الإحالات مرتبطة بمنطق السياسة أكثر من منطق التصور المألوف المسمى "الحقيقة".

خذ تغير تصور "التاريخ" في فترة واحدة في نصين متشابهين يبتدئآن من الماضي وكلاهما يمر بـ"ثقافة الاسلام" ليصل إلى نظرية معينة: أحدهما يبدأ من حروب داحس والغبراء ومظالم سادة قريش منتهياً عبر (فتوح) الإسلام إلى جماليات بغداد، قرطبة أو القاهرة في نتيجة تعزز الثيوقراطية عند القارئي محب السلام والعمران، بينما تحقق بداية النص الآخر نتيجة ضد الثيوقراطية حال بداية قراءتها من عمران الحضارات القديمة في وادي الفرات ووادي النيل وإنتهاءها إلى حروب ومذابح الخلفاء وداعش.

نفس النتيجة المختلفة يحققها الإنتقاء المختلف للبداية التاريخية ولبعض معالم الثقافة وللنظرية في كل نصوص الكلام عن مذابح/حضارة روما أو مذابح/إيمان الإقطاع أو مذابح/ثروة الرأسمالية، أو تلك النصوص عن عنف أو عدالة الإشتراكية ضد المستغلين. ففي كل واحدة من هذه الحالات تحدد سياسة النص أو الكلام طبيعة "التأريخ" وطبيعة الإنتقاء منه ومن "الثقافة" ومن "النظريات"، وتصل تحت رايات الموضوعية والعلمية إلى تغليب عددي أو نوعي لبعض الحقائق على حقائق أخرى بشكل يؤثر على كثيراً على طبيعة الموضوع والنوع السياسي لنسبيته وعلميته.



بداية النمطية إنتقاء:

1- "العلمية" كديانة:
في خضم التراكم البرجوازي بدأت عمليات مكافحة تقديس الإقطاع رافعة رايات "الحرية" "الإخاء" "المساواة" وشيء نظري مبهم جداً آنذاك يسمى "العلم"، تشبه رنة معناه رنة معنى "الرب" في الدين، ومن أو مع ذلك التنظير بدأ رواد التنوير والتأسيس الليبرالي يحددون بشكل نظري (حقيقة) كل الكائنات أو الكيانات الذهنية فشملت تحديداتهم الموسوعية التي بينتها أطوار الموسوعات الإصطلاحات المتعلقة بـ:

الأفكار الصحيحة! اللغة الفصيحة! الحقيقة! العقل! التعاملات والتقاليد الحسنة! التعاملات والتقاليد المهدرة للكرامة! ماهي الكرامة! ما هو الإنسان! ما هو المجتمع! ما هو الحق! والحقوق! والدين! إلخ حيث نفذ الحكم الجديد الليبرالي التملك والبرجوازي الطبقة نفوذاَ كبيراً عبر إنتقاء جزئيات "الثقافة" وربطها بقيم حكمه ومصالح طبقته السيدة إلى أقطار تحديد ما هو "التاريخ"! (الحقيقي) بل تحديد كل معالم تاريخ مجتمعاتهم الإثني والأدبي والفكري والسياسي في سياق معين! يصطفون منه بعض الأجزاء ويتركون أخرى.

جعل أرباب التفكير العلمي الجديد خبرتهم عياراً على الحقيقة، ولضبط أمور هذه السيطرة أسسها الفكرية وأشكالها في الدراسات والنصوص وتقييماتها إخترعوا علم ضبط الأفكار المعروف بإسم "الآيديولوجيا" الذي تحول بعضه من تحقيق في تناسق النصوص مع الفلسفة إلى فقه يحكم على أي فكرة.

2- فوضى تنصيب العقل:
لم يكن الإنتقال من الإقطاع إلى الليبرالية بالسلاسة التي يصورها التأريخ البرجوازي التأسيس بل كان الظرف المؤسس للوجود الجديد لـ"العقل" كإمام لـ"الحداثة" ظرف إضطراب وفوضي في المجالين الطبقي والثقافي تحتضر فيه المعالم القديمة وتولد فيه أمور جديدة، كانت غالبيته من شقين:

(أ) الشق الأول :
شق طبقي قوامه نشاط غير منسق من جمعيات الكادحين والنخبة البرجوازية ضد النظام الإقطاعي المتمركز في قراه خارج المدن والمأزوم بنزاعات وحروب الطوائف والوراثة وبأزمات فيض أو نقص السكان بالأوبئة أو بالهروب من الريف وأزماته إلى المدن.

(ب) الشق الثاني:
شق ثقافي واشج حاجة الزراع والعمال الكادحين شبه المستعبدين إلى "الحرية" والإنعتاق من الحالة المعيشية المزرية والإستغلال الذي يعانون منه وواشج حلمهم بـ"الحرية" طموح بشري إلى تملك إنتاجهم والسيطرة على حياتهم وموارد معيشتهم.



3- تناقض "نظرية" الحرية حسب إختلاف "تاريخ" و"ثقافة" كل طبقة:

في إضطرام غرب أوروبا كانت لنخب البرجواز في المدن مصلحة كبرى في ضبط الحكم وانفاقه والحد من ضرائب الملوك والكنيسة والإقطاعيين على أعمالهم الحرفية والتجارية، وأيضاً كانت لنخب البرجواز أطماع تجارية حرفية ومالية في التوسع وزيادة الأعمال والأرباح بسيطرة سموها (حرية) وكانت طبيعتها مضادة لحرية الإقطاعيين والطائفية في السيطرة على ملكيتهم المقدسة، لكن في نفس الآن كانت أطماع نفس البرجواز وأحلامهم التجارية والرأسمالية نقيضة في كينونة حريتها الإقتصادية لطموحات المزارعين والعمال في الحرية من سيطرة الملاك والتجار والمرابين على معيشتهم.

(أ) من بدايات تنظير الحرية:
مع تطور المعرفة والطباعة وتكاثر المظالم والخلافات الإقطاعية وتزايد قسوة الضرائب والديون والعقوبات، بدأت في الإكتمال فكرة إنهاء الوضع الإقطاعي، بداية بآمال وأحلام أن يعيش الناس في "إخاء" و"مساواة" تامة في "الكرامة"/"الحقوق" طالما انهم جميعاً ذوي خصائص بشرية واحدة يفكرون ويشعرون ويحتاجون إلى نفس مقومات الحياة.

(ب) أفول تنظيرات الحرية وإنكشاف إستغلالها ضد الكادحين (غالبية المجتمع):
: واقع التنظيم السياسي السابق واللاحق لهذه الأحلام لم يكن بمثل عدالة طلبها فكثير من البرجواز كانوا يظنون إن السيطرة المالية مسألة طبيعية عكس رؤيتهم ضد سيطرة الملوك والإقطاعيين.

إزاء حدوث ذلك التناقض لم يأبه البرجواز كثيراً لحاجات ومطالب الكادحين الذين كانوا وقوداً للثورات البرجوازية القيادة. ففي عصر ذلك الغضب على نظام الإقطاع لم يحدد البرجواز والكادحين في حلمهم بـ"الحرية" من ملامح "الإخاء" و"المساواة" سوى بدايتها بضرورة كسر جبروت الملوك والإقطاعيين والكهنوت الموالي أو المنافق له.

(ج) الإختلافات التاريخية:
على خلاف أسلوب التاريخ الحاضر في قراءة تاريخ الفترة الثورية في غرب أوروبا وتضخيمه دور الأفكار الحديثة وتبجيل دورمن جمعوا مفرداتها من صراعات المتفلسفين واللاهوتيين ونقحوها ورتبوها وصقلوها كان غالبية تلك الفترة مجرد حوادث وآلام متفرقة وردود أفعال عليها إما في شكل قمع يمارسه أهل السيطرة أو في شكل مطالب أو إنتفاضات أو مقولات مبعثرة تنضج بها أو تثتثيرها الآلام أو الآمال والأحلام الناتجة من بؤس معيشة البرجواز والكادحين في نظام الملوك والإقطاعيين والكهنوت.

كل هذا التطور لم يأتي مواشجاً لوجود "نظرية" أو نظريات ثورية إجتماعية كما يقرأ التاريخ الحاضر تاريخ تلك الفترة، بل تشكلت نظريات "المجتمع" و"الثورة" وإحتفاءها بإصطلاحات "الحرية"، "الإخاء"، "المساواة"/ "الحقوق"، و"العقد الإجتماعي" "الوطن"، "الجمهورية" إلخ في فترة لاحقة لتكون هذه لأفكار الحقانية المبعثرة التي كانت آنذاك وليدة. أي إن "النظرية" السياسية والإجتماعية الحاضرة التي نقرأها كتاريخ عن ثورات غرب أوروبا أو "التأريخ" الحاضر المقروء كسجل لتبلور نظريات تلك الثورات البرجوازية القيادة تكون بعد بداية الأفكار الجديدة وتسلط البرجواز وليس ضد تسلطهم.


4- التنوع كترياق للواحدية:
من تنوع التوافق والتباين في هذه الحوادث وفي قراءاتها عبر إختلافات الزمان والمكان والخبرة والموقع الطبقي والثقافي للقارئي وطبيعة إتجاه القراءة ننتبه أكثر إلى النسبية الطبقية والسياسية لما يسمى أو يواشج في القراءات المختلفة بعض الإصطلاحات أو النصوص المرتبطة بكلمات "نظرية"، "ثقافة"، "تاريخ" وإتجاه ونوع قراءاتها من اليمين إلى اليسار أو من اليسار إلى اليمين بالمعنيين: المعنى النمطي لبداية القراءة من يمين الصفحة والسطر إلى يسارهما أو العكس، وبالمعنى السياسي لإصطلاح يسار ويمين.

الإنتباه لتنوع وطبقية القراءات لا يعني إلغاء القراءات القديمة بل إكمالها وإضافة المنظار الذي ينقصها فمن المهم قراءة التاريخ بمنظار أو نظرية ومن المهم قراءة النظرية بكم منظار تاريخي وكذلك قراءات الثقافة بكم منظار تاريخي ونظري ، وقراءتهم كلهم جمعة أو مفردات بمنظار الطبقة الكادحة المهمش في دوائر المعرفة البرجوازية البريوقاطيا وفي الهيئات البيروقراطية البرجوازية القيم والتعليم.


5- الإنتقاء النخبوي كتضليل:
من الحقائق الواقعية إن تحقيق آمال الكادحين في حياة كريمة حرة من الاستغلال، كان ولم يزل أمراً يحتاج إلى إحداث تغييرات سياسية إجتماعية وسياسية كبيرة من علاماتها أو شعاراتها "الحرية والإخاء والمساواة" والتي من ضرورة تحقيقها وتعميمها تشكلت الفلسفة السياسية والقانونية للحقوق الاجتماعية المعاصرة لكن بنفس النسق النخبوي الذي تحققت به هذه العلامات في زمانها ثم في كل نظم القهر والإنفراد الطبقي الحاضرة المضادة لكثير من التصورات والسياسات والآيديولوجيات العقلانية.
كان ولم يزل السلاح التاريخي والثقافي النظري العقلاني البرجوازي الفعال ضد نظريات وثقافات وتواريخ عقلانية مطالب الكادحين إما تبخيسها أو إغتيالها: تبخيسها بتعييبها بأصلها أو تاريخها غير الأكاديمي أو غير الأكاديمي المعاصر أو غير المعتمد الشكل في مراكز المعرفة البرجوازية في غرب أوروبا ! أو تغتالها بنفي وجودها بإسم "الحياد العلمي" أو "البعد عن التحزيب" أو "البعد عن التسيس" مستنكرة عليها كأفكار وآيديولوجيات رفض تقديس الإستغلال الطبقي الداخلي أو مقاومتها الإمبريالية.


بناء التأثيل ضد العقل الطبقي المجتمع والمعرفة.

دعماً لتحقيق حرية المجتمع من أسس القمع الطبقي والثقافي تأسس "التأثيل" على رفض التحديد والتقييد والتوجيه الأحادي الليبرالي في القرآءة سواء كان هذا التعيين أو التقييد ذو "أقنعة بيضاء" أو حضر بأقنعة سوداء. في شبه لقراءة وولتر رودني لفرانز فانون، وقراءة كريس هاني لمقدمات البؤس في أسلوب نيلسون مانديلا ، ونحو ذلك كما قراءة كارل ماركس لتراث آدم سميث وتوابعه من تقدميي ذلك الزمان أو قراءة مهدي عامل لإدوارد سعيد، وحتى قراءة ميشيل فوكو وجاكوب دريدا لفلسفة ديكارت .

يتحقق جزء من دعم التأثيل لحرية المجتمعات من الليبرالية بمسآئلة التناقض الأساس والرئيس في مجال سد الرمق بين توزيع موارد وجهود الإنتاج وأنانية إمتلاك جزء مهم من أرباحه ! مع مسائلة ثقافة الأوضاع الطبقية المؤسسة للعنصرية والأوضاع العنصرية المؤسسة للقهر الطبقي والاستعماري داخل غالبية مجتمعات العالم وفي النظام الدولي.



الخلاصة:
أهمية تنوع وتداخل خطوط قراءة الوضع الطبقي والوضع الثقافي (أو الثقافي أولاً فالطبقي) وشمولها إتجاهي النظر من "التأريخ" إلى "النظرية" ومن "النظرية" إلى "التاريخ" مروراً بتأثراتهما وإنتقاءاتهما الثقافية سواء كتواريخ ماضية أو كتواريخ حاضرة معاصرة، فالقراءة بمنظار واحد من موقع واحد وباتجاه نظر واحد لا تقود إلى معرفة نسبية متكاملة.

=====================================


فكة وبواقي:

هذا مجرد تبشير بنص قادم محوره بعض تناقضات دولة النخب الاستعمارية وبعض دراساتها، والقادم نص بسيط مجرد اشارات وإحالات مركزة إلى كثير من البحوث الموضحة طبيعة بعض الصراعات في مجال دراسات ما بعد الاستعمار وهي صراعات مهمة يجب الإهتمام بفحصها وتمحيصها.

يزامن هذا النص وما يليه ظاهرة إنفجار كل النخب الإنفرادية بنقاش الأزمات الإجتماعية العامة وصخبها بآراء أفراد، بدلاً لآراء هيئات بشكل يبدو كـ"مونولوجات اجتماعية"، مسرح فرد عن قضايا مجتمع! لكن هيمنة النخبوية الفردية في وسائط التواصل أقرب إلى "مجتمع المونولوجات".


مجتمع المنولوجات هذا هو جزء معرفي أو كلامي من مجتمع النخب التي ليس لديها وقت لقراءة كثير من التنظيرات الطويلة حول موضوع تحسبه بسيطاً.

زعماء النخب ليس لديهم وقت لقراءة أو معرفة خطية أو شبكية متكاملة بل يتعاملون مع بعض الأراء والمعلومات والقيم الظاهرة أو الكامنة في مجالات أو في موضوعات "التأريخ" و"الثقافة" و"التنظير" ببراجماتية تركز على وجود عرض سريع لخيارين أو ثلاثة أيا كان إتجاه حركة قراءتها سواء من "تأريخ" معين إلى "تنظير" ما، أو كانت حركة القراءة المنتجة للعرض متحركة من "نظرية"/نظريات معينة إلى قراءة "تأريخ" معين، مروراً في الحالتين بإنتقاءات من موضوعات "الثقافة".

المعرفة الشائعة منذ آلاف السنين قبل وبعد بداية التعليم النخبوي هي معرفة إلتقاط وتناولات إنتقائية واحدة من هذه وأخرى من تلك. تواصل النخب هذا الأسلوب القديم وفق ظروف عامة أو مناسبات عارضة وبحصيلة كل نخبوي من هذا الالتقاط وهذه الانتقاءات يمارس أنشطته السياسية بشكل يوافق محصوله ومصالحه مقدماً إياها كمسلمات وأحياناً كبديهيات، أو كنتائج حسابات منطقية رغم الإختلافات حول أولية أو موضوعية تكوين أو بنية عناصرها وعلاقاتها وتصوراتها وحتى أساليب عرضها وتقديمها!

تكاثر المنولوجات وإرتفاع صوتها على صوت الهيئات واللجان القاعدية ظاهرة نخبوية تفرز الأمور وفق مصلحة كل متكلم وليس وفق مصلحة الطبقة الأساس في الإنتاج، ولا وفق قراءة أو معرفة متكاملة، كما إنها ليست قراءة اكاديمية نمطية تعرض بعض الجوانب المهمة في موضوع معين وفق أيديولوجيا خفية أو ظاهرة، بل يقدم المنولوج النخبوي كشكولاً منتقى من ميثولوجيات وآيديولوجيات ونظريات وثقافات وتواريخ يراها تناسب فكرته السياسية أكثر من فكرة التغيير الطبقي/الثقافي العميق.

بالتناول الفوقي والجزئي ذو القراءة الوحيدة المنظار والموضوع والمتحركة في إتجاه واحد فقط غالبيته إنتقاءات واحدية سكونية لا تفاعلية تضعف بعض مقومات ثقافة التغيير الجذري في المجتمع وتنحسر ضرورة الفحص المتكامل والحساب الاجتماعي للإتجاهات الإقتصادية والحساب الإقتصادي للمسائل الإجتماعية وطبيعة جدلهم الثقافي ومن ثم تنخفض معرفة وإتجاهات التغيير الإجتماعي السياسي المتكامل وهي كحالة انخفاض وإنحسار مواشجة لطبيعة تركيز القراءة النخبوية على جزئيات وتفاصيل المنولوج/النص وطبيعة تحكم القارئي/الكاتب فيه أكثر من قيامها كقراءة نخبوية ببيان طبيعة جدله مع الأوضاع والنصوص الطبقية المضادة له، ومن ثم يغرق النص النخبوي الواحدي وقراءه وقراءاته في أسلوب يتراوح بين السرد البارد أو الإنكار والتبرير أو الاتهام أو الإنتقاد الجزئي المحدود أو التجريب وكلها أمور تفاقم إضطراب النظر وجدل التقييمات أكثر من كونها تحقق معرفة متناسقة متكاملة.



#المنصور_جعفر (هاشتاغ)       Al-mansour_Jaafar#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إستعادة الماضي الجميل لا تبني المستقبل
- بعض السلبيات في مشروع الميثاق
- بداية تأثيل ضد سمات نهاية الفهم
- السودان وأوكرانيا دول ميليشية
- السودان .. أوكرانيا
- نهايات القديم وبداية الجديد
- وادي النيل
- الأمن الجديد
- ضد التنخب
- من متاهة الأزمات إلى المخرج
- ملامح المستقبل
- مبادرة ال18
- نخبنة الشعبوية
- تأثيل بعض الإصطلاحات
- الإغتصاب
- تجاوز النخبوية والشعبوية
- علي صالح كرار النور
- الليبرالية تنتج اللاجئين وترفضهم
- بعض تصنيفات المهاجرين والخواجات
- عمل الحُكم


المزيد.....




- عدد سكان روسيا تقلص بمقدار 555 ألف نسمة خلال عام
- دبلوماسي روسي يحذر من تداعيات -دبلوماسية التسلح-
- شاهد.. راجمات الصواريخ الروسية تدمر معدات عسكرية أجنبية مقدم ...
- أسرة بريطاني معتقل في المغرب قلقة على حالته الصحية
- حكومة نتنياهو تحرض الإسرائيليين على حمل السلاح.. فهل هذا ردّ ...
- هجوم صاروخي يستهدف قاعدة تركية في شمال العراق
- انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي لا يزال بعيداً لكن الحر ...
- تقرير: معركة خلافة عباس قد تؤدي لانهيار السلطة الفلسطينية
- الكرملين: غايتنا الأولى تحقيق أهداف العملية العسكرية ولا نخط ...
- 4 دول أروبية تغلق قنصلياتها في إسطنبول


المزيد.....

- وجهات نظر في نظريات علم الاجتماع المعاصر (دراسة تحليلية - نق ... / حسام الدين فياض
- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - المنصور جعفر - هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟