أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - قراءة نقدية-متعجّلة- لقصيدة (نزرع الأشجار صباحا ) للشاعر التونسي القدير جلال باباي















المزيد.....

قراءة نقدية-متعجّلة- لقصيدة (نزرع الأشجار صباحا ) للشاعر التونسي القدير جلال باباي


محمد المحسن
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 7312 - 2022 / 7 / 17 - 11:54
المحور: الادب والفن
    


قد لا أجاب الصواب إذا قلت إن الفكرة لدى كاتب الشعر لا توجه لغة الخارج، فالشاعر نفسه شبيه بلغة جديدة تبني نفسها،وتبتكر لِنفسها وسائل تعبيرية وتتنوع حسب معناها الخاص.
هنا ما نسمّيه شعراً ليس سوى فرع من الادب الذي تتأكد فيه الاستقلالية في أبهى صورها. فالكثير من المتذوقين للشعر الحديث لا يعتبرون القصيدة شعراً ما لم يكن بها أنين وحكمة أو استغاثة،لذلك واحد من أصعب الأمور في كتابة الشعر هو أن يعرف المرء ما هو موضوعه..؟ إن جلّ الناس يعرفون ولا يكتبون الشعر لأنهم واعون جداً للفكرة..وبعبارة أخرى أكثر تحديداً وسيولة، إن القصيدة هي التي تخبر الشاعر بم يفكر وليس العكس !
يسعى الشاعر التونسي القدير جلال باباي في جل قصائده إلى لغةٍ شفافة تعتمد على الوضوح والواقعيَّة؛ فهي لغة تكاد تكون خاصة بالشاعر، لغة تنطلق من الواقع ومن وعي الشاعر بأدواته الفنيَّة،فالنظر في التجربة الشعوريَّة وفَهم الحالة الذهنية لقصيدةٍ ما يتطلَّب القدرة على الانغماس في العالم النفسي للشاعر واستحضار حالته النفسية من خلال كتابته لهذه القصيدة، وفَهمُ الحالة الذهنية تَعني القدرة على استعادة الجوِّ الشعوري ومُعايَشتِه من جديد، ولا يتم ذلك إلا إذا استطاع الناقد أن يُمعِن النظر في الظروف والوقائع التي أدَّت إلى ولادة القصيدة، وبدون ذلك قد تُنزع القصيدة عن سياقها النفسيِّ وتَبقى تراكمًا لغويًّا وشكلاً دون معنى،وتفقد الحسَّ الشعري؛ ففي القصيدة التالية المهداة إلى الشاعرة التونسية الفذة فاطمة بن فضيلة (تمر خلال هذه الأيام بوعكة صحية حادة نرجو من الله أن يشفيها ويمدّها بالصحّة والعافية )
يقول الشاعر بلغة واضحة مؤثرة:

نزرع الأشجار صباحا

إلى فاطمة بن فضيلة شفاها الله
تصدير:
"لا شمس في الحديقة/سوى الشجرة
وجوقة أوراقها /لا حركة في الحديقة /سوى إيماءات الريح الخفيفة /في اكتمال النور لا كلمات
في الحديقة /سوى همسة من الورق/صدقة الأوراق /للأرض الفقيرة."
الشاعرة البلجيكية:ماري كلير أوربي( 1920-1990 )
،
في بداية العام
قلت للغريب: سنسافر طويلا ،
حتى أقرب نجم ،
نرى مسبقا المدينة البيضاء ،
تخترق الظهيرة المستديرة
طوينا يناير
لم تعد المدينة هناك
كانت خيوط العنكبوت تتماوج
لم يبق لنا عندئذ مساحة ماء
كي نُعَمِّر العالم من جديد
بقصب السكر
وتصبح ضفاف النهر أكثر اخضرارا ،
حيث يزرع الناس الأشجار صباحا
ويغرقون في ظلالها مساء
سأَعيد لفاطمة ممتلكاتها
مرٌت على جسدي العليل
أربع سنوات ، لم يوقظني ذئبها
تلك الليلة
قد جفٌ صدر مقلتي
من شدو النحيب
احتلٌ الدخيل مدينة الأشجار ،
ها أني أسمع صدى قلبها ،
و أحمل القرابين لمعبدها
كي اخمد وجعها ،
ماذا أقول لكاهنة القصائد؟
هذه المرة الأخيرة
سوى أنٌ الصيف قد ضربني بشدٌة
أنا ظلال الشجرة الزرقاء،
أمرٌر الحبر الحارق
على أصابعي رغم الكدمات
ماذا أقول لفاطمة؟
و قد مرت أربع سنوات
على يسراي الباردة
أخلص مثل الأعمى
إلى شجرة القمر الباقية
أتسكع تحتها
أصبحت الآن
غابة مكسوٌة بالثلج
كل شيء حدث بمحض الصدفة!
لحسن حظ الروح ليست مرئية
إلاْ الكدمات
بقيت فوق صدرها
علامات سوداء

جلال باباي
جويلية 2022

الشعر في نظر شاعرنا السامق (جلال باباي) تخليد وتركيز لا استرجاع،ومن هذا التخليد والتركيز تنبع الخصائص العديدة والفروع المتصلة في -زمكانية-نضوجه كانسان بخبرات متشعبة هي موضوعة ثيمة نصوصه الملتحمة،والتي تنم عن التحام الشعور باللاشعور ومزجهما بالوجدان الصادق المعبر عن حسه الانساني بفكرٍ عميق.علما أن الشعر نفسه يكفل أن يصبح لغة "انسانية" تماماً بصرف النظر عما اذا كان الشاعر يحاول أن يعكس داخلهُ الى خارجهِ،وهذا النوع من الشعر قد وصف بأنه شعر "مجرد" و"ملموس" على حد سواء..
القصيدة بها ايجاز بلغة الشعر،فتوحي للمتذوق بالمشاعر المثالية،فيلمس مباشرة الحقيقة؛ والغاية من القصيدة،لا عن تعبير العاطفة فحسب،بل بواسطة أهم الصفات الاساسية التي تعد قوام العمل أسلوبه الشعري،التصور والخيال والانفعال والتعاطف وقوة الاحساس والقدرة على نقل الاحساس.والشعر الجيد له القدرة على تشكيل النفوس وتدعيمها بإدخال البهجة عليها أكثر من أي شيء آخر وهذا هو الشعر الجيد الذي ننشده،يجمع بتفاصيلهِ بين البساطة والعظمة..
ختاما أقول : اللغة هي الوسيلة الأولى لعملية التواصل مع الآخرين، غير أنها تتعدَّى وظيفتها الاجتماعية المحدودةَ هذه، فتشكِّل الأساس في عملية بناء القصيدة؛ إذ تمثِّل الطريق الموصلة بين المبدع والمتلقِّي، فتؤدي بذلك وظيفةً أخرى، تتمثَّل في إيجاد روابطَ انفعالية بينهما، فتتَجاوز بذلك لغة التقرير إلى لغة التعبير،وتسعى للكشف عن العواطف والأحاسيس، والانفعالات الكامنة في قلب الشاعر،ومحاولة إيصالها في نفس المتلقي.
في قصيدة جلال باباي (نزرع الأشجار صباحا) يتجلى لنا الإبداع في موسيقى الشعر,وإرتباط أنغام القصيدة ببعضها البعض الى اخر القفلة نشعر وكأن جوهر الحرف أو الكلمة أو تشكيل الصورة هو نغم بحد ذاته يرتبط بالصورة الأخرى المكملة للكلام فتسمع رنيناً خاصاً وإيقاعاً جميلاً وتفاعلاً يطرب الروح..قصيدة فيها معانٍ معطرة..
وأنا أتابع وأقرأ جمال القصائد باحثاً منقبا ًأحاول أن أفهم،أفسر وأحلل تلك الصور الجمالية والعبارات القصدية باستخلاص خصائص جميلة جديدة فنية عند شاعرنا،جلال-حتى جعلني أعيش القلق وأنا أقوم بعملية إستكشاف ومتابعة دقيقة لخبايا النصوص في متن القصيدة وفضاءاتها،أبحث أيضا عن الذائقة الفنية الجمالية،أي العلاقة بين القصيدة ومحتواها وبيني أنا القارئ الناقد ،وما هو تأثيرها علي ّ!
شخصية شاعرية فذة تعتمد الإبداع في التعامل مع اللامرئي وتفعِّله بكل أبجديات الحياة ..شخصية تعيش في فضاءات المحبة والعشق الدائم الذي لايتوقف لحظة في هذا الزمن الذي نثر غباره الكثيف على نوافذ الحياة..
نراه يهدم عوالم قد الفناها سابقاً في ذاكرتنا وفي حواسنا،ومن ثم يعيد بناءها من جديد..
يختار جلال باباي من اللغة وإيحاءاتها،ويولِّد منها ما قدر على التوليد،لا ليأتي بمعانٍ يجهلها الناس تمامًا،ولكن ليصور صفوةَ معارفهم من زوايا متفردةٍ تدهشهم وتعيش إحساسات جماليةً لا تنتهي،وحجارة هذا البناء الموضوعيِّ الألفاظ، إلا أن الألفاظ في الشعر تومئ إلى ما وراء المعاني، فتُضيف إليها أبعادًا جديدة، وبذاك تتجدد وتحيا،وبغير ذلك تذبل وتموت؛إذ نجد ألفاظه تقدِّم صورة إنسانية وفنية بغرَض إماطة اللِّثام عن هذه الألفاظ..
أنا على يقين ان جلال باباي حقق ذاتاً شعرية خاصة به،وان ما يميزه اعتماده على الالفاظ بقدر صراعها لتجاوز هذه الالفاظ واعتمادها علاقة باندماجه كشاعر وكاتب وأيضا ناقد .
وبعد هذه القراءة اترك المتذوق للشعر مع هذه القصيدة وقد توخيت ان اقدم-في مقاربات سابقة-أكثر القصائد وعلاقتها بجلال واقربها الى روحه.
ينبغي الالتفات الى طاقة الشاعر التونسي الكبير جلال باباي الشعرية والاحتفاء به انسانا وشاعرا وكاتبا من طراز رفيع.
لك مني باقة من التحايا تعبق بعطر المحبة والإعجاب..يا جلال..يا باباي.
وأتمنى أن أكون قد طرقت بعضاً من ملامح الجمال بين ربوع قصيدتك الخلابة



#محمد_المحسن (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جماليات الإنزياح اللغوي في قصيدة الشاعر التونسي د.طاهر مشي - ...
- ..حتى لا تكون أشعارنا راشحة بالمرارة،طافحة بالحزن ومتخَمة با ...
- اشراقات الإبداع..وتجليات المبنى الحكائي في القصة القصيرة جدا ...
- عمق الألم..وصدق الإحساس في قصيدة -وَداعاً مُطفّرَ النّوّاب- ...
- معالم الرؤيا الجمالية في قصيدة -دعيني أحبّك..بملء الفم والرو ...
- الشاعر التونسي القدير كمال العرفاوي : - قصيدة النثر التّجديد ...
- د-الطاهر مشي-الشاعر التونسي : - الشِّعرُ يحاولُ المرورَ بينَ ...
- عين على الحقيقة : حين -يصرخ- تابوت شيرين في وجوه جنود الإحتل ...
- حين ينتفض-الجرح الفلسطيني-على حالة الإستنفاع السياسي والإجتم ...
- هل أن الآوان لتخليص الخطاب الإعلامي العربي من قيود الترهّل،و ...
- اشراقات المشاعر الوطنية في قصيدة -تبّت يد الغدر-..للشاعرة ال ...
- ها أنا شارد..في تفاصيل الغياب-..قصيدة مثيرة للتأمل بقلم الشا ...
- قراءة قي قصيدة -شيرينُ..يمامة توارت خلف الغيوم..- للشاعر الت ...
- حين يقيم الشاعر التونسي الفذ د-طاهر مشي على تخوم الردهة المض ...
- البعد الفني والإبداعي في قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر ...
- قراءة في -تمظهرات-الدلالة داخل المتن الأدبي في قصة “رحلة نحو ...
- تجليات الصور البيانية والأجراس الموسيقية..في قصيدة الشاعر ال ...
- حوار مع الشاعرة التونسية المتميزة فائزة بنمسعود
- هي ذي المبدعة التونسية فائزة بنمسعود..كما أراها (قصيدتها الر ...
- إشراقات القصيدة..ولمعانها في الأفق الشعري لدى الشاعرة التونس ...


المزيد.....




- الجامعة العربية تشهد انطلاق مؤتمر الثقافة الإعلامية والمعلوم ...
- مسلسل طائر الرفراف الحلقة 67 مترجمة على موقع قصة عشق.. تردد ...
- شاهد.. تشكيك في -إسرائيل- بالرواية الرسمية حول الرد الإيراني ...
- افتتاح مهرجان -موسكو - السينمائي الدولي الـ46
- أفاعي إلياس أبو شبكة وأزهار بودلير
- الزبدية
- بينَ ليلٍ وصباحٍ
- خبراء: مقابر غزة الجماعية ترجمة لحرب إبادة وسياسة رسمية إسرا ...
- نقابة المهن التمثيلية المصرية تمنع الإعلام من تغطية عزاء الر ...
- مصر.. فنان روسي يطلب تعويضا ضخما من شركة بيبسي بسبب سرقة لوح ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - قراءة نقدية-متعجّلة- لقصيدة (نزرع الأشجار صباحا ) للشاعر التونسي القدير جلال باباي