أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - جماليات الإنزياح اللغوي في قصيدة الشاعر التونسي د.طاهر مشي -من سوانا-















المزيد.....

جماليات الإنزياح اللغوي في قصيدة الشاعر التونسي د.طاهر مشي -من سوانا-


محمد المحسن
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 7271 - 2022 / 6 / 6 - 11:56
المحور: الادب والفن
    


إن الانزياح تقنية فنية تثير القارئ إذا أدت دوراً جمالياً في النسق الشعري،وهي تلاعب فني جمالي باللغة،لأن اللغة الشعرية-بالأساس-إحساس ووعي مقصود لذاته،إنها تفرض نفسها باعتبارها أداة فوق الرسالة التي تتضمنها وأعلى منها،وتعلن نفسها بشكل سافر،كما أنها تشدد بانتظام على صفاتها اللغوية،ومن ثم فلا تصبح الألفاظ مجرد وسائل لنقل الأفكار،بل أشياء مطلوبة لذواتها وكيانات مادية مستقلة بنفسها،وعلى هذا تتحول الكلمات من دوال إلى مدلولات..-(1)
وبهذا المعنى يمكن أن نعد الانزياح لعبة لغوية جمالية يقوم بها الشاعر لخلق اللذة والمتعة الجمالية في قصائده.
ومن يطلع على قصائد الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي يدرك أن الانزياح خصيصة جمالية من أبرز الخواص التي ارتكزت عليها قصائده على المستوى الجمالي،فالقيمة الجمالية لأي منتج فني تكمن في الشكل اللغوي المفاجئ الذي يكسر رتم السياق الشعري.
ولعل من أبرز الأشكال التي أثارتها القصائد العذبة للشاعر التونسي د- طاهر مشي على مستوى الانزياح الشعري ما يمكن تسميته بالانزياح اللغوي :
ونقصد ب (الانزياح اللغوي) القيمة الجمالية للنسق الشعري باحتكاكه بالأنساق الشعرية الأخرى،لدرجة يمكن أن نعد الانزياح اللغوي قلقلة جمالية في النسق ترمي لتحقيق قيمة جمالية تستثير القارئ باللذة والمتعة من جراء تركيب لغوي مفاجئ أو مغاير لصيرورة الأنساق الشعرية الأخرى..
ولهذا قال فاليري عبارته الشهيرة:" الشعر لغة داخل اللغة" أي نظام لغوي جديد يتأسس على أنقاض القديم،وبواسطته يتشكل نمط جديد من الدلالة،لأن الشعر ليس موقفاً مسبقاً،إنه الطريق الحتمي الذي ينبغي للشاعر عبوره إذا كان يرغب في جعل اللغة تقول مالا تقوله اللغة أبداً بشكل طبيعي"(2).
وهنا أقول : إن الانزياح اللغوي وفق-قراءتي-هو الذي يغري القارئ إلى تحثث مواطن الاستثارة والجمال في بعض الأنساق الشعرية التي ترتفع درجة الإزاحة فيها أعلى المراتب،ولهذا يمكن أن نميز تجربة شعرية عن أخرى بتفاوت درجة الحساسية الجمالية لتشمل الكثير من القيم والرؤى الجمالية،فقارئ قصائد طاهر مشي يدرك نفسه أمام غابات مكثفة من الانزياحات والانزلاقات اللغوية التي تثيرها قصائده على المستوى الجمالي،أي إن لقصائده رنة جمالية في انزياحها عن النمط السائد في النسق،وكأن القصيدة لعبة تشكيلية يرتادها القارئ بوعي فني وخصوبة مرجعية لايطالها إلا الشاعر المميز في أسلوبه وحسه الجمالي،وللتدليل على فاعلية الانزياح اللغوي نورد قوله:
قالت
انتظرني
انتهى فصل الخريف
من سوانا
يسقه الفصل شذانا
سأعود إليك
وأشواقي محملة على خدي
مرسومة شقت شفاهي
من الغياب..
من قحط السنين..
من السراب..
وهاهنا يحلق الشاعر في انزياحاته الفنية،إلى درجة قصوى من المباغتة،لأنها مبنية على إيقاع شاعري صادم الرؤى والدلالات والمؤشرات الشعرية؛ فالقارئ-هنا -يدرك أن اللعبة الشعرية لعبة انزياحية متأججة بالدلالات والرؤى المباغتة،ففي قوله:[ وشمس الحقيقة.
تكوي فؤادي/سأعود/وكم اشتقت الوداد/وتاهت/دفاتري بين الرفوف/فكم ما جادت يداي بين الثنايا/تواترت أخبارنا حين كنا/وكان اللقاء منتهانا]،نلحظ سمواً في رتمه الشعري في انزياحاته من خلال بكارة الانزياح،ودهشته،وقيمته الرومانسية اللاهبة التي يثيرها في النسق،ودليلنا أن القارئ هنا لا يمكن أن يتوقع لغة البوح العاطفي الرومانسي الشفيف الذي خلقته الصورة التالية : ( سأعود/وإن تجاوز العمر السنين/التي قضيت في هوانا/أنثر عطري/يخضب وجنتيك/أسقيك/عقيق صافيا/هذا منايا..)
وبتدقيقنا- في لغة الشعر عند الشاعر طاهر مشي- في قصيدته الموسومة-كما ذكرنا-ب(من سوانا) -نلحظ حياكة الشاعر الأسلوبية لتشكيلات لغوية جديدة،وقدرته على تفعيل الرؤيا الشعرية،بكثافة السرد الوصفي الشائق الذي يرصد جريان عاطفته المتسارعة،لبث كل ما يمور في داخله من عواطف و أحاسيس،وانفعالات،ورؤى جمالية،فهو يبني النص الشعري بناءً أسلوبياً مميزاً يعزف على إيقاع الجدليات،والمؤثرات الاغترابية من صور بانورامية محتدمة بألق الحالة الشعورية،ومدها الانفعالي الصاخب.
وهنا نشير إلى أن حنكة الشاعر طاهر مشي الإبداعية تتمثل في فاعلية الانزياح كقيمة تشكيلية بليغة تصيب مرماها الجمالي،لاسيما حين يوفق في التقاط الانزياحات الخلاقة التي ترفع وتيرة الشعرية في القصيدة،فالدلالة لا قيمة مرجعية خلاقة لها إن لم تتضمن أية قيمة فنية في ارتباطها في النسق الشعري،وهذا يعني أن بلاغة الانزياح ماثلة في التشكيل الشعري وقيمه المؤثرة في تخليق النسق البديع.
والملاحظ أن شعرية الانزياحات في الأنساق الشعرية التي تخطها القصيدة تتمحرق على الرؤية الغزلية ومثيراتها التي تقتنص الصور البليغة ومحفزاتها الخلاقة،كما في النسق التالي:
سأعود/سأهزمه الزمان/وحين نلتقي/ سيعيشه/الحلم سوانا
على سبيل الخاتمة :
الملاحظ-في شعرية د-طاهر مشي-قدرة نصوصه الشعرية على خلق مباغتتها التشكيلية حتى عبر السرد الوصفي التشكيلي السريع،مما يدل على كثافة المتغيرات الجمالية التي تشي بها القصيدة على المستوى الجمالي،من انتقال من الوصف إلى النداء إلى الأساليب الإنشائية والتكرار والمفارقة والدراما لتحريك الشعرية من العمق في قصائده.
وما ينبغي التأكيد عليه أن الشعرية- في قصائده-(أقصد قصائد الشاعر طاهر مشي بشكل عام) هي تنقلات استثارية تشكيلية إبداعية من متغير أسلوبي تشكيلي فاعل على مستوى المسندات التشكيلية إلى رؤى مباغتة تستفز الرؤى البسيطة،لتحرك الشعرية بإيقاع السرد الوصفي التشكيلي الشائق،وهو ما يجعل لغته حافلة بالمتغيرات الجمالية على المستوى الأسلوبي التشكيلي المراوغ،والانتهاكات اللغوية الصادمة بقيمها الانزياحية التي تفاجئ القارئ بهذا الاختراقات الأسلوبية الصادمة.
بالانتقال من نسق أسلوبي مميز إلى نسق أسلوبي أكثر استثارة وتحفيزاً.
وهذا يعني أن الشعرية في-جل قصائده التي اطلعت عليها-ليست مهادنة لغوية بأنساق تشكيلية معتادة ولغة مألوفة وواضحة في إسناداتها وبساطتها وتداولها السريع،وإنما هي مقارعة لغوية لأنساق جمالية يستثيرها على مستوى المجاورات الإسنادية الصادمة،ليرتقي بالرؤيا الجمالية للقصيدة،مؤكداً عمق الانزياحات على مستوى المتغيرات الأسلوبية في إنتاج الدلالات الجديدة،وتخليق أبعادها الإيحائية..
ختاما نقول :
إن غنى الشعرية أخيراً في قصائد الشاعر التونسي د-طاهر مشي،بشكل عام،و بخاصة في هذه القصيدة كان وراءه رؤية متوهجة إبداعياً بانزياحاتها الخلاقة على مستوى الصور والمشاهد الشعرية،وهذا ما يجعل شعرية قصائد"طاهر" تصب في خانة شعرية الرؤيا وتحويل العاطفة من عاطفة انفعالية صاخبة بحالاتها الدرامية إلى عاطفة هادئة تبث قلقلها بصور رومانسية انسيابية هادئة في بعض السياقات العاطفية الآسرة جمالياً على المستوى الرومانسي.
وصفوة القول :
إن الانزياح اللغوي كقيمة جمالية-في هذه القصيدة تحديدا ( من سوانا ) يستقي استثارته من بلاغته النصية،أي بلاغة التركيب المنزاح بإزاحته وخلخلته للنسق الشعري،
ولهذا تبدو صوره ملتهبة بدلالاتها ورؤاها الوجدانية التي تفيض بها،ومن أجل هذا يتعدى الانزياح السطح اللغوي ليتغلغل في عمق الدلالة ويسهم في إنتاجها.



الحواشي :

1-رمضان السيد، علاء الدين،1996-ظواهر فنية في لغة الشعر العربي الحديث،اتحاد الكتاب العرب، دمشق،ص144.
2-كوهن،جان،1986- بنية اللغة الشعرية،ص129.



#محمد_المحسن (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ..حتى لا تكون أشعارنا راشحة بالمرارة،طافحة بالحزن ومتخَمة با ...
- اشراقات الإبداع..وتجليات المبنى الحكائي في القصة القصيرة جدا ...
- عمق الألم..وصدق الإحساس في قصيدة -وَداعاً مُطفّرَ النّوّاب- ...
- معالم الرؤيا الجمالية في قصيدة -دعيني أحبّك..بملء الفم والرو ...
- الشاعر التونسي القدير كمال العرفاوي : - قصيدة النثر التّجديد ...
- د-الطاهر مشي-الشاعر التونسي : - الشِّعرُ يحاولُ المرورَ بينَ ...
- عين على الحقيقة : حين -يصرخ- تابوت شيرين في وجوه جنود الإحتل ...
- حين ينتفض-الجرح الفلسطيني-على حالة الإستنفاع السياسي والإجتم ...
- هل أن الآوان لتخليص الخطاب الإعلامي العربي من قيود الترهّل،و ...
- اشراقات المشاعر الوطنية في قصيدة -تبّت يد الغدر-..للشاعرة ال ...
- ها أنا شارد..في تفاصيل الغياب-..قصيدة مثيرة للتأمل بقلم الشا ...
- قراءة قي قصيدة -شيرينُ..يمامة توارت خلف الغيوم..- للشاعر الت ...
- حين يقيم الشاعر التونسي الفذ د-طاهر مشي على تخوم الردهة المض ...
- البعد الفني والإبداعي في قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر ...
- قراءة في -تمظهرات-الدلالة داخل المتن الأدبي في قصة “رحلة نحو ...
- تجليات الصور البيانية والأجراس الموسيقية..في قصيدة الشاعر ال ...
- حوار مع الشاعرة التونسية المتميزة فائزة بنمسعود
- هي ذي المبدعة التونسية فائزة بنمسعود..كما أراها (قصيدتها الر ...
- إشراقات القصيدة..ولمعانها في الأفق الشعري لدى الشاعرة التونس ...
- حين يعدو-دون كلل أوملل- الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي-خلف ...


المزيد.....




- ثبتها أطفالك هطير من الفرحه… تردد قناة سبونج بوب الجديد 2024 ...
- -صافح شبحا-.. فيديو تصرف غريب من بايدن على المسرح يشعل تفاعل ...
- أمية جحا تكتب: يوميات فنانة تشكيلية من غزة نزحت قسرا إلى عنب ...
- خلال أول مهرجان جنسي.. نجوم الأفلام الإباحية اليابانية يثيرو ...
- في عيون النهر
- مواجهة ايران-اسرائيل، مسرحية ام خطر حقيقي على جماهير المنطقة ...
- ”الأفلام الوثائقية في بيتك“ استقبل تردد قناة ناشيونال جيوغرا ...
- غزة.. مقتل الكاتبة والشاعرة آمنة حميد وطفليها بقصف على مخيم ...
- -كلاب نائمة-.. أبرز أفلام -ثلاثية- راسل كرو في 2024
- «بدقة عالية وجودة ممتازة»…تردد قناة ناشيونال جيوغرافيك الجدي ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - جماليات الإنزياح اللغوي في قصيدة الشاعر التونسي د.طاهر مشي -من سوانا-