أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - قاسم المحبشي - حوار عام عن الديني والفضاء العمومي مع الأستاذ الدكتور بن شرقي بن مزيان















المزيد.....


حوار عام عن الديني والفضاء العمومي مع الأستاذ الدكتور بن شرقي بن مزيان


قاسم المحبشي
كاتب

(Qasem Abed)


الحوار المتمدن-العدد: 7291 - 2022 / 6 / 26 - 22:43
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


البارحة كنا في ندوة وحدة الدراسات الفلسفية والتأويلية للمعهد العالمي للتجديد العربي عن (الديني في حدود الفضاء العمومي) تحدث فيها الأستاذ الدكتور بن شرقي بن مزيان أستاذ الفلسفة في جامعة وهران. وأدارها الأستاذ الدكتور علي عبدون من جامعة القديس يوسف لبنان بكفاءة واقتدار وعقبت عليها الاستاذة الدكتورة نزهة بو عزة من جامعة سيدي محمد عبدالله ظهر المهراز فاس. كانت ندوة مهمة كشفت الغطاء عن واقع حال الفضاء العمومي في المجتمعات العربية الإسلامية في سياق مقارن. فما هو الفضاء العمومي؟ وهل يوجد فضاءا عموميا في العالم العربي؟أستهل المحاضر الندوة بتعريف الفضاء العمومي والديني بالأستناد إلى كانط وهابرمانس إذ يعتبر مفهوم الفضاء العمومي أو الميدان العام من المفاهيم الاساسية في الفكر الإنساني المعاصر واكثرها تداولا بين معظم الباحثين في العلوم الاجتماعية والإنسانية بوصفه المجال أو المكان العام الذي يحق لكل إنسان الوصول اليه كالشوارع والطرق والحدائق والملاعب والساحات العامة وشواطئ البحار وتندرج المباني الحكومية المفتوحة للجماهير ضمن المفهوم ذاته، مثل المكتبات العامة ودور العبادة والمؤسسات العامة والإعلام والمعلومات وغيرها. فهو عند "الحيز المعنوي الذي يتم فيه عقد النقاشات العامة، من أجل اتخاد القرارات التي تسير الشأن العام". ويعرفه لوي كيري Louis Quére "بأنه فضاء رمزي symbolique أين يسمح للأفراد بالتموقع والتموضع داخل المجتمع واتجاهه، فالمفهوم يحمل فكرتين أساسيتين، الأولى أنه مجال عمومي للتعبير الحر، ينظر إليه كفضاء للاتصال، والثانية أن الأفراد بداخله يبرزون آراءهم خلال النقاش العلني بحيث يلجؤون إلى استعمال دلالات عقلانية في محاولة إيجاد حلول مناسبة للمسائل العامة"ويحدده ريشالد سينه بذلك المكان أين نجد الإشارات والرموز تحت تصرف الأفراد الذين يقومون بترجمتها وتأويلها من أجل بناء علاقات تبادلية بينهم" إذ يعتبر الفضاء، فضاءا واقعيا أو افتراضيا طالما يتداول فيه الناس المواقف والنقاشات ويتبادل فيه الآراء، أما مصطلح العمومية فتعني القاعدة القانونية الذي تسري على الأشخاص دون تمييز كما أنها تسري على كل الوقائع التي تحكمها تلك القاعدة. وبغض النظر عن التعريفات الكثيرة والمتعددة للفضاء العمومي فهو حصيلة تتطور تاريخي المجتمع المدني أن الفكرة الأساسية في مقاربة المجتمع المدني هي تلك التي تنطلق من النظر إلى المجتمع ككل بوصفه عدد من المجالات, متناغمة مع قوى واحتياجات الذات الإنسانية الفردية, قوة الحب والعلاقات الحميمية, في المجال الخاص, مجال الأسرة, مؤسسة القرابة التقليدية الأولى, والقوة العاقلة والعلاقات الضرورية للحياة الاجتماعية المشتركة, المجال العام, مجال السياسة والسلطة, والقوة الغريزية المتعطشة إلى الإشباع المادي, المجال الاقتصادي, وعلاقات السوق حيث المنافسة والربح والاحتكار, وقوى الموهبة والاهتمام, حيث يجد الإفراد فرص التعبير عن مقدراتهم وتطلعاتهم ومواهبهم واهتماماتهم الحرة, مجال العلاقات المهنية والحرفية الإبداعية وغير الإبداعية, المجال المدني, حيث تختفي علاقات القرابة الحميمية, وعلاقات السياسة التسلطية, وعلاقات السوق التنافسية الربحية,هنا يمكن لنا التعرف عن المجتمع المدني في الرحم الحي لتخصيبه, ولكن هل يمكن للمجتمع المدني أن يتخصب وينمو ويولد ويزدهر من ذاته ولذاته وبدون قوى وشروط فاعلة؟ بالنظر إلى المسار التاريخ للمجتمع المدني المفهوم والسياق, يمكن لنا الجواب على هذا السؤال بالنفي, ليس بمقدور المجتمع المدني أن يولد وينمو ويزدهر بدون وجود قوة تحميه أو تبيح له فرصة الوجود الفاعل والديمومة, وهذا هو ما يقوله لنا جون أهرنبرغ, في كتابه المهم, المجتمع المدني: التاريخ النقدي للفكرة, الذي تتبع صيرورة المفهوم منذ أفلاطون الذي رهن المجتمع المدني, بل والمجتمع الحميم الأسرة إلى المجال السياسي العام, جمهورية العقل المهيمن , أي الدولة المؤسسة الجامعة, وهي الفكرة التي استندت عليها كل النظم الشمولية المطلقة فيما بعد, الاشتراكية الستالينية والنازية والفاشتية , وعلى خلاف أفلاطون جاءت نظرية أرسطو إلى المجتمع المدني وتطورت لا حقا على أيدي عدد واسع من الفلاسفة في العصر الحديث ومنهم , ميكافيللي, وجون لوك وروسو وكانط وهيجل وماركس وتوكفيل وجون رولز وسينيت وحنه ارنت وغيرهم. في الحقيقة لم يظهر المجتمع المدني بشكله الأنضج إلا بعد استقلال المجال السياسي عن المجال الديني وهذا هو أهم منجزات العلمانية الحديثة في العهد الليبرالي إذ رأت النظريات الليبرالية أن المجتمع المدني يستلزم نظاماً قانونياً يدافع عن حقوق الملكية الخاصة ... فالمجتمع المدني هو ( عالم المجتمع الذي يقع خارج المؤسسة السياسية والإدارية للدولة وخارج قواعدها المنظمة للاقتصاد ... فما يجعل من مجتمع ما مجتمعاً (( مدنياً)) هو أنه الموضع الذي ينظم فيه الناس أنفسهم بحرية في جماعات وروابط أصغر أو أكبر في مستويات متنوعة بغية الضغط على الهيئات الرسمية لسلطة الدولة من أجل تبني سياسات منسجمة مع مصالحها"_ يقصد تلك الجماعات المدنية ويبين سينيت في كتابه المهم( سقوط الإنسان العام ) الفروق الدقيقة بين المجال العمومي ومجال الحياة العامة (المجتمع المدني) والمجال الشخصي , فالمجتمع المدني هو مجتمع الغرباء, إذ أن المجتمع الحميمي يجعل الحياة المدنية أمراً مستحيلاً. فالناس لا يستطيعون تطوير علاقاتهم مع الآخرين إذا عدوها غير مهمة لكونها علاقات لا شخصية. والمجتمع الحميم على عكس تأكيدات أصحابه , هو مجتمع فظ؛ لان الحياة المدنية (( هي النشاط الذي يحمي الناس من بعضهم بعضاً, ويتيح لهم مع ذلك أن يتمتعوا برفقة الآخر)) فالعيش مع الناس لا يستلزم (( معرفتهم)) ولا يستلزم التأكد من أنهم (( يعرفونك)) ... والحياة المدنية تنوجد عندما لا يجعل المرء من نفسه عبأ على الآخرين" وبالخلاصة يمكن لنا التأكيد على أن المجتمع المدني بوصفه مجالاً للحياة العامة المستقلة عن العلاقات السياسية والروابط الشخصية وقيم السوق لا يمكن له أن ينمو ويزدهر ألا في ظل وجود دولة المؤسسات المنظمة بالدستور والقانون.ولا يظهر ولا يزدهر الفضاء العمومي إلا في المجتمعات التي استطاعت الفصل بين مجالات الفاعليات والحساسيات الاجتماعية بالمعنى البورديو للكلمة.إذ ينظر بيير بورديو إلى المجتمع بوصفة مجموعة من المجالات أو الفضاءات المستقلة عن بعضها بقواعد لعبتها الخاصة( المجال السياسي ، والاقتصادي والعسكري والفكري والفني والديني والعلمي والحقوقي والرياضي والثقافي والاجتماعي .الخ) ويشبه بورديو المجتمع بالكون، فكل جماعة لها وضع اجتماعى له علاقة بالأوضاع المجاورة التي تشبه المجرات فى الفضاء، ولذلك يطلق بورديو على المجتمع مصطلح الفضاء الاجتماعى. فالأوضاع النسبية داخل هذا الفضاء هى التى تحدد هوية الفاعلين والجماعات الاجتماعية المختلفة. والفضاء هو مجال قوى، أى مجموعة من علاقات القوة الموضوعية التى تفرض نفسها على كل من يدخل المجال. فهل توجد مجالات أو فضاءات مستقلة في المجتمعات العربية الإسلامية. أن حضور الفضاء العمومي يتصل بالفصل بين المجالات الرسمي والمدني والشخصي ومن ثم علاقة ألانا بالآخرين لكن مشكلة وعي الذات وفهم الآخرين ليست من البساطة بحيث تنكشف للانا بذاتها ولذاتها دون عنأ أو جهد يذكر، بل هي عملية شديدة التعقيد وعسيرة الفهم، إذ قد يعيش الناس عشرات أو مئات السنين في بعض الحالات دون أن يتمكنوا من إختراق الحجب والأقنعة التي تحول دون وعيهم لذاتهم وللآخرين، فالذات إذا ما تركت لذاتها دون خبرة التفاعل والإحتكاك المباشر بالآخرين تظل عمياء ساذجة وفطرية غير واعية لذاتها وغير مدركة لهويتها التي تميزها عن هوياتهم المختلفة إذ بأضدادها تتمايز الأشياء. والطريق الوحيد لتحقيق كشف المحجوب في عمليات الذات والآخر لا يتم إلا بالإحتكاك والتفاعل المتبادل بين الفاعلين الاجتماعيين في أثناء الممارسة الحياتية وتغذيتها الراجعة في سياق تفاعلي مقارن، فرصد الآخرين وتأويلهم هو الوسيلة الممكنة في فهم الذات؛ فالآخر هو دائماً مرآة الذات ومبعث هويتها. لكنه مصطلح يدل على ما يفيد الفقدان أو الفجوة أو النقص في عمليات الذات ، يجعل الذات عاجزة عن تحقيق ذاتها بالاتجاه نحو داخليتها ، وهذا ما ألمح إليه علي سعد الدين وطفه بقوله: "إن الآخر في أكثر التجليات النفسية حضوراً يأخذ صورة كينونة إنسانية جامعة لمعاني التحدي والخوف والخطر ... لأنه يناهض رغبات الأنا وإرادتها وحرياتها في الإشباع ، وهذا التصور السلبي للآخر يضفي على العلاقة التفاعلية بين الذوات الاجتماعية الفاعلة صبغة صراعية دائمة" وهذا هو فحوى صرخة سارتر ( الجحيم هو الآخرون) ولا مجال عمومي سليم ومتعافي بدون الاعتراف بالأخرين ونقصد بالاعتراف، التقبل، والموافقة، والتقدير، والاحترام والإحساس بالآخر بوصفه كائناً إنسانياً جديراً بالتقدير والقيمة والأهلية والكرامة والحرية، على عكس الاستبعاد والتهميش والازدراء والاستكبار والاستبعاد والإقصاء والقمع والاحتقار. والاعتراف يرتبط بقيمة التسامح الذي يعني احترام وقبول وتقدير التنوع والاختلاف والانفتاح تجاه الآخرين المختلفين، بعكس اللاتسامح، الذي هو الجهل والتعصب والانغلاق والاستعلاء والتكبر والتطرف والعنف والإكراه "فالتسامح لا يعني بالضرورة أن نحب جارنا بقدر ما يتوجب علينا أن نجتهد لاحترامه حتى بقدر ضئيل"والتسامح يعتمد على أساس رسوخ الفكرة الثورية لكرامة كل بني الإنسان حتى أقلهم موهبة وشاناً، و حق كل منا في أن تكون له أفكاره الخاصة حتى وإن كانت أفكارا منافية للعقل ، ومخالفة للرأي العام وبهذا المعنى نفهم ابن رشد في قوله: " من العدل أن تأتي كل ثقافة من الحجج لخصومها بمثل ما تأتي لنفسها، أي أن تجتهد كل ثقافة في طلب الحجج لخصومها بقدر ما تجتهد في طلب الحجج لنفسها وأن تقبل من خصومها النوع نفسه من الحجج التي تقبلها لنفسها" والحاجة إلى الاعتراف هي" الرغبة الأكثر التهابا للطبيعة الإنسانية، إذ لا يوجد شخص يستطيع أن يبقى غير مبال باعتراف الآخرين. ولا يوجد ثمن نحن مستعدون لدفعه لكي نحظى بهذا الاعتراف. وقد تخلى البشر بإرداتهم غالباً عن الحياة، لكي يحظوا بعد موتهم بسمعة لم يستطيعوا التمتع بها " وفي هذا السياق جاء تأكيد الألماني اكسل هونيت بـ" أن الكثير من النزاعات الاجتماعية والسياسية التي وجدت في الماضي أو الموجودة اليوم ربما تجد أسبابها في مسألة الاعتراف، التي من دونها يستحيل فهم الدوافع العميقة لمساعي الناس وغاياتهم ونزعاتهم " ويضع عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلوم, الحاجة إلى الاعتراف في قمة هرمه الشهير بعد الحاجة الفسيولوجية وحاجات السلامة والأمان ورغم ذلك فلابد من الحذر,كما نبه عزمي بشارة في مقاله النقدي (مزالق إثارة الإعجاب وطلب الاعتراف ) من مخاطر " الخلط بين مطلب الاعتراف بالحقوق وطلب الاعتراف بالهوية، وبين مطلب العدالة وطلب الاعتراف. وهذا لا يمكن له أن يتحقق الا بالفصل بين المجالات واهما المجال السياسي والمجال المدني الذي يستلزم بالنتيجة استقلال المجال الديني عن هيمنة السياسي، وبهذا تكون العلمانية ليس كما جرى ويجرى تصويرها بوصفها ضد الدين والتدين بل هي في حقيقة الأمر تحرير المقدس من تبعيته للمدنّس واستعادت روح الدين الحق الذي جاء رحمة للعالمين ومتتماً مكارم الأخلاق بما حمله من تعاليم وقيم إنسانية سامية. أن تاريخ الشعوب العربية لم يشهد نشوء فضاءات عمومية للسلوك والتفكير والتعبير والحوار للأسف الشديد وذلك بسبب هيمنة الخطاب السياسي على كل مجالات الحياة الاجتماعية الذي يفترض أن تكون متمايزة ومستقلة بقواعد لعبتها الخاصة بما في ذلك المجال الديني وحينما تتضخم السياسة وتنشر خطابها الإيديولوجي الدوجمائي في عموم الأفق الثقافي تنحسر أو تغيب كل الخطابات الأخرى- العلمية والأدبية والغنية، ذلك لان السياسة- كما هو معروف- لا حد لرغبتها في التمدد والانتشار ولاستحواذ والتوسع في كل الفضاءات، فالسياسة تكره الفراغ، والسياسية من حيث هي ممارسة للقوة كما يقول (ميشيل فوكو)، ليس لها من حدود غير ذاتها، أنها لا تريد ولا تحب إلا ذاتها، وهذا هو قانون القوة، فالقوة ليس لها من هدف غير القوة والمزيد منها ومن ثم فهي سعى دائم لامتلاك وقولبة كل ظواهر الحياة الطبيعية والاجتماعية الثقافية والاجتماعية- المادية والرمزية، سعى لا يكل من اجل جعل كما ما هو خارجها يدمج في الداخل ، داخل بنيتها الفعلية والمتخيلة، ذلك في سبيل تعزيز قوتها، فحينما تحشر جميع العناصر الفاعلة في حياة المجتمع: الأرض والسلطة والثروة والنفوذ، والاقتصاد والدين والأدب والعلم والثقافة ... الخ حينما تتمكن السياسية من هضم وإعادة قولبة لكل عناصر القوة الواقعية أو المتخيلة في بنيتها الكلية المتوحشة، ينام الوحش بأمان، حينها تغدو السياسة كما يقول دللوز « هي التي تقول ولا تتكلم» إذ يصبح كل خطاب أو قول أو تعبير حتى وان ارتداء أو لبُس أزياء الأدب والعلم أو الثقافة، فهو يكرر البنية ذاتها، ويكرر الخطاب ذاته بألفاظ وتعابير مختلفة. فلم يحدث في كل تاريخ الحضارة الإنسانية أن يكون للسياسة مثل هذا الحضور الطاغ والهيمنة المطلقة على كل الفضاء العمومي كما شهده ولازال يشهده المجتمع العربي الإسلامي وهذا هو ما دفع الأستاذ بن شرقي بن مزيان للبحث عن الفضاء العمومي في مقامات الحريري. إذ جاء المكان في مقامات الحريري على صورتين: الأولى المكان العام، أو الكلي، متمثلا بعناوين أغلب مقاماته التي تَسّمْت بأسماء المدن. والثانية المكان الجزئي أو الخاص، وقد ورد في ثنايا سياق المقامة.فالأمكنة المتعددة في مقامات الحريري كمجلس القضاء والأندية والمساجد والبيوت والشوارع ، والخيمة والحانة والسوق، وغيرها هي التي تصمم النسيج الفني لنص المقامة الحريرية. والسؤال هنا هو هل كانت مقامات الحريري نمطا ثقافيا سائدا في ذلك الزمن أو ومضة خاطفة في سياق عمومي سياسي أيدلوجي حالك الظلام؟
ويذهب الدكتور بن شرقي بن مزيان في توضح هدف البحث في الفضاء العمومي العربي الإسلامي من خلال مقامات الحريري إلى القول: " إن ما نريد توضحيه خاصة فيما يتعلق بمسألة الفضاء العمومي داخل فكرنا العربي عبر مراحله ليس مفهومه للفضاء العمومي بالمعنى الذي طرحه هبرماس أو بورديو ما نريده هو أن نقف على إشارات ثاويه خلف المتن الفكر العربي التي يمكننا أن نستجلي من خلالها ملمحا لما يمكن أن نسميه ""بالفضاء العمومي" لهذا نرى بأن المقامة كانت من حيث الشكل إنزياحا على الشكل العام للنظم العربي في سياق تاريخي مهم من تشكل ثقافتنا العربية-الإسلامية ونعني بذلك جمعها بين نمطين: النثر والشعر لا لشيء سوى لتجاوز ما يمكن أن نسميه الاعجاز كحدٍ للغة وكحاجز للبديع بمعنى أن المقامة اخترقت عملية الحصى  الذي كانت تمارسه سلطة الخطاب من ناحيتين: الكلام واللفظ مما جعلها تسعى للجمع بين الكلمات والأشياء ليس بالمعنى الفوكوي ولكن بالمعنى الذي يتحدث عنه جاك رانسيير في سياسة الأدب والكلمة الصامتة/ الخرساء. مما يمكننا تأويل ذلك على أنه بابا ينفتح أمام الممارسة الحرة "ديموقراطية""  في الكتابة. ما صورته المقامة من حياة يومية لطبقة من ""الشعب/ العوام من فقر وبؤس وجوع وصعلكة .....ألخ يعبر في رأينا عن أصوات مغايرة لتلك التي كانت تريد أن ينتظم كلامها في قوالب رسمية. صوت الفقراء، والمنبوذين صوت البؤساء أصوت تحمل من التعابير الجميلة ولكنها ممنوعة من الكلام فأتت المقامة بحيلة تتمثل في الجمع بين النثر والشعر وبإستعمال للسخرية ضمن مشاهد متعددة من حيث الفضاءات ومن حيث الجغرافية لتحمل صوت هذه الكلمة الخرساء.ومن جانب ثاني تكشف لنا المقامة عن تأسيس لفنون الحوار والإعتراف لا بالمعنى اليوناني الأفلاطوني لمفهوم الحوار ولكن بالمعنى المتأخر لدلالة الحوار كما هو في الفلسفة الكلبية عند مبينب وهذا ما أشار إليه كليطو، ولكن ما لم يشير إليه هو أن الحوار نفسه تم التأسيس إليه من جانب إحلال الضمائر للمتكلم/الغير أي أنها أسست لمعنى المناظرة ولكن في سياق وصف الحالة العامة للمجتمع في حدود عصر لم يكن أمام الثقافة العربية وسائل لنقل ما هو عمومي. ألا يمكننا أن نشتم من خلال ما سبق بوادر لما يمكن أن نقول عليه فضاء عموميا؟" هكذا تسأل المحاضر المحترم استاذ الفلسفة في جامعة وهران. وجوابي إن البنية الشخصية المهيمنة في مختلف مجالات حياة المجتمع العربي الإسلامي قد اعاقت نمو فكرة المؤسسة المستقلة وعرقلت نشوء الفضاءات العمومية المحايدة والمجالات المستقل بالمعنى الهابرماسي للفضاء العمومي وذلك بسبب "إن الولايات القانونية في العالم الإسلامي لم تنشأ مطلقاً لأن المسلمين كلهم أعضاء في الأمة الواحدة ولا يجوز فصل المسلمين إلى جماعات يتميز بعضها عن بعض شرعاً" فضلا عن غياب فكرة العقل والعقلانية في المدونة العربية الإسلامية ؛ إذ إن مصادر الشرع هي القرآن الكريم، والسنة، والإجماع، والقياس، وهذا ما أفضى إلى التخلص من العقل بوصفه مصدراً من مصادر التشريع، وقد أدى التضييق على العقل إلى إنكار النظرة العقلانية إلى الطبيعية؛ أي دراستها بوصفها موضوعًا قابلاً للفهم والسيطرة ،كما أن مفهوم العقل الذي شاع عند المسلمين ليس العقل الفعال عند أرسطو، ولا (النور الداخلي) عند فلاسفة النهضة، بل يطلقون كلمة العقل على الأفكار التي يؤمن بها عامة الناس. ويرى فضل الرحمن أن "اللاهوت احتكر في نهاية المطاف حقل الميتافيزيقيا كله وأنكر على الفكر الخالص حق النظر نظرة عقلانية في طبيعة الكون وطبيعة الإنسان ،لكن العلم الحديث لم يكن له أن يظهر ويزدهر دون توافر أطر ميتافيزيقية عامة ومعترف بها تقوم على فرضيات عن انتظام العالم الطبيعي وخضوعه لقوانين معينة وعلى الإيمان بقدرة الإنسان على فهم البنية الكامنة في الطبيعة وفهم القوانين التي تتحكم في الكون والحياة والإنسان واستيعابها والتنبؤ بنتائجها والسيطرة عليها، وربما هذا هو ماقصده ماكس بيرونتز بقوله: "أنه لا يزال هناك ما يقال بشأن اكتشاف السبب في أن هناك آخرين عميت بصيرتهم عن التقاط ما حاولت الطبيعة أن تقوله لهم، على الرغم من أنهم في الظاهر كانوا قادرين على ذلك"ويخلص انتوني هب إلى القول: "لقد ضيق مهندسو الشريعة واللاهوت في الحضارة العربية الإسلامية القدرات العقلية عند ألإنسان ورفضوا فكرة الفاعلية العقلية التي يتميز بها جميع بني البشر لصالح الرأي القائل إن على الإنسان أن يسير على نهج السلف وأن يتبع التقليد، وإن الأسلاف لم يتركوا شيئاً للآخلاف. أما الأوربيون القروسطيون فقد وضعوا تصوراً للإنسان والطبيعة كان فيه من العقل والعقلانية ما جعل النظرات الفلسفية واللاهوتية مجالات مدهشة من مجالات البحث التي كانت نتائجها لا هي بالمتوقعة ولا بالتقليدية ولم تكن تخطر على بال فقهاء الإسلام من كل القوميات واللغات والطوائف والمذاهب. 
 كانت ندوة رائعة حفزتني إلى أعادة التفكير في الفضاء العمومي واهميته الحيوية في عالمنا الراهن الذي صار بفعل العولمة فضاءا تواصليا تفاعليا متبادل التأثير والتأثر إذ فتحت ثورة الإتصالات والمعلومات آفاقا واسعة للتواصل والتفاعل الثقافي الإنساني في الفضاء العمومي لاسيما في المجتمعات العربية الإسلامية التي وجدت في العالم الافتراضي متسعا من الحرية للتأمل والتفكير والكتابة والبوح بخواطرها وآمالها ومخاوفها وأحلامها. فعلى مدى السنوات القليلة المنصرمة من ثورة الاتصالات والمعلومات لاحظت زخما مستمرا للقول الفلسفي وبالمقارنة مع زمن التواصل والاتصال التقليدي يمكن القول أن ثمة ثورة فكرية شاملة أخذت تزدهر في فضاء الفكر العربي الراهن إذ باتت صفحات الفلاسفة والكتاب الكبار محط استحسان الفاعلين الاجتماعيين في الفضاء العام من كل مكان ومن مختلف الأجيال فضلا عن الحضور المتزايد للمؤسسات الفكرية والمواقع الالكترونية والمنصات الفلسفية التي سهلت تواصل المشتغلين في حقول العلوم الإنسانية من مختلف التخصصات هذا الحضور المتزايد بأهمية الفكر والتفكير الفلسفي العقلاني لم يقتصر على الرأي العالم والأفراد والدوائر الثقافية والإعلامية والأكاديمية بل أضحى من اهتمامات النظم والمؤسسات الرسمية في مختلف الأقطار العربية. ففي عالم شديد الانكماش والتواصل والتداخل والتفاعل يكتسب البحث في مشكل الديني والفضاء العمومي أهمية حيوية راهنة. فكيف يمكن فهم الحدود بين الدين والفضاء العمومي اليوم؟ إذ لم يحدث في تاريخ الاجتماعي منذ حواء و آدم وأنت طالع أن توحد العالم كله كما وحده اليوم فيروس كورونا "أخفتنا ،أخفتهم أجمعين،أصفرهم وأبيضهم،وأسودهم وأسمرهم، كبيرهم وصغيرهم ،غنيهم وفقيرهم،سيدهم وعبدهم ،حاكمهم ومحكومهم،ملحدهم ومؤمنهم، مليشياتهم وأحرارهم ،عنصريهم وإنسانيهم ،جاهلهم وعالمهم، بنوكهم وعسكرهم وآلاتهم ،دولهم وإماراتهم وإمبراطورياتهم وسلطناتهم.لم يبق كائن بشري لم تخفه،أنت الموت وقد تمثل لهم فيروساً،ذكرتهم بالموت الذي يتناسون .ورحت تعبث بمالهم ومأكلهم ومشربهم ومجلسهم، يا من لا ترى بالعين المجردة ما ذا فعلت بهم؟وحدتهم في عدائك،واحتفظوا بعداواتهم،قاوم ولا تستسلم لهم،ربما تمنحهم وقتاً لكي يفكروا،كي يتأملوا ضعفهم ويصنعوا قوة لوجودهم الحر ،ولولادة الآخر في الحياة" بحسب الفيلسوف العربي أحمد نسيم برقاوي. فمن الذي كان قبل بضع سنوات يعرف ماذا يدور في الصين؟ وما الذي كان يتوقع أن فيروس مجهري يمكنه أن يربك المشهد العالمي من رأس حتى أخمص قدميه؟ ومن الذي كان يتخيل أن مكة المكرمة تخلوا من الزائرين وكذلك المسجد النبوي الشريف ؟ ومن الذي كان يخطر بباله أن المساجد والمدارس في بلاد العرب والإسلام تغلق أبوابها في عز النهار ؟ ومن الذي كان يتخيل أن أمريكا بكل جبروتها ترتعد فرائصها من فيروس كورونا؟ ومن الذي كان يتخيل أن ينتشر وباء فيروسي من أقصى شرق الكرة الأرضية إلى أقصى غربها في بضعة أيام؟ ألسنا بإزاء ظاهرة عالمية جديدة وصادمة للعقل والروح معًا؟
تداخلت بسؤالي للأستاذ بن مزيان واعجبتني فكرة الأصوات الصامتة وأتمنى عليه التوسع في تعريفها.

 



#قاسم_المحبشي (هاشتاغ)       Qasem_Abed#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من سؤال الإنسان إلى سؤال التاريخ
- الكائن والكينونة والاسطورة
- ما يشبه الحوار حول مشروع تدريس الفلسفة للأطفال مع صالح الوائ ...
- أزمة التربية والتعليم في عالم سريع التغيير
- في فلسفة اللغة والثقافة والهوية
- الفلسفة وسياقاتها واسئلتها
- مجتمع الأقارب ومجتمع الغرباء الغائب
- قلق التربية في عالم متغير
- الثقافة والحضارة علاقة تكاملية
- الحرية المتخيلة والعدالة الغائبة
- المفاهيم المجردة والسياقات المختلفة
- الجزء المختفي من جبل الجليد
- الفلسفة والوظيفة المزدوجة
- الفلسفة والدراسات الثقافية؛ علاقة تكاملية
- تجديد الفلسفة وفلسفة التجديد
- في التاريخ والذاكرة ووظيفة العقل
- في معنى الحضارة والتحضر
- بريطانيا ظاهرة تستحق الدراسة
- ملاحظات عابرة في الدراسات الثقافية
- في تأمل الزمن والتغيير والمستقبل


المزيد.....




- مصير عبدربه منصور هادي.. وزير خارجية اليمن يعلق لـCNN على ما ...
- مصير عبدربه منصور هادي.. وزير خارجية اليمن يعلق لـCNN على ما ...
- رئيس وزراء إيطاليا السابق يجدد رفضه تزويد أوكرانيا بالأسلحة ...
- روسيا وأوكرانيا: صور أقمار صناعية تظهر أضرارا بالغة في قاعدة ...
- الغزو الروسي لأوكرانيا: قتلى في قصف روسي حول محطة زابوريجيا ...
- تايوان تجري تدريبات عسكرية جديدة بعد تهديدات بكين وتعلن رفضه ...
- شاهد: مناورات عسكرية مشتركة بين القوات الفنلندية والبحرية ا ...
- بالفيديو: انهيار عدة مبان تاريخية في البلدة القديمة بالعاصمة ...
- بالأرقام.. ’دانة غاز’ تنشر تقريراً مفصّلاً بنتائجها في كردست ...
- الاتحاد الوطني يكشف تفاصيل خلافه مع الديمقراطي بشأن انتخابات ...


المزيد.....

- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- إشكالية الصورة والخيال / سعود سالم
- الإنسان المتعثر في مثاليته . / سامى لبيب
- مقال في كتاب / علي سيف الرعيني
- قضايا وطن / علي سيف الرعيني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - قاسم المحبشي - حوار عام عن الديني والفضاء العمومي مع الأستاذ الدكتور بن شرقي بن مزيان