أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - عايدة الجوهري - على النساء رمي ذواتهنّ القديمة















المزيد.....

على النساء رمي ذواتهنّ القديمة


عايدة الجوهري

الحوار المتمدن-العدد: 7268 - 2022 / 6 / 3 - 23:46
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


الحمد للطبيعية إنّنا كائنات متغيرة، لا تلبث على حال واحدة إلى الأبد، وإنّنا نختبر، ندرك، نراكم، نتفكّر، ونُعيد النظر بقوة، ثمّ ننقلب على ذواتنا، والحمد للعلوم الأنتروبولوجية والنفسية التي تُثبت أنّنا كائنات تطورية، مؤهّلة للتغيُّر، والانقلاب على الذات، من أجل ذات جديدة تتماشى مع احتياجاتنا الفردية والعامة وإنسانيتنا، وقوانين التطور.
إنّ موضوعنا يتناول كينونة النساء، فكم من نساء حولنا، وعلى مدار حياة واحدة، لم يعدنَ إلى سابق عهدهنّ، وتدثّرنَ بعزم بذوات جديدة قشيبة مذهلة، فما الذي يجعلنا نفترق عن ذواتنا القديمة ونخلق ذاتًا جديدة؟ وما هي مواصفات هذه الذات الجديدة؟ وما هي عورات الذات القديمة؟
الذات القديمة المشوهة:
تتعرض النساء في البيئات الذكورية لتخريب طاقاتهنّ، وملكاتهنّ، وتشويهها، بحيث تتطابق صورتهنّ مع الصورة المرسومة لهنّ، لا مع الصورة المحتملة الكائنة في كل إنسان، فتتحول الذات المصنوعة المطابقة لهذه الصورة، إلى ذات مضادة للذات الكامنة والدفينة ومتصارعة معها.
وليست الذات المصنوعة سوى ذات مبتورة تحمل أوزار عوراتها الموهومة، ويغمرها شعور غامض بالذنب والنقصان، يجعلها تعاني من صعوبة السيطرة الذهنية على الواقع بكل أوجهه، ومن وجهة التحليل النفسي يأخذ الأمر على المستوى اللاواعي، طابعَ "الخصاء الذهني" الذي يُلخَّص بنوع من صدّ القدرة على الفهم، بنوع من العجز عن توكيد الذات في مواجهة العالم والإقبال عليه، بخطى ثابتة، وتُبدي هذه الذات المصنوعة المشوهة الكثير من التردُّد، وتتجنّب الانتقال إلى الفعل ووضع إمكاناتها موضعَ الاختبار، خوف الفشل، وتذهب في ذلك إلى درجة تدّعي معها عدم القدرة سلفًا، حتى لا تصابَ بخيبة أمل، أو حتى لا يتضح عجزها، وهي وبسبب شعورها بالعجز، والنقصان، تفقد قدرتها على تحليل الواقع، والتوصل إلى استنتاجات بشأنه، فتحيا حياتها غريبةً عنه.
في المحصلة، تفتقر المرأة التي تعرضت إلى الصد والكبح، والتبخيس، إلى وجود اجتماعي مستقل، ولا تكتسب قوتها إلا من خلال الآخر، فتصبح مثلها مثل العبد الذي لا يتصرف بنفسه، ولا يقرّر بنفسه، ووجوده ونشاطه بتصرُّف مالكيه، وتحت إمرتهم.
إنّ المساعي المبذولة عبر التاريخ للانتقال بالنساء من واقع العبودية إلى رحاب الكرامة والحرية، لم يكن ليكتبَ لها النجاح، لو أنّ النساء اللواتي نجونَ من الهلاك، لم يتخلّصنَ من ذواتهنّ القديمة، وتلبّسنَ ذواتًا جديدة، لو أنّ المطعونات بأنوثتهنّ، لم يخضنَ صراعًا ضاريًا ضدّ الأمر الواقع، وقاومنَ الواقع المفروض عليهنّ، وحاولنَ التأثير فيه لصالحهنّ، بكل ما أوتينَ من وعي جديد، مغاير لوعيهنّ القديم.
إنّ هذه النقلة النوعية، تشترط أولاً وأخير، وعيَ المرأة بذاتها المغيّب بفعل الاستراتيجيات الذكورية المركّبة، التي تتمركز جوهريًّا حول إلغاء وعي المرأة بذاتها، ككائن حرّ، ومستقلّ، ومريد.
فما هو تعريف الوعي بالذات؟

في تعريف مفهوم الوعي بالذات:
سوف نستهلّ تعريف مفهوم "الوعي بالذات" بتعريف مكوّنه الرئيس وهو مصطلح "الوعي". بالتعريف الأولي، يعبّر مفهوم الوعي عن مدى إدراك الإنسان للأشياء والأحداث والعلم بها، حيث يكون على اتصال مباشر مع كل الأحداث التي تدور حوله.
بمنظور علم النفس، يمثّل "الوعي" العقل، والحالة العقلية للإنسان، والذي تميّزه بملكات المحاكمة المنطقية الذاتية، والقدرة على الإدراك الحسي للعلاقة، التي تربط الكيان الشخصي بمحيطه الطبيعي، وهو يرتبط بمجموعة الأحاسيس والمشاعر التي تكمن في أعماق الذات.
أما الوعي بالذات فهو وعي الوجود ككائن منفرد، قائم بذاته، يملك تصورًا واضحًا عن شخصيته، بما في ذلك المعتقدات، والدوافع، والعواطف، ونقاط الضعف والقوة،.
هو إدراك الإنسان للميّزات الموجودة في شخصيته، ومحاولة تطويرها، العيوب الموجودة فيها، ومحاولة إصلاحها.
إنّ العالم في ذواتنا، ولا نعرف كم من الرسائل والوقائع والأساليب الاجتماعية والمشاهدات والتجارب والحتميات البيولوجية تؤثر في ذلك الكيان الذي يسمى "ذاتًا"، فالعالم يترصد بنا من أجل ذات العالم، ويقوم بتشويه ذاتنا الحقيقية المتفردة، ويتلاعب بإدراكها، ومشاعرها، وأفكارها وتمثّلاتها.
أما في حالة الوعي بالذات، فإنّ ذات العالم تذوي أمام الذات الذاتية، وتصبح الذات مرجعية ذاتها، فتقوم باحتجاز دلالات المعاني في داخلها لتصبغها بما تدرك وتعقل وتشعر.

المرأة الواعية بذاتها:
طبقًا للتعريفات التي أوردناها حول مفهومَي "الوعي" و"الوعي بالذات"، نستطيع تعريف المرأة الواعية بذاتها، بأنّها التي تدرك الأشياء والأحداث من حولها، والتي تتميّز بملكات المحاكمة المنطقية الذاتية، دون إيعاز خارجي، فلا تذوب في ذات العالم، وذات الجماعة، وذات العائلة، والتي اكتشفت أنّ كل المعاني والمنطقيات لا بدّ أن تصدر عن عقلها، وقلبها، ولسانها، لا عن عقل الآخرين، وقلبهم ولسانهم.
إنّ وعي المرأة بذاتها هو وعيها بقيمتها الإنسانية المطلقة، وإدراكها الوثيق أنّ النظرة الدونية إلى كيانها هي نظرة غير موضوعية، ولا علمية وجائرة، وأنّ التفاوتات الحاصلة بين الجنسين هي تفاوتات في الفرص، والحقوق، والامتيازات، والتربية والإعداد، وأنّ المفاهيم والهيكليات، والنظم الذكورية، هي مفاهيم وهيكليات، ونظم مغلوطة.
هو وعي مضاد للوعي بالنقصان الذي تستبطنه المرأة نتيجة للأيديولوجية الراسخة عن نقصانها.

في ارتدادات الوعي بالذات:
يفجّر وعي المرأة بذاتها وبقيمتها المطلقة وملكاتها وطاقاتها، المصحوب بالرضى عن أنوثتها وهويتها الجنسية، سائر أنواع الوعي، ويقضي على التفكير السلبي، ويُترجَم بسلوكيات وأفعال.
يفجّر الوعي بالذات، بالمطلق، حاجة الإنسان الفطرية إلى التعبير عن ذاته، معرفيًّا ومهنيًّا، واجتماعيًّا وثقافيًّا، وعلائقيًّا، وتزداد قدرته على التواصل، دون كوابح، سوى كوابح المنطق، ما يضاعف قدرته على الإنتاج والإبداع، وتحقيق ذاته، بمعنى أنّ وعي المرأة بذاتها، وتنميتها لها، يجعلها إنسانًا قادرًا، أو متماسكًا، وفاعلاً، ومبدعًا.
إنّ الانعتاق المرتبط جوهريًّا بالوعي بالذات يسبق المطالبة بالحقوق أو التمتّع بها، فالمرأة غير المنعتقة نفسيًّا من كوابحها الداخلية والعقلية، لن تحسن إدراك حقوقها أو المطالبة بها، وإذا حدث أن انتزعت حقوقها العامة، بفضل الآخرين والأخريات، فهي لن تحسن الاستفادة منها، وتظلّ على هامشها، وفلا يعود الاضطهاد التي يتعرّض لها اضطهادًا، لأنّ الاضطهاد يعني الإخضاع بالقوة.
والآن كيف لهذا الوعي أن يتشكل وينفجر؟ وكيف للمرأة أن تنجو من دهور الخضوع في حياة واحدة، وأن تنتقل من ذات إلى أخرى؟
يحوج المرأة كي ينفجر وعيها بذاتها إلى ثقافة بديلة، إلى كم هائل من المعلومات والأفكار، والأمثلة، والشواهد، التي تدحض إملاءات المنظومة المفاهيمية الذكورية، وآليات عملها، يحوجها، بكلمات أخرى، التحصّن بوعي نسوي جندري، منافٍ لوعيها السابق، يهزّ كيانها، ويجعلها تنظر إلى ذاتها من منظور مختلف، حدّ التناقض.
إنّ تحرّر المرأة الداخلي من الشوائب التي علقت بروحها وعقلها وبدنها، لا يكتمل برأينا، ما لم يتمّ التأسيس لوعيها النسوي، الذي يرفدها بأدوات تحليل تكشف لها حقيقتها وحقيقة الأشخاص والأشياء، والوقائع والظواهر، والنظم، المحيطة بها.
فما هو الوعي النسوي الجندري؟
هو وعي المرأة بأنّها تنتمي إلى فئة ثانوية، وأنّها تتعرض للظلم باعتبارها امرأة، وأنّ وضعها الثانوي الخاضع ليس وضعًا مرتبطًا بالطبيعة والقدر، بل هو مفروض اجتماعيًّا، وأنّ عليها أن تقاوم كل أشكال التمييز والاضطهاد بالمعرفة البديلة والنضال.
ويستند وعي المرأة النسوي إلى إدراكها بأنّ الإنسان لا يولد بشخصية جاهزة، لا بطبيعة أنثوية، ولا بطبيعة ذكرية، تستلزم توزيع الأدوار والوضعيات والخصال، على أساس أنّ البشر يتطورون في عملية التفاعل مع المحيط الاجتماعي، والجنساني الجندري، والطبقي، وأنّ استراتيجيات اجتماعية راسخة، ومتجذّرة، قامت برمّتها على إعادة إنتاج الخصائص، والأدوار، الأنثوية والذكرية، الفوارقية، لاتخاذها ذريعة لسيطرة النساء على الرجال، ولاتهامهنَ بالنقصان والهامشية.
كما يستند هذا الوعي إلى إدراكها أنّ "أنوثتها" ليست عبئًا، ولا نقيصة، ولا بؤرة فتنة، وأنّها لا تبرّر أيًّا من الأغلال، والقيود، والمحاذير، المؤسّسة لكبتها، ومصادرة حرياتها، وحقوقها.
ونحن نفترض بحق أنّ تزود المرأة بمهارات معرفية ومهنية، يُعدّ عاملاً أساسيًّا في التأسيس لثقتها بنفسها، ولانتزاع الاعتراف النسبي بها، إلا أنّ وعيها بذاتها يظل منقوصًا، ما لم تعِ كافة إشكاليات وجودها الأنثوي، وما لم تسعَ للتخلّص، مع أخريات، من كافة الحواجز التي تقف سدًّا منيعًا أمام تحقيق إنسانيتها.
إنّ وعي المرأة بذاتها هو الحجر الأساس في جلجلة الحرية والحق في الاعتراف، هو آلية الدفاع الرئيسة ضد الخارج الكاره لها والمتربّص بها، وهو الذي يوفر لها الفرصة الذهبية برمي ذاتها القديمة، من أجل أخرى جديدة، تستسيغ النضال والمقاتلة، بلا كلل ولا ملل، بل فرح.
هلموا، نعيد الألق لاستراتيجيات رفع وعي المرأة النسوي والجندري، التي أثبتت الأيام والوقائع، أن لا غنى عنها لتغيّر النساء ولتغيير الواقع.



#عايدة_الجوهري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النساءُ الممنوعاتُ من الكلام
- نحن في حاجة إلى حكام يتوجعون
- -حقوق الطوائف- كمشكلة أخلاقية وحقوقية
- القتل باسم الدين والبارانويا
- كان بكاءُ ردينة، ذات البضعة أشهر، وهي الطفلة الخامسة لعائلة ...
- في كراهية النساء
- دروس شهرزاد
- توقفوا عن تشويه مفهوم الدولة المدنية
- لا عزاء للسيدات إلا بقانون مدني للأحوال الشخصية
- غرام الثوار اللبنانيين بالعفوية
- الشعب اللبناني يريد إسقاط النظام
- برنامج الأنوثة
- عن الذي جمعني ونوال السعداوي في كتاب
- الجسد هو الذي يكتب
- النبوءة والفحولة
- عصاب الفحولة (1)
- رمزيّة الحجاب
- أرجل الرّجال
- المرأة التي تعشق جلادها
- أنا أغنّي، أنا أسمع الموسيقى، أنا أرقص، أنا حرّ، أنا حرّة


المزيد.....




- إعدام سعودي قتل امرأة دهسا بالسيارة
- لماذا خلعت هذه الممرضة حذاءها وقدمته لمريض في مستشفى بأمريكا ...
- شركاء في الصحة فقط.. رجال يتركون شريكاتهم بسبب السرطان 
- عاملات المنازل يتعرضن للاتجار بالبشر في سلطنة عمان
- 3 أطعمة تساعد النساء في سن اليأس على إنقاص الوزن
- إطلاق أول مسابقة لـ-ملكة جمال الذكاء الاصطناعي-
- الأمم المتحدة: أكثر من 10 آلاف امرأة قُتلت في غزة منذ بدء ال ...
- -الحب أعمانا-.. أغنية تقسم الموريتانيين بين حرية المرأة والع ...
- ليدا راشد.. ضحية العنف الطبي في لبنان
- دراسة: النساء استهلكن كميات أكبر من الكحول مقارنة بالرجال خل ...


المزيد.....

- بعد عقدين من التغيير.. المرأة أسيرة السلطة ألذكورية / حنان سالم
- قرنٌ على ميلاد النسوية في العراق: وكأننا في أول الطريق / بلسم مصطفى
- مشاركة النساء والفتيات في الشأن العام دراسة إستطلاعية / رابطة المرأة العراقية
- اضطهاد النساء مقاربة نقدية / رضا الظاهر
- تأثير جائحة كورونا في الواقع الاقتصادي والاجتماعي والنفسي لل ... / رابطة المرأة العراقية
- وضع النساء في منطقتنا وآفاق التحرر، المنظور الماركسي ضد المن ... / أنس رحيمي
- الطريق الطويل نحو التحرّر: الأرشفة وصناعة التاريخ ومكانة الم ... / سلمى وجيران
- المخيال النسوي المعادي للاستعمار: نضالات الماضي ومآلات المست ... / ألينا ساجد
- اوضاع النساء والحراك النسوي العراقي من 2003-2019 / طيبة علي
- الانتفاضات العربية من رؤية جندرية[1] / إلهام مانع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - عايدة الجوهري - على النساء رمي ذواتهنّ القديمة