أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد بشارة - حقيقة بوتين التي لم يعرفها أحد















المزيد.....



حقيقة بوتين التي لم يعرفها أحد


جواد بشارة

الحوار المتمدن-العدد: 7185 - 2022 / 3 / 9 - 19:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يعتقد الغربيون أن فلاديمير بوتين لم يحكم بلاده دائمًا بمفرده. لكنه اليوم، أصبح ديكتاتورًا حقيقيًا ويبدو أنه لا يهتم كثيرًا بعواقب أفعاله.
يثير الهجوم الروسي في أوكرانيا العديد من الأسئلة حول نوايا موسكو والردود الغربية المحتملة وإمكانية إعادة توازن القوى العالمية. في مواجهة صراع على نطاق جيوسياسي أكثر منه عسكري، ينتظر العالم، خاصة بعد التحرك العسكري الروسي ضد أوكرانيا.
لقد أمعن الغرب بدون وعي في هانة وإذلال فلاديمير بوتين وبأساليب ملتوية كالنفاق والمراوغة والكذب فنواياهم البعيدة هي تحجيم روسيا تقسيمها وإضعافها وتهميشها كقوة عظمى منافسة يمكن أن تشكل خطراً عليهم.
"لم تخسر روسيا الحرب الباردة أبدًا ... لأن الحرب الباردة لم تنته بعد." في عام 2018 أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذا الحكم. وكان يعرف ما كان يتحدث عنه. بعد أربع سنوات، تتبلور أوكرانيا أكثر من أي وقت مضى لتكون لولب المواجهة بين روسيا والغرب. بعد عدة أسابيع من التوتر والتهديدات المصحوبة بمحاولات الحوار، تتخذ موسكو إجراءات حاسمة. الخميس 24 فبراير، بعد ثلاثة أيام فقط من الاعتراف باستقلال جمهوريتي دونباس ودونيتسك ولوغانسك المستقلتين، وهي خطوة تنم عن ذكاء وعبقرية جيوستراتيجية من جانب بوتين باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية، شنت موسكو هجومًا على أوكرانيا. على الرغم من التخطيط الطويل والمتأني للحرب، إلا أنها فاجأت الكثير من دول العالم. اجتماعات طارئة في كل مكان. بث مباشر على جميع القنوات التلفزيونية. تكرار الصور على المواقع. فقد باتت الحرب موجودة بالفعل في قلب أوروبا.
لم يفق الغرب من هول الصدمة. وموجاتها الارتدادية، مشاهد الهلع، مشاهد الحرب، الآراء والتحليلات، سلسلة من ردود الفعل، غزت شاشات ووسائل الإعلام الغربية والعالمية. والبعض يلاحق مباشرة ببوتين والوفد المرافق له. قرر الغربيون ضرب الاقتصاد الروسي بشدة، مثل استبعاد العديد من البنوك الروسية من منصة Swift أو حظر جميع المعاملات الأوروبية مع البنك المركزي لروسيا. والإجراءات متواصلة كما وعد الغربيون. المجال الجوي الأوروبي مغلق أمام الطائرات الروسية. تحد أنقرة من وصول السفن الحربية الروسية إلى البحر الأسود عبر مضيق الدردنيل ومضيق البوسفور. حتى كرة القدم قررت الــ FIFA و UEFA مقاطعة روسيا في منافسات الدوري. تجد روسيا نفسها محظورة في كل مكان يسيطر عليه الغرب الأمريكي - الأوروبي.

لا شك أن موسكو توقعت مثل هذه التداعيات. من المؤكد أن فلاديمير بوتين لم ينخدع ولم يندفع دون تخطيط مسبق ويحب حساب مثل هذه التداعيات ويأخذ احتياطاته. فما هي حساباته؟ هل هو واثق من الانتصار ليخوض الكثير من المخاطر؟، "إنه على الأقل على يقين من التفوق العسكري لبلاده مقارنة بأوكرانيا". وعلى الرغم من المخاطر التي ينطوي عليها الأمر، والتي كان على دراية تامة بها، اختار بوتين خيار الحرب، لأنه، حسب قوله، فإن الدفاع عن أمن بلاده هو الأولوية، خاصة بعد أن تلقت أوكرانيا أسلحة من الدول الغربية.، لأن الغرب كان يراوغ ويحث أوكرانيا على التحدي وتقديم طلب الانضمام على حلف الناتو وهو الخط الأحمر الذي وضعه بوتين قبل عقود. فبالنسبة له، إن السيطرة على محيطه الحيوي أمر ضروري للحصول على عمق استراتيجي. لذلك يعتبر أنه من الضروري تحييد أوكرانيا. ليس هناك شك في تجاوز ما يعتبره خطاً أحمر: لا مزيد من امتداد الناتو نحو الشرق، لأن ذلك يعني من وجهة نظره مثابة إعلان حرب.
الحرب الخاطفة، حرب واضحة أم حرب نووية؟
فهل العقوبات غير فعالة؟ يبدو الأمر كذلك، على أي حال، بالنظر إلى مجرى الأحداث. "حتى لو أساءوا إليه فلن يردعوا موسكو". علاوة على ذلك، فإن، "سلاح العقوبات لم يسمح أبدًا بتغيير السياسات، كما رأينا مع إيران وكوريا الشمالية والصين. العقوبات تؤثر على الناس وليس الأنظمة. في الوقت نفسه، ستكون أيضًا ضارة لأولئك الذين أخذوها، نظرًا لتدخل الاقتصادات العالمية واعتماد الكثير من الدول الأوروبية على الغاز الروسي. لذلك ستعاني الدول الغربية من آثار وتبعات وانعكاسات العقوبات”.
إذا كانت العقوبات الاقتصادية تعمل بشكل أفضل بمرور الوقت، فهل تعول روسيا على حرب خاطفة ستنتصر فيها بسرعة ثم تحدد شروطها؟ إذا كان هذا هو الحال، فلن يتم الفوز باللعبة مسبقًا، على الرغم من التفوق العسكري الواضح للروس على الأوكرانيين. فالكل يعلم أن "معارك المدن معقدة، فهي تفتح الطريق للمقاتلين، وللمرتزقة، وتتسبب في دمار هائل وسقوط مدنيين، ولا شك أنه لهذه الأسباب لا تغزو القوات الروسية العاصمة" دون تمهيد وتأمين سلامة الجنود والآليات.
ميدانياً وعلى الأرض، يبدو الوضع غير واضحاً ومؤكداً. يتواصل الروس قليلاً، فهم يعملون ولا يتحدثون كثيراً، والمعلومات المتوفرة تأتي من التصريحات الأوكرانية، كلها كاذبة ودعائية.

لقد أكد الجيش الروسي ببساطة أنه يمكن للمدنيين مغادرة كييف "بحرية"، مما أثار شبح وقوع هجوم. في الواقع، وفقًا لبيانات الناتو والبنتاغون، تكثف القوات الروسية وجودها حول كييف كمقدمة لشن هجوم. على العكس من ذلك، تحاول القوات الأوكرانية مواجهتهم. الدفاع الأوكراني، يضاعف البيانات الصحفية، ويثير أحيانًا معارك محتدمة ومقتل مدنيين هنا وهناك، وأحيانًا تباطؤ في الهجوم ومحاولة «صد" الروس هنا هناك، لكنهم أصروا على أن كييف تظل "الهدف الرئيسي" للقوات الروسية، خاصة بعد أن تكبدت دفاعاتهم الجوية وطيرانهم بخسائر فادحة وطوقوا من كل جانب. هل تسقط العاصمة الأوكرانية؟ ما هو مؤكد هو أن "الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا يطيل من القتال ويؤخر احتمال سقوط كييف". ويؤكد إعلان رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، هذا: "سيمول الاتحاد الأوروبي شراء وتسليم الأسلحة والمعدات الأخرى إلى دولة ضحية للحرب"، بقيمة 450 مليون يورو، الاعتراف بحد ذاته "نقطة تحول تاريخية".
بالتوازي مع هذا الإعلان وفي غياب (حتى الآن) عن انتصار كبير للجيش الروسي، يتخذ فلاديمير بوتين - الذي تمتلك بلاده أكبر ترسانة نووية في العالم - خطوة جديدة في التهديد بتوسيع الصراع بوضعه في مكانه. فلقد صرح محذراً " القوات النووية في "حالة تأهب خاصة" في مواجهة "التصريحات الحربية من حلف شمال الأطلسي" و "العقوبات غير المشروعة" من الغرب، مما أثار مخاوف من أن يصبح هذا الصراع الأكثر خطورة في أوروبا، بل وحتى في العالم منذ عام 1945. طريقة لتحذير الغرب من أنه إذا كان هناك تدخل عسكري في الصراع الحالي، فيمكن أن تخرج الأمور عن السيطرة ويتعرضون لإبادة نووية.
المناقشات مستمرة والتساؤل يطرح كلل ولكن لماذا؟ في الواقع، الحرب، نعرف دائمًا متى تبدأ، ولا نعرف متى تنتهي أبدًا.
ومع ذلك، فإن التلويح بالتهديد بالغ الجدية، وفقًا للعديد من المحللين، فهو مقلق بقدر ما هو مطمئن. ستكون هذه رسالة إلى الأوكرانيين، حيث عقدت الجولة الأولى من المناقشات بين المبعوثين الروسي والأوكراني في بيلاروسيا يوم الاثنين. "تريد موسكو بالتأكيد ممارسة الضغط بالقول إنها مستعدة للمضي قدمًا إذا لم تستسلم كييف لشروطها، لكنها قبلت بالفعل مبدأ النقاش مع نظام تريد إسقاطه". مناقشات يحدد فيها الجميع شروطهم: كييف تريد "وقف إطلاق نار فوري وانسحاب القوات (الروسية) من الأراضي الأوكرانية"، وتأمل موسكو في "اتفاق لصالح الطرفين" وتكرر قائمة المتطلبات لأي تسوية الصراع، بما في ذلك الاعتراف بالسيادة الروسية على شبه جزيرة القرم، التي ضمتها موسكو في عام 2014، و "نزع السلاح " من أوكرانيا.

مواقف بعيدة ورؤى مخالفة. ومع ذلك، فإن المناقشات تمثل "مخرجًا في مواجهة الجمود العسكري المحتمل"، بالنسبة لموسكو، يمكن للحوار أن ينقذها من هجمة المدن، وهي مرحلة عسكرية معقدة من الصراع يمكن أن تستمر. بالنسبة إلى كييف، إنها طريقة للحفاظ على النظام الذي يمكن أن يسقط في حالة تحقيق نصر عسكري روسي ".
نظام عالمي جديد؟
في الوقت الحالي، تبدو المواقف غير قابلة للتوفيق، ويخطط الطرفان لجولة ثانية في الأيام المقبلة. لكن من المرجح أن تستمر المناقشات وستعتمد حتما على الوضع على الأرض، ولكن أيضا على قدرة كل طرف على تقديم التنازلات.
وفي الوقت نفسه، مع الصراع، يتم التشكيك في أشياء كثيرة. هل ستؤدي هذه الحرب إلى إعادة توازن القوى العالمية؟ هل تتجه نحو نهاية العالم أحادي القطب المولود من سقوط الاتحاد السوفياتي؟ نحو حرب باردة جديدة أم نحو عالم متعدد الأقطاب؟ ربما يكون من المبكر الإجابة على كل هذه الأسئلة. لكن التغييرات تلوح في الأفق بالفعل. الصين هي الرابح الأكبر. إنها تتصرف بحذر شديد وذكاء شديد. "إنها تحاول الحفاظ على توازن عادل، ولكن قبل كل شيء للاستفادة من التنافس بين روسيا والغرب". وبحسب الخبراء، فإن بكين مثل موسكو، على الرغم من اختلافها حول قضايا معينة، لم تعد تريد عالماً أحادي القطب حيث الولايات المتحدة هي المهيمنة. وهم ينوون استغلال هذا الصراع لإعادة توازن القوى.
تمثل الحرب في أوكرانيا، أكثر من مجرد صراع، إنها نقطة تحول في التاريخ، وهي بلا شك الأهم منذ سقوط جدار برلين وتفكيك الكتلة الشرقية، اللذين يمثلان إهانة لروسيا ومكانتها العالمية. هذا ليس هجومًا بسيطًا من قبل دولة ضد دولة أخرى ، ولكنه اضطراب جيوسياسي كوكبي. محاولة لتأسيس نظام عالمي جديد. أو فوضى جديدة.
اضطررنا إلى الانتظار حتى صباح الهجوم، الساعة 5:45 صباحًا بتوقيت موسكو، أعلن فلاديمير بوتين، الذي كان يرتدي ربطة عنق حمراء، ووجهه مغلقًا، بدء "عملية عسكرية خاصة" في بيان مسجل مسبقًا لفهم أن الرجل الذي كان على رأس روسيا منذ ما يقرب من ثلاثة وعشرين عامًا لم يكن مخادعًا وأن جيشًا من 200000 رجل كان قد جمعه لمدة ثلاثة أشهر على حدود أوكرانيا كان هناك لتأديب أوكرانيا فبوتين يرفض توصيف عمله العسكري بالغزو أو الاعتداء.
لم تكن مجرد صدمة للسياسة الأمريكية على موقع تويتر. لقد كانت بمثابة صدمة للعديد من كبار النقاد وصناع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا وحتى أوكرانيا. كان رئيس المخابرات الألمانية قد أؤخذ على حين غرة لدرجة أنه كان لا يزال في كييف وكان لا بد من إجلاؤه.
ولكن إذا كان هناك العديد من الأشخاص الذين كانت الصدمة عنيفة عليهم بشكل خاص، فإن المتخصصين الجيوسياسيين العاملين في روسيا هم الذين اتفقوا في الغالب على أن بوتين لن يخوض مثل هذه الحرب أبدًا.
قبل أسبوع من بدء الغزو، أخبر السير جون ساويرز، الرئيس السابق لـ MI6، وكالة المخابرات البريطانية (المنصب "M" في جيمس بوند)، والذي يمكن اعتباره خبيرًا بشكل خاص في هذا الأمر، بعض المقربين منه: "فكرة أن بإمكان بوتين غزو أوكرانيا بأكملها، والإطاحة بالحكومة في كييف واحتلال البلاد لسنوات قادمة، لم تكن أبدًا واقعية حقًا بالنسبة له".
حتى بين القادة الذين كانوا يعلنون منذ أسابيع أن هجومًا كبيرًا وشيكًا، سُمعت المفاجأة. قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، محاولًا مخاطبة الشعب الروسي للحظة: "لا أصدق أن هذا يتم باسمك". أو أنك تريد حقًا أن تكون في وضع المنبوذ الذي سيجلبه هذا الفعل الآن لنظام بوتين ". لم يعد الكرملين "نظامًا"
ومع ذلك، فإن عبارة "نظام بوتين"، التي ظهرت في كل محادثة حول السياسة الروسية منذ ما يقرب من عشرين عامًا، تذهب إلى حد ما لتفسير سبب خطأ الكثير من الأشخاص الذين اعتقدوا أنهم يفهمون روسيا بشأن الصراع مع أوكرانيا. لقد أصبح من الواضح الآن أن الكرملين لم يعد، كما يعتقد الكثيرون، "نظامًا" (أي نظام حكم يستطيع فيه كثير من الناس، من المسؤولين الأمنيين إلى المليارديرات، التأثير في صنع القرار). الحرب في أوكرانيا تستدعي فهم دوافع بوتين ومايدور في رأسه. وبدلاً من ذلك، أصبحت روسيا، وفق ما يسميه علماء السياسة، بالديكتاتورية الشخصية، أي نظام تحدد فيه أهواء رجل واحد ورجل واحد كل السياسات. يكفي أن نقول على الفور أن ما يعنيه هذا أمر هائل بالنسبة لروسيا كما هو الحال بالنسبة لبقية العالم.
يميل الأمريكيون إلى رؤية العالم بالطريقة التي يصورها جو بايدن في خطاباته، مع وجود انقسام حاد ومتميز بين "الديمقراطيات" و "الأنظمة الاستبدادية". لكن الحقيقة هي أن الطيف السياسي للدول الاستبدادية يعتمد على القوة التي يمارسها فرد واحد (وحيث يجلس البلد على هذا الطيف يكون له تأثير واضح على قضايا الحرب والسلام). في أحد طرفي هذا الطيف، لدينا أنظمة يحكمها مدنيون، مثل الصين تحت حكم هو جينتاو أو الاتحاد السوفيتي بقيادة ليونيد بريجنيف، حيث يتم تقاسم السلطة مع حزب سياسي يشرف على الحاكم. في الطرف الآخر، لدينا ديكتاتوريات شخصية متميزة وفريدة، على سبيل المثال، صدام حسين، حيث يتم القضاء على المنافسين، ويكافأ الموالون، ويتم ترسيخ عبادة الشخصية وكل السلطة بيد القائد المجيد الأوحد. تشير الأدبيات الجيوسياسية إلى أن الديكتاتوريات الشخصية لا يمكن التنبؤ بها وهي الأكثر خطورة على العالم الخارجي من الأنواع الأخرى من الأنظمة الاستبدادية.
لقد وجد الباحثون أنهم أكثر عرضة لبدء الحروب، على سبيل المثال (الأنظمة المؤسسية التي يقودها المدنيون من المرجح أن تستخدم القوة مثل الديمقراطيات) وأنهم يميلون أيضًا إلى رؤية نتائج أسوأ من الناحية العسكرية (وهو أمر لا يثير الدهشة بالنظر إلى أنهم " عادة ما يكونون محاطين بأشخاص يقولون نعم لهم طوال الوقت). لكن لو من غير المرجح أن تطلق الأنظمة المدنية صراعات مدمرة وغير مدروسة على المدى القصير، لكنها مع ذلك يمكن أن تشكل قنابل موقوتة حقيقية على المدى الطويل.
هذا لأنهم مع تقدمهم في السن، تضعف هياكلهم المعقدة في النهاية وتسمح للديكتاتوريين بتوطيد سلطتهم الشخصية التي يمارسونها. في دراسة مقبلة ستنشر قريباً، أوضح أندرو ليبر وماثيو رايشرت من جامعة هارفارد وكريستوفر كاروثرز من جامعة بنسلفانيا أن هذه الظاهرة تميل إلى الحدوث عندما لا يعود الحرس القديم موجودًا، وغياب تأثير النخب السياسية لإيقافهم. كل هذا يلخص إلى حد كبير ما حدث مع روسيا خلال العشرين عامًا الماضية. لطالما اعتبر العديد من الناس حول العالم فلاديمير بوتين ديكتاتورًا، لكن حتى الآن لم يفعل ذلك معظم المحللين والسياسيين في روسيا.
فأغلب الناس حول العالم يتسرعون في وصف فلاديمير بوتين بأنه ديكتاتورًا، إذا كانوا مهتمين قليلاً بالأخبار، لكن حتى الآن لم يكن هذا هو الحال بالنسبة لمعظم المحللين والسياسيين في روسيا. وإذا نظرنا إلى ما يقرب من ثلاثة وعشرين عامًا حكم خلالها بوتين روسيا، فمن الواضح أنهم كانوا محقين في التفكير في ذلك لفترة طويلة. في الواقع، كان نظامًا معقدًا، مارس فيه الكثير من الناس نفوذهم وكان بإمكانهم كبح اندفاعات بوتين.
وصل فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 1999، بعد أن رشحه بوريس يلتسين خلفًا له. في ذلك الوقت، كان رجلاً شعوبيًا وشبه ديمقراطيًا، أقرب إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منه إلى بوتين اليوم. خلال الانتخابات المزورة لعام 2004، تحول إلى سلطوية خالصة وبسيطة. ومع ذلك، في نظر السفارة الأمريكية، حتى عندما عين دميتري ميدفيديف كرئيس دمية من عام 2008 إلى عام 2012، كانت حكومته تشبه حكومة نظام متأثر بحكم القلة والمستشارين الأمنيين.
ربما تكون الاحتجاجات الكبرى ضد الحكومة قد غيرت تفكير فلاديمير بوتين، الذي بدأ في إحكام قبضته على السلطة عند عودته إلى الرئاسة في عام 2012. وكما أشار ليبر وشركاؤه، لم يكن أحد في روسيا في ذلك الوقت في موقف لتحديه. ولكن حتى عندما قرر في عام 2014 ضم شبه جزيرة القرم، لم يتخذ القرار إلا بعد ليلة من المناقشات المكثفة مع مستشاريه في الكرملين (وبعد التكليف سراً بإجراء استطلاعات الرأي). كان لا يزال هناك ما يشبه "النظام"، على الرغم من أنه كان على يقين من أن بوتين قد تمسك بزمام الأمور بحزم.
بوتين الرجل الوحيد في حكومته:
وهذا يقودنا إلى اليوم. أحد الأسباب الرئيسية وراء اعتقاد العديد من نقاد السياسة الخارجية أن روسيا كانت تخادع بشأن الغزو هو أنهم افترضوا أن بوتين لم يكن يتخذ قراراته بمفرده. كان هذا الافتراض بمثابة أساس الكثير من الإستراتيجيات الغربية.
يعتقد الخبراء أن تهديد الأوليغارشية الروسية بفرض عقوبات، على سبيل المثال، من شأنه أن يشجع الدائرة الخاصة لبوتين على معارضة الحرب، وهذه حماقة. كان يُعتقد أن تقديم حلول وسط، مثل التغييرات في الدستور الأوكراني، أو الحكم الذاتي لمنطقة دونباس بموجب اتفاقية مينسك، التي لم تحترمها وتنفذها كييف ولا الغرب الضامن للاتفاقية، أو وقف توسع الناتو لمدة عشرين عامًا، قد يرضي الجهات الفاعلة العقلانية للنظام، على الرغم من أن بوتين نفسه كان أكثر طموحًا. كان من المفترض أن تثير التهديدات بفرض عقوبات اقتصادية القلق بين الأوليغارشية الروسية بشأن رد فعل الرأي العام. إن احتمال وقوع خسائر فادحة فيما كان من المؤكد بالفعل أنها حرب غير شعبية أقنع الكثيرين أن نظامًا لديه أدنى اهتمام بالرأي العام لن يقوم بذلك. لكن الغربيين أن العقوبات الاقتصادية ليست فعالة إلا لبعض الوقت، كما تعلمنا العصور الوسطى، لكن العالم يدرك الآن أن حكومة بوتين تتكون بالفعل من فلاديمير بوتين فقط. ويبدو أنه لم يعد يهتم بما ستعنيه الحرب بالنسبة لأصحاب المليارات الروس، ناهيك عن الأشخاص الصغار.
لقد فهم الجميع ذلك فجأة خلال الجلسة المذهلة لمجلس الأمن الروسي قبل أسبوع. في قاعة سانت كاترين الكبيرة والمزخرفة في الكرملين، غرفة العرش الإمبراطورية السابقة حيث تم الإعلان عن ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، جمع بوتين كبار مساعديه "للتشاور معهم" بشأن الاعتراف باستقلال ما يسمى جمهوريات لوهانسك ودونيتسك الشعبية.
لم يبد على معظمهم شعورًا بعدم الارتياح فحسب، بل بدا أيضًا رئيس المخابرات الخارجية الروسية سيرجي ناريك خائفًا حقًا - لدرجة عدم معرفة ما إذا كان يُسأل عما إذا كان سيرحب بالجمهوريات داخل روسيا نفسها أم لا أو ببساطة ما إذا كان ينبغي الاعتراف بها على أنها مستقلة.
من الأرجنتين إلى فنزويلا، انقسمت أمريكا اللاتينية ضد أوكرانيا:
كان التغيير نفسه أكثر وضوحًا في قاعة سانت كاترين بعد بدء القتال، حيث استدعى بوتين كبار رجال الأعمال في البلاد لما وصفته الصحافة الغربية بأنه "اجتماع لحكم القلة". ومع ذلك، كما أشار ماكس سيدون، رئيس مكتب الفاينانشيال تايمز في موسكو، على نحو ملائم، فإن القليل من الحاضرين يشبه الصورة التي يمتلكها المرء عن الأوليغارشية: المليارديرات المستقلون والقويون والمؤثرون، مثل أولئك الذين هيمنوا على روسيا في التسعينيات. بدلاً من ذلك، كان الحاضرين في "اجتماع الأوليغارشية"، بشكل عام، مديري شركات مملوكة للدولة من أجهزة المخابرات أو أصدقاء بوتين الذين أصبحوا أثرياء، رجال يدينون بمناصبهم لبوتين، وليس العكس، الرجال الذين عملوا كبديل له مثل ميدفيديف، ورجال قش في المستويات العليا من الاقتصاد. لفهم موقفهم السياسي، يكفي سماع نكتة شائعة في موسكو: "إنهم ليسوا أوليغارشيين، إنهم يعملون فقط كحكم الأقلية". فالمكان الوحيد الذي يجب أن تكون فيه لفهم هذه الحرب هو داخل رأس فلاديمير بوتين.
في هذه المرحلة، فإن تحليل ما قد تفعله روسيا بعد ذلك هو إلى حد كبير تخمين في عقلية بوتين. (كما قال توم فريدمان من صحيفة نيويورك تايمز، "المكان الوحيد الذي يجب أن تكون فيه لفهم هذه الحرب هو داخل رأس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.")
تزخر الصحافة بالتكهنات حول صحته العقلية. والآن بعد أن أمر القوات النووية الروسية بوضعها في حالة تأهب قصوى، فإننا مضطرون جميعًا إلى النظر في احتمال أن يتصاعد هذا الصراع بطريقة ما إلى دمار نووي شامل. على أي حال، ليس من الواضح من يمكنه منع بوتين من التصرف بشكل غير عقلاني.
العزلة تخلق جنون العظمة:
لكن كيف لم ير الكثير من الناس أن بوتين ونظامه قد تغير؟ يكمن جزء من الإجابة في حقيقة أن السلطة كانت في يد بوتين لفترة طويلة بحيث ظلت التحليلات، في معظمها، مجمدة في الماضي. أصبحت رؤية روسيا التي يسيطر عليها "الأوليغارشية" أسطورة ولم تتغير بالتصفية الفعالة لهم كطبقة. (لم يكن من المفيد أن يعرف الغربيون العديد من المليارديرات الروس الذين التقوا بهم في منتدى دافوس، لكنهم لا يعرفون المسؤولين الأمنيين الذين اعتنقوا بشكل متزايد نوع القومية الدينية التي يبدو أنها كسبت بوتين).
كما جعل الوباء من الصعب على الغرباء ملاحظة انحدار بوتين الواضح إلى العزلة المصابة بجنون العظمة. في السنوات الأخيرة، من الواضح أنه حصر نفسه في إجراءات صارمة للغاية في الحبس الشخصي والمباعدة الجسدية التي ربما تكون قد أثرت على حكمه. أصبح الطول العبثي للطاولات التي يجلس عليها بوتين أثناء الاجتماعات رمزًا لعزلته كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيجد، في بداية فبراير، أن بوتين كان "رجلًا مختلفًا تمامًا" عن الشخص الذي التقى به آخر مرة، في عام 2019.
أخيرًا، فشل التحليل الغربي لروسيا لأنه يعتمد على تحليل الروس لمجتمعهم، والذي فشل بشكل أكثر كارثية. في الداخل، استهانت فئة من الخبراء الذين تم تشديدهم بسبب عقود من الدعاية بالعواقب التي خلفها التفكيك الممنهج للصحافة الروسية على قدرتهم على معرفة ما يجري داخل الكرملين. يضاف إلى هذا الموقف إنكارًا معينًا، مما يفسر أنه أصبح أمرًا مرعبًا للغاية بالنسبة لهم أن يتخيلوا أن الروس عاشوا في ظل دكتاتورية حيث اختفت جميع الضمانات.
على الرغم من انتشارها في الولايات المتحدة، إلا أن فكرة أن روسيا مجتمع معتاد على الطغاة تخطئ الهدف تمامًا. كان الاتحاد السوفياتي ما بعد ستالين نظامًا استبداديًا يحكمه بشكل جماعي مدنيون، وليس نظامًا لشخص واحد. كان بوتين يبلغ من العمر أقل من 5 أشهر عندما توفي ستالين، مما يعني أن القدرة على اكتشاف العلامات الواضحة لتأسيس ديكتاتورية شخصية بعيدة جدًا بالنسبة للروس مثل هتلر بالنسبة للألمان. ما الذي يمكن أن نتوقعه الآن بعد أن اتخذ بوتين الخطوة التالية؟ لسوء الحظ، تترك الأدبيات المتخصصة هذا الملف الشخصي وتتخيل مستقبلاً قاتماً للروس. كما يمكن أن تتنبأ الدراسات، فإن الهجوم على أوكرانيا لم يسير على ما يرام. ومع ذلك، وفقًا لمجموعة بيانات عام 2009، فقد 12.5٪ فقط من الديكتاتوريات الشخصية السلطة في غضون عامين من خسارة الحرب. تشير الأبحاث التي أجراها ديشا جيرود وميجان ستيوارت وماير والترز في جورجتاون إلى أن المستبدين الأثرياء بالنفط لديهم وقت أسهل في قمع المعارضة في الداخل بينما يقاومون الضغط الدولي.
بعد ثلاثين عامًا من تفككه، هل الاتحاد السوفياتي في طور إعادة تشكيل نفسه في آسيا الوسطى؟:
تُظهر أبحاث أخرى أيضًا بشكل شامل أن القادة مثل بوتين يميلون إلى فقدان السلطة فقط عندما يموتون أو يُطيحون في انقلاب. كلما زادت قوة إضفاء الطابع الشخصي على الحكومة، كان من الصعب تنفيذ انقلاب، ولكن من الصعب تخيل انتقال سلمي للسلطة في روسيا، فبوتين باقي عل رأس السلطة لغاية نهاية عام 2035.
ومع ذلك، هناك بصيص أمل. من بين أغنى الدول الاستبدادية في العالم، يمكن القول إن روسيا هي الدولة الوحيدة التي شهدت لفترة وجيزة، في مرحلة ما من تاريخها الحديث، بعض مظاهر الديمقراطية والحرية (لا يزال النقاش حول ما إذا كان المرء لا يزال يعتبر تركيا دولة ديمقراطية). كل الآخرين - ممالك النفط في الخليج والصين وسنغافورة وكازاخستان - لم يعرفوا شيئًا سوى الحكم الشمولي. قد يدفع هذا بعض النخب الروسية والمواطنين العاديين إلى الرد بدلاً من القبول بتكثيف الاستبداد. تفرض حرب بوتين بالفعل نظامًا قمعيًا جديدًا على المجتمع، والعقوبات الدولية تعزله عن الاقتصاد العالمي.
في كلتا الحالتين، إنها خطوة إلى الوراء بالنسبة للروس، إلى دولة أقرب إلى الاتحاد السوفياتي من أي وقت مضى - مهمة أكثر صعوبة بكثير مما حاول الدكتاتوريون الشخصيون الآخرون. مثلما ثبت أن غزو أوكرانيا أصعب مما توقعه بوتين، كذلك يمكن للقمع.
بعد ثلاثين عامًا من تفكك الاتحاد السوفيتي، أصبح الاتحاد الروسي نشطًا بشكل خاص في العديد من الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية السابقة (SSR). تذكير بالحقائق: منذ فبراير 2014، في أوكرانيا، تم تفعيل جميع أدوات الضغط (العسكرية، والإعلامية، والاقتصادية، والثقافية، والدينية، إلخ) لمنع حكومة كييف من تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والناتو كانت المناورات العسكرية واسعة النطاق بالقرب من الحدود الأوكرانية بمثابة تذكير قوي بهذا في ديسمبر 2021.
منذ أغسطس 2020، جددت روسيا دعمها في بيلاروسيا وعززت سيطرتها على رئاسة لوكاشينكو، التي تعرضت لعقوبات من قبل الاتحاد الأوروبي بسبب التزوير الانتخابي والقمع المكثف. منذ صيف عام 2020 والحرب الجديدة في ناغورنو كاراباخ، لعبت دور قوة الفصل بين أرمينيا وأذربيجان - وهما من الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية السابقة. أخيرًا، في 6 يناير 2022، نشرت روسيا 3000 جندي في كازاخستان، بناءً على طلب الرئيس توكاييف، للرد على أعمال الشغب الدموية الناجمة عن الارتفاع الحاد في أسعار الغاز.
ما هو هدف روسيا في هذه الدول المستقلة عنها منذ عام 1991 ومن أجل هذه الدول المستقلة عنها؟ هل هو علاج "لأكبر مأساة وقعت في القرن العشرين"، وهو تفكك الاتحاد السوفيتي، حسب التعبير المعروف للرئيس الروسي؟ هل هو تشكيل "عصبة من الأنظمة القوية" لتجنب العدوى الديمقراطية في الدول ذات التعايش التاريخي مع روسيا؟ في حين أن خطاب الحرب الباردة ملائم، إلا أنه لا ينبغي أن يكون مضللًا: فروسيا اليوم ليس لديها أهداف إمبريالية ولا رسالة عالمية. دفاعًا شديدًا عن "الجليد الاستراتيجي"، المجمد في عبادة النظام الاستبدادي، فهو مستوحى من الإمبراطور نيكولاس الأول (1825-1855) الذي خنق جميع الحركات الثورية في جميع أنحاء أوروبا باسم الملكية المطلقة ... وللمصالح الروسية في إطار التحالف المقدس الذي تشكل ضد الثورة الفرنسية وورثتها.
نحو عصبة أنظمة استبدادية؟
في نور سلطان (أستانا سابقاً) اليوم، كما في مينسك ودمشق أمس، من أولويات الدبلوماسية الروسية خنق أي حركة تمرد، بما في ذلك عن طريق الوسائل العسكرية لدعم الأنظمة القائمة. في الواقع، أثارت كازاخستان بوحشية مخاوف بشأن صلابة النظام الذي أسسه نور سلطان نزارباييف عام 1991 واستمر على يد قاسم جومارت توكاييف منذ عام 2019. ظاهريًا، لا شيء يشير إلى "وضع ما قبل الثورة" في هذه الدولة، الأكثر اكتظاظًا بالسكان، والأكبر (2.7 مليون كيلومتر مربع) أغنى جمهوريات آسيا الوسطى القديمة.
مع عدد سكان متعلم يبلغ 19.2 مليون نسمة، ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي المريح (25600 دولار في تعادل القوة الشرائية)، واحتياطيات كبيرة من الهيدروكربونات واليورانيوم، تتمتع كازاخستان باستقرار سياسي ملحوظ تحت قيادة "رئيسها المؤسس" نور سلطان نزارباييف. علاوة على ذلك، يبدو أن انتقال السلطة بين نزارباييف وتوكاييف حدث بشكل سلس، دون ثورة في القصر: لم يكن على الرئيس السابق أن يفر من البلاد بمجرد أن أصبح اسم خليفته معروفًا. باختصار، أحبت كازاخستان أن تقدم نفسها على أنها "الطالب الجيد" لآسيا الوسطى.
في نهاية شهر ديسمبر، أثار ارتفاع أسعار الغاز والوقود مظاهرات ثم أعمال شغب عنيفة في جميع أنحاء البلاد، أولاً في المحافظات قبل الوصول إلى المدن الكبرى. في السؤال على وجه الخصوص: طلب محلي أكبر من ذي قبل مرتبط بإنتاج ناشئ من البيتكوين، وهي عملة مشفرة تستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة. تعد كازاخستان بالفعل دولة منتجة رئيسية، خاصة وأن الصين حظرت التعدين داخل حدودها في ربيع عام 2021. ومع ذلك، قررت الحكومة الكازاخستانية طواعية الابتعاد عن هذه الصناعة.
نجح النظام في السيطرة على التمرد، بمساعدة روسية، على حساب خسائر فادحة: تم الإعلان رسميًا عن أكثر من 225 ضحية. قطعت السلطات وسائل الاتصال للحد من احتمالات طلب المتظاهرين للمساعدة الدولية ولكن أيضًا للتنسيق داخليًا من خلال شبكات مثل Telegram. ويبدو بالفعل أن استخدام القوة من قبل الأجهزة الأمنية قليل جدًا. ما لفت انتباه المراقبين بشكل خاص هو التدخل الروسي.
من خلال منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO)، نشرت روسيا وحدة من 3000 جندي مصحوبة بمركبات مدرعة وناقلات أفراد لتأمين البنية التحتية الحيوية للبلاد. كما هو الحال في مينسك في عام 2020، وكذلك في دمشق وكاراكاس، يبدو أن روسيا مدفوعة بحساسيتها للثورات وتغيير النظام في الشوارع. في الواقع، فإن هذا الدعم للديكتاتوريات التي ترتدي ثيابًا قانونية دقيقة يستجيب لهدف داخلي: إظهار حركات المعارضة غير النظامية في روسيا أن أعمال الشغب الاجتماعية ستفشل إذا كانت تهدف إلى ثورة سياسية. وهكذا يجعل فلاديمير بوتين نفسه الوريث الجدير للمستبد نيكولاس الذي ضاعف التدخلات العسكرية في أوروبا ضد جميع الحركات الثورية التي من المحتمل أن تشكك في النظام الملكي، ولا سيما في بولندا.
ومع ذلك، يجب على أصدقاء الديمقراطية في أوروبا وآسيا الوسطى وأوراسيا ألا يبالغوا في تقدير الدوافع الأيديولوجية لروسيا في كازاخستان كما في أي مكان آخر، ولا يفترضوا أن أي شخص يعارض الحكم الاستبدادي هو ديمقراطي. في الواقع، لا تحدد روسيا طبيعة المؤسسات في البلدان المختلفة. إنها تضمن بقاء الأنظمة الضعيفة لكنها لا تملي سياساتها كما كان الحال في أيام الاتحاد السوفيتي. السبب بسيط: إن الرؤساء الذين أنقذتهم روسيا يريدون الاستمرار في التمتع بخطوط عرض معينة في اتجاه بلدانهم التي يرفض سكانها أي إمبريالية روسية.
وهكذا، في كازاخستان، بمجرد تأكيد النظام، سيكون الوجود العسكري الروسي متحفظًا للغاية، باستثناء تقويض سلطة الرئيس توكاييف الذي لا يمكن أن يظهر على أنه "دمية" موسكو. يؤكد إعلان انسحاب القوات الروسية ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي اعتبارًا من 13 يناير 2022 على ما يلي: تريد جمهورية جنوب السودان السابقة (على الأقل ظاهريًا) الحد من الوجود العسكري الروسي على أراضيها.
إعادة بناء المنطقة الجليدية الاستراتيجية:
رأى بعض المراقبين في مداخلة منظمة معاهدة الأمن الجماعي تجسيداً لـ "عصبة الدكتاتوريين". إن مفهوم المحافظين الجدد هذا يجعل من الممكن وصف بعض السمات البارزة، مثل حقيقة أن هذه الأنظمة، لا تكتفي بمساعدة بعضها البعض، تزرع نفس الإطار لقراءة الحركات الاجتماعية التي توصف بأنها "أعمال إرهابية"، "انقلابات أثارها مؤامرات "غريبة" أو بتحريض من حلف الناتو. لكن فكرة رابطة الدكتاتوريين لا تأخذ في الحسبان التوازن الحقيقي للقوى في هذه الأماكن. في كازاخستان كما في أي مكان آخر، يشكل تشكيل "رابطة الديكتاتوريين" أولوية أقل بكثير بالنسبة للكرملين من تعزيز مصالحه الإستراتيجية. في الواقع، يعد التدخل الروسي في كازاخستان فرصة لروسيا للتغلب عليها تقوية العلاقات الإستراتيجية التي توترت منذ التسعينيات.

بعيدًا عن كونها تابعة لروسيا، سعت هذه الدولة الواقعة في آسيا الوسطى في الواقع إلى الخروج من هذه المواجهة الاستراتيجية: فتحت نفسها على نطاق واسع للاستثمارات الأوروبية والصينية والتركية. في عام 1994، انضمت إلى شراكة الناتو من أجل السلام؛ في عام 2014، رفض دعم ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، إلخ. بمعنى آخر، حاول تتبع مساره الدبلوماسي في جميع المؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، منظمة شنغهاي للتعاون ...).
لذلك فإن التدخل الروسي يهدف إلى تهدئة رغبة الرئاسة الكازاخستانية في الاستقلال. بعد انتهاء العمليات القمعية وبمجرد توطيد نظام توكاييف، سيصبح اعتمادًا أكبر على موسكو، تمامًا مثل الرئيس لوكاشينكو في بيلاروسيا أو أرمينيا نيكول باشينيان. في كل الجمهوريات السابقة المتأثرة بالغرب، تحاول روسيا إعادة ترسيخ نفوذها: في أوكرانيا من خلال استراتيجية التوتر، وفي القوقاز من خلال تبني موقف الوسيط، وفي كازاخستان من خلال لعب دور حامي الرئاسة المتنازع عليها.
في كل هذه السياقات، لا يعتبر فلاديمير بوتين خليفة للإمبراطور نيكولاس الأول بقدر ما هو وريث رؤية جوزيف ستالين التي تهدف إلى تزويد روسيا بمناطق جليدية دفاعية لتجنب الاتصال المباشر بالغرب. قضية رئيسية بالنسبة للنظام هنا هي الاستقرار. في الواقع، يراهن العديد من المحللين الروس على أن النظام العالمي سيكون غير مستقر للغاية على مدى السنوات العشر القادمة على الأقل، مع إضعاف القوى الغربية ضد القوى الناشئة. في هذا السياق، يعتقد هؤلاء المحللون أن على روسيا أن تشكل قطبًا للقوة في العولمة، خاصة بفضل الرافعات العسكرية والطاقة، من خلال دعم الأنظمة التي تروق لها، أكثر من الديكتاتوريين أنفسهم. اليوم، روسيا ليست عصبة من الأنظمة الاستبدادية: إنها تحيط نفسها بمنطقة نفوذ تسيطر عليها جزئيًا فقط. ولكن ألن يكون اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية عندئذٍ لا يذكر اسمه؟
التجذير في أوراسيا:
هل إعادة تشكيل الاتحاد السوفياتي هو أفق السياسة الخارجية الروسية، ولا سيما في آسيا الوسطى؟ لا شيء أقل تأكيدًا، لأن الدبلوماسية الروسية تدرك جيدًا العديد من التغييرات الأساسية في أوراسيا.
من ناحية أخرى، لا تمتلك روسيا الوسائل الاقتصادية ولا الموارد السياسية لـ "الاحتفاظ" بآسيا الوسطى. لذلك يجب أن تعرف كيف تحدد أولوياتها وإلا فإنها ستستنفد مواردها الداخلية التي تظل محدودة. من الواضح أن كازاخستان إحدى هذه الأولويات. بدون هذا البلد، لن يكون للاتحاد الاقتصادي الأوراسي حجم حرج. كما أتاح حشد منظمة معاهدة الأمن الجماعي إمكانية حماية البنية التحتية الفضائية الحيوية بسرعة في بايكونور. أصبحت آسيا الوسطى اليوم متنوعة للغاية بحيث لا يمكن أن تتبع سوى روسيا، ولكن مع كل ذلك احتلت الأخيرة موقعًا، ولفترة طويلة.
لم يعد السؤال هو ما إذا كان بوتين سيهاجم دولة ، ولكن أيها سيهاجم:
من ناحية أخرى، في آسيا الوسطى، يتم تحدي الهيمنة التاريخية لروسيا من قبل جهات فاعلة جديدة، أقوى بكثير مما كانت عليه خلال الحقبة السوفيتية: جمهورية الصين الشعبية وجمهورية تركيا. حتى لو كانت بلدًا حدوديًا بالنسبة لها، فإن الصين تدعم التدخل باسم مكافحة الإرهاب واستقرار النظام الكازاخستاني. تستنكر بكين القوى الخارجية التي تولد عدم الاستقرار الاجتماعي وتحرض على العنف، وهو ما يصححه تدخل منظمة معاهدة الأمن الجماعي. الجهات الفاعلة الأخرى تنتظر وتترقب بشكل أكبر فيما يتعلق بالطريقة التي يتطور بها الوضع.
أكثر من كونها تشكل إمبراطورية في منطق توسع قوتها، فإن طموحات روسيا هي كبح التأثيرات الأجنبية (ليس فقط الأمريكية، ولكن التركية والصينية أيضًا) في هذه المساحات الأساسية لأمنها وموقفها الاستراتيجي. يمر هذا الطموح عبر الثقافة وإعادة تأكيد الارتباط بروسيا: أعلنت رئيسة مجموعة RT، مارغريتا سيمونيان، على سبيل المثال، على تويتر رغبتها في رؤية اللغة الكازاخستانية مكتوبة بالأبجدية السيريلية (يجب أن تتحول إلى الأبجدية اللاتينية في عام 2025)، لجعل الروسية لغة الدولة الثانية أو "ترك المدارس الروسية وشأنها"، على حد تعبيرها.
إن تدخل منظمة معاهدة الأمن الجماعي ليس إحياءً للإمبراطورية القيصرية أو الاتحاد السوفيتي، لكنه يدل على وجود عسكري روسي لسنوات عديدة قادمة، بموافقة الصين. يبقى هناك سؤال جوهري: ما رأي الكازاخستانيين في ذلك؟ الجواب معطى من قبل الشغف الذي سلطت به رئاسة توكاييف الضوء على انسحاب القوات الروسية في وقت مبكر من 13 يناير 2022، بعد انتهاء العمليات القمعية مباشرة.
عودة للاستراتيجية الروسية في أوكرانيا:
تتوقف نتيجة الأزمة في أوكرانيا إلى حد غير عادي على نوايا رجل واحد: نوايا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. في الأسابيع الأخيرة، منذ انهيار النظام الروسي فيكتور يانوكوفيتش والغزو المفاجئ لشبه جزيرة القرم من قبل موسكو، كان المحللون يحاولون بأي ثمن الوصول إلى رأس الزعيم الروسي.
عندما ظهر جنود روس بلا شارة في شبه جزيرة القرم، كان الافتراض الأولي هو أن بوتين كان استراتيجيًا ذكيًا استغل ضعف الحكومة المركزية وأغوى السكان المحليين القابلين للتأثر، مقتنعين بالدعاية الروسية التي شجبت الحكومة الفاشية في كييف. كان يعتقد أنه كان ذاهبًا للتفاوض من أجل بعض التنازلات، لكنه لم يكن مجنونًا لدرجة المخاطرة بحرب مع الناتو وتعريض سنوات من الجهود لتحسين صورة روسيا في الاتحاد الأوروبي للخطر. اعتقد الجميع أن بوتين كان يلعب بالنار فقط.
ولكن عندما استقر المحتلون ووافق برلمان القرم على استفتاء للانضمام إلى روسيا - بدعم من الحكومة الروسية - تغيرت الآراء. واليوم، يعتقد البعض أنه بعيدًا عن أن تكون أفعال بوتين ردة فعل سريعة، فهي جزء من حملة أكبر لاستعادة الاتحاد السوفيتي، وتوحيد جميع الروس في الإمبراطورية السابقة أو الاستيلاء على جميع أنحاء أوكرانيا.
يذهب آخرون إلى أبعد من ذلك بالزعم أن بوتين فقد عقله وإنه يخوض استراتيجية الرجل المجنون.
هناك نظرية تقول بأن الرئيس الروسي يصور نفسه في إعادة تمثيل للحرب العالمية الثانية حيث يحارب النازيين. هناك فرضية أخرى تقول إنه يعيش في فقاعة، والتي تفترض أن بوتين عزل نفسه عن العالم ولا يستشير سوى مستشاري الكي جي بي القوميين السابقين الذين يفكرون مثله ويمقتون الولايات المتحدة.
وهناك نظرية الغضب الأعمى التي مفادها أن بوتين، بعد أن فقد حليفه في أوكرانيا، يتصرف بدافع الضغينة من خلال مهاجمة هدف سهل.
أفعال المجنون المفرط في القومية والتآمرية:
المؤتمر الصحفي الذي عقده بوتين في 4 مارس، حيث يسيل لعابه على المؤامرات الأجنبية ويناقض نفسه باستمرار، يجادل لصالح فرضية الاضطراب العقلي. بعد التحدث إلى الرئيس الروسي، علقت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بصراحة أنه يبدو "في عالم آخر". ربما يكون بوتين منزعجاً بالفعل. تتوافق أفعاله تمامًا مع تصرفات رجل مجنون قومي مفرط في التآمر لا يهتم بالعواقب بالنسبة لروسيا أو على نفسه. لكنها قد تعكس أيضًا احتمالًا آخر - أن بوتين يلعب بالنار ببساطة، ولكن بطريقة عقلانية للغاية.
لفهم الكيفية، دعونا نلقي نظرة على مفهوم نظرية الإستراتيجية التي عرضها توماس شيلينج عن "عقلانية اللاعقلانية". مثال على ذلك لعبة التفريغ، حيث يندفع سائقان بأقصى سرعة تجاه بعضهما البعض بسياراتهما، وحيث يخسر أول من ينحرف عن مساره. السائق الذي يبدو مجنونًا بما يكفي لتفضيل الموت على فكرة التخلص من المأزق، سيكون دائمًا له الأفضلية على الآخر. لذلك، فإن إقناع خصمك بأنك غير عقلاني هو قرار عقلاني.
بالعودة إلى الاستعارة الأصلية، يطلق عليه اللعب بالنار لأن المفاوض مستعد لتحمل المخاطر؛ أفضل تكتيكي هو الذي ينجح في جعل الآخرين يعتقدون أنه لا يمانع في التعرض للحرق. جرب الرئيس ريتشارد نيكسون هذا النهج خلال مفاوضاته مع الفيتناميين الشماليين، عندما أعلن أنه مستعد لاستخدام الأسلحة النووية لإنهاء الحرب (الفيتناميون لم يصدقوه).
بقدر ما يتعلق الأمر بأوكرانيا، إذا كان بوتين يحاول بعقلانية أن يبدو غير عقلاني، فهذا نجاح باهر.
في ضوء المناقشات المقلقة في دوائر السياسة الخارجية الغربية حول تعبئة حلف الناتو، وإدارة الانقسام المحتمل عن أوكرانيا وفكرة وجود دولة فاشلة على حدود الاتحاد الأوروبي، سيشعر الكثيرون بالارتياح لإيجاد طريقة بتخفيف الأزمة عن طريق أخذ أي من مطالب بوتين على محمل الجد - بمجرد أن يلفظها (مصدر إزعاج إضافي: كلما انتظر بوتين لفترة أطول قبل أن يعلن عن رغباته لنظرائه، زاد عدد هذه الطلبات - وستكون محمومة وكلما زادت احتمالية حدوث ذلك. منح الامتيازات التي كانت تبدو في السابق غير مقبولة لهم).
رهان محفوف بالمخاطر:
بعد استفتاء 16 آذار / مارس، حيث "صوت" 97٪ من الناخبين لصالح ضم القرم إلى روسيا، فإن حقيقة ضياع شبه جزيرة القرم فقط (رسميًا أو في الواقع) قد تبدو انتصارًا في نظر الحكومة الأوكرانية وأنصارها. وبالمثل، نظرًا للمخاوف من غزو روسي واسع النطاق لأوكرانيا، قد يبدو الحكم الذاتي الراديكالي للمناطق الشرقية هو أهون الشرين، حتى لو أعطى روسيا بعض التأثير على السياسة الأوكرانية. حتى الوعد بأن أوكرانيا لن تسعى إلى الانضمام إلى الناتو (على الأرجح على انفراد) يبدو مقبولاً في ظل الظروف الجديدة.
لكن الخطر في هذه الاستراتيجية هو أنك إذا لعبت كثيرًا بالنار، فإنك تخاطر بالتعرض للحرق حقًا. ويقترب بوتين بشكل خطير من ذلك. إن إرسال حافلات من القوميين الروس إلى مسيرات وهمية في شرق أوكرانيا وبث الرعب الأساسي في الحكومة الأوكرانية يهدد بإطلاق العنان للعواطف التي لم يعد بإمكانها السيطرة عليها. يمكن للمرء أن يتخيل بسهولة سيناريوهات قد تؤدي فيها اشتباكات الشوارع العنيفة إلى تعبئة القوات الأوكرانية أو الروسية لحماية معسكرهم، والتي يمكن أن تتدهور بطريق الخطأ إلى نزاع مسلح لا يريده أحد.
لكن هذا هو المبدأ بالضبط: خطر التصعيد غير المقصود يمنح بوتين الأفضلية.
لا أحد يعرف ما إذا كان بوتين يؤجج القلق الغربي ويتظاهر بالجنون عمداً وعلى نحو مدروس. من المحتمل جدًا أنه قضى معظم الأسابيع الثلاثة الماضية يرتجل. ومن المحتمل أيضًا أنه تلقى نصحًا سيئًا وأن تصوره للأحداث مشوه للغاية. ولكن في مواجهة كل التكهنات المحمومة حول ما يجب أن يحدث في رأس الرئيس الروسي المختل، يجدر بنا أن نتساءل ما إذا كان بوتين لا يدرك تمامًا أنه يبدو مجنونًا تمامًا.
من الأرجنتين إلى فنزويلا، انقسمت أمريكا اللاتينية ضد أوكرانيا
بينما انتهى الأمر ببعض الدول إلى إظهار دعمها لكييف، اختار البعض الآخر عدم الانحياز أو الوقوف خلف بوتين، مثل فنزويلا. رياح جديدة من التوترات التي تتطلب يقظة معينة.
نقترح أن تصبح الأرجنتين "بوابة روسيا إلى أمريكا اللاتينية" إلى جانب فنزويلا. تزيين العرض بابتسامة كبيرة وتحية حارة، والتي يعرفها الأمريكيون الجنوبيون. كل هذا، قبل ثلاثة أسابيع فقط من هجوم موسكو على أوكرانيا في 24 فبراير. بالنسبة لرئيس البيرو ألبرتو فرنانديز، لم يكن التوقيت أسوأ من ذلك. ولكن، كما نفت وزارة الخارجية الأرجنتينية على الفور، لم تكن الأرجنتين ضيف بوتين الوحيد. في الواقع، قام إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتز والرئيس البرازيلي جاير بولسونارو برحلة إلى الكرملين خلال شهر فبرايرعندما سقطت القنابل الأولى على أوكرانيا. ومع ذلك، كانت المشاهد الدبلوماسية التي تم لعبها مختلفة تمامًا بين الأوروبيين والأمريكيين اللاتينيين. الصور التي توضح القمم بين المضيف الروسي وضيوفه الأوروبيين تصور وجهًا باردًا وجهاً لوجه، بين ممثلين تفصل بينهما طاولة بحجم خريطة روسيا. من جانبهم، يبدو أن فرنانديز وبولسونارو قد تم استقبالهم بطريقة أكثر دفئًا، كما لو كانا يظهران تقاربًا… وهو أمر قد يبدو محرجاً اليوم.
ماذا نتعلم من الأسبوع الأول من الحرب في أوكرانيا:
لقد تم دحرجة الرئيسين الأرجنتيني والبرازيلي في الدقيق. ذهبوا إلى موسكو مقتنعين بأن الوضع في أوكرانيا لن يزداد سوءًا. استخدمهما بوتين، كما يعتقد كريستوف فينتورا، مدير الأبحاث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (IRIS). كان اهتمام بوتين هو إظهار أنه لم يكن معزولاً وأنه حافظ على علاقات جيدة مع الدول الناشئة، بما في ذلك تلك الموجودة في هذه المنطقة البعيدة، والتي تمثل أهمية بالنسبة للولايات المتحدة مثلما تمثله أوكرانيا بالنسبة لروسيا ".
إحياء العالم الثالث؟
على خريطة العالم لردود الفعل الفورية على الصراع، التي أعدتها Le Grand Continent، أظهرت الأرجنتين والبرازيل، يوم الغزو، مواقف وسيطة، على التوالي إدانة دون رد وعدم إدانة على الإطلاق. في أمريكا اللاتينية، كان الآخرون متحالفين بشكل واضح مع فلاديمير بوتين في بداية الغزو: كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا. منذ ذلك الحين، استعرض البلدان الأولان موقفهما ومضمونهما تحاول اليوم عدم دعم التدخل الروسي. فنزويلا وحدها ما زالت تُظهر دعماً قوياً لروسيا. الكثير من الانقسامات الإقليمية التي ظهرت بعد يومين من بدء الغزو، عندما صوتت منظمة الدول الأمريكية (OAS) لفرض عقوبات على روسيا. امتنعت أربع دول عن التصويت: الأرجنتين والبرازيل ونيكاراغوا وبوليفيا. وفي يوم الأربعاء 2 مارس / آذار، أثناء التصويت على قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة يطالب "روسيا بالوقف الفوري لاستخدام القوة ضد أوكرانيا"، امتنعت كوبا ونيكاراغوا وبوليفيا عن التصويت، بينما لم تشارك فنزويلا في التصويت.
بين عدم الانحياز والدعم المفترض، والمسافة المتساوية والإدانات المتأخرة، ما المنطق الذي يستجيب لردود الفعل المتنوعة هذه والذي يكون بعيدًا بشكل واضح حتى الآن عن ردود فعل الأوروبيين؟ هل تلعب أمريكا اللاتينية دورًا في إحياء العالم الثالث، على حد تعبير عالم الديموغرافيا الفرنسي ألفريد سوفي Sauvy؟ حتى اليوم، من بوينس آيرس إلى كاراكاس، يتم استخدام هذا المفهوم بشكل خاطئ ومن خلال قبوله الاقتصادي، وكذلك قبول "العالم الأول"، لتعيين أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية. "نتحدث بسهولة عن العالمين الموجودين، وحربهما المحتملة، وتعايشهما، وما إلى ذلك، متناسين كثيرًا أن هناك ثالثًا، وهو الأهم، وباختصار، الأول في التسلسل الزمني كتب سوفي. في 14 آب (أغسطس) 1952، في L Observateur أن كل ما يسميه المرء، بأسلوب الأمم المتحدة، هو البلدان المتخلفة.
"تأتي هذه الأزمة في أسوأ وقت بالنسبة للمنطقة، التي تفضل ألا تضطر إلى وضع نفسها بشكل واضح على نحو معادٍ لروسيا" كما يقول كريستوف فينتورا، مدير الأبحاث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (IRIS). علاوة على ذلك، تشير جملة أخرى إلى أهمية المناطق المحيطية في المواجهة بين الشرق والغرب: "ما يهم كل من العالمين هو التغلب على العالم الثالث أو على الأقل وضعه إلى جانبه. ومن هناك تأتي كل مشاكل التعايش ". بدلاً من الحديث عن العالم الثالث، يفضل عالم السياسة الأرجنتيني خوان نيجري استحضار "مناخ من عدم الانحياز، والذي ورث جزئياً بالتأكيد من السبعينيات". أكثر ما يفاجئ، في نظر رئيس مركز العلوم السياسية في جامعة دي تيلا، في بوينس آيرس، هو أن "بوتين قد يكون معاديًا للمثليين ومناهضًا للديمقراطية ... إن القطاعات اليسارية هي التي تدعمه هنا. في أماكن أخرى، المواقف المقربة من ترامب وبولسونارو تتماشى مع الرئيس الروسي ".
يذكر كريستوف فينتورا من باريس بتعددية مواقف بلدان المنطقة: "فيما يتعلق بالشؤون الأوكرانية، أظهرت أمريكا اللاتينية نفسها غير موحدة إلى حد ما. بين الدعم القادم من كوبا أو فنزويلا أو نيكاراغوا والمواقف المحسوبة للدول الأخرى، هناك مسافة كبيرة. ما هو مؤكد أن هذه الأزمة تأتي في أسوأ وقت بالنسبة للمنطقة، التي تفضل ألا تضطر إلى وضع نفسها بشكل واضح كدول معادية لروسيا.
لهذا، وحسب المتخصص في أمريكا اللاتينية، يجب رسم خيطين. الأول يتعلق بالجغرافيا السياسية للقاح في روسيا، والتي قدمت "90 مليون جرعة ضد Covid-19، مما أكسبها [ردًا] أو موقفًا من الامتنان". أطلقت الأرجنتين وبعض جيرانها حملة التطعيم مع Sputnik V، الدرع الوحيد ضد الوباء، في وقت لم تكن فيه الجرعات من المعامل الغربية تصل إليها بعد.
المسار الثاني وهو الأهم هو الشجرة الروسية التي تخفي غابة من الاستثمارات الصينية! يحلل كريستوف فينتورا: "تحافظ روسيا على علاقات مع القارة في القطاعات الإستراتيجية: الزراعة، والطاقة، إلخ". ومع ذلك، لا يتم الاعتماد على الكثير في التجارة الخارجية. حجر العثرة هو الصين، حليف روسيا وثاني أكبر شريك تجاري لأمريكا اللاتينية ". جمعية مزدهرة، منذ الزيادة في حجم التجارة بين الصين وأمريكا اللاتينية، من 2020 إلى 2021، تقدر بنحو 41.1 ٪. إذا عدنا، مع باحث IRIS، إلى الثقافة الدبلوماسية للقارة، فإننا نفهم بشكل أفضل سبب عدم تمكن المعارف مع بوتين من كبح الإعلانات لصالح السلام إلى الأبد. "هناك تقليد من الحياد، يتابع كريستوف فينتورا. إن دبلوماسيات أمريكا اللاتينية مبنية على قناعات كبيرة حول عدة نقاط أساسية: عدم استخدام القوة، وتقرير المصير، والتعددية ... الكثير من المربعات التي لا تضعها روسيا في الاعتبار.
منذ اليوم الأول للصراع، تطورت مواقف قليلة هنا وهناك. هذه ليست حالة بولسونارو، الذي ادعى حياده وتذرع بـ "القضايا العديدة" (بمعنى العمل) التي تربط بين بلدين. في الأرجنتين، انتهى الأمر بوزير الخارجية، سانتياغو كافييرو، بالإعلان عن أن بلاده ستستقبل لاجئين أوكرانيين، إذا طلبت الأمم المتحدة التعاون. أعلن الرئيس فرنانديز أن السلام العالمي "تغير بسبب الغزو العسكري لروسيا"، في خطاب ألقاه أمام الكونغرس، في مواجهة المعارضة اليمينية التي انتهزت الفرصة ورفعت عشرات الأعلام الأوكرانية.
لماذا انتظرت بوينس آيرس طويلاً للانخراط في هذه القضية؟ "بالنسبة لعشيرة كرشينيرسمو kirchnerismo [عشيرة الرئيسة السابقة كريستينا كيرشنر، كان الهدف دائمًا هو تعزيز العلاقات مع الدول غير الغربية، كما يحدد خوان نيجري. هذا الموقف الأيديولوجي مصحوب بعلاقات غير مستقرة مع الولايات المتحدة. تتوافق رحلة فبراير على الفور مع الاتفاقية المبرمة مع صندوق النقد الدولي بشأن الديون. إنها محاولة لإثبات استقلالية معينة. علاوة على ذلك، فإن الأرجنتين، مثل القارة بأكملها، ملزمة بالحفاظ على علاقات جيدة مع الغرب.
هل ستعكس مواقف من هم في السلطة مواقف ناخبيهم أم العكس؟ ربما يُفسر خجل المظاهرات الرافضة للغزو الروسي في عواصم أمريكا اللاتينية بمسافة سوسيولوجية معينة. هل تأثر اللاتينيون بقانون ميل الموت؟ ربما قليلا.
على أي حال، على الجانب الإعلامي، بينما حظر الاتحاد الأوروبي لتوه قناة روسيا اليوم RT وسبوتنيك Sputnik، فإن العديد من مستخدمي الإنترنت والمراقبين في أمريكا اللاتينية ساخطون على تصنيف تويتر للصحفيين الذين يتعاونون مع هذه الوسائط. يتم تمييز الأخيرة اليوم بعبارة "وسائل الإعلام التابعة للحكومة الروسية"، كما هو الحال في أي مكان آخر في العالم. نهج ينتقده هذا العالم السياسي: وحتى من قبل Foro de Periodismo Argentino، منتدى الصحافة الأرجنتيني.
التوترات بين كولومبيا وفنزويلا:
أخيرًا، تستدعي رياح التوترات التي تهب من الشرق إلى الغرب بعض اليقظة بشأن نقاط معينة على الخريطة. يمكن أن تزداد العلاقات المتوترة بين كولومبيا وفنزويلا سوءًا تحت تأثير هذا الوضع الجيوسياسية، لأن بوجوتا وكاراكاس تظهران مواقف متعارضة تمامًا.
بين كولومبيا، الدولة الشريكة الوحيدة في حلف الناتو، الحليف المخلص للولايات المتحدة، وفنزويلا، التي تدعم روسيا بوتين، من الصعب العثور على رؤى عدائية أكثر. قلق نقلته الباحثة أرلين ب. وأوضحت الخبيرة في العلاقات الدولية قائلة: "السياق مقلق، لأننا نواجه حاليًا غياب العلاقات الدبلوماسية بين البلدين". هذا بالإضافة إلى المشاكل الأمنية التي تميز حدودهم والتوترات المرتبطة بمليوني فنزويلي يعيشون في كولومبيا. وفي هذا السياق، فإن التدريبات العسكرية التي أجريت بالاشتراك بين كولومبيا والولايات المتحدة، هذه الأيام، في البحر الكاريبي المفتوح، تهب على جمر ساخن بالفعل.
هل يمكننا مقارنة استراتيجية بوتين باستراتيجية هتلر؟:
هنا وهناك، عبر أمريكا وأوروبا، تتصاعد رياح شعبوية. لديهم لهجة انحرافات الماضي، تلك التي اعتقد المرء أنها ألغيت إلى الأبد. يسكن الموت هذه الحركات السياسية التي تنفخ في الجمر لاستعادة مبدأ السلطة بشكل أفضل، والعودة إلى مجتمع النظام الشمولي حيث يتم طرد أو سجن أو اغتيال أي شخص لا يستوفي المعايير المحددة.
اليأس ليس حلا ولا الاستسلام:
ومع ذلك، فإننا نشعر بشكل جماعي أن التاريخ صرير مرة أخرى. نسمع أنينه، وندرك أناته، هذا الشعور بالعودة إلى حافة الهاوية مرة أخرى. الحرب التي بدأت يوم الخميس بمثابة جرس إنذار: إذا لم نتوخى الحذر، فسوف تدق أبوابنا غدًا.
لم تعد الحرب العالمية الثانية، بجراحها التي لا توصف، بمثابة شاشة. إن ذاكرته بعيدة جدًا بالنسبة للجرائم التي تسبب فيها، والإبادة الجماعية، وإحراق الجثث - تأجيج الجنون البشري الذي جلب إلى نوبة غضبه - ليكون بمثابة إحباط. وفي منتصف هذه الليلة العظيمة من النسيان، بين أشباح الماضي، نأتي لإحياء الأفكار التي كانت في يوم من الأيام سبب كل هذه الرجاسات. النسيان هو الخطر الأكبر.
بهذا المعنى، فإن بوتين وحربه قد قدموا لنا خدمة عظيمة للأوروبيين. الوقوف والاستعداد لمحاربة تنامي التطرف مهما كان وجهه، ومع ذلك وبخصوص الحرب في أوكرانيا يجب علينا فهم دوافع بوتين المعلنة والخفية، اي الاستراتيجية والأيديولوجية والتاريخية، لأنها هي التي تمثل مفاتيح لفهم أسباب العمليات العسكرية في أوكرانيا.
الهجوم الروسي على أوكرانيا يصدم أوروبا ويقلق العالم. ساعة بعد ساعة، الرأي العام العالمي يتابع تطور الغزو الروسي. في خضم ضجيج القتال، يمكن للمرء أن يغفل عن الأسباب العميقة والأهداف الهيكلية للدولة الروسية في أوكرانيا. لنرى بشكل أكثر وضوحًا، من الضروري فحص الحجج التي ساقتها السلطات الروسية لتبرير أفعالها. لكن التبرير لا يعني الشرح. كما أن التدقيق في المبررات الصريحة لا يجعل من الممكن تفسير الدوافع الروسية. بعيدا عن هذا.
في الحرب في أوكرانيا، هناك ما لم يقال ولا يقل أهمية عما يقال. السرد القصصي الرسمي لا يقول كل شيء. لكنها في حد ذاتها بليغة. لمحاولة الرؤية بشكل أكثر وضوحًا، دعنا نسأل أنفسنا بعض الأسئلة البسيطة المخيفة: لماذا نهاجم أوكرانيا؟ لماذا الان؟ ولماذا بهذه الطريقة؟
لماذا أوكرانيا؟
وبرر الرئيس الروسي، مساء الاثنين وصباح الخميس، "عملية عسكرية خاصة" تستند أساسا إلى ثلاث حجج. في خطابه تعكس رؤيته عما هي أوكرانيا في نظره.
تتعلق الحجة الأولى بالطبيعة التي ينسبها إلى الحكومة الأوكرانية: هذه الدولة، المستقلة منذ نهاية الاتحاد السوفياتي في عام 1991، تدار من قبل "المجلس العسكري"، وتخترقها "حركات النازيين الجدد" وتشكل مستعمرة أعداء روسيا وبؤرة لتآمر الغرب على بلاده. هذه الذرائع، التي يعتبرها المراقب الغربي متاخمة للعبثية، موجهة قبل كل شيء إلى الرأي العام الروسي. إنها تستند إلى رؤية للتاريخ تم نشرها على نطاق واسع في روسيا لعدة سنوات من خلال كتب التاريخ المدرسية والأفلام والمثقفين والاحتفالات الرسمية.
فمن ناحية، تسلط السلطات الروسية بانتظام الضوء على حلقة الحرب العالمية الثانية التي شهدت ترحيب بعض الأوكرانيين في غرب البلاد بالغزاة الألمان كمحررين. وغالبًا ما تصر بعض وسائل الإعلام الروسية على الوجود - الحقيقي - لحركات اليمين المتطرف التي تزرع مناهضة الشيوعية هذه والتي تبدي إعجابها بالنظام النازي. ومن ناحية أخرى، لم تخف السلطات الروسية الحالية أبدًا الاحترام الضئيل الذي تلهمه الطبقة الحاكمة الأوكرانية منذ رحيل الرئيس الأوكراني الأخير، فيكتور يانوكوفيتش، تحت ضغط شعبي، في نهاية عام 2013. القادة الروس بشكل عام والرئيس بوتين على وجه الخصوص، فإن الرؤساء الأوكرانيين المتعاقبين، بوروشنكو (2014-2019) ثم زيلينسكي (المنتخب في عام 2019) مدعومون جدًا من قبل الولايات المتحدة بحيث لا يتم تقديمهم إلا على أنهم مجرد "دمى" وبالتالي كحكومة غير شرعية. باختصار، "المجلس العسكري" الذي نصبته واشنطن لتقويض روسيا على أعتابها.
وأخيراً، بدون أوكرانيا، لا يمكن لروسيا أن تكون قوة قارية بالكامل. ولكن، بغض النظر عن هذه الرؤية التاريخية المتحيزة أيديولوجيًا، وبشكل أكثر جوهرية، فإن القوة الروسية تستهدف أوكرانيا لأسباب هيكلية.
من حيث حجمها (40 مليون نسمة ومساحة تبلغ ضعف مساحة فرنسا)، من خلال موقعها الجغرافي (بين روسيا وأوروبا، بين البحر الأسود ومنطقة القوقاز) وتاريخها (تم دمج أوكرانيا في إمبراطورية في القرن الثامن عشر ثم في الاتحاد السوفياتي بموجب دستور عام 1922)، أوكرانيا عنصر أساسي في سرد القوة الروسية، وبدون أوكرانيا، فإن روسيا معزولة إلى حد كبير من المساحات الإستراتيجية الخاصة بها إلى الجنوب والغرب. بالإضافة إلى ذلك، تمتلك أوكرانيا موارد (أراضي القمح، والسواحل، والمناجم) طالما استغلتها روسيا.
باختصار، تهاجم روسيا الآن أوكرانيا لمنع هذه المنطقة الاستراتيجية من الاستمرار في الابتعاد عن روسيا. بالنسبة للرئاسة الروسية، يجب مهاجمة أوكرانيا كأولوية لأنها تشكل محور نفوذها في أوروبا، في اتصال مع المجر ورومانيا وبولندا. من خلال السيطرة على أوكرانيا، أعادت روسيا تشكيل "المنطقة الجليدية الدفاعية" والتي، وفقًا للاستراتيجيات السوفيتية، كان من المفترض أن تحميها من النفوذ الغربي.
لماذا الان؟ التقويم الزمني يتبع الاعتبارات طويلة الأجل وقصيرة الأجل.
كانت الظروف الأخيرة، من وجهة نظر موسكو، مواتية لشن هجومها اليوم. أضعفت رئاسة بايدن رحيله عن أفغانستان ووباء كورونا والخلافات الداخلية وانعدام الثقة في الحلفاء الأوروبيين. تقترب رئاسة ماكرون من نهاية فترتها الأولى وفريق الحكومة الألمانية الجديد في مرحلة التثبيت؛ انهارت الرئاسة الأوكرانية بسبب ثلاث سنوات من السلطة؛ سمحت أسعار الغاز والنفط المرتفعة لمدة عام لإعادة بناء احتياطيات روسيا من النقد الأجنبي؛ والرأي العام مهووس بالوباء والانتعاش الاقتصادي.
علاوة على ذلك، تختبر روسيا الغربيين بمناورات عسكرية منذ ديسمبر ووجدت أنه لا توجد دولة مستعدة للمخاطرة بمواجهة مباشرة مع الجيوش الروسية. أتاح مطلع العام فرصة عمل حقيقية لروسيا في أوكرانيا.
كما يخضع الإيقاع للاتجاهات الأطول. فمن ناحية، يبدو أن الولايات المتحدة تفقد الاهتمام بأوروبا لتستثمر نفسها في آلية القرن الحادي والعشرين العملاقة: تنافسها مع الصين. كما أدى إطلاق التحالف مع أستراليا (Aukus) على حساب المصالح الفرنسية (إلغاء صفقة الغواصة بين استراليا وفرنسا بتحريض من أمريكا وبريطانيا) إلى إثارة قدر معين من عدم الثقة في أوروبا. ونتيجة لذلك، وقع حلف الناتو في أزمة ثقة جديدة بعد رئاسة ترامب.
من ناحية أخرى، لا يمثل التقويم السياسي الروسي أي مخاطر حقيقية للرئيس: بعد عقدين في السلطة، تم تحديد وضعه بشكل نهائي والسيطرة على الخلافات بشكل جيد للغاية. وعودة روسيا إلى دولتين رئيسيتين في الاتحاد السوفيتي السابق، بيلاروسيا منذ عام 2020 وكازاخستان منذ عام 2021، سمحت للاتحاد بإيجاد تحالفات معكوسة. أخيرًا، وربما الأهم من ذلك، بدأت أوكرانيا في التعافي بعد ضم شبه جزيرة القرم وبدء الحرب في دونباس. باختصار، يأتي الزخم العسكري بعد ثماني سنوات من البلى على القوة الأوكرانية وعشرين عامًا من الانتقاد لحلف شمال الأطلسي.
لماذا بهذه الطريقة؟
يوم الاثنين، عندما اعترف الرئيس الروسي بالجيوب الانفصالية كدول مستقلة، كانت ثلاثة سيناريوهات رئيسية لا تزال مفتوحة للتدخل الروسي: سيناريو الحد الأدنى من التوسع في الأراضي الأوكرانية دون قتال؛ سيناريو حرب محدودة لإحكام قبضتها على ساحل البحر الأسود وفي حوض دونباس (دونباس) وسيناريو غزو متطرف. تم اختيار حرب شديدة الشدة على كامل الأراضي الأوكرانية.
أخيرًا، وربما الأهم من ذلك، تهدف الاستراتيجية المختارة إلى ترهيب الأوروبيين وإثارة إعجاب الصينيين.
لماذا هذا الحجم في الحركة العسكرية والدبلوماسية؟ إنه يتعلق بمفهومه للعقوبات. وسواء اعتبرت تهديدات العقوبات الاقتصادية الغربية غير مقنعة أو ما إذا كانت تعتبرها تكلفة مدفوعة بالفعل إلى حد كبير مقابل عملها في أوكرانيا، فإن روسيا تراهن، مرة أخرى، على تأثير الاتحاد المقدس ضد العقوبات: ضربها اقتصادًا شبه مؤكد، سوف يخلق أزمة، سوف تدفع المجتمع الروسي مرة أخرى نحو زيادة التضامن مع حكامه - على الأقل هذا هو حساب فلاديمير بوتين.
الأمر نفسه ينطبق على علاقة روسيا بقوتها العسكرية. منذ عام 2008 والحرب مع جورجيا، قامت روسيا بتحديث أجهزتها العسكرية. نفذت خطتين لتجهيز وتحديث جميع قواتها منذ عام 2009؛ لقد دربت نفسها في سوريا. لقد استكملت قدراتها العسكرية بقدرات إلكترونية وإعلامية. وقد أعادت تشكيل شبكة من التحالفات العسكرية مع الصين وآسيا الوسطى وبيلاروسيا والتي تسمح لها اليوم بتنفيذ هذا الهجوم. باختصار، تهاجم روسيا أوكرانيا بشكل مكثف لأنها واثقة من قواتها المسلحة. بالنسبة لها، فإن هذا الانتصار العسكري (الذي يعرضها لانتكاسات سياسية طويلة الأمد) سيكون بالتأكيد مصدر فخر وطني.
أخيرًا، وربما الأهم من ذلك، تهدف الاستراتيجية المختارة إلى ترهيب الأوروبيين وإثارة إعجاب الصينيين. بعد تهديدها بنيران نووية بطريقة خفية إذا أعاقت التحرك الروسي، تراقب الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بلا حول ولا قوة بينما تتقدم القوات الروسية نحو كييف. أما بالنسبة للشراكة مع الصين، فإن روسيا تعيد التوازن إلى وضعها كشريك صغير من خلال القيام بعمل عسكري غير مقيد ومنتصر.
باختصار، تغزو روسيا أوكرانيا لإعادة بناء قوتها، في وقت تكون فيه قادرة عسكريًا وعندما تتعرض لأقل المخاطر الإستراتيجية. لكن ماذا ستفعل بانتصارها؟ هل ستكون راضية عن "نزع السلاح" من أوكرانيا كما تدعي؟ هل ستؤسس حكومة مواتية لها؟ أم أنها ستلتزم تدريجيا بضم كل أو جزء من أوكرانيا؟ من التبرير الدعائي إلى إنشاء نظام استراتيجي جديد، يمكن أن يكون بعيدًا جدًا.
التسلح الروسي وخيارات الناتو الاستراتيجية والدبلوماسية العدائية والاستفزازية، وصحة بوتين العقلية ... توليفة من الصراع الذي يدفع العالم إلى حرب جديدة.
مؤشرات الحرب قبل الهجوم:
إنه ليس صيفًا بعد، لكنه لا يزال يومًا جميلًا. داخل القصر الذي يعود إلى القرن الثامن عشر في حديقة La Grange، في جنيف، في 16 يونيو 2021، يحاول الرئيسان الأمريكي والروسي الحفاظ على المظهر. ما يتجاهله الجميع هو أن بوتين قد قرر بالفعل.
وبحسب المصادر، فإن الرئيس الروسي كان سيحبس نفسه مع وزير دفاعه سيرغي شويغو، اعتبارًا من منتصف مارس، من أجل وضع الأسس لخطة لغزو أوكرانيا. تبدأ تحركات القوات في ربيع عام 2021 قبل أن تتسارع في الخريف. بوتين، محاطًا بدائرته المقربة، لافروف ، بورتنيكوف ، ميدفيديف ، ناريشكين ، سيخطط لكل شيء: تفاصيل الخطة ، نقل القوات والمواد ، الإجراءات التي من المفترض أن تشتت انتباه الخصم ، الهجمات الإلكترونية ، صندوق حرب بقيمة 600 مليار دولار تحسبا للعقوبات ، إجراء مفاوضات مع الصين لضمان دعمها الدبلوماسي والاقتصادي.
بعد أحد عشر شهرًا من الاستعدادات الدقيقة، تم عبور نهر دنيبر، روبيكون الجديد. لقد دخلنا للتو في "الحرب الباردة الجديدة". كانت أجهزة المخابرات الغربية على حق هذه المرة، "قرأت" المخابرات الأمريكية لعبة بوتين على أكمل وجه. وباتت مقتنعة منذ عدة أشهر بحتمية الغزو، استخدموا المعلومات للضغط على بوتين وإلغاء عنصر المفاجأة. كيف؟ بعد تعيين أفريل هينز مديرًا للاستخبارات الوطنية، تولى بيل بيرنز زمام وكالة المخابرات المركزية في مارس 2021، مسلحًا بموجز مزدوج: لاستعادة النظام في إدارة تضررت بشدة بعد أربع سنوات من ترامب، وإعادة تركيز جهود الاستخبارات على الصين وروسيا.
بفضل قدرات المراقبة الإلكترونية غير العادية لوكالة الأمن القومي (تضاعف أداء أقمار المراقبة الصناعية في السنوات الأخيرة: دقة الصورة، واستخدام OSINT، وذكاء مفتوح المصدر، ورادارات الفتحة الاصطناعية، وما إلى ذلك)، تم رصد تحركات القوات، والمواد، التي تراكمت بصبر وتحركت. عدة أشهر، تم تعقبها. بعد ذلك، تم الكشف عن خطط عمليات كاذبة، مما قوض جهود الدعاية في الكرملين. هذه المرة، وجد بوتين نفسه على الأرض.
أجرى بوتين استعداداته التمويهية عن طريق تشتيت الانتباه، على حين غرة، من خلال التصرف في المكان الذي لم يكن يتوقعونه فيه كثيرًا، من خلال تأسيس سمعته باعتباره تكتيكيًا بارزًا. ومع ذلك، فقد كشف للتو عن خطة حملته. أولا، يجب أن ينهي الحرب.
بطبيعة الحال، فإن العقوبات التي ستستغرق آثارها شهوراً حتى يكون لها تأثير كبير، لن تغير رأيه. كحد أدنى، سيرغب في الاستيلاء على خاركيف وكييف والتخلص من الحكومة الأوكرانية، وبناء ممر بري من شبه جزيرة القرم إلى دونباس. لهذا، لن يتردد في إطلاق جميع قواته المتاحة على أهدافه الاستراتيجية (تم استخدام الثلث فقط خلال الموجة الأولى، والثلث الثاني من 190.000 رجل تم حشدهم للحملة موجودون الآن في الموقع). ولن يتردد في تنفيذ قصف مكثف على أهداف استراتيجية وبنى تحتيتة عسكرية ومواقع الدفاعات الجوية المضادة، مع الاستمرار في لعب التصعيد النووي من خلال وضع، على سبيل المثال، أسلحة تكتيكية أو استراتيجية في كالينينغراد لردع أي رغبة في التدخل المباشر من قبل الناتو.
وفقًا للأطباء الذين راقبوه مؤخرًا، قد يكون بوتين مصابًا بمتلازمة هبريس ، وهو اضطراب نرجسي وتضخم في الثقة بالنفس يجعله يفقد إحساسه بالواقع.
ستكون الخطوة التالية هي إقناع الغرب بفكرة "النمط البيلاروسي" الذي يحكمه دمية طاغية، وإلا، إذا ساءت الأمور بالنسبة له، فسوف يقترح تقسيم أوكرانيا على طول نهر الدنيبر، ونظام دمية منزوع السلاح في الغرب. ستكون الخطوة التالية هي غزو إحدى دول البلطيق، على الأرجح إستونيا، أو الثلاثة جميعها، مما سيسمح له بفتح أراضي كالينينغراد وإعادة توحيد دول البلطيق، التي كان يكرهها دائمًا، مع بقية روسيا الأم.
أو سيسعى للسيطرة على مولدوفا من ترانسنيستريا بينما يسعى لتحويل صربيا إلى دولة تابعة. الغرب لديه الآن خارطة الطريق الخاصة به. في نظر التاريخ، لم يعد لدى أوروبا والولايات المتحدة أي عذر لعدم اتخاذ إجراء.
الصحة العقلية لبوتين مصدر قلق:
لطالما كان بوتين قابلاً للتنبؤ به، فهو غاشم مستعد للتلاعب والكذب والتزييف والاغتيال من أجل ترسيخ قوته وإعادة بناء عظمة وأراضي روسيا المهانة. لكن الغاشم "العقلاني" الذي يمكن للمرء أن يتفاوض معه. بعد ثلاثة أسابيع، تغير كل شيء. خطاباته غير المتماسكة والغاضبة، إن الأذهان السخيفة "إيفان الرهيب" دليل على ذلك. من المحتمل أن الغضب والاستياء المتراكمين قد طغى على "وجهه البوكر". لكن التفسير الأكثر ترجيحًا هو التدهور المقلق لحالته العقلية.
انتشرت شائعات كثيرة عن صحته منذ عشر سنوات، والسرطان وما إلى ذلك. ناهيك عن خوفه من Covid-19 الذي أدى إلى عزلة شبه تامة لمدة عامين. وفقًا للأطباء الذين راقبوه مؤخرًا، قد يكون يعاني من جنون العظمة أو بشكل أدق من متلازمة هيبرس Hubris، وهو اضطراب نرجسي وثقة متضخمة بالنفس تجعله يفقد إحساسه بالواقع. نحن نتفهم حذر إدارة بايدن. إن القرار الصادر في 27 شباط / فبراير بوضع أجهزة الردع النووية الروسية في حالة تأهب قصوى لا يبشر بالخير للمستقبل.
فشل عقيدة ميركل:
ستة عشر عامًا من استراتيجية استرضاء الرئيس الروسي من خلال التشابك الاقتصادي بين البلدين، وعلاقة شخصية سهّلت من خلال طلاقة كل منهما في اللغة الروسية والألمانية، وتحطمت مئات المليارات من الاستثمارات في الاتحاد. في غضون أربعة أيام، قام المستشار الجديد أولاف شولز، الذي صدمته الأحداث، بكسر ثلاث "محرمات": لقد ألغى نورد ستريم 2، ووافق على تسليم أسلحة دفاعية إلى الأوكرانيين، وأصدر للتو مرسوماً بإصلاح شامل للميزانية العسكرية وتخصيص 100 مليار يورو من الزيادة المخطط لها في الإنفاق العسكري. يجب على الدول الأوروبية الأخرى أن تفعل الشيء نفسه بشكل عاجل وأن تزيد ميزانيات الدفاع إلى 3٪ من الناتج القومي الإجمالي.
الغرب عند مفترق طرق:
ستصبح فترة التسعينيات فترة تفاؤل غير منطقي. يتضح من خلال "النموذج الجديد" في الاقتصاد و "نهاية التاريخ" (أطروحة وضعها فرانسيس فوكوياما) في الجيوبولتيك الجغرافيا السياسية. من الملح العمل لتجنب سيناريو مألوف للغاية، معروف بالفعل في عام 1939.
لدى الغرب الآن خيار بين استراتيجيتين. المهادنة: تمويل ما يسمى بالازدهار الاقتصادي من خلال "مكاسب السلام"، وقبول الانخفاض الدائم في الإنفاق العسكري، والتفاوض مع بوتين، والحصول على ضمانات بعدم الاعتداء، والحد من انتشار قوات الناتو في دول الشرق لتهدئته، والاستمرار في رعاية الشعوب الأوروبية المنهكة في وهم أن الحرب هي شيء من الماضي. ستؤدي هذه الاستراتيجية بالتأكيد إلى الحرب، في غضون فترة تتراوح بين سنة وعشر سنوات.
وتهدف الاستراتيجية الثانية إلى تصحيح عشرين عامًا من السياسات الدفاعية الكارثية للحكومات الأوروبية (اعترف رئيس الأركان الألماني مؤخرًا أن جيشه كان "عارياً"، وأعداد الجيش البريطاني في أدنى مستوى لها منذ 200 عام؛ أما بالنسبة للجيش الفرنسي، ما بين ثلث ونصف الدبابات والطائرات والمروحيات وما إلى ذلك لن تكون قابلة للتشغيل في حالة نشوب صراع شديد الكثافة). من الملح العمل لتجنب سيناريو مألوف للغاية، معروف بالفعل منذ عام 1939. هذا النهج وحده هو الذي سيوفر النفوذ التفاوضي الضروري لتجنب الحرب.
الحرب في أوكرانيا حرب تقليدية:
الدبلوماسية الروسية إبداعية وجريئة مثل عنصرها العسكري المحافظ. يؤكد الهجوم الذي بدأ في 24 فبراير 2022 طابع الاستمرارية العقائدية بين السوفييت والروس. تحتوي خطة الغزو على جميع السمات المميزة للثمانينيات على أساس "تآزر غير متبادل تهيمن عليه الأرض".
كل شيء موجود: هجوم متزامن على عدة جبهات، تدمير الدفاعات الجوية للخصم لضمان السيطرة على السماء، قطع خطوط الإمداد، الجسور الجوية بعد الاستيلاء على المطارات الرئيسية من قبل سبتسناز Spetsnaz، تزامن المركبات المدرعة وطائرات الهليكوبتر الهجومية وما إلى ذلك. يبقى الجيش والمدفعية والدروع أساس العقيدة وينظر إلى فيالق الجيش الأخرى على أنها امتدادات للمناورة البرية.
أوكرانيا ترفع "جيش تكنولوجيا المعلومات" ضد روسيا:
على الرغم من التقدم الذي لا يمكن إنكاره في التكنولوجيا العسكرية الروسية في السنوات الأخيرة (أنظمة الدفاع الجوي S-400، وصواريخ Zirconزيركون (Mach 8) وAvangard (Mach 27) التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، والقنابل الحرارية أو الانفجارية)، فإن هذا الصراع عالي الكثافة يوضح أن الجيش الروسي لا يزال متجذرا في الماضي.
وباعتمادها على التجنيد الإجباري، فهي بعيدة كل البعد عن استكمال الانتقال من مسرح العمليات التقليدي إلى ساحة المعارك متعددة الأبعاد، القائمة على الأسلحة المشتركة، والاحتراف، وتكامل فيلق الجيش بمساعدة تطوير تقنيات عسكرية جديدة (المراقبة وأقمار الاستماع، وأنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة، وطائرات بدون طيار الدرونات العسكرية، و "أجهزة استشعار" الشبكة، وما إلى ذلك).
في مواجهة حداثة الجيش الأمريكي (المعدات والتكتيكات والتكنولوجيا)، أظهر الجيش الروسي للتو حدودها.
أعادت الحرب في أوكرانيا الشرق الأوسط إلى الخريطة. فروسيا بوتين هي ديكتاتورية نفطية. ينهار الحظر المفروض على الطاقة الروسية والبلاد بعد بضعة أشهر. في غضون ذلك، يمكن للكرملين التباهي بالتكلفة التي تتكبدها الأسر الأوروبية مع الانفجار المتوقع لبرميل النفط والمتر المكعب من الغاز.
لكن في الأسابيع الأخيرة، لم تحقق المفاوضات مع الإيرانيين (مع إمكانية رفع الحظر النفطي يومًا كاملاً) الكثير من التقدم. فإنه ليس من قبيل الصدفة. تحسبا لفرض حظر روسي شامل على النفط والغاز، سيحتاج الأمريكيون إلى العودة إلى "طريق الرياض" من أجل ضمان إمدادات النفط مقابل أمن الأنظمة البترولية.
الأزمة الأوكرانية: السيناريوهات الثلاثة التي يواجهها فلاديمير بوتين:
قد تكون روسيا راضية عن الاعتراف بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الانفصاليتين، لكنها قد تسعى أيضًا إلى احتلال جزء من باقي أوكرانيا. لقد عبرت روسيا لتوها روبيكون: قواتها موجودة الآن رسميًا في الأراضي الأوكرانية الشرقية، بالإضافة إلى شبه جزيرة القرم.
لقد اعترف فلاديمير بوتين للتو باستقلال الجمهوريتين الانفصاليتين دونيتسك ولوغانسك، المتاخمتين للأراضي الروسية. ثم أرسل قوات روسية "لحماية هذه الأراضي من هجوم عسكري أوكراني". وبالتالي تحطم الوهم القائل بأن روسيا لم تكن طرفًا في النزاع في شرق أوكرانيا: إنها حرب صريحة.
الآن أمام القوة الروسية ثلاثة خيارات مختلفة جدًا:
السيناريو "الجورجي"، الذي من شأنه أن يجمد مواقعها العسكرية ويشوه بشكل دائم وحدة الأراضي الأوكرانية؛ سيناريو تنقيحي ومتطرف لغزو أوكرانيا من الشمال والشرق والجنوب ؛ سيناريو "آزوفيان" ، حيث تغزو روسيا فقط الأراضي المجاورة لبحر آزوف لتأسيس استمرارية إقليمية مع شبه جزيرة القرم ، التي ضمتها في عام 2014.
السيناريو الأول: تجميد "جورجي":
في عام 2008، دخلت روسيا وجورجيا في الحرب، بمبادرة من الحكومة الجورجية في ذلك الوقت، بقيادة ميخائيل ساكاشفيلي. انتهى الصراع بهزيمة جورجيا الصغيرة وانفصال منطقتين: أبخازيا، على ساحل البحر الأسود، وأوسيتيا الجنوبية، على الحدود الجبلية مع الاتحاد الروسي ("أوسيتيا الشمالية هي" خاضعة "، أي دولة فيدرالية. أراضي الاتحاد الروسي). أعقب هذا الانفصال اعتراف موسكو باستقلال "الدولتين". لم يتبعها في الاعتراف بها سوى عدد قليل من الأنظمة الصديقة لروسيا، لا سيما سوريا وفنزويلا.
اليوم، لا يزال بإمكان الاتحاد الروسي اختيار السيناريو "الجورجي" لإقليمي لوغانسك ودونيتسك، وبالتالي التوقف عند الاعتراف بهما، دون محاولة التوغل في الأراضي الأوكرانية. سيكون لهذا، بالنسبة لها، العديد من المزايا: زيادة سيطرتها على أراضي أوكرانيا دون أن تشن رسميًا غزوًا أو حتى أن تقاتل؛ عد حلفاءها بحساب أولئك الذين سيتبعونها في الاعتراف بهذه الدول (كازاخستان، بيلاروسيا، الصين؟)؛ وربما يمنع الغرب من فرض عقوبات شديدة على اقتصاده.
السيناريو الثالث مهاجمة أوكرانيا من كافة الجهات واقتحام العاصمة كييف وإسقاط النظام القائم وإطاحة الرئيس زيلنيسكي. في خطابه في 21 فبراير، شيطن فلاديمير بوتين أوكرانيا، وقدمها كدولة مصطنعة وخاضعة للغربيين، سيكون من الصعب فهم هذا الموقف بالنسبة للرأي العام الروسي الذي أقنعه العديد من وسائل الإعلام ورئيسها نفسه بأن الأمة الأوكرانية غير موجودة وأن السلطات في كييف على وشك ارتكاب إبادة جماعية ضد المتحدثين بالروسية في شرق البلاد. لتعزيز مصلحته، اختار فلاديمير بوتين إلى بدء غزو كامل لأوكرانيا. في خطابه يوم 21 فبراير، لم يستبعد هذا الخيار. إذا كان الغرب يمثل تهديدًا وجوديًا للاتحاد الروسي، وكانت أوكرانيا مستعمرة مصطنعة من قبل الغرب للاستعداد لإضعاف روسيا، فإن النتيجة لا مفر منها: يجب على موسكو أن تعيد تشكيل "دولة عازلة" في أوكرانيا تنتمي إلى مجالها تأثير.
حتى وقت قريب، تم فتح العديد من الفرضيات: تحييد أوكرانيا، و "فنلدة" أو حتى تنصيب حكومة موالية لروسيا في كييف. اليوم، يؤدي وجود القوات الروسية على الأراضي الأوكرانية إلى استقطاب الأوكرانيين: فهم يعتبرون أنفسهم معارضين لروسيا إلى حد كبير. نظرًا لأن حشد أوكرانيا إلى مجال نفوذها يبدو مستحيلًا، وبما أن الغرب لا يرغب في منح روسيا الضمانات التي تطلبها، فلا يزال يتعين عليه الاستيلاء على هذه البقة وتوفير الضمانات بنفسه، والأسلحة في متناول اليد.

بالنسبة لموسكو، سيكون لسيناريو الغزو هذا مزايا عديدة. أولا، ليس كل مواطني أوكرانيا يرفضون التدخل عسكريا في أوكرانيا، والنجاح العسكري الروسي مضمون. ستنطلق الحملة من الشمال من بيلاروسيا ومن الشرق من روسيا ومن الجنوب من شبه جزيرة القرم ومن الغرب من ترانسنيستريا. بعد ذلك، سيؤدي الاستيلاء على أوكرانيا إلى إعادة روسيا إلى موقع القوة في أوراسيا، سواء في مواجهة الاتحاد الأوروبي أو في الشراكة التنافسية للغاية مع الصين، خاصة بعد إبرام اتفاقية تعاون استراتيجي بين البلدين. أخيرًا، سيعطي نظام بوتين، من وجهة نظر الرأي العام المحلي، دفعة قومية لا يمكن إنكارها.
من شأن الانتصار العسكري أن يقوي روسيا من الناحية الاستراتيجية بينما يضعفها سياسيًا (ستجد نفسها أكثر عزلة مما هي عليه اليوم على الساحة الدولية) واقتصاديًا (لن يفشل الغرب في تبني عقوبات شديدة بشكل خاص). يعتقد بوتين أنه ربح، لكن هناك انتكاسات خطيرة تنتظره ولكنه يستطيع تفاديها أو السيطرة عليها.
رؤية "أزوفيان":
الخيار العسكري الثالث المتاح لموسكو هو غزو المقاطعات التي تفصل، في البر الرئيسي، هذه الجمهوريات المعلنة من جانب واحد عن شبه جزيرة القرم التي تم ضمها في عام 2014.
ستدفع روسيا ميزتها من خلال حملة خاطفة من لوغانسك ودونيتسك، لتأسيس استمرارية قارية بين جزأين من أراضيها. يقدم هذا السيناريو مزايا من نوع آخر لموسكو: إذا اعتبرت الرئاسة الروسية أن العقوبات التي قررها الغرب اليوم هي أقصى حد ممكن على أي حال، فإنها قد تعزز مصلحتها وتنفذ تقسيمًا فعليًا لأوكرانيا؛ علاوة على ذلك، يمكن تبرير هذا الغزو "المحدود" بحماية الناطقين بالروسية في شرق أوكرانيا، حيث يتجه السكان في هذه المنطقة (حول ماريوبول على وجه الخصوص) نحو روسيا.
تقف روسيا عند مفترق طرق مع هذه السيناريوهات الثلاثة. إن جرعة العقوبات التي يفرضها الأوروبيون ستكون حاسمة: إذا كان ينظر إليها على أنها حد أقصى، فإن الكرملين سيميل إلى جني مكاسب إضافية من خلال الغزو. ولكن إذا تم اعتبارها ضعفاء للغاية، فسوف يقرأ رد الفعل هذا على أنه علامة ضعف.
دروس الماضي القريب: في صحيفة صباح أوروبا، عاد الموظف الكبير السابق والمتخصص في الدفاع بيير كونيسا يوم الاثنين إلى الغزو العسكري الروسي لأوكرانيا. وقارن بين العملية التي شنها فلاديمير بوتين والعملية التي شنتها الولايات المتحدة في العراق، معتقداً أنه "من حيث الأكاذيب، أن الأمريكيين فعلوا أفضل بكثير" من الرئيس الروسي.
في اليوم الثاني عشر من الغزو الروسي لأوكرانيا، قصف الجيش الروسي المدينة الثانية في البلاد خاركيف وشدد قبضته على العاصمة كييف، فيما من المقرر عقد جلسة ثالثة للمفاوضات الروسية الأوكرانية اليوم، دون أمل كبير في تحقيق نجاح يذكر. وقدر المتخصص في الدفاع بيير كونيسا، الذي تمت دعوته إلى Europe Matin يوم الإثنين، أن هذه الحرب "ستستمر" وأنها "ستكلف الروس غالياً للغاية". كما رسم أوجه تشابه بين الغزو الروسي و "الغزو الأمريكي للعراق".
"بوتين زعيم سياسي وهو مسؤول عن أفعاله. ومع ذلك، آمل أن يكون هناك جورج بوش في غرفة الانتظار بالمحكمة الجنائية الدولية. لأنه عندما يتعلق الأمر بالكذب، فقد تم فعل الكثير بشكل أفضل من فلاديمير بوتين. الرئيس الروسي كذب في التفاوض والتحضير لغزوه في نفس الوقت "، قبل أن يشير بأصابع الاتهام إلى" الحشد الكبير للجمعية العامة للأمم المتحدة "قبل التدخل الأمريكي في العراق.
"بوتين قبل كل شيء منبوذ من الغرب"
"في الكذبة، لا يزال لدينا ترتيب للأولويات يجب الحفاظ عليه. لأننا اليوم نخلص إلى نتيجة مفادها أن بوتين منبوذ. لكنه في الواقع هو قبل كل شيء منبوذ من قبل الغرب. رفضت سبع عشرة دولة أفريقية التصويت لصالح الاقتراح في الأمم المتحدة ضده، وهذا يعني أن لدينا حتى حلفاء يغادروننا ويلتفوا حوله لنأخذ حالة مالي، التي تناشد فرقة فاغنر الروسية على حساب الوجود العسكري الفرنسي التذ تريده طرده من أراضيها، فهل يعتقد المحلل السياسي أن مالي ستدين غزو أوكرانيا؟ "
بالنسبة لبيير كونيسا، فإن الجغرافيا السياسية مختلفة تمامًا. يتذكر المسؤول الكبير السابق: "نحن لا نتوصل إلى نتائج لأننا معتادون على إملاء النظام الأخلاقي لأوروبا. ومع ذلك قمنا بحوالي أربعين تدخلاً عسكريًا منذ 91". "الاستراتيجيون الغربيون يعتبرون الأرض مسطحة وأننا مركزها. وكل شيء على الهامش هو أرض بربرية يمكننا التدخل فيها."



#جواد_بشارة (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لغز الألوهية 7
- العلم والدين خصام أم وئام؟
- لغز الألوهية 6
- لغز الألوهية 5
- لغز الألوهية 4
- لغز الألوهية 3
- لغز الألوهية 2
- سفسطة فلسفية
- لغز الألوهية
- قراءة في كتاب فالح مهدي استقراء ونقد الفكر الشيعي
- عرض كتاب الكون الإله
- لا وجود للبغ بانغ والكون المرئي في مرحلة عمره السادسة والأخي ...
- عرض كتاب نظام الزمن لكارلو روفيللي
- تداعيات العملية الانتخابية ومصير الحكومة العراقية القادمة
- صدور كتاب معضلة الزمان ومحنة الإنسان للدكتور جواد بشارة عن د ...
- نظرة جديدة على الثقوب السوداء والثقوب الدودية والمادة المظلم ...
- ميشال فوكو وجيل ديلوز يذهبان للسينما
- مقابلة مع العالم الفيزيائي كارلو روفيللي بمناسبة صدور كتابه ...
- تشابكات الحملة الانتخابية الرئاسية في فرنسا
- وعد حلف الناتو لروسيا


المزيد.....




- أنطونوف: لا يجوز السماح بتكرار أزمة الكاريبي
- صحيفة: مدريد تتحرك لمساعدة الشركات الإسبانية المتضررة مؤكدة ...
- مقتل 13 شخصا في كردستان العراق إثر هجوم إيراني عبر الحدود
- واشنطن تبحث مع حلفائها تكثيف تصنيع الأسلحة لإمداد أوكرانيا
- وزير خارجية العراق عن قصف إيران لإقليم كردستان: سيادتنا مختر ...
- وزير خارجية العراق عن قصف إيران لإقليم كردستان: سيادتنا مختر ...
- شاهد: أرنولد شوارزنيغر في زيارة لموقع معسكر أوشفيتز في بولند ...
- بريطانيا.. اصطدام طائرتين في مطار هيثرو (صور)
- المغرب يتوقع بدء استغلال غاز العرائش أواخر 2024
- المغرب ينسحب من ملتقى في تونس احتجاجا


المزيد.....

- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان
- رواية مسافرون بلاهوية / السيد حافظ
- شط إسكندرية ياشط الهوى / السيد حافظ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد بشارة - حقيقة بوتين التي لم يعرفها أحد