أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - الفيلم الفرنسي - كل شيء سارعلى ما يرام- محاولة تعطيل الموت في دراما القتل الرحيم















المزيد.....


الفيلم الفرنسي - كل شيء سارعلى ما يرام- محاولة تعطيل الموت في دراما القتل الرحيم


علي المسعود
(Ali Al- Masoud)


الحوار المتمدن-العدد: 7136 - 2022 / 1 / 14 - 15:14
المحور: الادب والفن
    


الفيلم الفرنسي " كل شيء سارعلى ما يرام" محاولة تعطيل الموت في دراما القتل الرحيم
EVERY THING WENT FINE

هل يمكن أن يكون الموت الرحيم قرارا شخصيا وحلا لمعضلات عدة ؟ ، أم إنه خوف وضعف ويأئس من صعوبة الحياة . تعرف "مايو كلينيك " أو القتل الرحيم بأنه تدخل يحدث بهدف إنهاء حياة شخص لتخفيف معاناته، كحقنة مميتة يقدمها الطبيب . أما المساعدة على الانتحار، فهي أي فعل يساعد عن قصد شخصا على قتل نفسه، وعادة ما يتم السماح بـ "المساعدة على الموت "في حالة المرضى الميؤوس من شفائهم . عدد من الدول على مستوى العالم تسمح قوانينها بإنهاء الحياة، مثل سويسرا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ وبعض الولايات الأميركية بعض هذه الدول تسمح بما يسمى "القتل الرحيم" وبعضها يستخدم مصطلح "المساعدة في الانتحار" والفرق بينهما كبير . يضع سنويا ما يقارب من 800 ألف شخص نهاية لحياتهم، ومقابل كل حالة انتحار هناك الكثير من الناس الذين يحاولون لكن يفشلون، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية . والسؤال هنا ، هل يُنهي الموت معاناة الإنسان؟! ، وهل من حق الإنسان إنهاء حياته بوثيقة قانونية؟ ، تلك أسئلة تطرحها فكرة “الموت أو القتل الرحيم” التي أجازتها بعض الدول، ليحق لبعض المرضى التخلص من آلامهم الجسدية والنفسية بإنهاء حياتهم بموافقة رسمية من الدولة، لتلتقط عدسات السينما تلك القضية وتجسدها عبر مجموعة من الأفلام . أفلام متعددة ناقشت “الموت الرحيم”، رصدت من خلالها معاناة وقصص بعض البشر الذين سعوا للتخلص من عذاب الألم بالموت، وما مروا به من مشاعر متباينة حتى يصلوا إلى قرار إنهاء حياتهم؛ بل والدفاع عنه ومواجهة المجتمع في حقهم باختيار الموت بإرادتهم وليكون النجاة لهم والخلاص من المرض وآلامه. فيلم "كل شيء سارعلى ما يرام" للمخرج فرانسوا أوزون ، واحد من هذه الافلام التي أنتجت عام 2021 وأخرجه الفرنسي "فرانسوا أوزون" وهو أحد أكثر المخرجين المعاصرين إنتاجًا في فرنسا . الفيلم دراما عائلية لطيفة ولكنها تثير ألاسى في الروح بشكل مدهش ومن بطولة النجمة الفرنسية "صوفي مارسو ". شارك الفيلم في مهرجان كان السينمائي في المسابقة الرئيسية العام الماضي ، وهو مقتبسًا من مذكرات الكاتبة إيمانويل بيرنهايم التي تحمل الاسم نفسه . إيمانويل بيرنهايم (ديسمبر 1955 - 10 مايو 2017) كاتبة فرنسية وهي إبنة جامع الأعمال الفنية "أندريه بيرنهايم" والنحاتة كلود دي سوريا"، في عام 1993 فازت بجائزة عن كتابها ( زوجته ) ، وهذا الفيلم يروي جانب من سيرة حياتها والتي أخرجها" فرانسوا أوزون " وهو أيضاً أستذكار وتتكريم لطيف للكاتبة التي تعاونت معه في أكثر من عمل وهي صديقة مقربة للمخرج ، إذ شاركته كتابة أربعة من أهم أفلامه، إلا أنها ماتت بالسرطان عام 2017، قبل أن تنهي مشروعهما. وكانت قد استلهمت قصة كتابها، الذي صدر تحت العنوان نفسه عام 2013 لدى دار نشر جاليمار، من تجربتها الذاتية مع والدها في أيامه الأخيرة وحكايتها مع والدها مؤلمة، لكنها تلخص الكثير من الدروس في الحياة . إنّها حكاية عجوز ثمانيني يريد التخلّص من حياة مثقلة سئمها و لم يعد يريدها جملة وتفصيلاً. ويعاني أمراضاً مزمنة جعلته طريح فراش المستشفى ، هو ليس رجلاً عادياً، بل صناعي كبير وجامع أعمال فنية. رصيده كبير مع الكآبة ومنفصل عن زوجته التي لا يطيقها بسبب أهلها. هي الأخرى مريضة وتعاني من الباركنسون. لكن هذا ليس موضوع الفيلم ، لهذا الرجل ابنتان ، إحداهما هي صوفي مارسو، حنونة وملتزمة، تمضي أيامها في المستشفى حيث يرقد والدها تعتني به؛ الرجل عنيد و متشبّث برأيه. يفرّق جيداً بين العيش والبقاء على قيد الحياة. (في البداية ، كان أندريه في حالة ضعف وشبيه بالأطفال ، يبتعد عن بناته لمنعهن من رؤيته وهو منهك). "لا تقلقي ، في النهاية ، عادة ما يختارون الحياة" ، هكذا تطمئنهم الممرضة على حالته في وقت ما ، مما يعيقهم عن حقيقة أن أندريه سيختار الخيار الآخر. يمكنك وصف الحياة بأنها جميلة بقدر ما تريد ، لكن المنظر ليس دائمًا جميلًا من منظور آخر ، العيش مع الآلم ونظرات العطف و الشفقة من الاخرين غير مسموح له في ظروفه الصحية التي ألّمت به. لذلك يطلب من ابنته أن تساعده في وضع نهاية لحياته . لا أن تقتله، بل أن توفّر له ظروف الرحيل بكرامته، منعاً لعذابات الجسد التي ما عادت تُحتمل. هذا الأمر سيوجِد صراعاً كبيراً عند الابنة. هي تحبّ والدها رغم إدراكها بأنه كان والداً غير صالح ، لكن طبيعة الأب ورفضه أن يراه ألاخرين في موقف ضعيف ويستجدي المساعدة هي على الأغلب ما يحركه لأاتخاذ قرار الموت الرحيم، فهو يرفض أن يرى نفسه على هذه الصورة، وهو الذي كان دومًا البورجوازي الأنيق الذي يهوى اقتناء لوحات الفن التشكيلي ويتردد على المعارض والمزادات، يكرر “لم أعد أنا”، ومن ثَم “ساعديني أن أضع حدًّا لهذا التدهور". تلعب الممثلة "صوفي مارسو" دور إيمانويل ، وهي باريسية في منتصف العمر لم يكن لديها خيار جيد عندما تركت السكتة الدماغية والدها البالغ من العمر 85 عامًا ، أندريه (أندريه دوسولييه) ، نصف مشلول مع فرصة ضئيلة للشفاء التام ويقرر الثمانيني العنيد أنه جاهز لوضع حداً لحياته . في هذا الفيلم يتعلق الموضوع برجل ضاق ذرعاً بالحياة، بعد إصابته بسكتة دماغية شلت حركته وحاصرته في وضع صحي لا يُحسد عليه. رجل له ماضٍ حافل، فهو عاش الحياة على أوسع نطاق . هو صناعي سابق متذوق الفن، يطارد كل ما له قيمة من لوحات ومقتنيات. لكن له أيضاً سجل طويل من الاكتئاب المزمن. المهم أن الرجل ما عاد يحتمل عذاباته، سواء الجسدية منها أو الروحية، وهي مترابطة. فيطلب من ابنته أن تساعده في إنهاء حياته مرفوع الرأس، بكرامته، كما عاش دائماً. لكن في بلد مثل فرنسا، قد تصل المساعدة على مثل هذا الفعل إلى خمس سنوات سجناً . إذاً، لا بد من سويسرا حيث القوانين أكثر تسامحاً مع الموت الرحيم. ذلك أن ما يبحث عنه هذا الأب المحتضر ليس سوى الموت الرحيم، الذي يلجأ إليه كل من قُطع أمله من الحياة وما عاد يحتمل الأوجاع جراء المرض. هذا من جانب الأب، أما من جانب الابنة فالحكاية لها وجهة نظر مختلفة تماماً. مقابل تعصب الأب للموت وتمسكه به أشد تمسك وإصراره على الرحيل بأسرع وقت، هناك الابنة وتساؤلاتها، فماضيها في كنف هذا الأب (تصفه بالسيئ) الذي يتفجر فجأةً في مخيلتها. هي تحاول إقناعه بالعودة عن قراره، وتسعى إلى المماطلة وتأجيل الموعد المرتقب لعل وعسى . إلا أن الرجل ثابت على موقفه. يعرف جيداً وهو في الخامسة والثمانين أن ما هو فيه يصعب تسميته عيشاً، بل إنه بقاء على قيد الحياة، والفرق بينهما شاسع . لم يقدّم أوزون محاضرة أخلاقية ولا دراسة مصوّرة عن الموت الرحيم. هذه الميلودراما الأسرية قدمها المخرج فرانوا أوزون بكل براعته وبرقه وتعاطف وتفهم أسباب كل إنسان. لا يدين أياً من الشخصيات وأفعالها. لا أحكام مسبقة في شيء. مجرد حكاية عائلية عن الحياة والموت وما بينهما من حبّ وكراهية وغيرة ولا مبالاة . . لكن أوزون يذهب أبعد من هذا كله من خلال جعل حالة اليأس التي يعاني منها الأب غير صادمة وثقيلة على المُشاهد. بمعنى آخر، لا يشعرنا بذنب، ولا يحاول استدرار العواطف. بل حتى نضحك حين يجب أن نبكي ونبكي حين يجب أن نضحك، وهذا بسبب أن المخرج يحاول دائماً خلط الأوراق ، يبدأ الفيلم بمشهد وفيه تظهرإيمانويل (صوفي مارسو) مشغولة بالكتابة عندما تتلقى مكالمة هاتفية تخبرها أن والدها ، أندريه (أندريه دوسولييه) قد أصيب بجلطة دماغية ، هرعت إيمانويل إلى أسفل سلم شقتها للوصول إلى المستشفى ، وأدركت أن بصرها ضبابي وأنها نسيت أن ترتدي عدساتها اللاصقة. الروائية يمانويل تتصل بأختها (جيرالدين بيلهاس) وتواجهان وفاة والدهما عندما تصيبه سكتة دماغية. لقد وصلت إلى منتصف السلم عندما أدركت أن كل شيء ضبابي وعليها أن تندفع عائدة إلى الشقة لتضع عدساتها اللاصقة فيها. وسرعان ما يقدم ما تعتبره طلبًا لا يمكن تصوره ، يريد أن يموت . وعلى مدار الفيلم ، بينما تتصارع إيمانويل وشقيقتها باسكال (جيرالدين بيلهاس) حول ما إذا كان يجب على إيمانويل تلبية رغباته - من المهم أنه سألها وليس باسكال - يظل حازمًا ، مصراً على رغبته ، الفيلم يثير العديد من المسائل الانسانية مثل، رعاية الاباء في نهاية العمر مجموعة من القضايا المعقدة التي يؤجل الكثير من الناس التعامل معها لأطول فترة ممكنة ، يبدو منظور في البداية ضبابيًا بشكل غريب . من الواضح أنها لا تريد أن يموت والدها ، ولكن بالطريقة التي تقدم بها أوزون الشخصية ، لفترة طويلة من الفيلم يبدو الأمر كما لو أنها لا تدرك حتى مقدار ما يكافح ، ولماذا يعتقد أن الوقت قد حان لذلك. مع تطورالقصة وكشف ماضي أندريه. تزوج أندريه من والدة إيمانويل (شارلوت رامبلينج) على الرغم من كونه رجل مثلي . مستاء من محاولات عشيقه جيرار (جريجوري جاديبوا) في زيارته كي يحصل على ساعته الثمينة التي وعدها له بها . وعلى الرغم من تحسن حالة ألاب أندريه ، إلا أن قناعته لا تتزعزع ، والفيلم يستمد توتره السردي الهادئ من أمل ابنته في أن يغير رأيه والتخطيط لخروجه من المستشفى. رفضت الروائية في البداية الاستسلام للتشاؤم ("إنه قوي ، يتعافى دائمًا) ، وتقوم بزيارات متواصلة لتكون بجانب والدها ، طوال الوقت كانت تتصارع مع زوبعة من المشاعر تجاه ماضي قاسي لأبيها ( أندريه) الذي لم تظهر الكثير من المودة في شبابها له (كما تعلمنا من خلال عدد قليل من ذكريات الماضي القصيرة) ووكشفت لنا عن طبيعته العنيدة بشكل لا يطاق. الأب أندريه (أندريه دوسولييه) ، حطام جسدي ، ويجب على إيمانويل أن تتعامل ليس فقط مع حالته الحالية ولكن أيضًا مع مواقفه وعلاقته معها في فترة الطفولة. لقد كان ولا يزال رجلًا متهورًا ، من الواضح أنه عامل زوجته ووالدتهما (شارلوت رامبلينج) بشكل مروّع، ولكن عندما يطلب منها مساعدته على الموت ، فسيكون ذلك أعظم اختبار لحبها وولائها لكن حالة صحة أندريه تتدهور بسرعة ، وسرعان ما يطلب من ابنته مساعدته على الموت . ترفص البنت الفكرة وتسايره غي البداية ، ولكن تحت الحاح الآب اندريه والحاحة تقتنع ، إيمانويل تدريجيًا مع الفكرة ،وتبدأ في الانترنيت عن أماكن الموت الرحيم وشروطه ، وتتوصل الى أحد العناوين . بعد ذلك ، في كانون الأول (ديسمبر) ، تصل رئيسة (قاضي سابق) لجمعية الحق في الموت بكرامة إلى باريس قادماً من سويسرا والتي تلعب دورها "هانا شيغولا " وتلتقي بألابنة إيمانويل ، وتطلب منها توقيع بعض الاوراق من قبل الاب والتحضير لرحلة الاب الاخيرة. وهكذا ، تبدءان كل من الاختين إيمانويل وباسكال معًا للتحضير لرحلة والدهما الأخيرة ، لكن الأمر ليس بالسهولة التي يبدو عليها ، طبيعة الأب النرجسية هي على الأغلب ما يحركه، فهو يرفض أن يرى نفسه على هذه الصورة، وهو الذي كان دومًا البورجوازي الأنيق الذي يهوى اقتناء لوحات الفن التشكيلي ويتردد على المعارض والمزادات، يكرر “لم أعد أنا”، ومن ثَم “ساعديني أن أضع حدًّا لهذا التدهور”. حتى وهو على فراش المرض ولا يقوى على الحركة فقد ظل الأب المشاكس، الطريف، المراوغ، الأناني، النزق، الذي يطالب بحقه في الموت لكنه يعشق الحياة ويتصرف أحيانًا بخبث الأطفال . يؤدي تمرينات العلاج الطبيعي المرهقة ويحقق تحسنًا ملحوظًا، فيعطينا انطباعًا أنه قد يغير رأيه، ثم فجأة يصر على إنهاء أجله في أقرب فرصة. يفاصل مع ابنتيه من أجل تسريع مهمتهما، بعد أن اتفقوا أن ترافقاه إلى برن بسويسرا حتى يتناول الدواء الذي سيعجل بالنهاية، يوقع كل الأوراق والإقرارات التي طلبتها الجمعية السويسرية المتخصصة في سرية تامة ، بطبيعة الحال يحاول العجوز أن يؤجل الموت قليلاً حتى يحضر الحفل الموسيقي الذي سيعزف فيه حفيده الأثير على آلة الأبوا، وهو كذلك يستمتع بالسهرة كما يستمتع بالأكل حين يذهب بصحبة ابنته وزوجها إلى مطعمه المفضل، يأكل بشهية وشراهة، يمازح النادل الذي يعرف ما يحب ويقدم له ما لذ وطاب، كل هذا الحب للحياة ويصر على الرحيل ! . يسأل ابنته حين يكتشف أن المساعدة على الانتحار مكلفة للغاية “وماذا يفعل الفقراء؟”، فترد بتلقائية: “ينتظرون الموت!”. عمل المخرج أوزون مع الكاتبة سابقا مع الكاتبة بيرنهايم في فيلم حمام السباحة ، ولكن على الرغم من أن فيلم "كل شئ سارعلى مايرام " ، مكرسأ لذكراها إلا أنها ليست دراما عاطفية . من خلال ذكريات الماضي القصيرة والمنفذة بحكمة ، يقدم أوزون لقطات لعلاقة إيمانويل مع والدها ووالدتها كلود ، التي تلعبها الممثلة المخضرمة "شارلوت رامبلينج" ، التي تتمتع بشخصية قوية رغم إصابتها بمرض باركنسون وتحمل قليل جدًا من المودة تجاه زوجها. التي هي نفسها مستنزفة من حالتها الصحية وغير متأثرة تمامًا بمشاكل زوجها السابق (ربما ينبع هذا الحقد من حقيقة أن أندريه مثلي الجنس ، ويبدو أنه كان لديه عشاق من الذكور على الجانب). من الواضح أن تصرفات أندريه غالبًا ما تؤذي عائلته ، ومن جانبها تعلمت إيمانويل ببساطة التسامح عناده وسلوكه الفظ ، صفات تفاقمت بسبب السكتة الدماغية. وبأداء رائع، تنقل لنا صوفي مارسو مع صبر إيمانويل الذي لا ينضب على ما يبدو ، بينما تلمح إلى كل المشاعر التي لم تُحل بعد بشأن هذا الرجل المستحيل . تتقبل أيمانويل (صوفي مارسو) ، صدمتين : الأولى تفهم من خلالها مارسو- الابنة الكاتبة- أن والدها قد نُقل إلى المستشفى إثر جلطة دماغية، والثانية تتلقاها من مندوبة الجمعية السويسرية التي تساعد من يرغب “على الموت بكرامة” إذا ما استدعت حالته الطبية ذلك، وما بينهما تمر عدة أشهر مليئة بالمشاعر والتناقضات والعلاقات المربكة أحيانًا. ينتظر خلال هذه المدة أندريه (الممثل السبعيني القدير أندريه دوسولييه) مساعدة ابنته، لأنه لا يريد أن يحيا قعيدًا وبائسًا، بل يفضل أن يذهب في هدوء. والهدوء هو سمة الفيلم بصورة عامة. مشاعر ناعمة وعميقة تنقلها الكاميرا دون استعراض. يبرع الأب في تجسيد دور البطل الصارم والعنيد الذي لا يأبه بكون القوانين الفرنسية لا تعطي الأفراد الحق في إنهاء حياتهم على هذا النحو، بل تسمح فقط بالموت الطبيعي في الحالات المتأخرة من مرض عضال، يترك ابنته إذن كي تتدبر أمرها كيفما اتفق، حتى لو تعرضت للمساءلة، المهم أن تُنفذ ما يريد، فهي كما يصفها “لا يمكن أن ترفض له طلب" . لقد قدم فرانسوا أوزون عملا سينمائياً في هذا الفيلم مؤثراً للغاية حول القتل الرحيم والمساعدة في الموت. مما يتركنا نقرر ما هو بالضبط في النهاية الذي سار "بشكل جيد". واللقطة الأخيرة لشخص ميت على فراش وهو الاب ( اندريه) ببدلته الانيقة بعد أن اشترى الموت بهدوء في سويسرا وعلى أنغام موسيقى كلاسيكية و مع صوت المراة التي اشرفت على العملية في سويسرا وهي تبلغ الابنة مانويل (كل شيء سارعلى ما يرام ) وهي الجملة التي أصبحت عنوانا ً للفيلم . كل شيء سار بشكل جيد”، بهذه الجملة البسيطة ينتهي فيلم المخرج فرانسوا أوزون الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان، وعُرض في مهرجان الجونة مؤخرًا خارج المسابقة الرسمية، وفيه تروي المؤلفة الفرنسية إيمانويل الأيام الأخيرة في حياة والدها الذي طلب منها مساعدته على الرحيل مبكرًا. جاءت العبارة (وهي عنوان الفيلم) على لسان الممثلة صوفي مارسو إحدى بطلات العمل لتطمئن أختها أن أباهما قد رحل في سلام، دون ألم، وأن عملية القتل الرحيم التي أرادها لنفسه مرت على خير . ومن هنا كان عنوان الفيلم الذي يبدأ بمكالمة تليفونية وينتهي بأخرى . هناك مشاهد سينمائية مؤثرة وأخرى تحمل دلالات ، مثل اللحظة التي تُحقق الابنة رغبة والدها في أن يتناول العشاء لمرة أخيرة في مطعمه المفضّل و نراه يأكل بشراهة، مستمتعاً بكل لقمة يضعها في فمه. مع ذلك، لن تساعده المتعة فيالتمسّك بالحياة. فالعذاب هو القاعدة عنده، أما المتعة فهي الاستثناء. في مشهد آخر ، حين رفض سائق سيارة ألاسعاف المسلم أستكمال الرحلة لان مايريد أن يفعله أندريه مخالف لتعليمات دينه ، حينها يطلب اندريه من مساعده استكمال مشوار رحلته الاخيرة الى سويسرا .
كتاب السيرة الذاتية لإيمانويل برنهام ، والذي استند إليه النص - حتى الأسماء ، مع استثناءات نادرة ، ظلت كما هي. عملت الكاتبة مع أوزون أكثر من مرة ، وشاركت في تأليف عدة أفلام: "تحت الرمال" ، "حمام السباحة" ، "خمس مرات اثنان" ، "ريكي". وكان كتابها عن وفاة والدها المفروض سيعدّل من قبل مخرج آخر - آلان كافاليير ؛ لكن المشروع والخطط تعطلت بسبب مرض وموت الكاتبة إيمانويل برنهام في عام 2017 ،
يعد العمل مع الممثلين في هذا الفيلم أمرًا خاصًا أيضًا ، فمن المفترض أن يحصل كل منهم على مزيد من الحرية أكثر من المعتاد ، ويسمح له بالبحث عن السمات المميزة في الشخصيات نفسها والعثور عليها ، حتى تنبض بالحياة على الشاشة. عمل أوزون سابقًا فقط مع جيرالدين بيلهاس (باسكال) ، وبالطبع شارلوت رامبلينج المفضل لديه منذ فترة طويلة ، والذي لعبت ببراعة دورًا صغيرًا لأم باردة ومكتئبة إلى الأبد. وقع الوزن الرئيسي على أكتاف الممثلين الآخرين - أساطير سينما المؤلف ، مثل - أندريه دوسولييه (أندريه) وبالطبع صوفي مارسو (إيمانويل) . تبقى الإشادة بأداء العملاق أندريه دوسولييه. الممثّل الكبير الذي ذاب في الدور لدرجة التحوّل في شكله ومن خلال ترهل وجهه وعينه اليمنى ، وصعوبة النطق والحركة كانت متقنة بشكل كبير ، استطاع أن يقدم شخصاً نصدقه ونتعاطف مع ألمه رغم معرفتنا المسبقة بأنه ليس أكثر الناس لطفاً. أداؤه هنا مدهش، أما صوفي مارسو في دور الابنة فتقدم هنا أحد أهم أدوارها . بطبيعية أخاذة تمر عبر جميع مراحل الوعي بالمأساة ، تلعب في نفس الوقت بمشاعر وأحاسيس مختلفة ، الاستياء والتعاطف والكراهية القديمة والحب الذي لا يقاوم للأب العجوز - النرجسي والرجل الوقح ولكنه يتمتع بروح الدعابة التي لا تضاهى. يبدو أن هذا هو أفضل دور لها ، بالنسبة للمخرج الذي نعرف أنه قادر على تبني أسلوب مؤكد إلى حد ما ، فإن التباين في التفاصيل المعطاة لماضي هذه العائلة يبدو مقصودًا ومنعشًا. يرسم أوزون في عدد قليل من ضربات الفرشاة المختارة صورة للعلاقات الصعبة ولكن مع ذلك المحبة التي هي واضحة بما يكفي للمشاهد لفهم المشاعر المعقدة - بدءًا من الغضب إلى خيبة الأمل ، يمكن للمرء أن يجادل بأن ضبط النفس العاطفي لأبطالها ، وكرامتهم في التعامل مع مثل هذا الحدث الخطير ، هو أمر طموح أيضًا . والاكتئاب العميق لأمها (شارلوت رامبلينج) والمشكلات الصحية والرجل الغامض الذي يلمح إلى حياة أخرى شبه سرية للأب تشير ربما إلى صدمات أعمق تطارد هذه العائلة ، التي تشعر بها. إما أن يكون قد فات الأوان للنظر إلى الأسفل ومحاولة مواجهته ،. لذلك فإن عنوان الفيلم صادق ومُر ، وهو ملخص للعاطفة العميقة والتنازلات التي غالبًا ما تشكل روابط عائلية محفوفة بالمحبة إلى حد ما . صحيح أنّ الفيلم عن الوالد، لكنه أيضاً عن الابنة حين طلبُ الأب منها مرافقته إلى محطته الأخيرة،لكن الفيلم يثير لديها أسئلة وجودية فتعيد التفكير في علاقتها به. ومن هنا يولد الفيلم. رغم أنها تعترف بتمنّيها موته مراراً في طفولتها، فلا يُخفى على أحد أنّ هذا شيء وذاك شيءٌ آخر. خلال عملية البحث عن وسيلة للإتاحة للوالد الانطفاء بسلام (لا حلّ سوى سويسرا)، ستواجه الابنة - ومعها أختها بدرجة أقل - العديد من المساءلات القانونية . ووضع ترتيبات شبه سرية مع المحامين حتى لا يتم إرسالهم إلى السجن . هناك شيء مميز في الفيلم يتناسب مع بيئة الشخصيات المتميزة من الطبقة الراقية والمثقفة ، مثل رف لمثقل بالكتب ؛ ومطعم أربع نجوم لديه نادل مفضل عند ألاب ( إندرية) يعرف النبيذ الخاص بالاب اندريه وكذالك السؤال عن الاب عند زيارتها أحد المعارض الفنية .
في الختام : فيلم "كل شيء سار ما يرام": دراما القتل الرحيم المؤثرة لفرانسوا أوزون كانت متميزة ،تناولت العديد من الأفلام أخلاقيات المساعدة على الانتحار ، ولكن هذا التأثير في هذه الدراما الذكية بشكل مدهش ، لانها تهتم أكثر بالتطبيقات العملية المعقدة . الفيلم يحرك المشاهد لأنه "يرفض العاطفة". "يظهر أن اللحظات الأخيرة من الحياة تحتوي على نفس المزيج من الفكاهة والاستياء والحب والغيرة والمهزلة مثل كل الأيام التي سبقتها. المخرج فرانسوا أوزون يريد أن يؤكد أن المساعدة على الموت ليس رفضًا اكتئابيًا للحياة ولكنه اختيار إيجابي للكرامة في الموت . هذه الدراما عن القتل الرحيم اللطيفة والهادئة لفرانسوا أوزون تقسم العالم بشكل فعال إلى أشخاص يفهمون ذلك وأشخاص لا يفهمونه ، فيلم جوهرة خالصة. فيلم يُضحكنا ويُبكينا. لكنّ أهميته في أنّنا نبكي متى يجب أن نضحك، ونضحك متى يجب أن نبكي، ولا نشعر بالذنب. وأحياناً، يدهمنا الشعوران معاً ! .



#علي_المسعود (هاشتاغ)       Ali_Al-_Masoud#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- - أوروبا- فيلم عراقي - إيطالي يحكي جزءاً مهما من معاناة المه ...
- مقابلة مع الباحث العلمي والسياسي والسينمائي د. جواد بشارة
- الفيلم الايراني -رجل نزيه - وثيقة سينمائية تدين الحالة السيا ...
- - هيكتور - قصة دافئة عن التشرد في عيد الميلاد
- فيلم -رحلة المائة قدم - يكشف الهوة في الثقافات بين الشعوب
- المخرج الشيوعي -عثمان سمبين- يطلق رصاصته الاخيرة على عملية خ ...
- المخرج الماركسي -عثمان سمبين- يطلق رصاصته الاخيرة على عملية ...
- المخرج الماركسي -عثمان سمبين- يطلق رصاصته الاخيرة على عملية ...
- فيلم (خلية النحل ) ينتصر للمرأة وأرادتها في البناء والتغير و ...
- فيلم ( إنتزعت من حضنها) يفضح سياسة الرئيس الامريكي السابق -د ...
- فيلم لبول فيرهوفن -دراسة متأنية للسياسة والدين ونقد لاذع للك ...
- فيلم ( 7 سجناء ) يفضح الاتجار بالبشر والعبودية الحديثة
- (قلوب وعظام ) فيلم يصور صداقة مصور ولاجئ يصارعان صدمة الحرب ...
- فيلم (دونباس) صرخة ضد مجتمع فقد إنسانيته في زمن الحرب .
- فيلم (بعد الحب) لا يتعلق بالإيمان بقدر ما يتعلق بالحزن والخس ...
- فيلم -مقتل كينيث شامبرلين- يدين العنصرية ويفضح عنف الشرطة ال ...
- الفيلم الكردي -أرضي ذات الفلفل الحلو- يرصد تناقضات المجتمع ا ...
- فيلم- الإصلاح الأول - يعكس الصراع بين الشك واليقين في قضية ا ...
- (أنا كارل ) فيلم يحذّر من صعود اليمين المتطرف في أوروبا،
- فيلم (ملكة الصحراء) : يكشف جانب من حياة (مسز بيل ) الخاتون-ص ...


المزيد.....




- بريتني سبيرز تهدد بمقاضاة أختها جيمي لين
- وفاة الممثل الفرنسي غاسبار أوليه نتيجة لحادث رياضي
- نجل الفنان السعودي خالد سامي: قلب أبي توقف
- توقيف اشغال لجنة القطاعات الاجتماعية بسبب منع  الصحافة من ال ...
- عازف البيانو الروسي دينيس ماتسويف يتولى الإدارة الفنية لمسا ...
- متحف مدام توسو يعرض تمثالي بايدن وهاريس (فيديو)
- عبد الله بن المعتم وعمرو بن جندب الغفاري أبرز المدفونين فيه. ...
- ما سر فستان مارلين مونرو الوردي اللون بفيلم -الرجال يفضلون ا ...
- البرلمانيون يسائلون أخنوش عن السياسة الثقافية
- #ملحوظة_لغزيوي: بين سنتين !


المزيد.....

- حوارات في الادب والفلسفة والفن مع محمود شاهين ( إيل) / محمود شاهين
- المجموعات السّتّ- شِعر / مبارك وساط
- التحليل الروائي لسورة يونس / عبد الباقي يوسف
- -نفوس تائهة في أوطان مهشّمة-- قراءة نقديّة تحليليّة لرواية - ... / لينا الشّيخ - حشمة
- المسرحُ دراسة بالجمهور / عباس داخل حبيب
- أسئلة المسرحي في الخلاص من المسرح / حسام المسعدي
- كتاب -الأوديسة السورية: أنثولوجيا الأدب السوري في بيت النار- / أحمد جرادات
- رائد الحواري :مقالات في أدب محمود شاهين / محمود شاهين
- أعمال شِعريّة (1990-2017) / مبارك وساط
- ديوان فاوست / نايف سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - الفيلم الفرنسي - كل شيء سارعلى ما يرام- محاولة تعطيل الموت في دراما القتل الرحيم