أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - شرط اللجوء وأهليات اللاجئين















المزيد.....

شرط اللجوء وأهليات اللاجئين


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 6964 - 2021 / 7 / 20 - 21:35
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


قبل نحو خمسة أسابيع، أعيد لي نص عن المنفى، كان ترجم إلى الألمانية لينشر في أنثولوجيا لكتاب لاجئين، وطلب مني أن أنظر في اقتطاعات مقترحة من النص قبل نشره مع نصوص أخرى. بنظرة سريعة إلى المواقع الستة التي اقتُرِح حذفها تبدى أنها كلها تشير إلى إسرائيل، إما كاستثناء متعدد الوجه في عالم اليوم، أو كنفي جغرافي وتاريخي مستمر لفلسطين، أو إلى قيام كيانها على إبادة الفلسطينيين سياسياً، أو إلى انضباط الحكم الأسدي في سورية بالباراديغم الإسرائيلي. كان واضحاً أن الأمر لا يتعلق باعتبارات فنية تتصل بحجم المادة مثلاً، أو بتفاصيل تاريخية محلية يصعب على القراء الألمان الإحاطة بها مثلاً، بل برقابة دوافعها سياسية وإيديولوجية، أي بشيء يشبه تماماً ما كنا نقاومه في بلدنا، وما أفضى عبر مسار معقد إلى شرط اللجوء، وإلى كتابة النص في المقام الأول.
اعترضت على الاقتطاعات بوصفها رقابة غير مقبولة، ولم تصلني استجابة على الاعتراض إلى اليوم، فلا أعرف بعد إن كان نصي سينشر أم لا.
ما نحن حياله هنا هو تحكيم ماضي ألمانيا في حاضرنا ومستقبلنا في فلسطين وسورية وغيرهما، ومنح جهات ألمانيا نفسها موقع المقرر لما هو الكلام الصحيح عن إسرائيل، وليس من وقع عليهم غُرم المعاناة من الواقعة الإسرائيلية.
على أن هذه حالة متطرفة فحسب من إنكار أوسع انتشاراً للأهلية (الإيجنسي)، ربما يلتقي فيه ميراث السيادة مع شرط اللجوء وما يبطنه من علاقة قوة بين المجتمع المضيف ومجموعات اللاجئين. كان نظام السيادة الذي تم تجاوزه في أوربا قد صدر إلى الخارج غير الأوربي (والنازيون مارسوه في الداخل الأوربي، وهو ما أثار على النازية الخصوم بحسب إيميه سيزار، وما كانت ممارسته في المستعمرات على غير الأوربيين مشكلة غير مهمة). ديناميكية التوسع والفتح والتجاوز الامبريالية تكفلت بتصدير الماضي الأوربي إلى الخارج المستعمر الذي يُحرم على هذا النحو من مستقبل يخصه، دون أن يحوز مستقبلاً أوربياً. يصير منفى لماضي المتقدمين، ومقراً لسيادة تقتل وتعذب. دولنا بالمناسبة تنظر إلى الداخل المحكوم بعين السيادة الواحدية التي تقتل وتعذيب وإلى الخارج بعين السياسة التعددية التي تفاوض وتساوم، فهي في ذلك عكس الدولة الغربية الحديثة، السياسية في الداخل والسيادية في الخارج. كولونيالية السلطة التي تكلم عليها أنيبال كويهانو تتكثف في هذا الواقع.
أول مستويات إنكار الأهلية هو المعرفي، ما يتصل بقدرة السوريين أو الفلسطينيين ومن في حكمهم على تحليل أوضاعهم، وتطوير مفاهيم وأدوات مناسبة للإحاطة بها. هذا بينما يعتمد على خبراء الشرق الأوسط الأوربيين كمصدر للمعرفة بشأن سورية والمنطقة، وهؤلاء يفتقدون لأشياء كثيرة أساسية: حس التاريخ، الانتماء والعناية، الشغف واللوعة، لا مآسينا تلوعهم ولا إنجازنا المحتمل يبهجهم. المعرفة التي تخرج من أيدي هؤلاء الخبراء هي معرفة عمياء إنسانياً، تفكر بنا كمواضيع لا كذوات. يمكن للسوريين أن يكونوا موضع اقتباس في عمل للصحفي أو الباحث الأوربي، لكن ليس مصدر تحليل أو نظرية. يشغل المتكلم السوري أو اللاجئ عموماً موقعاً متدنياً في سلم إنتاج المعرفة، يقتصر على الشهادة الخام. تصنيع المنتج النهائي وتعليبه وتوصيله يقوم به الباحث أو الصحفي الأوربي. وهو ما يعني في الواقع أن معرفة اللاجئين ليست لاجئة معهم، أو أنه يتوقع منهم أن يتجردوا من معرفتهم وأهليته المعرفية، ويقبلوا معرفة البلد الملجأ دون نقاش. هذا هو مغزى قصة الرقابة المذكورة فوق.
ومن أوجه إنكار الفاعلية المعرفية أن الشأن السوري قلما طرف أبواب الإنسانيات، فما بالك بالفلسفة. علاقة القوة التي يقوم عليها إنكار الأهلية تأخذ شكل مقاومة أن يكون لصراعنا قيمة إنسانية عامة. سبق لسالفوي جيجك، وهو يفتي في كل شيء مثل مشايخنا، أن وصف الصراع السوري بالصراع الزائف. وليس في ما كتبه الرجل ما يدل على أدنى معرفة بتاريخ سورية ومجتمعها وحياتها السياسية والقانونية.
الأهلية السياسية موضع إنكار أولي بدورها. لا ينظر إلى اللاجئ عموماً كصاحب قضية، كمناضل، لجوؤه اليوم جزء من قصة صراع سياسي أكبر، وهو مستمر وإن بصورة مختلفة اليوم في خوض هذا الصراع، مغالباً شروط اللجوء الصعبة. ما يجري إنكاره أو التشكك فيه بصورة خاصة هو تمثيلنا لقضيتا بلغة الحرية والديمقراطية والثورة. ربما تؤخذ أقوالنا عن نضالنا بتسامح، لكن السياسة المناسبة لنا لا تحيل إلى الفرد والمنظمة الاجتماعية والحزب السياسي، بل هي السياسة الأهلية، حيث الفاعلون السياسيون هم العشائر والطوائف والإثنيات، مثلما يجتهد أن يفعل السيد دانيال غرلاخ هنا في ألمانيا. هذا الشكل من إنكار الأهلية السياسة يبدو نافذاً في الدوائر المقربة من جهات صنع القرار في ألمانيا وفرنسا.
الأهلية الأخلاقية في وضع مماثل. من يقرر الخير والشر في شؤوننا، وليس في الشؤون الألمانية أو الأوربية لا سمح الله، هو القوى الأوربية. ثمة نظرية هنا عن الشر الأقل والشر الأعظم، وفي تطبيقها السوري خلصت إلى أن بشار الأسد هو شر أقل، وداعش شر أعظم. الواقع أن داعش شر عظيم، والحكم الأسدي شر عظيم، ولا أحد مضطر للمفاضلة بينهما. لكن ألا تبدو النظرية عاطلة ولا أخلاقية بشكل عميق؟ حنه آرنت قالت يوماً إن من يختار الشر الأقل ينسى أنه يختار شراً، وقد نضيف أنه بهذا الخيار يضعف فرص البحث عن بدائل، ويسهم في إنتاج عالم مغلق بلا بدائل، مرشح بفعل انغلاقه للتفجرات العنيفة والإرهاب، أي لما يفترض أنها الشرور العظيمة. وهو ما يعني أن اختيار الشر الأقل لا يسهم في الحقيقة إلا في إبقاء عجلة الشر الأقل والشر الأعظم مستمرة في الدوران. ثم يا ترى، أليس من يحق له القرار في هذا الشأن هو من يعاني من الشر أكثر من غيره؟ المبدأ في انتخاب القائمين على سلطات التنفيذ والتشريع هو أننا نتأثر، نحن محكوموهم، بقرارتهم وتشريعاتهم، ولذلك يجب أن يكون لنا قول فيها، فننتخبهم أو لا ننتخبهم. هذا المبدأ هو ما يصلح لأن يستأثر من يتأذون من سلطة ما بالقرار في شأن شرانيتها. والمبدأ نفسه هو ما يؤسس للاعتراض على أن تحدد جهات ألمانية صواب وشرعية ما نقول بخصوص إسرائيل.
ماذا يعني إنكار الأهلية على هذه المستويات الثلاثة، المعرفي والسياسي والأخلاقي؟ يعني إدخال تراتب بين الناس يشغل بعضهم فيه مكانة أرفع من بعضهم، أي العنصرية. وهذه من لوازم القتل حين تمارسه السلطة المديرة للحياة بحسب فوكو. لذلك فإن مقاومة إنكار الأهلية هي دفاع عن الحق في الحياة، أو هو فعل مقاومة للقتل.
هذه المقاومة ممكنة هنا في أوربا لأن شرط الإنكار ليس حتمياً بحيث لا يمكن فعل شيء ضده، رغم أن ما يتراوح بين التشكك في الأهلية وإنكارها هو الاستعداد الأولي لوضع اللجوء، بخاصة الوارد من الشرق الأوسط التي يتراوح الشرط الكولونيالي فيها بين عدم الانقطاع وبين التجدد بفضل من الواقعة الإسرائيلية، ووقوع منطقة الخليج في نظام الأمن القومي الأميركي، وصعود العدمية الإسلامية منذ مستهل هذا القرن، ثم بفعل تسهيل الحكم الأسدي احتلالات متعددة، ليس بيده تقرير حدود سلطتها وامتدادها الزمني. أقول: ليس محتوماً ألا يعترف بأهليتنا هنا لأنه من جهة هناك شركاء نضال في المجتمعات المضيفة القائمة على التعددية، ومن جهة أخرى البنية (السياسية المعرفية القانونية) متفاوتة الكتامة حيال أوجه الأهلية السياسية والمعرفية والأخلاقية. معلوم أنها في ألمانيا أكثر كتامة حيال الشأن الفلسطيني وإدانة جرائم إسرائيل لاعتبارات معلومة، لم تعد معقولة بالفعل. وهناك أصوات متزايدة ترتفع معترضة في هذا الشأن على ما يشبه صيد الساحرات من ترصد لجملة هنا أو تصريح هناك يدين إسرائيل، مثلما حدث قبل عام ونيف مع الفيلسوف الكاميروني أشيل مبمبه. للمؤسسات الألمانية أن تقرر في شأن مسؤولياتها حيال اليهود بالأمس القريب واليوم، لكن ليس لها أن تقرر لنا ماذا نفكر في شأن قوة نووية عنصرية، تستثني نفسها من أي قاعدة عامة تشملنا معها. المتأثرون باستثنائية إسرائيل وبسيادتها، وليس داعمي هذه الاستثنائية في ألمانيا أو غيرها، هم المرجع في شأن القول الأصح بخصوص هذا القوة العدوانية.
الصفة غير الحتمية لشرط الإنكار تعني أن الأهلية يمكن أن تكون ساحة صراع من أجل انتزاعها أو تأكيدها. تعني أيضاً أن أهليتنا مسألة نضال، مسألة قدرة وكفاءة كذلك، وبالطبع مسألة معرفة. أي أن الأمر مرهون بنا بقدر ما.
نحظى كلاجئين بحريات مهمة لم نتعب من أجلها، فنستطيع أن نعبر عما نعتقده فيما يخص شؤون بلدنا بلغتنا ما لم يكن متاحاً من قبل، أي قبل اللجوء. هذا ليس قليلاً. لكن بخوض الصراع من أجل تأكيد الأهلية المعرفية والسياسية والأخلاقية ننتج حرية هنا، ولا نستهلك ما هو متاح من حرية فقط. هذا يضيف للحرية هنا ولا ينقص منها.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوريا لمن؟ من خصخصة الدولة إلى خصخصة الثورة
- عرض لكتاب ديرك موسز: مشكلات الجينوسايد
- حوار: سيدخل بشار الأسد التاريخ كحاكم عميل تسبّب في كارثة لسو ...
- تعصب وقلب للحقائق: رد على معاذ الخطيب
- خطط الحرية وتدابيرها
- ما بعد -أدب السجون-: شرط الشتات السوري وإلزام المقارنة
- عشر سنوات سورية: واقع اليأس وسياسة الأمل
- في العنف: نظرات في أوجه العنف وأشكاله في سورية خلال عقد
- تقليد ثوري عربي؟
- قليل من أخلاقية الكتابة لا يضر
- أدب السجون والرواية البوليسية
- تفكير مع حنّه آرنت
- الحق في عدم العودة كجزء من حق العودة
- قصة سميرة
- نحن والهولوكست
- تسييس التروما وسياسة المعنى
- في أزمة الإسلام والعدمية الإسلامية
- نهاية التاريخ وما بعد الديمقراطية
- المغيبون والمصير السوري
- مقدمة كتاب: السلطان الحديث، في الطائفية وخصخصة الدولة في سور ...


المزيد.....




- مصر.. الصحة تحذر المواطنين من موجة كورونا رابعة
- وزارة الري السودانية تعلن زيادة إيرادات -النيل الأزرق-
- لبنان.. رئيس الجمهورية يصدر مرسوما بتكليف نجيب ميقاتي لتشكيل ...
- شاهد: سكان جزيرة هيفا أوآ يستقبلون ماكرون برقصتهم التقليدية ...
- أبرز ردود الفعل الدولية على قرار قيس سعيّد إقالة الحكومة الت ...
- لبنان يتجه إلى تكليف نجيب ميقاتي تشكيل حكومة جديدة
- أزمة تونس: قيس سعيد يقيل رئيس الوزراء ويعلق البرلمان وسط احت ...
- المتحورة دلتا والتضخم على جدول أعمال اجتماع الاحتياطي الفدرا ...
- شاهد: سكان جزيرة هيفا أوآ يستقبلون ماكرون برقصتهم التقليدية ...
- الغنوشي يتهم الإعلام الإماراتي بالتأجيج ويستحضر -الدرس الترك ...


المزيد.....

- في العنف: نظرات في أوجه العنف وأشكاله في سورية خلال عقد / ياسين الحاج صالح
- حزب العمل الشيوعي في سوريا: تاريخ سياسي حافل (1 من 2) / جوزيف ضاهر
- بوصلة الصراع في سورية السلطة- الشارع- المعارضة القسم الأول / محمد شيخ أحمد
- تشظي الهوية السورية بين ثالوث الاستبداد والفساد والعنف الهمج ... / محمد شيخ أحمد
- في المنفى، وفي الوطن والعالم، والكتابة / ياسين الحاج صالح
- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - شرط اللجوء وأهليات اللاجئين