أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - تسييس التروما وسياسة المعنى














المزيد.....

تسييس التروما وسياسة المعنى


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 6746 - 2020 / 11 / 28 - 17:42
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


في التجربة السورية وغيرها، الجروح والرضات النفسية أقل ظهوراً من إصابات الأجساد، لكن أوسع انتشاراً وقلما تعالج. تنظر هذه السطور في سبل تعامل معافى مع هذا الجروح، تخرجها من مكنونات النفس الخفية إلى عالم السياسة، تسيِّسها كفعل مقاومة واعتناء بالنفس.
أول ما يلزم لتسييس التروما هو إدراك الصفة السياسية لتروماتنا أو جروحنا النفسية. جروحنا سياسية من حيث السبب، ومن حيث المسبب، ومن حيث كوننا نحن المجروحين سياسيين بصورة ما. سياسيون دون رغبتنا، وربما رغماً عنا، لكننا سياسيون بلا مهرب. السياسة التي لم يهتم بها أكثرنا اهتمت بنا كلنا. ونحن هنا اليوم نتكلم على تسييس جروحنا النفسية بفعل اهتمامها المؤسف. وما نتطلع إليه هو سياسة غير جارحة.
نجد السياسة في تجاربنا الجارحة، وليس في النظام الذي تنحل السياسة لديه في التعذيب والقتل كشرط حياة ودوام له، ولا عند الإسلاميين الذين تنحل السياسة لديهم في الدين، في صورة مجروحة ومريضة منه، وليس لدى المعارضة الرسمية التي خسرت استقلالها ونجحت في أن تلغي نفسها سياسياً.
لا نجد السياسة حيث يجري البحث عن السياسة، نجدها حيث لا يجري البحث: في مجال المعنى، أو بالتحديد في العلاقة بين المعاناة والمعنى. تسيسس الجرح بهذا المعنى هو تسييس المعاناة، هو التعبير عنها والكشف عن معناها.
يتضمن التسييس تبين الصفة العامة لجروح النفوس. ليست جروحنا نتاج أزمات نفسية تخصنا كأفراد، وإنما هي نتاج أوضاع سياسية جارحة ومؤذية، لحق أذاها ملايين السوريين بصورة مختلفة. العنوان العريض لهذه الأوضاع هم الحكم الأسدي في بلدنا.
وحدة المعنى والمعاناة هي ما تتيح امتلاك مجتمع المعاناة لتجربته، وتحول دون فرض معان خارجية على التجربة من جهة، ودون الحاجة إلى اقتراض معاناة من الغير.
في جيل سبق، جيلي، فعلنا الشيئين معاً: اقترضنا معان ومعاناة من غيرنا. لكن في جيلي كذلك أخذنا نقاوم ذلك، وأخذنا نطور معاني أوثق صلة بضروب المعاناة المعاشة في بلدنا.
اليوم لدينا فائض من المعاناة، وينبغي لسياستنا أن تعتني بتوليد معان فائضة منها.
وبقدر ما إن المعنى الصحيح للصراع هو ما يتصل بالمعاناة الفعلية، وليس باستيراد معان من الماضي، فإن في سياسة المعنى ما ينازع مسعى الاسلاميين لامتلاك صراعنا.
علاقة المعاناة- المعنى ليست مباشرة. يساعدنا أن نعرف كيف مثّل غيرنا معاناتهم، كيف ولدوا المعاني. غيرنا ممن مضوا وغيرنا من المعاصرين. هذا جانب معرفي- تشكيلي من سياسة المعنى، ضاع بقدر كبير من سياساتنا من عقود. وهو يطل على ما يسمى التراث، المتاح البشري من طرق تمثيل الواقع.
قبل هذا الجانب المعرفي، هناك جانب التعبير، ترجمة التجارب إلى أفكار، أو الكلوم إلى كلمات.
التمثيل هو العملية الفكرية التي توحد الجانبين التعبيري والتشكيلي.
خسرنا معركة التمثيل السياسي التي نتكون فيها كمواطنين، لكن نستطيع تمثيل تجاربنا، تحويلها إلى أفكار ومعان وصور، تبني قضية لنا وتخاطب غيرنا.
نتكون كقوة سياسية محتملة حين نولد المعاني من تجاربنا. حين نتكون كذوات لها معنى، تنظر في تجارب الفقد والاقتلاع والتغييب واللجوء والخسارة، وتعمل من أجل أوضاع متحررة منها.
إنتاج المعنى عملية سياسية وصراعية. فمن عملوا على تحطيمنا يعملون على تحطيم معنانا، وعلى رواية القصة على نحو ينكر أن لنا قضية. وبالعكس، نحن نعمل على رواية قصة معاناتنا وعنائنا على نحو يظهر النظام كقوة شر أنانية، غير وطنية، وبلا قضية عامة، أي بنزع المعنى عنه. الصراع من أجل المعنى هو أحد أوجه تمثيل الذات.
وليس في سياسة المعنى ما يتناقض مع سياسة الفعل، القائمة على التنظيم والعمل على تغيير الواقع، لكنها تبدو وقتياً على الأقل أكثر ملاءمة في شروط الشتات.
وهذا لأن ما في الشتات، الأوربي بخاصة، من فرص وأخطار، ما تصلح سياسة المعنى للتعامل معها. الفرص هي فرص تعلم أفضل مما كان متاحاً لنا في بلدنا، وتحسن قدرتنا على توليد المعاني وعلى التعبير غير المراقب المولد لأفكار جديدة. والأخطار تتصل بنسيان تجربة المعاناة وإدارة الظهر لمجتمع المعاناة المحطم، والذوبان في المجتمع الجديد.
هذا فضلاً عن النجوع العلاجي. من شأن تسييس جروحنا، وضعها في سياقات عامة، ووضع سياقنا العام ذاته في سياق عالمي، أن يساعدنا كأفراد على التعافي، وعلى أن نكون جماعة معنى، تتعرف في الترومات التي خبرتْها على قصتها المشتركة.
في ألمانيا النازية، تحمل الشيوعيون معسكرات الاعتقال بقدر أفضل من غيرهم بفعل كونهم منظمين، يتبادلون العون، وبفعل قدرتهم على إضفاء معنى على معاناتهم. من عانوا أشد المعاناة ولم ينجوا هم من لم يفهموا لماذا هم موجودون هناك، من لم يستطيعوا استيعاب الصدمة وتجاوزها.
في تجربة جيلي، أسهم التنظيم السياسي والمعنوي في تحمل تجاربنا القاسية. التنظيم إطار لتبادل الدعم، يعطيك وجهة ويقلل من تشتتك. وقد تكون تجاربنا السابقة ساعدت في تحمل جروح لاحقة، فكأنها نوع من التطعيم.
هناك جانب من سياسة المعنى ذي أهمية خاصة في الشرط الشتاتي: الربط بين قصتنا وقصص غيرنا من مجتمعات المعاناة، أو إدراج قصتنا في إطار أعم يتضمن قصصاً غيرها. المهم أن نتوقف عن التفكير في سورية كأنها كوكب منفصل عن غيره، وأن نرى بينما نحن متناثرون في العالم كم من العالم في بلدنا وفي مجتمعنا وحياة كل واحد وواحدة منا.
سنكون في وضع أفضل من أجل سياسة الفعل، وأوانها قادم، بقدر ما نطور سياسة معنى مثمرة، فننجح في تمثيل تجاربنا وإنتاج المعاني المتجددة من معاناتنا، ووضع قضيتنا في متناول عالم يبدو أنه متأزم أكثر وأكثر، ومحتاج لأن يبحث عن تمثيلات وحساسيات جديدة.
(مداولة قدمت في حلقة تفاعلية مع شابات وشبان سوريين في برلين عن تسييس التروما في 31 أكتوبر 2020، بالتعاون مع منظمة: تَبَنّ ثورة).






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في أزمة الإسلام والعدمية الإسلامية
- نهاية التاريخ وما بعد الديمقراطية
- المغيبون والمصير السوري
- مقدمة كتاب: السلطان الحديث، في الطائفية وخصخصة الدولة في سور ...
- عن الكرامة والذل، وكرامة المذلولين
- الصمود وما بعده
- في الهزيمة والخسارة، بين الأمس واليوم
- قوى متشابكة وخطابات منفصلة، مدخل إلى النظام الشرق أوسطي
- تدَيُّن بافلوفي وأزمة قيادة
- الإمارت وإسرائيل وشركاهما: تحالف أقوياء أشرار
- سؤال سورية الصعب
- أناس وأفكار وأزمنة
- الحتمية الطائفية و«تدمير وطن» السوريين: ملاحظات على كتاب نيق ...
- الخلاص العسير: مقدمة الترجمة اليبانية لكتاب بالخلاص يا شباب
- علاقات التعذيب السياسية: التعذيب ونمط إنتاج السلطة في «سورية ...
- أزمة كورونا والعالم اليوم
- مرثية لأمي ووداع متأخر
- أصوات الغائبين: أفكار لإصلاح التفكير
- كورورنا في عالم سوري
- تعبير: الكلمات والعنف والدموع


المزيد.....




- زعيم حركة حقاني يكشف لـCNN تفاصيل اتفاق بشأن سحب أمريكا مكاف ...
- صربيا تستنفر قواتها على حدود كوسوفو
- أنواع الفطر ذات الخصائص العلاجية
- حركة -النهضة- تحذر من مخاطر غير مسبوقة في تاريخ تونس
- تونس: الغنوشي يدعو -للنضال السلمي- ضد -الحكم الفردي المطلق- ...
- تونس: الغنوشي يدعو -للنضال السلمي- ضد -الحكم الفردي المطلق- ...
- الغنوشي يدعو -للنضال السلمي- ضد إجراءات الرئيس سعيّد
- مصادر لسبوتنيك: مجموعات قبلية تغلق مطار بورتسودان شمال شرقي ...
- هل خسرت تونس نصيبها من إعادة الإعمار في ليبيا أمام مصر؟
- لافروف والمقداد يبحثان الأوضاع في سوريا وأنشطة اللجنة الدستو ...


المزيد.....

- في العنف: نظرات في أوجه العنف وأشكاله في سورية خلال عقد / ياسين الحاج صالح
- حزب العمل الشيوعي في سوريا: تاريخ سياسي حافل (1 من 2) / جوزيف ضاهر
- بوصلة الصراع في سورية السلطة- الشارع- المعارضة القسم الأول / محمد شيخ أحمد
- تشظي الهوية السورية بين ثالوث الاستبداد والفساد والعنف الهمج ... / محمد شيخ أحمد
- في المنفى، وفي الوطن والعالم، والكتابة / ياسين الحاج صالح
- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - تسييس التروما وسياسة المعنى