أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - بين لوحتين














المزيد.....

بين لوحتين


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6868 - 2021 / 4 / 13 - 23:49
المحور: الادب والفن
    


بمحض الصدفة وقعت عيني في مبنى عام في بلدة فرنسية صغيرة على لوحة معلقة على الجدار كتب عليها باستنكار: "هل في بلدتنا أشخاص يجوعون، أفي جوارنا من يحتاج إلى الطعام!". هي العين نفسها التي وقعت قبل ذلك بقليل على لوحة سورية تشمل صور هياكل عظمية يكسوها جلد رقيق لضحايا الجوع في مضايا والزبداني، فاغري الأفواه والعيون دهشة مما لم تكن تتخيله من تخلي العالم.
في اللوحة الفرنسية، وهي نموذج عن لوحات أوربية مشابهة، دعوة من جمعيات مدنية للتضامن والتطوع لدعم الأسر الفرنسية الفقيرة التي يلفظها "النظام الرأسمالي" إلى الهامش، وكذلك لدعم الأسر غير الفرنسية التي لجأت من هوامش العالم المنكوب والمحتضر إلى هامش النظام الغربي. وفي اللوحة السورية دعوة إلى الانصياع: "الجوع أو الركوع". بين اللوحتين مسافة واسعة غير أنها قابلة للانكماش تحت ضغط صراع اللوحتين.
بين جهد أهلي متواصل وأخلاقي وتطوعي لترميم لاأخلاقيات النظام الرأسمالي، كنظام يقوم على التنافس والاحتكار والغلبة، وبين جهد سلطات أمر واقع تجعل من انعدام الأخلاق سلاحاً للتركيع، يكمن فارق يحتاج تجاوزه إلى تحول نوعي، ولكن التحول النوعي قد يكون نكوصياً أيضاً.
اللوحة السورية، كمثال بارز عن اللوحات المشابهة من اليمن إلى أفغانستان وفلسطين والعراق وليبيا ..الخ، التي ما انفكت تصدم العالم بتفاصيلها الكبرى، من موت مهشم تحت الركام إلى موت سليم بالغازات السامة إلى جثث على الشواطئ وفي البحار إلى موت بالتعذيب وبالبرد وبالجوع ..الخ، إلى ما هو أقل من الموت أو أكثر، من خطف وسجن وتشرد واغتصاب وخوف وإهانة وذل ومرض، هذه اللوحة بما تعرضه من تفاصيل كافية لكي تجلل بالعار جيلاً كاملاً، ليست نتاجاً سورياً محضاً بلا شك، بل هي نتاج عالمي وعلى صورة العالم.
اللوحة السورية الفظيعة هذه بدأت منذ حين تغزو اللوحة الفرنسية والأوروبية وتفرض ألوانها شيئاً فشيئاً. والأهم أن البلد البعيد جداً والقريب جداً المسمى أميريكا راح يستلهم من اللوحة السورية ويصوغ المزاج الأميريكي العام على هديها.
لا يمكن أن لا يلفت النظر التزامن بين مستوى الانحطاط الأخلاقي الذي تعرضه اللوحة السورية، وبين مستوى الانحطاط الأخلاقي الذي تشهده الجدالات السياسية في أوروبا وأميريكا، هذا الانحطاط الذي تزداد شعبيته باطراد. مع الجبهة الوطنية في فرنسا وفوزها الكاسح في الدورة الأولى من الانتخابات الإقليمية بخطاب عنصري وانعزالي، ما يشير إلى انحراف يميني حاد في المزاج العام، ومع صعود شعبية الخطاب العنصري المتهافت الذي يمثله دونالد ترامب المرشح الأول وبفارق كبير عن منافسيه حتى الآن عن الحزب الجمهوري في السباق الرئاسي الأميركي، يتضح أن معايير اللوحة السورية تجد منافذ لها إلى السلطة في هذه البلدان.
بات رهاب الحالة السورية من القوة بما يكفي لتبرير صعود فاشي في البلدان نفسها التي تعرض اللوحة المناقضة. المنطق السياسي الذي يتشكل بتسارع لافت في البلدان الأوروبية اليوم يقوم على نوع من الحجر الصحي على النزاعات البعيدة، وتحصين الذات بالمزيد من الحماية ووسائل الوقاية، وترك المحجورين لأمراضهم، وحرقهم من الجو إذا أمكن للمزيد من الضمان. الأمان بأي وسيلة كانت بات مركب الطامحين السياسيين في البلدان الغربية بسبب الرهاب السوري.
على هذا النحو، لا يميل السياسيون في الغرب إلى كبح لا أخلاقيات سلطات الأمر الواقع في سوريا كما يمكن أن ينتظر العاقل، بل يميلون إلى ممارسات لا أخلاقية تجاه المنكوبين، تعزز ممارسة جلاديهم المحليين. تمييز محلي عنيف يقوم على معايير الولاء والطائفة، يغذي تمييزاً عالمياً على شكل صعود موجة عنصرية ضد الأجانب. يقول هذا إن متانة الثقافة الديموقراطية الغربية الناجمة عن تحولها إلى تقليد ووعي شعبي، تتشقق اليوم تحت ثقل الخوف من الفظاعات التي تعرضها صراعات فاقدة لأي معيار أخلاقي مهما يكن.
يناير/كانون الثاني 2016






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تعودت أن أحب كاسترو
- جنازة لا تحتاج إلى موتى
- ستيف جوبس وألان الكوردي
- المعارضون السوريون بين الداخل والخارج
- عن ذبح -غير الأبرياء-
- في القسوة
- عن استمرار الثورة السورية وحواجز الخوف
- قناع السلطة
- قناعات سورية مستترة
- أرض الظنون الشائكة
- بلا أسماء
- تونس، الانتقال الديموقراطي في خطر؟
- مهجع الصور
- عقد على اندلاع الثورة السورية، ماذا نستفيد؟
- كلام لا يقي من البرد
- سجين حاقد يقلع عين الرئيس
- التحالفات الديموقراطية السورية، سطور في رمال
- إلى روح علي البدري (ممدوح عبد العليم)
- كان يجب أن أُسجن قبل أبنائي
- قمران في ليل عنيد


المزيد.....




- لوحة لبيكاسو تباع بأكثر من 100 مليون دولار في مزاد بنيويورك ...
- جلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، يعطي تعليماته السا ...
- خبير سياسي إسباني يتقدم بشكاية إلى القضاء ضد المدعو إبراهيم ...
- القضاء الفرنسي يقر حظر تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين ومنظموها يتم ...
- -بروسيدا- مرشحة للقب عاصمة الثقافة الإيطالية
- برقية ولاء وإخلاص مرفوعة إلى جلالة الملك من أسرة القوات المس ...
- سلاح ذو حدين في مجتمع المخاطرة.. مناظرة حول -التقدم- في العص ...
- المغنية مانيجا: مشاركتي في -يوروفجن- فوز شخصي كبير لي
- مصر.. الكشف عن تطورات الحالة الصحية للفنان سمير غانم
- وفاة فنان مصري مشهور بعد مشاركته في مسلسلين في رمضان


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - بين لوحتين