أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - غازي الصوراني - جورج سنتيانا (1863 - 1952)















المزيد.....

جورج سنتيانا (1863 - 1952)


غازي الصوراني

الحوار المتمدن-العدد: 6815 - 2021 / 2 / 15 - 15:04
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ولد سنتيانا في مدريد، وهاجر إلى امريكا عام 1872، وبقي فيها حتى عام 1912، وقد تخرج في جامعة هارفارد، وعين فيها استاذاً، ولبث فيها من سن السابعة والعشرين حتى بلغ الخمسين، ولكنه لم يكن راضياً تماماً بهذه البلاد التي اختارها لنفسه.

عانى الكثير من صخب حياة المدينة الامريكية وسرعتها، واتجه بالغريزة إلى "بوسطن"، وكأنه أراد أن يكون قريباً من أوروبا مهما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ومن "بوسطن" انتقل إلى كامبردج وهارفارد. "وبقي بعيداً عن الجماهير والصحافة، ولكنه كان يعرف حسن حظه لوجوده في اعظم مدرسة للفلسفة لم تشاهدها أَية جامعة أمريكية أخرى"([1]).

لقد كان "أول مقال له في الفلسفة "حاسة الجمال" عام 1896، الذي يعتبر أعظم هبة أمريكية في عالم الذوق والجمال، وبعد خمس سنوات، أخرج مؤلفاً رائعاً في "تفسير الشعر والدين" بعد أن وجد اقبالاً أوسع من مقاله السابق، ولبث بعد ذلك بسبع سنوات لا ينشر شيئاً، حيث كان يُعِد أهم مؤلفاته ألا وهو "حياة العقل"، ولم يكد يُخْرِج إلى الناس هذا الكتاب بمجلداته الخمسة: "العقل في الإدراك السليم، العقل في المجتمع، العقل في الدين، العقل في الفن، العقل في العلم"، حتى ارتفع سنتيانا فوراً إلى أوج الشهرة بين الأوساط الفلسفية، لقد كان سنتيانا مزيجاً صافياً من ارستقراطية شعوب البحر المتوسط، والفردية الأمريكية.

بعد ذلك جلس سنتيانا ناعماً على عرش شهرته، ثم "غادر هارفارد إلى انجلترا ليعيش فيها، وظن العالم أنه قد أتم واجبه، وأدى رسالته، ولكنه أثار دهشة العالم مرة ثانية بنشره كتابه القَيِّم "الشك وإيمان الحيوان" في عام 1923، وأعلن أن هذا الكتاب مقدمة لنظام فلسفي جديد"([2]).

الشك وإيمان الحيوان:
يقول في مقدمة هذا الكتاب اننا "سنجد نظاماً آخراً للفلسفة، فان وجد القارئ في نفسه رغبة في الابتسام فسأبتسم.. أنا لا اطلب من أحد ان يفكر بما افكر إذا كان يفضل تفكير الاخرين، والأفضل إذا استطاع أن ينظف نوافذ روحه، لينشر جمال المنظر وتنوع صوره وإشراق ضوئه امامه.

يريد سنتيانا في هذا الكتاب الأخير –كما يقول ديورانت- "أن يمحو أولاً نسيج العناكب الذي نسجته نظرية المعرفة، فعرقلت نمو الفلسفة الحديثة واخرت تقدمها، وقبل أن يعرف حياة العقل، راح يتحدث عن اصل العقل البشري، لانه يعلم ان أسوأ ما يقع فيه الفكر، هو قبوله الآراء التقليدية قبولاً اعمى، ولهذا فهو يبدأ بالشك، وهو على استعداد لأن يشك في كل شيء، فيقول، يصل إلينا العالم الخارجي خلال الحواس فيمتزج بصفاتها وخصائصها، وتأتي لنا الحوادث الماضية عن طريق الذاكرة التي تؤثر فيها الرغبة وتلونها كما تشاء، إذن فالعالم كما يظهر لنا والماضي كما نذكره قابلان للشك، أما ما يثق "سنتيانا" في صحته ثقة اليقين فهو تجربة اللحظة، فهذا اللون وهذه الصورة، وهذا الطعم وهذه الرائحة، وهذه الصفة، كل هذه وما شاكلها هي العالم "الحقيقي" وادراكها يكون "الكشف عن الجوهر"، ويقول "سنتيانا" ان المذهب المثالي صحيح ولكنه لا ينتهي إلى نتيجة كبيرة، حقاً اننا نعرف العالم عن طريق أفكارنا فقط، ولكن ما دام العالم قد سار خلال الاف السنين تماماً على اساس الايمان بصدق احساساتنا، يمكننا إذن أن نقبل هذا القرار العملي من غير ان نخشى على المستقبل، ويقول أيضاً، "قد تكون عقيدة الإنسان خرافية، ولكن هذه الخرافة نفسها خير ما دامت الحياة تصلح بها، وصلاح الحياة خير من استقامة المنطق الصحيح، اذا كانت الحياة تُصلِحها الخرافة أكثر مما يُقَوِّمها القياس المنطقي"([3]).

العقل في العلم:
في "كتابه "حياة العقل"، يقول "سنتيانا" "ليس العقل عدواً للغرائز، ولكنه يساعدها في توفيق ونجاح، والعقل فينا عبارة عن الطبيعة بلغت مرتبة الادراك، فهي اذ تستهدي به انما تسترشد بضوء نفسها في تبين طريقها ومعرفة الغاية التي تسعى اليها، والعقل ازدواج سعيد من عنصرين – وهما الحافز الذي يحفز ويدفع، والفكر الذي يفهم، ولو انفرط ما بين هذين العنصرين من رباط لانقلب الإنسان وحشاً ضارياً أو مجنوناً لا يعي، والعقل هو تقليد الإنسان لله.

"يقوم كتاب سنتيانا "حياة العقل" على العلم، لأن العلم يشمل جميع أنواع المعرفة التي يوثق بها ويركن اليها، فعلى الرغم من أن "سنتيانا" يعرف مدى ما في العقل من تقلب وعدم ثبات، وما في العلم من قابليه الزلل والخطأ، ولكنه يرى وجوب اعتمادنا على العلم وحده"([4]).

أما بالنسبة إلى "الناس فان سبيل التطور الاخلاقي، يقع في تنمية العواطف الاجتماعية التي تزدهر في جو الحب والوطن، والأسرة هي السبيل إلى دوام الانسانية، فهي لا تزال النظام الاساسي بين الناس، وهي وحدها قادرة على دوام الجنس، حتى ولو فشلت جميع النظم الأخرى.ولكن الاسرة وحدها لا تستطيع السير والرقي بالمدنية الا إلى درجة بسيطة معينة، اذ تحتاج المدنية لاطراد تطورها ومواصلة سيرها وتقدمها إلى نظام أوسع وأكثر تعقيداً، تحل فيه الدولة محل الأسرة.

وقد تكون الدولة وحشاً طاغياً كما قال عنها "نيتشه" ولكن هذا الطغيان الذي يرتكز على سلطة واحدة، يقضي على جميع ضروب الطغيان الاخرى التي كانت تكدر صفو الحياة وامنها قبل انشاء الدولة. فإن كانت الدولة قرصاناً يفرض علينا تقديم الخراج والضريبة، فان تقديمنا لهذه الضريبة إلى قرصان واحد يتقبلها بهدوء افضل من ان يستولي عليها مئات القراصنة بلا انذار أو حدود، ومن هنا نشات الروح الوطنية بين الناس، فهم يعرفون ان ما يدفعونه للحكومة من ثمن أقل من تكاليف الفوضى والاضطراب التي يتعرضون لها اذا لم تقم حكومة قوية بالاشراف على المجتمع والسهر على مصالحهم، ولكن سنتيانا يتساءل فيما إذا كانت مثل هذه الوطنية تؤدي إلى خير الناس أو إلى ضررهم؟ لأن هذه الوطنية تميل إلى اتهام دعاة الاصلاح والتغيير بعدم الاخلاص والخيانة، ذلك إن حب الإنسان لبلاده يدفعه إلى المطالبة بالتغيير وبذل الجهود للوصول بالبلاد إلى الكمال، والوطنية القومية ضرورة لا مفر منها، وبعض الشعوب متفوقة على غيرها.

وسنتيانا "لا يشارك سبنسر افتتانه وحبه للصناعة، هو يعرف جانبي الصناعة الحربي والسلمي، ويميل إلى نظام الحكومة الارستقراطية القديم، ويعتقد أن ما عرفه العالم من ثقافة كان ثمرة لذلك النظام الاستقراطي، وليست المدنية في اعتقاده إلا انتشار عادات نشأت في الطبقات الممتازة، ولم تنبع من عامة الشعب، ثم فرضت نفسها على الشعب فرضاً، أما الدولة التي تتألف خاصة من العمال والفلاحين كما تتألف معظم الأمم الحديثة لهي دولة متأخرة متوحشة، تقضي على كل تقاليد الحرية، ويضيع فيها جوهر الوطنية العقلي والتاريخي"([5]).

إنه يكره المساواة –كما يؤكد ديورانت- "ويوافق افلاطون بأن المساواة بين غير المتساوين لا مساواة، ومع ذلك فهو لم يبع نفسه تماماً للنظام الارستقراطي، ولذلك يقول: "ينبغي ان يكون مبدأ السياسة الأول، ان تعمل الحكومة على رفع حياة أفراد الشعب والنهوض بهم، وتقوية إمكانياتهم ومواهبهم، والديمقراطية من هذه الناحية أفضل من الارستقراطية ولكن للديمقراطية مساوئها وشرورها أيضاً، فهي بالإضافة إلى فسادها وعجزها تمتاز بنوع من الطغيان خاص بها، وهو عبادة المساواة والتشابه التام بين افراد الشعب، ولن نجد طغياناً ممقوتاً ومكروهاً أكثر من هذا الطغيان العامي الذي يقضي على كل تجديد ويسد الطريق امام كل موهبة وعبقرية، ذلك إن أشد ما يكرهه سنتيانا هو الفوضى والسرعة الفاحشة التي ترافق الحياة الحديثة، ويتساءل هل كان الناس أسعد حالاً في ظل النظام الارستقراطي القديم، عندما كانت الحكمة هي الخير لا الحرية"([6]).

ما هو شكل المجتمع أو الحكومة التي يجب أن نسعى لها ونكافح من أجلها؟ "قد يكون الجواب أن لا نكافح من اجل حكومة معينة، اذ الفرق ضيق بينها، ولكن سنتياناً –كما يضيف ديورانت- "يميل إلى تفضيل حكومة تقوم على حكم أصحاب المواهب والشرف من الرجال وهي ما تسمى بالحكومة "التيمقراطية" وهي حكومة ارستقراطية لكنها ليست وراثية، والمجال مفتوح فيها امام الجميع وفقاً لمواهبهم وامكانياتهم ومقدرتهم، بان يكون الطريق للوصول إلى أعلى مناصب الدولة مفتوحاً امام كل رجل وامرأة وفقاً لمقدرتهم ومغلقاً امام العجز وعدم المقدرة والكفاءة مهما بلغت مقدرة المرشحين على جمع الاصوات في الانتخابات والاستفتاء، والمساواة الوحيدة الباقية هي مساواة الفرصة امام الجميع.

في هذه الحكومة ينحصر الفساد في أقل حيز ممكن، ويزدهر العلم والفن بما يجدان من تشجيع، وستكون هذه الحكومة جمعاً وتركيباً من الارستقراطية والديمقراطية، وهي ما ينشده العالم منذ زمن طويل لينجو بنفسه من الفوضى السياسية التي يتعرض لها اليوم، وهي حكومة لن يحكم فيها إلا أفضل الناس، ولكنها تقدم فرصة متساوية لكل إنسان بأن يكون بين أفضل الناس هؤلاء إذا اثبت جدارته وأهليته"([7]).

أخيراً، بالنسبة لموقف "سنتيانا" من الإيمان، فهو "لا يسمح لنفسه –كما يقول ديورانت- باعتناق المذهب الحلولي وهو المذهب الذي يقول بوحدة الكون وتأليهه، أي ان الله هو الكائنات التي هي الله، وهو يعتقد بأن هذا المذهب الحلولي ليس الا مهرباً من الإلحاد، ويقول إننا لا نضيف إلى الطبيعة شيئاً عندما نسميها الله، ولكنه كشاعر بطبيعته، ادرك ان العالم اذا تجرد عن الله يكون بارداً ولا يبعث على راحة القلب والنفس"([8]).






([1]) ول ديورانت– قصة الفلسفة– ترجمة: د.فتح الله محمد المشعشع- مكتبة المعارف – بيروت – الطبعة الخامسة 1985م - ص601

([2]) المرجع نفسه - ص602

([3])المرجع نفسه - ص603

([4])المرجع نفسه - ص604

([5])المرجع نفسه - ص611

([6]) المرجع نفسه - ص612

([7]) المرجع نفسه - ص613

([8])المرجع نفسه – ص 605






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هنري برجسون   (1859 - 1941)
- إدموند هوسرل (1859 – 1938)
- جون ديوي (1859 – 1952 )
- إميل دوركايم (1858 - 1917)
- عن الفلسفة والانقطاع المعرفي في الفلسفة العربية وسبل مجابهة ...
- سيغموند فرويد (1856 – 1939)
- جورجي بليخانوف (1856 – 1918)
- جورج سوريل (1847 – 1922 م)
- فردريك نيتشه (1844 - 1900)
- انطونيو لابريولا ( 1843 – 1904)
- ريتشارد أفيناريوس (1843 - 1896)
- وليم جيمس (1842 – 1910)
- تشارلز بيرس (1839 – 1914)
- في ذكرى الرفيق القائد الخالد جورج حبش
- إرنست ماخ (1838 – 1916)
- هربرت سبنسر (1820 - 1903)
- فريدريك انجلز (1820 – 1895)
- ميخائيل باكونين (1814 – 1876 )
- سورين كيركيغارد (1813 - 1855)
- تشارلز داروين (1809 – 1882)


المزيد.....




- بعد ظهور أحمد حلمي ومحاولة تفجير استاد القاهرة.. كيف سيختتم ...
- شاهد.. ملخص التصعيد بين الإسرائيليين والفلسطينيين الثلاثاء
- الأكبر من نوعها.. ماسة نادرة ذات لون بنفسجي قد تُباع مقابل 3 ...
- مع انفتاح السياحة إلى الدول الأوروبية مرة أخرى..3 أمور يجب م ...
- وزير خارجية السعودية: نرفض خطط وإجراءات إسرائيل بإخلاء منازل ...
- شاهد.. آثار تبادل إطلاق الصواريخ بين غزة وإسرائيل
- شاهد.. ملخص التصعيد بين الإسرائيليين والفلسطينيين الثلاثاء
- حريق يلتهم كنيسة تاريخية في فيلاديلفيا
- طبيب أعصاب روسي : فقدان حاستي الشم والتذوق لا يزال قائما لد ...
- صحيفة: روسيا طردت السكرتيرة الصحفية للسفارة الأمريكية


المزيد.....

- الماركسية كعلم 4 / طلال الربيعي
- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - غازي الصوراني - جورج سنتيانا (1863 - 1952)