أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد الهادي حاجي - النزعة القبلية والجهوية في تونس بين القطيعة والتواصل















المزيد.....

النزعة القبلية والجهوية في تونس بين القطيعة والتواصل


محمد الهادي حاجي
باحث متحصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع

(Hajy Mohamed Hedi)


الحوار المتمدن-العدد: 6794 - 2021 / 1 / 21 - 14:30
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


النزعة القبلية والجهوية في تونس بين فرضية القطيعة والتواصل :
نفترض في هذا السياق أن المقاربة السياسية التونسية لم تؤد إلى توحيد المجتمع وقولبة مراجعه على المستوى الذهني والثقافي ، وهو ما يطرح إشكاليات تتعلق بقيمة مفهوم القبيلة ومنها ما يتعلق باستتباعاته على رهانات المجتمع وما يوجد في الواقع المعيش، وهو ما يعطي مشروعية افتراضبإمكانية رجوع الهويات الخاصة للإشتغال مادامت قد حوصرت تاريخيا وإلى حدود الفترة السياسية المعاصرة، وهي عودة تعبر عن أزمة اجتماعية قد تترجم فشل الخطاب السياسي الموحد وعدم قدرته على الاقناع، فنجد نوعا من الارتداد الذهني والمرجعي للقبيلة، وهو ما يتعارض مع مقولات الخطاب السياسي المحدث الداعي في مفاهيمه إلى تقليص التمايزات الداخلية والقرابية للمجموعات القبلية لإنجاز التغير. ويدل ذلك أيضا على صعوبات البناء الوطني في مستوياته الثقافية والاجتماعية، ومحدودية البنيات التي خلقتها دولة الاستقلال في إشعاعها وتأثيرها، وهو ما يمكننا من القول بأن النخبة السياسية لم تتمكن من استبدال أشكال الولاء التقليدية، إذ بقيت هذه الأخيرة تتنزل في عمق النسيج الثقافي والاجتماعي للمجتمع، ورغم تعطيلها فهي تؤدي وظائفها، ومن ثمة نتحدث عن النزعة التي بقيت مترسبة وهو ما تفسره عديد الظواهر التي قد لا نفهم ميكانيزمات اشتغالها ما لم نعد بها إلى أصولها التاريخية، لذلك فإننا نفترض أن الكم المادي من التغيرات أو التغير الشكلي والبنيوي لم يقابله تغير كيفي على مستوى الذهنية، ثم إن انقراض القبيلة تنظيميا لا يحجب مسار التواصل والاستمرارية للأطر التقليدية التي مازالت تعيد إنتاج ذاتها والتي تتميز بتعدد وظائفها بتعدد المناسبات والحقب، وهو ما يجيز الحديث عن مفارقة التحديث في تونس أو لنقل أن هناك أزمة بدائل خاصة وأن استبدال الهياكل التقليدية ونظمها لم يؤد إلى خلق هياكل الانتظام الاجتماعي والإدماج الثقافي، وهي عملية ناتجة عن صعوبة صهر البنية التقليدية في المشروع السياسي بشكل متوازن غير مضطرب، مما يجعل الوجود الثقافي والمعنوي للبنية القبلية ليس تعبيرا عن مرحلة انتقالية بين لحظة القوة ولحظة الضعف في المجتمع كما يرى "بيار روندو"(Pierre Rondot) ( ) - في حرص المجتمع على تعويض المعطى القبلي ببدائل ثقافية تحقق له التوازن والاندماج الضروريين- وإنما وجود يتواصل خفية وظهورا ولا يخضع للتوقع والمحاصرة.
ونفترض في هذا الإطار أن هذه القبلية انتعشت أكثر في ظروف ضعف التنمية وغيابها ثم الاعتماد على استراتيجيا الفاعل السياسي أو التنموي الأحادية التوجه في ظل غياب المقاربة التشاركية مما يؤدي إلى التهميش واختلال التوازن بين الجهات، ومادامت التنمية الاقتصادية محدودة فإننا لا نتحدث عن التنمية الثقافية، وإنما نتحدث عن ضعف التغير الاجتماعي المرتبط بالحقول الحيوية للسلطة، وتركيزه على المناطق الحضرية على حساب المناطق الداخلية والريفية وشبه الحضرية، وهو عامل معرقل للتنمية، وهو ما يسبب الارتداد والعودة إلى الأطر التقليدية بحثا عن التوازن والأمان وإعادة بناء عصبية قادرة على المواجهة عبر قنوات لا يمكن حصرها، خصوصا أمام شكلانية الأطر المدنية والسياسية وعجزها عن تحقيق قيم المواطنة التي ترتقي بانتماء الفرد من عصبيته الضيقة إلى العصبية الوطنية.
وهذا يتطلب أن تكون المؤسسات المدنية والسياسية مفتوحة في تفاعل فيما بينها من أجل تطوير أساليب الإدماج الاجتماعي والسياسي للمواطن، وقيام الدولة بوظائفها إزاء المجتمع بدرجة عالية من الكفاءة عبر تشريك الحد الأقصى من الأفراد في صياغة القرار السياسي والتنموي واعتماد البدائل المقنعة في حل الصراعات والتوزيع العادل للثروة، فالتنمية السياسية تحقق الوعي الأشمل بالانتماء على حساب الانتماء الضيق وكلما كان الانتماء أرحب كانت المصلحة أعم والعكس صحيح، أي كلما نزلنا في الانتماء إلى الأكثر تقلصا طغت المصلحة الضيقة، مما يحفز هذه الولاءات للانفجار خصوصا في المناسبات السياسية (الانتخابات) .نفترض في هذا السياق حصول تبدلات حقيقية في تركيبة المجتمع وبنيته على مستوى العلاقات الاجتماعية والسياسية، وفي الآن نفسه نجد تواصلا لبعض العناصر التي تنتمي لبنيات اجتماعية تقليدية، وهي بطريقة واعية أو غير واعية تتحكم في الواقع الراهن وتوجهه، "و هي شحنة لا تزال تطبع العديد من الممارسات الفردية والجماعية رغم ما يحصل من تغيير في بنية العقل والفعل السياسي والاجتماعي" ( ).
و ليس المهم هنا أن نفهم ما إذا كانت بنية المجتمع ذاته قد رفضت التحديث أم أن عملية التحديث نفسها لم تتماشى مع بنية المجتمع لأن النتيجة واحدة، وهي إخفاق عملية التحديث وإعادة إنتاج نفس البنيات المراد تحديثها. ولربما عادت العروش والقبائل والجهويات في مراحل أزمات النظم السياسية والاجتماعية، ولكن المهم هو أنه لا يمكن نكران وجود القبيلة والجهة في الحياة السياسية زمن التحديث وبعده( ). ولكن المهم أنه لا يمكن نكران وجودها ومعنى ذلك أن القبيلة حاضرة في العقول والقلوب، ومن ثمة في السلوك الاجتماعي والسياسي والأمثلة كثيرة في هذا المجال فلا يمكن أن نتجاهل الانقسامات الكثيرة في مجتمعنا، بما يحيلنا إلى المجتمع الذي درسه ابن خلدون، فترسبات الانقسامية موجودة في عقولنا وسلوكنا وتتصل باستعمالاتنا اليومية لكلمات "ولد بلادي"، "ولد حومتي"، "ولد عمي"... وما يصاحبها من ضيق في أفق التصور للذات وللمجتمع، وما ينعكس من خلالها من محسوبية وعلاقات زبونية في الاتصال والتفاوض الاجتماعيين وهو ما يحيلنا إلى بنية سوسيو- ثقافة قبلية جهوية بأشكال جديدة تتجاوز الجغرافيا والشكل( ).
إن الدارس للمجتمع والنخبة السياسية في تونس لا يمكنه أن يتغاضى عن هذه الازدواجية التي نجدها خاصة في المناسبات السياسية كالانتخابات، فالناخب يبحث عن المرشح ابن عرشه أو قريبه، فهو لا ينظر لمسألة الكفاءة والمصلحة العامة بقدر ما تتحرك عصبيته في اتجاه العلاقات القرابية رغم أهمية الحدث السياسي وارتباطه بالإيديولوجيا السياسية للدولة التي تتحدث عن الحزب السياسي والمنافسة السياسية… وهي مفاهيم تغذيها النعرات العشائرية والجهوية والقرابية.
فحتّى إن أردنا الفصل بين مقولتي القطيعة والتواصل فإن ذلك لا يستقيم طالما أن المجتمع هو الإطار الذي يحتضن عناصر الثبات وعناصر الحركة أو كما تسميه رحمة بورقية الثابت والمتحول. وينبثق التغير من التفاعل بين المحافظة والتجديد، وهو ما يجعله تدريجي ومرحلي يعكس طبيعة هذا الكائن الاجتماعي (الإنسان) وتركيبته المعقدة التي لا تقبل الاندثار أو الضياع أو التلاشي.
ترتبط البنية القبلية كبنية وكهيكل اجتماعي بمسألة القرابة التي تعني في تعريفها الأنثروبولوجي مجموعة العلاقات المحددة إما بالنسب الأصلي أو الفرعي وكذلك عن طريق الحلف، وقد تجاوز "كلود لفي شتروس" المعنى البيولوجي للقرابة حيث أضفى عليها الطابع الاجتماعي، ومن هذا المنطلق فهي بنية من الضوابط والقيم والقواعد الموضوعية التي تنشئها مجموعة إنسانية ما حول العلاقة القرابية التي تنعقد بين أفرادها ( ). وتحدد القرابة آليات تشكل واشتغال المجتمع القرابي من خلال ما تؤمنه من وظائف اجتماعية يتم من خلالها إعادة إنتاج المنظومة السائدة.
ارتبط مفهوم المجتمع في الفلسفة الغربية بمفهوم العقد الاجتماعي إلى أن جاءت الحداثة التي اعتبرت المجتمعات القرابية مجتمعات تقليدية . إن عودة القبيلة تعني نهاية المجتمع التعاقدي المعقلن (société rationnalisée) والعودة إلى الماضي، إلى المجتمع القرابي "غير العقلاني". وبرغم سياسات التحديث المعلنة، فإن النقلة الكمية لم ترافقها نقلة في الوعي وطرق التفكير. يقول المنصف وناس في هذا السياق "إننا لا نجد أي مقابل لمفاهيم الديمقراطية والعقلانية والحداثة في الذهنية العربية الإسلامية، ولذلك كان طبيعيا أن ترتد هذه الذهنية إلى أقرب مرجعية، مرجعية تحولت في ظروف الإخفاق والفشل إلى مصدر توظيف وتوظيف مضاد". ( )
و يمكن القول في هذا السياق أن الهياكل الدولانية والمدنية المحدثة رغم تاريخها –منذ الاستقلال- وأهميتها في المجتمع التونسي فترة بناء الدولة والمجتمع على مدى أكثر من نصف قرن، لا يمكن الجزم بأنها ألغت الهياكل التقليدية وحلت محلها في المجتمع "فرغم تغير وضعيته في العمل والتعليم والمكانة الاجتماعية، لا يزال الفرد في المجتمعات المحلية محكوما بسلطة الجماعة الأولية، فظواهر الاستعانة بالأقرباء البعيدين والأقربين، وسلوكيات التوسط "بأبناء البلد" وانتشار علاقات الزبونية السياسية، التي ظلت تمثل السبيل الأسهل لدى الأفراد للحصول على الأعمال وتقلد المناصب وتولي الوظائف، أكثر من المسالك الأخرى التي تحددها علاقات المواطنة والسلوك المدني" ( ).
نفترض أن العصبية مازالت تسود مجتمعنا ضمن ثنائيات بين عصبية تواقة للصعود وأخرى نازلة أو ضعيفة، بين البدو والحضر، بين البدو وأشباه البدو، بين الريف والمدينة، إنه مجتمع أعيد فيه إنتاج البنيات التقليدية وتمظهراتها ضمن مفهوم مناقض لمعنى التحديث، "فلئن كانت الحداثة في سياقاتها الأوروبية ثورة على المنظومات القديمة برمتها أعلت شكل الإنتاج التقني والعلمي واعتبرت الإنسان قيمة مركزية مطلقة قياسا بمنطق الكنيسة. فإن النتائج كانت شبه عكسية في المجتمعات غير المنتجة لوسائل التحديث ونظمه الثقافية والمعرفية".( )
و يقول نجيب بوطالب في هذا الإطار "لم تستطع إجراءات التغيير الحديثة أن تلغي البنية القبلية وتفككها في كل المستويات وخصوصا في المستوى الثقافي والنفسي" ( ). وهو عكس ما اعتقده البعض الذين روجوا "للحداثة المزيفة"( ) القائمة على الاستبداد السياسي واختلال التوازن بين الجهات على مستوى توزيع الثروة، معتبرين أن القبيلة كبنية قد تهاوت إلى غير رجعة تحت ضربات "التحديث الاستعماري" وبناء الدولة الوطنية بوصف القبيلة قوة مقاومة للاستعمار وبنية تقليدية تعرقل بناء المجتمع الجديد في ظل دولة الاستقلال التي ادعت تفكيكها بمختلف البنى القرابية والدينية التقليدية، ولكن كيف نفسر انبعاث هذا الكيان (القبيلة) من حين لآخر خفية وظهورا خاصة في بعض المناسبات السياسية والازمات بصفة عامة ، ويرجع بعض المختصين هذا الرجوع للانتساب القبلي وأهمية الجماعات القرابية إلى جملة من الأسباب ( )أهمها:
- المنوال التنموي "الفاشل" والخيارات الاقتصادية المسقطة، مما يؤدي إلى التهميش والتقوقع والتفاوت الجهوي و يؤثر على ضعف الاندماج الوطني.
- غياب العدالة الاجتماعية وعدم تكافؤ الفرص مما يؤدي إلى بروز ما يسميه سالم لبيض "بوطن القبيلة" الذي لا تزال رمزيته قائمة، مما يجعله منافسا "لوطن الدولة"، وهو لجوء الأفراد إلى القبيلة واستنهاض تاريخها والبحث في الجذور والأجداد بغية التنعم بالأمن والاستقرار والتعويض النفسي والاجتماعي عن كل مظاهر الحرمان والظلم والإقصاء وعدم الاعتراف...
- ضعف وتيرة التغيير على المستوى الاقتصادي والاجتماعي خاصة في البيئة الريفية. مما يجعل التنمية مفقودة وهو ما يؤدي بالجماعات الريفية إلى الاعتماد على نفسها في "البحث عن حقوقها التاريخية بكل الوسائل المتاحة قانونيا وسياسيا وماديا، خصوصا حينما تلجأ إلى لمّ شتاتها وبناء استرتيجياتها وتنظيم مواجهاتها الداخلية معتمدة على أساليب حديثة في التعبئة والتحالف" ( )، خاصة إذا كانت الدولة لها إرادة نزع أو اجتثاث الحق التاريخي الذي تكتسبه القبيلة أو العرش دون أن توفر الأنموذج التنموي المناسب، الذي يحد من الفقر والخصاصة والتهميش.
من المهم الإشارة في هذا السياق إلى أن المرجعية الغربية التي صدّرت لنا الحداثة التي رمنا الأخذ بمبادئها منذ عصر النهضة، هي نفسها قد أعلنت "بدون خجل" عن تعطل "منظومتها الحداثية" عن طريق "القبلية" (le tribalisme) ، عندما كتب عالم الاجتماع الفرنسي "ميشال مافيزولي" عن "زمن القبائل" ( ) واعتبر أن مجتمع الكتل (la société de masses)، هو الذي أخذ مكان الفرد وأثر على صفة "الفردانية" في المجتمع الأوروبي، فهي كتل جديدة وشبكات قرابية ذات صبغة اجتماعية، و"زبونية"، مما يجيز استعمال مفهوم الجماعة (lacommunauté) في دراسة وتحليل المجتمعات الغربية كما صاغه "تونيز" (Tonnies) في تمييزه بين المجتمع والمجموعات الاجتماعية التقليدية ما قبل المجتمعية ( ).
و يعني مفهوم "القبلية" عند مافيزولي "اللااختلاف" بين الوحدات أما الجماعة فهي عبارة عن تشكل لتحالف الأفراد سواء وجدت بالفعل أم لم توجد" ( )، وهي جماعة تتشكل على أساس غير عقلاني يعيد إنتاج الكتل ولا ينتج الأفراد، وهو أمر يتأكد عبر الوسائط الاتصالية المسموعة والمرئية التي تعيد استثمار الثقافة التقليدية ويمثل التواصل الشفوي جوهرها الأساسي" ( ). وهذه القبلية الجديدة يعرّفها مافيزولي بأنها "ما يحيل إليه المفهوم العام للعادات، فالفرد لا يحتل المكانة الأهم مقارنة بالشخص الذي يجب عليه لعب دوره في المسرح العام وذلك بناء على قواعد دقيقة جدا( )، وبذلك يتم الانتقال من الاجتماعي (le social) إلى الاجتماعية (la socialité) على اعتبار أنه وإذا كان الاجتماعي يعني أن "كل فرد بإمكانه تأدية وظيفة في المجتمع والنشاط في حزب أو جمعية أو فريق قار فإن الاجتماعية تعني أن كل شخص يلعب أدوارا داخل نشاطه المهني كما في مختلف القبائل التي ينتمي إليها" ( ).
إن قلة البحوث المهتمة بالبنية القبلية في تونس -على الأقل في علم الاجتماع- لا يعكس أهمية التأثير الذي تمارسه هذه النزعة الجماعية في العلاقات الاجتماعية، إن دراسة هذه الظاهرة الراسخة في التاريخ ستمكننا من تحديد خصوصيات العلاقات الاجتماعية في المجتمع المدروس، وتتيح لنا فرصة معاينة التحولات الاجتماعية وقياس مدى تأثرها بهذه البنية، إذ أن خصوصية كل مجتمع ومميزاته لا يمكن أن تكون ناتجة عن بعض الأحداث العابرة وإنما هي ممتدة جذورها في التاريخ الاجتماعي.
ولئن تعرضت القبيلة إلى التغير فإنها مازالت تفرض نفسها على الأفراد والجماعات حتى في ظل الهياكل المدنية. وعلى الرغم من التحول الذي شهدته الدّراسات السوسيولوجية ضمن توجه يحاول البحث في عمق هذه الظاهرة وانعكاساتها أكثر من أي وقت سابق، فإن ذلك لا يرجع فقط لمجرد التعمق البحثي، وإنما أيضا إلى قدرة هذه البنية على التعايش بأساليب ، متنوعة ومعقدة كثيرا ما تتسرب للبناء الاجتماعي المعاصر.

رغم أن الدولة الأمة منذ نشأتها كانت تهدف إلى تقويض البنيات التقليدية أو ترويضها، فإن هذه البنيات بما فيها القبيلة لم تمت وإن تم تشييعها بسرعة، فهي إما تأقلمت مع نظام الدولة الجديد أو كُـبتت أو بقيت فاعلة في الخفاء،ويقوم بتفعيلها الفاعلون السياسيون والاجتماعيون خدمة لمصالحهم في مواجهة الدولة أو في خدمتها، كما تقوم الدولة أحيانا بإعادة إحياء القبيلة واستعمالها أداة في وجه معارضيها أو ضد أي تغيير في غير صالحها( ).
كما لا يفوتنا في هذا السياق القول بأن الاهتمام في هذا الموضوع بالبنى التقليدية القبلية والجهوية والعروشية ما هو إلا مدخل من عدّة مداخل منهجية لدراسة التحديث في تونس، فمفاصل وإشكاليات هذا الإطار البحثي كثيرة عديدة يمكن تناولها من وجهات نظر أو مداخل متعددة ومختلفة، ومقاربة هذه المسألة سوسيولوجيا في ارتباطها بعديد المفاهيم الأخرى كالعلاقة بين النخبة السياسية والحقل السياسي وطبيعة أشتغال النسق السياسي التونسي ومدى ارتباطه بالموروث السياسي التقليدي ضمن ما يسمى في العلوم السياسية بالسّلوك السياسي على اعتباره الجوهر الاختياري الأساسي للوسائل المسلكية السياسية( )، فكيف يتمظهر التقليدي في المستوى السياسي في تونس؟ وماهي آليات اشتغال الظاهرة السياسية؟ هل هي تقليدية أو حداثية؟ ما هي تمظهرات أو تجليات الإرث التقليدي السياسي في تونس؟ هل يمكن اعتبار النسق السياسي التونسي مدخلا لدراسة العلاقة بين التحديث والتقليد وطبيعة التقاطع بينهما؟ فهل يمكن إخضاع العلاقة بين الدولة والمجتمع ضمن هذا الاهتمام؟ كيف نفهم التوتر بين الدولة والمجتمع من هذه الزاوية السياسية إذا؟
محمد الهادي حاجي- باحث في علم الاجتماع




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,225,633,086
- التغير والمفاهيم ذات العلاقة
- القبيلة والقبلية في إطار فرضية القطيعة والتواصل
- الحقل السياسي في تونس وتأثيره الاجتماعي إبان الفترة البورقيب ...
- التحديث و الحداثة
- معوقات التغير الاجتماعي
- مفهوم البنية في علم الاجتماع
- القيم :لمحة حول المفهوم
- التوجهات النظرية والمنهجيّة في علم الاجتماع الطبي وسوسيولوجي ...
- ددور الإعلام في عملية التغير الإجتماعي
- المجتمع التقليدي من وجهة نظر علم الاجتماع
- السلوك الاستهلاكي
- االاندماج الاجتماعي
- التنمية والعولمة
- قراءة في مفهوم التنمية من منظور علم الاجتماع


المزيد.....




- سوريا: إعطاء لقاح كورونا للعاملين في الخطوط الأمامية لمواجهة ...
- بحسب نتائج تقرير خاشقجي.. ما هي خيارات إدارة بايدن في التعام ...
- الخامس في المملكة.. البحرين تمنح موافقة الاستخدام الطارئ للق ...
- بحسب نتائج تقرير خاشقجي.. ما هي خيارات إدارة بايدن في التعام ...
- روسيا تختبر سفينة جديدة لسلاح البحرية
- قطر تتعهد بتمويل خط أنابيب لنقل الغاز الإسرائيلي إلى غزة
- فرنسا تتجه نحو تمديد عمر أقدم مفاعلاتها النووية
- مصر.. حبس مواطن قتل 14 شخصا بينهم أقارب له
- الأسطول الروسي يتعقب سفينتين للناتو دخلتا البحر الأسود
- رئيس وزراء ارمينيا يندد بمحاولة انقلاب والمعارضة تطالبه بالر ...


المزيد.....

- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي
- صيرورة الإنسان العاقل (منعرجات تطور الجنس البشري) / مصعب قاسم عزاوي
- أسرار الدماغ البشري / مصعب قاسم عزاوي
- الفلسفة الأوروبية نهاية القرون الوسطى / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد الهادي حاجي - النزعة القبلية والجهوية في تونس بين القطيعة والتواصل