أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد الهادي حاجي - معوقات التغير الاجتماعي















المزيد.....



معوقات التغير الاجتماعي


محمد الهادي حاجي
باحث متحصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع

(Hajy Mohamed Hedi)


الحوار المتمدن-العدد: 6703 - 2020 / 10 / 14 - 14:15
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


معوقات التغير الاجتماعي:
تواجه عملية التغيّر الاجتماعي عديد العراقيل أو المعوقات داخل المجموعة أهمّها:
- المصالح الذاتية:كلما تهددت مصالح الأفراد والجماعات، فقد بيّن "ويليام أوجبرن"في كتابه "التغيّر الاجتماعي" مقاومة أصحاب المصالح الضيقة للتغير، حماية لمكتسباتهم وضمانا لامتيازاتهم. كمعارضة بعض العمّال الزراعيين لدخول التقنية الزراعية، لتأثيرها في أوضاعهم، أو معارضة عمال القطاع الصناعي لسياسة الخصخصة، لتأثيرها في طرد بعض العمال من شركات قطاع الأعمال العام.
- العادات والتقاليد: تمثل بعض العادات والتقاليد المتوارثة، معوقات دون التجديد والتغيير خاصة إذا كان كبار السن هم أهل الحلّ والعقد إذ يكبر عليهم تغيّر عاداتهم.
- الخوف من الجديد:يبيّن ذلك من خلال الشك في كلّ ما هو جديد خاصّة لدى المجتمعات "التقليدية" في تبجيلها للماضي وتقديسه،لذلك تقاوم المجتمعات كل تغيّر يستهدف ما عرفته من مفاهيم راسخة كالتغيرات التي تتعلق بخروج المرأة للعمل، أو للتعليم أو السفر أو إدخال التقنية الحديثة.
هكذا يتضح أن التغيّر الاجتماعي هو مفهوم شامل ينصب على الأوضاع الراهنة، أو ما هو كائن بالفعل، فهو ليس قوى تاريخية وماكرو- اجتماعية فقط وإنما هو تفاعل استراتيجيات عديدة لعدد كبير من الفاعلين الاجتماعيي .فهو ينصب على الوجود الحقيقي والتبدل الحاصل في الظواهر والأشياء من دون أن يكون ذلك في اتجاه واحد يميزه، فقد يتضمن تقدما وارتقاءا، أحيانا وقد ينطوي على التخلف والنكوص أحيانا أخرى.
يبدو التغير كمفهوم قريب من مفاهيم التبدل والتحرك والنمو والتقدم، ورغم الاختلاف بينها كما يرى البعض إلا أنها متقاربة في المعنى وشديدة الارتباط ببعضها .فهي جميعها مفاهيم متقاربة، ولم يكن هذا الاختلاف على مستوى دلالة المفهوم فقط وإنما يعود أيضا إلى اختلاف المدارس والنظريات التي تناولته بشكل عام، إذ تعددت المقاربات النظرية وتنوعت وهو ما أدى لتوالد مفاهيمي لمفهوم التغيّر المدرسة الأنقولوسكسونية:تعتبر هذه المدرسة أن التغيّر الاجتماعي هو سلوك حضاري واجتماعي وسياسي يقوم على مبدأ التحديث، أي الانتقال من مرحلة تقليدية إلى مرحلة حديثة وعصرية، فهو يهدف إلى تحقيق النقلة النوعية في أنماط الحياة للأفراد وضمان اندماجهم السياسي والاجتماعي والثقافي، ذلك أنّ الغاية الأساسية من هذا المفهوم هي تحقيق مبدأ الاندماج بمختلف مستوياته وأبعاده، ولعل التركيز على الجانب الثقافي والذهني والرمزي هو تدليل نظري على أن التغير تصور وقيمة ذهنية، ومن ذلك التغير الثقافي الذي يحصل في الرموز المليئة بالمعاني الثقافية التي تمثل حصيلة إنتاج البشر. وهي مقاربة نظرية نجدها عند كل من "بارسنز" و"مارتن" عند تحليل الوظيفية البنيوية التي تعتبر أن الظاهرة الاجتماعية تشهد تحوّلا وتغيّرا في صيرورتها في إطار نسق الوحدة المستقلة في حدّ ذاتها، وتعتبر هذه النظرية أنّ المجتمع هو وعاء لأجزاء عديدة ينبغي دراستها كل جزء على حدة، لأن العنصر الاجتماعي الواحد يختلف من مجتمع إلى آخر وهذا تصوّر "مارتن"الناقد "لمالينوفسكي"على اعتبار أن الوحدة الوظيفية لمجتمع ما هي تناقض مع الحقيقة، فالمشاعر والأحاسيس مثلا تؤدي وظيفة ما في مجموعة معينة وتختلف وظيفتها في مجموعة أخرى رغم انتماء المجموعتين لنفس المجتمع، وبذلك تخلصت الوظيفية من ذلك النقد القائل بأنها غير قادرة على دراسة التطور الاجتماعي الذي يحدث نتيجة الصراعات والتجاوز والتناقض، وهو ما يختلف عن الرأي السائد بأنها تدرس فقط الاندماج والانصهار والتوازن، وقد اعتبرت هذه النظريات أن التغير مهما كانت مستوياته أو أبعاده يهدف في النهاية إلى الحفاظ على التوازن الاجتماعي، وكل ما يهدد هذا التوازن هو حالة من اللاوظيفية و"اللامعيارية"التي تهدد الفرد في علاقته بالقيم والمبادئ الاجتماعية.
- تحاول الوظيفية تفسير الظواهر الاجتماعية وظيفيا وتكمن الفكرة الأساسية فيها في أن الأجزاء المختلفة للبناء الاجتماعي هي أجزاء يسود بينها التساند، ومن ثمة فهي متوازنة ذاتيا، وهي تفرض البحث في منشأ الأشياء ومن دعاة ذلك "دوركايم" و"رادكليف براون"، وقد مالت الوظيفية نحو رفض أو تجاهل كافة التساؤلات حول ديناميكيات التغير الفعلية، فالوظيفية تتجاهل العامل الديناميكي للتغيّر على أساس أن اهتمامها الأكبر هو توازن المجتمع.
ترتبط المدرسة الوظيفية بمختلف جزئياتها بعديد المفاهيم ذات التصور الوظيفي مثل البنية الاجتماعية (Structure sociale)، النسق (Système)الدور الاجتماعي (Rôle social)، النظام الاجتماعي (Ordre social)، المركز (Statut)، الوظيفة الاجتماعية (fonction sociale)، اللاوظيفية (Disfonction)، المعيارية (Anomie)التوازن الاجتماعي (Equilibre social)، ويقتضي البناء الاجتماعي من الفرد تعديل سلوكه وقيمه وتصوراته على مستوى انتظارات المجموعة حتى يتحقق الاندماج على اعتبار أن البنية الاجتماعية هي نظام منسق من الوظائف والأدوار. من جهة أخرى يعتبر بارسنز أن "بنية النظام وبيئته يجب أن تتميز عن سيرورة التقدم التي تتم داخل النظام، وعن التغيّر المتبادل بين النظام وبيئته. ولكن العمليات التي تصون استقرار النظام داخليا في كل من البنية والسيرورة وأثناء حدوث التغيّر المتبادل مع البيئة –أي في حالات التوازن-يجب أن تتميز عن العمليات التي يتغير فيها هذا التوازن بين البنية والسيرورة الأساسية بطريقة تؤدي إلى حالة جديدة ومختلفة للنظامو يرى بارسنز أن كلما تمكن البناء السائد داخل النسق من توسيع أعضائه كلّما ازدادت القدرة على التكيف والاندماج وبذلك تحقيق التكيف بين التغير والتوازن.
تميل الوظيفة على غرار النظريات التطوّرات إلى اعتبار المجتمع نسقا اجتماعيا مهمته الحفاظ على التوازن الدّاخلي ويحصل ذلك إلا إذا بعد الأخذ بعين الاعتبار بعض الخصائص كاعتبار النسق الاجتماعي هو عبارة في مجموعة من العناصر المتداخلة والتي تشكل البنية، والتي تعتبر قارة وكل عنصر من عناصر النسق يؤدي وظيفة ويحافظ على التوازن داخل النسق بكامله وتنبني هذه الوظيفة على الانسجام بين الأعضاء حول القيم الأساسية، وإذا كانت الوظيفة تجعل من التوازن داخل النسق الاجتماعي القيمة المحورية أو المركزية التي تبنّاها في مقاربتها، فإنّ التساؤل عن موقع التغيّر الاجتماعي ضمن هذا الطرح يصبح له مشروعية خاصة وأن التوازن الاجتماعي يبدو ومتناقضا مع التغيّر الاجتماعي من الانطباع الأوّل.
يقارب "تالكوت بارستر" التغيرات الاجتماعية على مستويين يمثل الأوّل في القصير المدى حيث يحدث التغير بفعل التحوّلات التي تدفع بها العوامل الخارجية وخاصة التقدم التكنلوجي أو يفعل العوامل الداخلية المتمثلة في الثورات الاجتماعية أو الصراعات الجزئية أو الكلية، أمّا المستوى الثاني البعيد المدى حيث حدّد بارستر ثلاث حقب كبرى الحقبة البدائية والحقبة الوسيطية والحقبة المعاصرة والتي يصف مجتمعاتها بسيادة القانون والمؤسسات .
وتميز الوظيفة مع بارستر في التغيّر الاجتماعي بين ثلاث مستويات الأوّل يمس النسق الاجتماعي الدّاخلي دون أحداث تغيير جذري عليه ويتصف بالثبات والاستقرار، وهو ما يعني أن التغيّر يحدث في حال تحوّل اجتماعي داخلي لعناصر النسق للإبقاء على التوازن ويحدث كل ذلك بفضل وظيفتي النسق الاجتماعي المتمثلين في التكيف والادماج، أي تكييف كل عناصر النسق الاجتماعي مع الجديد والمتكبر وإدماج كل جديد في بنية النسق.
أمّا المستوى الثاني فإنه إذا كان الثبات يؤدي دوره على مستوى النسق الاجتماعي، وإذا كان التغير الاجتماعي الحاصل فيه قد يحصل بشكل غير واضح، فهذا يدل على أنّ تطور النسق يحدث بشكل تدريجي وبطيء وهو ما يؤكد على وجود تغيّر اجتماعي أمّا المستوى الثالث فهو المستوى الذي تعمل فيه القوى الاجتماعية على أحداث التغيّر الاجتماعي ينتج عنه حدوث قطيعة مع التوازن الاجتماعي بهدف تأسيس نظام اجتماعي جديد، وبعبارة أخرى إحداث تغير على مستوى البنية، وهو يغني ظهور تحوّلات على مستوى القيم.
هذه المستويات الثلاثة لها معنى أو دلالة رمزية أو مجازية كما يرى "ميشال فورسي" ذلك أنّها تتأسس على قاعدة أن الاتجاه الطبيعي لكلّ نسق يتمثل في الحفاظ على التوازن، فإذا كان هناك توازن نتيجة التوتر والصراع الاجتماعي فإن النسق الاجتماعي يؤدي إلى فرض وظيفة الثبات.
- المدرسة الفرنسية:تعطي لمفهوم التغير الاجتماعي طابعا شاملا يتعلق بحركية المجتمع كلّه، فهو تغيّر اجتماعي واقتصادي وأيضا ثقافي وهو يعني عند "بالنديي" (G.Balendier) تغيرا في مستوى أنماط الإنتاج وعلاقات الاقتصاد وفي طبيعة المؤسسات وعلاقات الأفراد في مختلف البنى الجديدة، فهو تحوّل وحركية وكلها تقترب من مفهوم التغيّر ويتصّف مفهوم التغير في المدرسة الفرنسية بمبدأي الكلية والشمولية إضافة إلى تركيزه على المستوى الذهني وتعود المدرسة الفرنسية في مفهوم التغيرإلى "كلود لفي ستراوس" (Claude Levistrouss) الذي أسس البنيوية من الناحية الأنتروبولوجية، وهو اطار نظري يدلل على وجود سمات تتكرر وتعود تاريخيا وتدل على استمرارية وتتركب من عنصرين هما:
السنكرونية: (synchronie) وهي معرفة الأشياء الآنية في زمن معين (وقت واحد) والدياكرونية: (diachronie) وهي مقارنة الفترات المحددة وإبراز التغيرات التي طرأت على عديد المستويات، إلى جانب عناصر أخرى لم تتغير وبقيت ثابتة في إطار بنى، وبالتالي فإن الدياكرونية تركز على الجانب التاريخي المتغير، لذلك فإن البنيوية هي دراسة الثابتة وعناصر المتغير من حلال متقاربتين، سانكرونية ودياكرونية.
و قد أثرى "جورج بلاندي" البنيوية بمفهوم الديناميكية الاجتماعية (dynamique sociale) في إطار ثنائية "ستاتيكا" و"ديناميكا"، الثابت والمتحول، ليبين أن التغير الاجتماعي لا يكون بعوامل داخلية فقط وإنما كذلك بمفعول عوامل خارجية، ويؤكد "بلانديي" على أهمية التغير كقانون ملازم للمجتمع لا بوصف تحولا كليا في البنى، وإنما كذلك لأهمية العناصر المتواصلة أو الثابتة التي تظهر بفعل عملية التغير، التي تفصل بين الجديد والمتكرر، هذا بالإضافة إلى أن العناصر المتغير يمكن أن تحجب تواصلا أو استمرارا والعكس صحيح إذا يمكن الاستمرارية أو التغير أن تخفي في حقيقته انقطاعا غير ظاهر، وهي اشارة على درجة بالغة من الاهمية من الناحية النظريةوالمنهجية، بل ومدخل مهم لفهم التفاعل بين الجديد والقديم، بين التجديد والتقليد أو بين عناصر المحافظة وعناصر التغيير .
لقد أصبح ينظر "للمجتمعات التقليدية"-التي كثيرا ما كانت توصف بالجمود والركود واستثنائيتها لتخلفها عن المجتمعات الصناعية "المتقدمة"-على أنها مجتمعات تتحرّك في إطار جدلية الجديد والقديم أو الحديث والتقليدي وهو ما يفتح آفاقا جديدة للأنتروبولوجيا وعلم الاجتماع ويحفز على البحث في المجالات التي وقع تجاهلها.
فالمجتمع حسب "بـالندييه" مجال صراع لا يهدأ بين عوامل الثبات وعوامل التغيّر، ويحتوي على عناصر تكون الرصيد القديم المتواصل وأخرى هي جديدة وتشكل رصيد التحديث.
و في هذا السياق يمكن الإشارة إلى أنّ التغيّر الاجتماعي لا يتميّز بنفس الدرجة في السرعة والانتشار خاصة إذا تعلق الأمر بالأفكار والرموز حيث يكون تدريجيا أو بطيئا لشدّة ارتباطه بثقافة الجماعة وهويتها وخصوصياتها على عكس التغيّر في الجانب المادي التكنولوجي والاقتصادي بصفة عامة أين يكون أسرع.
لذلك نميّز بين مستوى الثبات والاستمرارية ومستوى وافد مستجد، مما ينتج عنه جدلية بين التقليدي والحديث. وبحكم تعدد علاقات التفاعل بين الأفراد والرموز والأشياء، فإن هذه المستويات لا يمكن تناولها خارج إطار الفعل الاجتماعي الذي يتلاءم واللحظة التاريخية ضمن استراتيجيات الفاعل الاجتماعي بمفهومه الفردي والجماعي، وهو ما يمثل الديناميكية الاجتماعية عند "بـالندييه". وهي ديناميكية تتحرك على قاعدة الثنائيات تقليدي وحديث.
ويعتبر بلاندييه أن الديناميتان الدّاخلية والخارجية تشكلان المصدر الحقيقي لعملية التغيّر الاجتماعي في المجتمع التقليدي حيث تعتبر المقاربات الأنتربولوجية أن الأنساق التقليدي تشهد حالة من الدينامية والحركة وهذا الرأي يتقيد التصور القائل بفكرة الركود والجمود والثبات، وقد خصص جورج بلاندييه في حديثه عن هذه الديناميات لعملية التغير الاجتماعي ثلاثة مؤثرات لها ارتباط وثيق بالتغيرات السوسيوثقافية، تتمثل الأولى في التعديلات الناتجة عن العلاقات القائمة بين المجتمع والإطار الطبيعي الضامن لها، أما الثانية فتتصل بهشاشة التوازنات الاجتماعية، بينما الأخيرة فمصدرها التحديث والإبداع والابتكار. أما في ما يخص التغير الخارجي يحدث بلاندييه مجموعة من الخصائص أهمها التفاوت بين المجتمعات "المتقدمة" و"النامية" على المستوى التقني والاقتصادي وما لذلك من تأثيرات سلبية على التغير الاجتماعي من خلال اللاتوازنات الاجتماعية وترسيخها، وهو ما ينتج عنه ظاهرة التبعية التي تفرض على المجتمعات المتقدمة المراقبة والإشراف على التغيرات التي تشهدها البلدان "المتأخرة"، ومن جملة الخصائص أيضا سيرورات التغير في البلدان السائرة في طريق النمو وتفاوتها زمنيا من مجتمع إلى آخر، وقد ركزت الانثروبولوجيا على العوائق أو العراقيل التي من جملتها الثقافية التي تقف حاجزا أمام التطور التقني والاقتصادي في المجتمعات السائرة في طريق النمو حسب جورج بلاندييه، وهي عوائق تصنفها المقاربة الانثروبولوجية ضمن ما يسمى بظاهرة المحافظة (conservatisme)
و بهذا المعنى فإن المجتمع من خلال هذه الثنائية قديم حديث أو القطيعة والتواصل يكون حيّا فيه نفس متجدد، فالتقليدي هو جملة القيم والعادات والمعتقدات والممارسات الاجتماعية التي تتجسد من خلال السّلوك، فهي تحافظ على الأشكال التقليدية الدينية والثقافية، في حين تفعل عوامل خارجيّة مثل ثورة الاتصال والمعلوماتية التي تلتهم الحدود وتتجاوز خصوصية المجتمع الصغير إلى ما هو شامل وكوني معولم، وهي مؤثرات خارجية وغزو ثقافي لا يعترف بحدود الثقافات أو الحضارات، وهو ما يؤثر على القيم والتصورات والسلوك، وجدلية الداخل والخارج هذهتعكس ديناميكية التقليدي والحديث ضمن صراع لصياغة التغيّر عبر مراحل وبشكل تدريجي ومتسلسل، فالمجتمعات السائرة في طريق النمو تحافظ على النزعة المجتمعية القديمة عند العودة إلى أشكال الممارسات التقليدية، في ظل تحقيق التغيّرات المتتالية ولا تقطع مع الرموز المتجذرة، ممّا يعطي صفة التلازم بين القديم والجديد ولا وجود لفصل أو قطيعة بينهما، فهما وجهان لعملة واحدة، والتداخل والتعقيد بين عناصرهما يجعلان التفريق بينهما غير ممكن، والتفاعل بينهما يؤدي إلى إنتاج البناء الاجتماعي الجديد. ومهمّ الإشارة إلى أن تناول الظاهرة الاجتماعية ضمن القطيعة والتواصل ومتابعة الثابت والمتحول من هذه الظاهرة ضمن الكتلة التاريخية التي تسمح بذلك، يجعلنا نركز على كيفية تحكم المجتمع في ميكانيزمات تغيّره في سياق رصد قيمة وتصوراته ومعاييره من خلال مؤشرات السلوك والممارسة، وهو ما يعطي حقل الدراسة دلالة خاصة إذا تعلق الأمر بدراسة النزعة القبلية وربطها بسياقها الزماني والمكاني، دون إهمال العلاقة بين النظام الاجتماعي والممارسة أو الفعل الاجتماعي للفرد كفاعل له استراتيجيات دفاعية وهجومية خفية وظاهرة بحسب تموقعه، وهذا لتجنب التعميمات أو الأفكار المسبقة .
إذا كانت نظريات التوازن الاجتماعي تفسر التغير الاجتماعي من خلال الدينامية الداخلية والخارجية للأنساق الاجتماعية وبنيات المجتمع بفعل التفاعل الحاصل بين عناصرها، فإننا نجد بالمقابل نظريات الصراع تقدم قراءة للتغير الاجتماعي على أنه نتيجة للتناقضات المؤدية له كما بينت ذلك النظرية الماركسية الكلاسيكية منها والحديثة
- المدرسة الماركسية: تتناول هذه المدرسة مفهوم التغير الاجتماعي من داخل دائرة الصراع والتناقض فالصراع الطبقي هو الذي يحرك التاريخ، وهو أحد أنواع هذا الصّراع لأن هذا الأخير يتنوع ويختلف حسب مستوياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. مما ينتج نماذج من الصراعات كالديني والطائفي والإثني . وإذا نظرنا إلى الماركسية الكلاسيكية، أي إلى قوانين المادية الجدلية والمادية التاريخية فإن نجدها تصور العلاقة بين الكم والكيف، والنقلة بينهما تجعل الحالة تختلف على الحالة الاولى لأن في نمط الإنتاج هناك قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج. وبما أن العلاقة بينهما جدلية فإن قوى الإنتاج تتطور فتصبح غير متطابقة مع علاقات الإنتاج السابقة فيحدث التغير وتبرز علاقات الإنتاج الجديدة والملائمة ويكون نطور الإنسانية هو نفي للنفي، نفي السلبي للتطور، وهي النظرة الكلاسيكية للماركسية. ويعتبر البعض أن الحديث في هذا السياق عن التطور أدق من الحديث عن التغير لأن مفهوم التطور يعتبره بعض الدارسين مفهوما ماديا تاريخيا ارتبط بالنظرية الماركسية في حين أن مفهوم التغير يشمل عديد المستويات والأوجه.
وقد ظهرت نظرية الصراع الاجتماعي مع التجديد الماركسي لتفسير التغير بتجاوز الرؤية الأحادية الضيقة لقراءة التغير قراءة اقتصادية تقوم على الصراع الطبقي، وكثيرا ما تؤدي بتفسيراتها إلى "تحولات عقيمة" لأنها لا تستوعب الواقع إضافة إلى أنها تنظيرات مؤدلجة لا تراعي الخصوصيات.
يرى كارل ماركس أن الحياة الاجتماعية تختزل في العامل الاقتصادي ويقصد به المواد وطرق الإنتاج والتوزيع. فالمجتمع حسب ماركس هو وعاء للصراع، وهو خاصية كل المجتمعات، والمتسبب في إحداث التغيّر من رحم القديم، وهو تقدم دائما إيجابي إلى الأمام، فهو يتم ضمن حركة لولبية تتفاعل فيه مختلف البنى التحتية والفوقية تفاعلا جدليا تحدده دائما البنى التحتية، أي الجانب المادي لنمط الإنتاج. فلقد عزا ماركس عوامل التغير إلى الأساس المادي للمجتمع لكونه المحرك الأساسي لكل عملية تغير تنبثق منها تغيّرات متعاقبة في بقية النواحي والمستويات الاجتماعية، وقد أكد "أوبنهايمر"أثر الصراع في العصر الحديث في عملية التغيّر الاجتماعي، ولتأثيره العميق في البناء الاقتصادي والسياسي للمجتمعات، والصراع بين الجماعات المختلفة داخل المجتمع مازال مصدرا رئيسيا للتجدد والتغير الاجتماعيين. وهو يشمل الصراعات الطبقية كعامل مهم من عوامل التغيّر. وقد أكد ماركس في تناوله لموضوع الاقتصاد السياسي إلى أنّ الأنساق والرموز الثقافية التي تشكل هوية المجتمع، ليست وليدة تغيّر ظرفي أو آني جديد وإنما هي حصيلة تاريخ عميق وطويل لسيرورة الصّراع الطبقي. وبمقتضى هذه النظرية يصبح الصراع عملية اجتماعية يأخذ تجليات مختلفة في الحياة الاجتماعية .
ومع التجديد الماركسي ظهرت نظرية الصّراع الاجتماعي في تفسير التغيّر من منطلقات أخرى كالصّراع الدولي، الصّراع بين الأجيال، صراع الثقافات أو الحضارات، وفي سياق هذ التصور، وجدت النظرية الماركسية في الصراع المصدر الحقيقي والعلمي لتفسير ظاهرة التغير الاجتماعي وأن التاريخ هو تاريخ الصراعات وبالتالي فهو تاريخ التغيرات الاجتماعية، وهي محرك للتاريخ.
أخذت الماركسية على أنها تختلف عن نظرية التطور بتركيزها على الجوانب الديناميكية للتغير الاجتماعي ومع ذلك فإن نظرية الصراع، وهي التي تركز على عدم التكامل من الواضح أنها هي الأخرى ديناميكية بنفس الطريقة التي عليها الماركسية.
إن المبدأ الذي يقوم عليه هذا التصنيف يتيح الفرصة لظهور ثلاث مجموعات تختلف في افتراضاتها فيما يتعلق بالاستقرار. هذه النظريات هي التوازن والتطور والصراع، فالأولى تؤكد الاستقرار على حساب التغيّر والأخيرة تؤكد على التغير على حساب الاستقرار، أما الثانية فلا تؤكد على هذا أو ذاك مفترضة أن التغيّر يجب أن يكون متسقا ومستمرا.
و يرى "ولبرت مور"أن الوظيفية أصبحت تشكل النموذج المثالي السائد اليوم، وتختلف عن نظرية التطور في أنها تؤكد على الثبات المتماثل، أي تؤكد على جوانب الاتساق في التغير وتنظر إلى المجتمع على أنه متوازن ذاتيا، ومع ذلك فإن "دوركايم" أب الوظيفية كان من أوائل التطوريين.
و بالنسبة "لمور"فإن الشيء الذي يفترق بين هذه التوجهات هو أنها كلها تتوافق مع الافتراض بأن المجتمعات تنمو في اتجاه مزيد من التعقيد البنائي، وهو المبدأ المشترك بين المؤمنين بنظرية التطور في القرن التاسع عشر، إلا أنها تبتعد عن هذا الافتراض في نواح هامة، فبعض النظريات تكون بعيدة عن تأكيد ما يتسم به التغير من عدم اتساق وعدم استمرارية، أي أنها تؤكد على الجانب الديناميكي للتغير. مثل هده النظريات تدخل في مجال النظريات الماركسية أو نظريات الصراع، والبعض الآخر يؤكد على جوانب الاتساق في التغير وتنظر للمجتمع على أنه متوازن، ومثل ذلك النظريات الوظيفية المعاصرة، ويطلق عليها أيضا نظريات "التوازن".
ودون الاسترسال في الحديث عن النظريات الماكروسوسيولوجية المفسرة لظاهرة التغيّر الاجتماعي، يمكن القول بأنّ علم الاجتماع الحديث يميل مع ذلك إلى رفض الفكرة التي تقول بوجود سبب مهيمن للتغيّر الاجتماعي، وتميل في نفس الوقت إلى الاعتراف بتعددية أنماط التغير.
فلا يمكن بأي حال من الأحوال مقاربة التغير الاجتماعي ببراديقم سوسيولوجي واحد، فإذا كانت النظريات السوسيولوجية الشمولية تجعل من الكلية الاجتماعية الموضوع المركزي في دراساتها، فإن السوسيولوجيا الفردانية ستجعل من الفرد الموضوع المركزي لعلم الاجتماع وبالتالي تفسير التغير الاجتماعي من خلال أفعال وسلوكات الفرد كما يقول ريمون بودون "علم الاجتماع لا يمكن أن يقوم إلا على أعمال فرد أو عدد من الأفراد المتفرقين، لهذا السبب يجب أن يتبنى حصر المناهج الفردانية". ويفسر هذا التوجه التغيّر بأنه فردي إذا كانت العلاقة بين ظاهرة وأخرى نتيجة لمنطق سلوك الأفراد المتسببين فيها.
يرى بودون أن علم الاجتماع وجب أن ينظر إلى الفرد في ظل شبكة التفاعلات وتتطلب دراستها قادة منهجية في تحليل السلوك الفردي بالقطع مع المسلمات الكلاسيكية الموغلة في تفسير أنساق التفاعل والتغير الاجتماعي والتي تعمل على تذويب الفرد فيها. وقد سار بودون في الاتجاه التي رسمه باريتو الذي اشتغل على دراسة الأفعال الفردية حيث عدّد بين الأفعال المنطقية والأفعال غير المنطقية، فشكّل الفعل الفردي بذلك الركيزة الأساسية والمنهجية في المنهج الفرداني لبودون إذ بواسطته سيصبح الفرد هو الفاعل الأساسي في حدوث التغير الاجتماعي في سياق التفاعلات الاجتماعية. ويصبح هذا الفاعل قادرا على التأثير في مسار التغير، كما أن هذا الأخير لا يمكن قياسه حسب الفردانية المنهجية إلا بالعودة للأفعال والسلوكات الفردانية وليس البنيات الاجتماعية أو الأنساق الشمولية، وتكون سلوكات الأفراد طرفا أساسيا في التأثير على عملية التغير الاجتماعي حيث يساهم الفرد في ترسيخ أفعال جديدة داخل الجماعة.
وجب الإشارة في سياق الحديث عن التغير الاجتماعي إلى ابن خلدون الذي قدم نظرية في تطور الدولة والمجتمع حيث يرى أن التاريخ البشري يسير وفق تطور معين يبدأ وينتهي في النقطة التي بدأ منها، وأن هذه الظاهرة مستقلة عن الإرادة الإنسانية. وقد أسهم ابن في تحديد أسباب تعاقب النظم لدورة الظواهر العمرانية والتي تتغير أثناء تطورها، فالعمران البدوي يختلف عن العمران الحضري في طبيعة المعاش، والنظر إلى نمط المعاش يفترض النظر إلى الواقع الاجتماعي من زاوية التطور والبحث في عوامل التغير التي تجعل من المجتمع البدوي حضاريا عبر مساره التطوري.
ولقد أولى ابن خلدون الناحية التطورية للمجتمع عناية كبيرة والعوامل التي تؤثر فيه وقد توصل في دراسته للمجتمع إلى قانون المراحل الثلاثة أو الأجيال الثلاثة وهي طور النشأة وطور النضج وطور الهرم.
بات التغير الاجتماعي من المواضيع أو المفاهيم التي استقطبت الدارسين والباحثين على اختلاف مشاربهم الفكرية ولم تستقر دراساتهم على تصور واحد،فإذا كانت النظريات الكليانية تنظر إلى التغيّر الاجتماعي على أنه نتيجة لتضارب المصالح الاجتماعية وصراعها، فإن المنهجية الفردانية تتجاوز ذلك إلى اعتباره ناتجا عن المفاعيل العرضية الناشئة عن البنيات الاجتماعية المتداخلة والمترابطة فيما بينهما.
ليس هناك موضوع من المواضيع الاجتماعية نال الاهتمام الذي ناله موضوع التغير الاجتماعي، وتكاد تجمع كثير من الدراسات السوسيولوجية الحديثة على أنه لا توجد نظرية شاملة ومتكاملة في التغير، وإنما توجد نظريات كثيرة ومتعددة بين الكليانية والفردانية، مما يجعل المفاهيم تتداخل بين هذا المفهوم وبقية المفاهيم الأخرى القريبة منه مثل التقدم والتطور والتحول... ومن هنا يمكن القول بأن التغير هو ظاهرة معقدة ومركبة وعلى الباحث تحليلها وتوضيحها.
محمد الهادي حاجي – باحث في علم الاجتماع - تونس






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مفهوم البنية في علم الاجتماع
- القيم :لمحة حول المفهوم
- التوجهات النظرية والمنهجيّة في علم الاجتماع الطبي وسوسيولوجي ...
- ددور الإعلام في عملية التغير الإجتماعي
- المجتمع التقليدي من وجهة نظر علم الاجتماع
- السلوك الاستهلاكي
- االاندماج الاجتماعي
- التنمية والعولمة
- قراءة في مفهوم التنمية من منظور علم الاجتماع


المزيد.....




- المغرب يرسل 8 طائرات محملة بالمساعدات الغذائية للبنان
- منفذ هجوم إنديانابوليس العشوائي كان موظفا في شركة فيديكس
- لليوم الثاني على التوالي... الجيش الإسرائيلي يستهدف مواقع لل ...
- روسيا.. نقل أكثر من 50 طائرة حربية إلى القرم ومقاطعة أستراخا ...
- بيان بايدن وسوغا يشير إلى -السلام والاستقرار في مضيق تايوان- ...
- على وقع احتدام المعارك.. مجلس الأمن يدين التصعيد في مأرب ويط ...
- الحرب في أفغانستان: مخابرات الولايات المتحدة تشك في صدق المز ...
- واشنطن وطوكيو تعارضان أي محاولات لتغيير الوضع الراهن في بحر ...
- مجلس الأمن الدولي يرحب بإعلان السعودية بشأن إنهاء الصراع في ...
- البرهان: لدينا علاقات أمنية واستخباراتية وثيقة مع واشنطن


المزيد.....

- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد الهادي حاجي - معوقات التغير الاجتماعي