أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد أولاد الصغير - حذاء أمّي














المزيد.....

حذاء أمّي


سعيد أولاد الصغير
كاتب من المغرب

(Said Ouladsghir)


الحوار المتمدن-العدد: 6771 - 2020 / 12 / 25 - 17:38
المحور: الادب والفن
    


بمدخل سوق مكتظّ بالباعة، وضعتْ فتاة رغيفها فوق قُماش أسود، وجلستْ كباقي نساء القـرية، تَعرضُ ما عندها من بضاعة... تقدّمتُ نحوها، وضعتُ قفّتي على الأرض وقلت: « أريدُ كلّ بضاعـتك، فاطلبي السّعـر الذي يناسبك...! ». كنتُ متلهّـفاً لأسمع من شفـتيها لفظة: « كلّ السّمع والطّاعـة ». غير أنّها تبسّمتْ وردّتْ بلطف: « بل خُذْ ما يكفيـك سيّدي، واترك الباقي لِمنْ يليك... ». فُوجئتُ بسذاجة هذه الفتـاة، وضحكت بلا حياء، في وقت كان يجب علي البكاء. قلتُ لها مستغرباً: « ألهـذا الحدّ أمْرُ النّاس يعنيك...!؟ ». أدارتْ وجهها عنّي، وردّت على الفـور: « يكفيهـم ما يكفيـك، فطلبك يـدلّ عليك... ». حيّرني ما سمعـت... تنازعـتني مشاعر كثيرة، غـلبتْ عليها رغبة في ترك المكان... ودون أن أحـوّل بصري عنها، انحنيتُ أتلمّـس قـفّـتـي، حملتُ شيئاً وانصرفتُ... أراوغُ النّاس وأحاورُ نفسي وأقـول: « يا من ضيّعتَ العمر معـتقـداً، أنّ السّوق عَرضٌ وطلبٌ... ألمْ تعلم أيضاً أن للتّسوِّق أحكـامٌ وأدب...؟! ».
حارسٌ عجوز كان يقف أمام البوّابة ويُتابع ما يجري، لحِـقَ بي، ربّت على كتفـي وقال: « لا تقـلق يا هذا، هي فتاة بسيطة ترضى باليسيـر، ترعى إخوة صغاراً، و تحمل معها حذاء أمّها المتوفـاة ليـلاً ونهاراً... فقـط، هي أرادتْ البيع ولَمْ تعـقِـدْ، و أنت خانك الطّبع ولم تقْصِـدْ...! ». جفّ حلقي وأطبق الغمّ على صدري، وعمّ بيننا الصّمت... فجأة، سمعـنا صراخ الفتاة القويّ والغاضب، يعلو على كلّ أصوات الباعة: « هذا فِعـل مارق وأخرق... من سرَق حذاء أمّي فهو أحمـق... !؟ ». دون أن يُكمل الحارس قصّته ويكشف عن الفاعل، تركتهُ وهرعتُ نحو خيمة كبيرة، نُصبتْ في كَبِد السّوق، يُباع فيها كلّ شيء... قِـرب ماء، حبّة سوداء، ونِعال للنّساء... أقسمَ لي صاحبها حين ساومته، وكان يجيد الصفقات الخاطفة، أنّها لا تُبلى ولا تبتـلّ بمـاء...! أدّيت ثمن النّعـل، رتّبتُ كلامي جيداً وعدتُ أبحث عن الفـتاة... في الطّريق، صرت أتحسّس من كل صوت يصلني وأتوجّع مع كلّ نظرة تخترقـني... مِن بعـيد، بدتْ لي شاحبة الوجه وترتجف... تقـدمتُ بحذرٍ نحوها، وقلت بنبرة مرتعـشة: « هذا نعـلٌ رفـيع هـديّة منّي إليك... أم لديك في ذلك يا عزيزتي شكّ...!؟ ». هزّتْ رأسها رافضة هذا السّخاء، دعـتْ لي بدعاء يُعـانـق السّماء، حتّى كدتُ أعتقـد، أنّ ذنُوبي ستـتـناثـرُ عن يَميني وعن شِمالي يوم الجزاء... ثمّ قالت: « يا كريم الأصُول... قَـدمُ أمّـي له مَقـاس... مِـن فـرطِ الطّريـق، ألِـفَـه النّمـل، و الـرّمـل والوحَـل... فشتّـان ما بين حـذاء يغارُ منه الخجل... ونعـل همّـاز مشّـاء يقـتفـي أثـر الدّجـل...! ».
أدركتُ آنئــذ أنّـي نكـأتُ الوجع العميـق، إنْ لم يكن الأعمق... فارتفعَ بداخلي صوتٌ غيرَ صوتي ونطق: « اعذرينا كَريمتي... إنْ القَـرف من دمنا غَـرف... فأضحى كلّنـا طرف... لك العِـفّـة ولنا العَـلـف... إنّـي نَذَرتُ الآن إمامتي لكِ وللشّرف... ». في تلك اللحظة، لمعـتْ عينا الفتاة بنظرة غريبة، وضعـتْ يدَها برفـقٍ على خدّها، أذرفـتْ دمعـاً كالنّزيف وصاحت: « أيّها الناس...! إنّ الصّلاة على أمّي جائزة... فلا تسألوا الدّعاة... اخلعـوا نعالكم، فلنقـيم الحياة...! ».



#سعيد_أولاد_الصغير (هاشتاغ)       Said_Ouladsghir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ضرب زيد عمراَ
- قصور وقصور
- صبر وسلوان
- زكام في ضريح مجهول


المزيد.....




- فيلم -برشامة- يفتح سجالاً محتدماً في مصر بين حرية الفن والثو ...
- المثقف العربي في مواجهة -الترند-: هل فقدت النخبة سلطة التأثي ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي عن عمر ناهز 56 ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مارجان ساترابي مؤلفة رواية - ...
- لم يتمكن من السفر فابتكر عوالم مدهشة.. هذا ما فعله فنان تايو ...
- ختمة نادرة للقارئ المنشاوي تعود إلى الأثير بعد ستة عقود
- بعد سقوط النظام.. السوريون يعودون إلى ذاكرتهم عبر الأفلام
- ترمب يتقمص شخصية العميل 007: رسائل سياسية بصبغة سينمائية تثي ...
- ربيع للقلب المنهك.. حين يلون الأرجوان إسطنبول
- النقابات الفنية في مصر ترد على أزمة فيلم -برشامة- برفض -التك ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد أولاد الصغير - حذاء أمّي