أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نوفل شاكر - من المادية إلى الميتافيزيقا















المزيد.....

من المادية إلى الميتافيزيقا


نوفل شاكر

الحوار المتمدن-العدد: 6746 - 2020 / 11 / 28 - 10:29
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يوماً ما، قال نيوتن منذهلاً: "أيتها الطبيعة! احفظيني مما بعد الطبيعة(الميتافيزيفا)". ويبدو بأن الطبيعة (المادة) قد عجزت أن تحقق هذه الأمنية النيوتنية _ إذا جاز التعبير _

فحتى بداية القرن العشرين، كان العالم يؤمن ب"كمال علم الطبيعة" -على حد تعبير برتراند رسل- ولكن ما أن نصل إلى منتصف هذا القرن، حتى تنقلب المفاهيم، والأفكار الرئيسية عن الطبيعة انقلاباً تاماً. فلم تعد تسمح أعمال كوري، ورذرفورد، و أينشتاين، ومينكوفسكي، لأي تصور نيوتني بالبقاء، فقد انتحى عالم نيوتن اليوم جانباً، و تحطمت " قوانين الحركة" بنظرية النسبية.

في ذات يومٍ، كان العلم يبحث في المادة، و " الحقائق الواقعة"، أما اليوم ففكرة المادة مفقودة بالكلية في الدوائر العلمية _ كما يقول العالم الفلكي والفيزيائي ادنجتون _ فأعظم عقيدة للعلم الحديث، (هي عدم قابلية المادة على الفناء)، قد اهتزت و تعرضت لهزيمة ساحقة عندما أقرّ علماء الطبيعة، القول بأن المادة قد بطُلت عن الوجود!

العلم الحديث يقول بأن الألكترونات ليس فيها شيئاً من خصائص المادة: فهي ليست صلبة، أو سائلة، ولا غازية حتى؛ وهي ليست بكتلة أو صورة. و انحلالها إلى نشاط إشعاعي يؤكد هذه الحقيقة، يقول أحد علماء الطبيعة:

" إنّ عناصر الذرات التي تنحل تفنى تماماً، فهي تفقد كل صفة للمادة بما في ذلك الثقل... ذلك أن الميزان يعجز عن وزنها، ولا شيء يستطيع أن يعيدها إلى حالة المادة، فقد اختفت في عظمة الأثير... والحرارة، والكهربا، والضوء، إلى غير ذلك... تمثل آخر مرحلة من مراحل المادة قبل اختفائها في الأثير" ( ول ديورانت، مباهج الفلسفة، ص71).

ماهو الأثير؟ لا أحد يعرف! فهو غامض غموض الروح. وحين أعاد أنشتاين تفسير الجاذبية إفترض وجود الأثير، وكلما عجز عالمٌ من علماء الطبيعة قال: " الأثير". يقول أدنجتون: "ليس الأثير نوعاً من المادة، فهو لا مادي". ماذا يعني هذا القول؟
يعني أن المادة (الذرات) ينتهي بها المطاف إلى لا مادة( الأثير) أهو اللاهوت قد أُعيد إحياؤه من جديد؟

العلم يزداد عمقاً يوماً بعد آخر. يرفض اليوم ما آمن به بالأمس. يوماً يقدم الذرات، ثم الألكترونات، ثم الكوانتا (نظرية الكم). لينتهي بصورة لعالم مادي مبني بمجموعة شحنات كهربائية غير مادية، لذلك فإن اشبنجلر قال بشجاعة: " كل نظرية ذرية هي خرافة وليست تجربة".

إنّ أموراً مثل "الطاقة" و " الفكر" ظلت ألغازاً لا يمكن معرفتها حتى اليوم؛ فهل الطاقة شيئاً متحيزاً ممتداً، أي جوهراً مادياً؟ و هل الفكر هو مادة؟ وهل يعقل (بحسب العقل المادي) وجود شيء غير مادي في قلب المادة يمنحها الصورة والقوة؟

الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، أشعل ثورة فلسفية قلبت المفاهيم رأساً على عقب، ولذلك شبه مؤرخو الفلسفة ثورته هذه بالثورة الكوبرنيكية، فسابقاً كان العقل يدور حول الموضوعات، أما كانط فقد جعل الموضوعات هي التي تدور في فلك العقل. هذا الحريق الفلسفي الهائل تناول أخطر الموضوعات في عالم المادة كالمكان والزمان، اللذين أعيدت صياغتهما كانطياً _ إذا صح التعبير _ فهو يرى، أن المكان والزمان يسبقان وجود العالم (بكل مادته)؛ لأنهما سبب انتظام العالم، وبالتالي فمن غير الممكن أن يكونا نتاجاً للمادة. و للتخلص من هذا الإشكال، فإن كانط يفترض بإن وجود المكان والزمان هو وجودٌ عقلي، فهما ليسا خصائص للعالم المادي، وإنما هما طريقة العقل للتعرف على هذا العالم وما يحتويه من مادة؛ لأننا بدون افتراض المكان والزمان، فسيستحيل علينا التفكير بأي شيء مطلقاً.

ولتدعيم هذه المقولة، فإن كانط يضع في كتابه الشهير (نقد العقل المحض) أربع حجج للبرهنة على فرضيته هذه، والحجج التي وضعها كانط هي للمكان تحديداً، وهي باختصار:

1 - أنّ المكان ليس تصوراً تجريبياً يعتمد على تجارب سابقة/ لسبب بسيط جداً هو: أن تصورنا للمكان يسبق تصورنا للعالم، فكيف يمكن أن يكون مستمداً منه؟ لأننا عندما نريد تصور أي شيء، فعلينا أن نتصور المكان أولاً، ثم بعد ذلك نتصور العلاقات المكانية التي تجري بداخله، أو تتموضع فيه.

2- المكان تمثل ضروري قبلي، يشكل الأساس لجميع التمثلات الخارجية/ لأنه و ببساطة، لولا تصورنا المسبق للمكان في العقل، لما استطعنا أن ندرك أي شيء على الإطلاق، والدليل أن عقلنا يستطيع تصور المكان وهو فارغ، ولكن من المحال عليه أن يتصور أشياء بدون مكان. فالعقل يمكن أن يتصور كل شيء في المكان، لكن يستحيل عليه تصور أي شيء بدون المكان.

3- المكان ليس تصوراً كلياً عاماً لعلاقات الأشياء/ فهناك مكان واحد، و ما نقول عنه أمكنة هي أجزاء له، وليست أمثلة؛ لأن المفهوم الكلي نتحصل عليه بعد ملاحظة أجزائه، وهذا دليل على أن أجزاءه سابقة عليه، وهذا مفهوم معكوس، لأن المكان يسبق أجزاءه. فنحن نقيم المكان أولاً، ثم نحدد مكوناته: يمين، شمال، فوق، تحت وهكذا.و هذا دليل على أن المكان فكرة قبلية موجودة في العقل، وليس شيئاً له وجود خارج العقل.

4- المكان ليس تصوراً فهو حدس قبلي خالص/ وهو لا متناه لأنّ الأمكنة بالأساس هي مكان واحد ولا أسبقية بينها، فما نسميه بأمكنة مختلفة هي بالأساس أجزاء من مكان واحد، بينما في التصور فإن الأجزاء هي من تمنح المعنى للكل، وهذا لا ينطبق على المكان، لكونه يسبق أجزاءه، وبالتالي فإن الحدس يمنح المعنى للفرد وليس التصور.

ونفس الحجج التي يمنحها كانط للمكان، يمنحها للزمان...

وبذلك فإنّ العالم المادي، الذي يكون موجوداً داخل المكان والزمان، هو عالم لا يقوم على التجربة الحسية! لماذا؟ لأن المكان والزمان هما مفهومان قبليان، أي يسبقان التجربة الحسية أصلاً؛ لأننا لكي نفهم التجربة الحسية، والعلاقات الموجودة والناتجة عن المادة، يجب علينا أولاً افتراض وجود المكان والزمان اللذان يحتويان كل هذه المفاهيم، التي تجري بداخلهما، فهل يمكننا تخيل وجود حركة بلا زمن و مكان؟ وكذلك هو الحال للتعاقب وغيرها من المفاهيم. فوجودالمكان والزمان إذن؛ يسبق وجود المادة أصلاً، ولذلك فإن كانط يقرر بأن وجودهما هو عقلي صرف، وليس خارجياً. ويضيف أيضاً بأننا لو حاولنا النظر للمكان والزمان بنفس نظرتنا للظواهر الخارجية (الأشياء التي تمتلك حضوراً ملموساً في الواقع)، فإنّ هذا الأمر، سيؤدي بالعقل إلى الوقوع في تناقضات محيرة، ليس لها حلول أبداً. فيقوم العقل بإصدار أحكام متناقضة حول قضية واحدة، كأن يثبت الشيء وينفيه بالوقت نفسه.

في ضوء ما تقدم، فإنّ العلم يتراجع مفسحاً الطريق للميتافيزيقا في استعادة تفسير العالم، فالرحلة الفلسفية التي انطلقت من حدائق أثينا قبل ألفي عام، انتهى المطاف بها إلى التسليم باللاهوت، وبما نادت به الأديان في تفسيرها للعالم. وقديماً كان بعض الفلاسفة يشير الى ان العقل الفلسفي محدود للغاية في جني ثمار المعرفة الميتافيزيقية، فنتائجه الصحيحة مجملة وضئيلة تماماً كالذي قرره صدر المتألهين، فمثلاً يُعرف به أن لسلسلة الممكنات مبدءاً يرجح وجودها على عدمها، فيكون واجباً لذاته. إضافة إلى أن ما يثبته من صفات للواجب يرجع أكثر مفهوماتها إلى سلوب محضة أو إضافات أو غير ذلك من المعلومات التي حقيقتها إدراكات إجمالية للمفاهيم الكلية. لذلك عوّل هذا الفيلسوف الاشراقي على طريق آخر للمعرفة حدده بأمرين: إما إخبار الشارع، أو بواسطة الشهود العياني الذي يتحلى به الأنبياء والأولياء وأمثالهم من العرفاء الكاملين .

يبدو أن مخاوف نيوتن قد تحققت، و استسلمت علوم الطبيعة إلى الميتافيزيقا.



#نوفل_شاكر (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما تغدو الشتيمة الجنسية، معياراً للوطنية!
- لانريد وطن- بقيادات دموبة بعثية
- تشرين من الغضب إلى اللطم
- كلمة الملك سلمان، رقصة موت أفريقية.
- حائكُ السجادة الفارسية، يسخرُ من رجل المارلبورو.
- ديمقراطية على طريقة الويسترن الأمريكي
- نوستالجيا وطنية!
- الويل لثقافةٍ تقودها شخصياتٌ بوفارية
- لن ننسى... كيلا يتناسل الشر!
- القرن الأميركي لن يكون أميركياً


المزيد.....




- استنساخ المدن في العالم الافتراضي..هذا ما يعنيه ذلك في المست ...
- طائرة أمريكية تعود أدراجها بعد اندلاع حريق بطارية على متنها ...
- تزامنا مع زيارة زيلينسكي.. بريطانيا تفرض عقوبات جديدة على رو ...
- مشاهد لحريق هائل يلتهم حاويات الشحن في أحد الموانئ التركية ج ...
- الدفاع الروسية: تحييد أكثر من 300 جندي أوكراني في 24 ساعة
- سوريا تطلب مساعدة الاتحاد الأوروبي بعد الزلزال المدمر
- علماء: الفيضان الناجم عن البحيرات الجليدية يهدد حياة 15 مليو ...
- المقاتلات تحط لأول مرة على متن حاملة الطائرات الهندية الجديد ...
- روسيا تطور مسيّرات جديدة بمواصفات مميزة
- سفير العراق الجديد يباشر مهامه في موسكو


المزيد.....

- وجهات نظر في نظريات علم الاجتماع المعاصر (دراسة تحليلية - نق ... / حسام الدين فياض
- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نوفل شاكر - من المادية إلى الميتافيزيقا