أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بديع الالوسي - التوغل داخل المرايا (ج 4 : مرآة الاحتضار )














المزيد.....

التوغل داخل المرايا (ج 4 : مرآة الاحتضار )


بديع الالوسي

الحوار المتمدن-العدد: 6733 - 2020 / 11 / 15 - 19:07
المحور: الادب والفن
    


4 : مرآة الاحتضار
بعد اربعة ايام من زيارة البحر ومن الجفاف الذي طال جسده ، استلم جوستاف نبئاً غريباً من ابنته : ستنعم بالراحة .
على اثر ذلك ما عاد من احد يزعجه ، بعد ان عزلوا زوجته عنه ، ليرقد بسلام بعيدا ً عن هذياناتها وصراخها غير المبرر .
هذه الليلة هي الاولى التي ينام فيها معلقا ً بين الغيبوبة واليقظة . مشوشا الحواس ، غير قادر على التعبير عما يجيش في قلبة من ارتباك مزعج ، هو مزيج من مشاعر متطاحنة . ربما لهذا لطالما ردد في خلده : مشيئتك يا رب .
بما انه غير قادر على الكلام ، ترك لذهنه ان يسافر بعيدا عن الواقع ، ومرارا ً فكر في صلواته بالملكوت و تخيله كحلم وردي او تجربة روحية ، ما اثار عجبه انه انتظر طويلا ً تلك اللحظة التي تطير فيها الروح محفوفة بملائكة يرتلون صلوات ربانية ، كم كان يتوق لرؤية المسيح وتقبيل يد السيدة العذراء . ولكن كل هذه الامور المتخيلة لم تحدث !!
ربما لهذ كان الليل طويلا ً ، حتى صار فتح عيناه يشكل عبئا ً عليه ، في ذا الاثناء تجسدت له هشاشة ايمانه ، وصار كلما اقترب من نهايته انتفض من جديد ليتشبث بالحياة اكثر .
اصبح الزمن ترابياً ، حتى انه لم يعرف الوقت الذي دخلت عليه زوجته التي قالت لأبنتها : انه يتنفس ، هذا يعني انه ما زال على قيد الحياة .
فتح عيناه بتثاقل ، رأى وجوهاً غريبةً تتأمله وتنصرف ، قال الطبيب الاصلع : النبض دون الثامنة سيموت خلال الليل .
في ذا الاثناء ، ادارت تيريز وجهه صوب النافذة ، احبت ان يرى الشمس وهي تغرب .. داهمه الحزن وهو يتذكر نصيحة طبيبه الخاص ، التي لطالما رددها على مسامعه في السنوات الخوالي : بإمكاننا تبديد الشكوك والهموم بالاعتماد على استنشاق كميات كبيرة من الاوكسجين .
حاول جاهدا ً ان تبقى نظراته شاخصة ً الى الصليب الخشبي الملون ، كانت زوجته سعيدة بحضور الراهب الذي زارهم عدة مرات وتحدث مطولا ً عن اثر التنازل عن اللذة للعبور الى عالم الملكوت السماوي ، اما اليوم فقد جاء بروح منكسرة ، اقترب منه وامسك بيد صاحبه وبصوت منخفض قال : هل عرفتني ؟
حضوره وطريقة حديثة اوحت لتيريز انه يضمر سؤالاً لم يجرؤ ان يفصح به ، ملخصه  : الى متى ستستمر مقاومتك يا جاستوف ؟
محنة الراهب ، لم تمنعه من ان يضع يده على جبين صاحبه وهو يردد الصلاة ، استدار نحو الاخرين ، وراح يفرك فروة رأس الاب ، كمن يبحث عن معجزة ما ، حرك الصليب الفضي الصغير امام عينيه ، ومن ثم التفت وقال للحضور : صلوا لأجله بخشوع ، ليس من داع للبكاء ؟.
صحيح ان جوستاف المغمض العينين ، لم يهتم او يرَ كل هذه التفاصيل لكنه شم رائحة البخور ، فجأة ً وجد نفسه وحيدا ً بعد ان اطفأت تيريز الاضواء وانسحب الجميع الى الصالون .
وقبل ان ينصرف ، شعر الراهب بالخجل ، لعدم قيامه بواجبه المقدس ، لذا عاد هذه المرة الى الغرفة بمفرده ، امسك بحديد السرير ، انحنى قليلا ، ردد بأذن جوستاف :
ــ هيا تشجع يا اخي ، الحياة لا تستحق كل هذا العناء .
وقبل ان يغلبه النعاس ، اسدل الراهب جفون الاب ، متوقعاً بان هذا الفعل سيساعده على الانفصال عن بهرج الحياة ، وسيسهم في انطلاق الروح برحلة هادئة ، ظنا منه بانتهاء صلاحية البقاء والتمتع بتفاصيل دنيوية جديدة . لكن الاب وبدل ان يمتثل لنصيحة الراهب ، اخرج يده من تحت الشرشف الثقيل ، واخذ يربت على يد صاحبه مبتسما ً كمن يشكر الحياة !!!
بعد منصف الليل ، احس الاب بوجود تيريز الى جواره ، وهي تقوم برفع رأسه وتفعل ما تراه مناسبا ً ، وسمع صوتها وهي تطلب منه : ارجوك ، افتح فمك يا ابي ، حاول ان ترطب فمك بقليل من الماء .
ما ان دخلت تلك القطرات الى جوفه ، حتى شعر ان جسده يرتعد ويطلب المزيد .
احس ان هذه المبادرة طردت عنه ولو للحظة فكرة الموت عطشا ً ، حاول ان يشكرها ولو بكلمة ، لكنه لم يفلح ، مع ذلك تركت في نفسه انطباعا ً طيبا ً ، بإمكانية ان يعود ويرتبط بالخيط السحري للحياة .
نام بعمق ، متجاوزا ً فكرة موته ، شاعرا ً بالسعادة رغم التعب الذي امتص كل طاقته ، ولم يصحو الا على صوت الريح التي صفقت الباب وكانت سببا ً في استيقاظه مبكرا ً .
لا احد يعرف كيف ولماذا دب النشاط في صوته واشرق وجهه ، هذا الشيء ادهش زوجته ودفعها لتقول له :
ــ صباح الخير ايها الحبيب .
مسحت دموعها بظاهر كفها حين سمعته يقول لها بصوت واهن ٍ :
ــ سأموت لكن ليس ....
لم يستطع ان يقرأ في عينيها ذلك الارتباك والدهشة ، لكنه سمعها وهي تقول له : لم افهم .. ماذا تقصد !! .
فجأة ً حضرت تيريز ، وبحضورها حل صمت بارد وحزين ، لكن الأب شعر امامهما بضرورة التحلي بالشجاعة وعدم الاستسلام ، وبما انه اراد ان يواجه هول الموت دون اي مساعدة من احد ، ربما لهذا تحامل على نفسه وفتح عينيه ، ، كمن يحاول تحدى مواجعه ، متشبثا ً بلغز الحياة التي تراوغ معه وتسحقه . ظل وجه مشرقا ً بابتسامة ناعمة غامضة ، اما نظراته فحدقتا صوب زوجته ، تثائب ضجرا ً وهو يقول لهما : لا اعرف ماذا سيحل بي ، لكني لست بنادم على شئ واشعر بالسلام ، لأني سأرى .
تغيرت ملامح تيريز وهي تسمع الكلمة الاخيرة ، ومع انها لم تتفوه بشيء ، لكنها شعرت بالحيرة والذهول .
لكن الأم وبصوت واهن قالت له : هون عليك ، لا داعي للقلق ستنعم ...
لم يكن جوستاف يصغي اليها ، ظل ينظر بعيناه المتسعتان للضوء المنساب من خلال النافذة .. كان المطر لا يزال منهمرا ً .
خاطب نفسه قائلا : هل ما يحدث لي مجرد …
واغمض عينية كمن خسر الرهان .



#بديع_الالوسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- توغل داخل المرايا ( ج 3 مرآة البحر )
- توغل داخل المرايا _( ج 2 : مرآة العطش )
- التوغل داخل المرايا (ج 1 : مرآة النهر )
- الخروج من بيوت الموتى
- أنطفأت شمعة في تكريت
- يوم بين عالمين
- غروب
- قصة قصيرة : فسفور الرغبات
- مدار الجنون
- قصة قصيرة : الأرواح المرئية
- قصة قصيرة : في صحبة ابن مالك
- ألمنحوته المنحوسة


المزيد.....




- الرباط تحتفل بمسارها -عاصمة عالمية للكتاب-
- رئيس مركز الاتصالات والإعلام والشؤون الثقافية بالبرلمان الإ ...
- الرئيس السوري يعلق على جدل افتتاح صالة رياضية بسبب الغناء وا ...
- من الشيء إلى -اللاشيء-
- انسحاب 5 دول وأكثر من ألف فنان يطالبون بمقاطعة -يوروفيجن- اح ...
- سارة العبدلي.. فنانة سعوديّة توثّق تحوّلات المملكة بلغة فنيّ ...
- وداع حزين للصحفية آمال خليل: حين تغتال إسرائيل الرواية وناقل ...
- خارج حدود النص
- مهرجان اوفير يعلن عن عروضه المختارة
- فيلم السيرة الذاتية لمايكل جاكسون.. دراما مؤثرة على الشاشة و ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بديع الالوسي - التوغل داخل المرايا (ج 4 : مرآة الاحتضار )