أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - غازي الصوراني - عن انتشار الاسلام السياسي و دور جماعة الاخوان المسلمين......















المزيد.....


عن انتشار الاسلام السياسي و دور جماعة الاخوان المسلمين......


غازي الصوراني

الحوار المتمدن-العدد: 6733 - 2020 / 11 / 15 - 11:44
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



ان الخطاب الإسلامي، الذي يقدم كبديل لخطاب النهضة والديمقراطية، والمواطنة، وحرية الرأي والعقيدة، هو خطاب ذو طابع سياسي، تحت غطاء ديني شكلاني وطائفي رجعي. فالإسلام السياسي يدعو إلى التغيير الذي يعيد إنتاج وتجديد التخلف عبر النموذج السلفي الرجعي، لخدمة مصالح طبقية كومبرادورية وطفيلية راهنة. ولم تحاول أية حركة إسلامية، "لاراديكالية ولا معتدلة"، أن تتبنى أفكار لاهوت التحرير أو أفكار الديمقراطية والمواطنة والنهضة، إذ أن كل اهتمامات حركات الإسلام السياسي بالدين الإسلامي ينحصر في العمل على تحقيق مشروعها السياسي الديني الذي يتلخص في إعادة نظام دولة الخلافة الإسلامية بما تعنيه من رفض لكافة صيغ أو مشاريع الدولة الوطنية القومية والديمقراطية الحديثة، ما يعني أن هذه الحركات تستخدم الشعارات الدينية لنقل الصراع – كما يقول د.سمير أمين- من مجال التناقضات الاجتماعية (الطبقية) إلى مجال العالم الخيالي أو السماوي الديني، وقد نجحت في ذلك ارتباطاً بالأوضاع الاجتماعية الاقتصادية المتردية، ومساندة القوى الطبقية الحاكمة من جهة ، ودعم ومساندة بلدان النظام الرأسمالي العالمي من جهة ثانية خاصة وأن خطاب الحركات الإسلامية لا يتعارض أبداً مع خطاب رأس المال العالمي ومصالحه.
وفي هذا الجانب، نشير إلى عدم وجود أي اختلاف جوهري بين التيارات المسماة "بالراديكالية" للإسلام السياسي، وبين تلك التي تفضل تسمية نفسها "بالمعتدلة" فمشروع كل من النوعين متطابق.
وفي هذا السياق، من الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار عدداً من العوامل، التي شجعت انتشار الحركات الإسلامية عموماً والمتطرفة خصوصاً، وهذه العوامل الخصها فيما يلي :
أولاً: استغلال النظام الإمبريالي للأوضاع العربية المترديه في ظل العولمة الراهنة، وحرصه على إدامة حالة الخضوع والتبعية والتخلف انسجاماً مع مصالحه الاستراتيجية في بلادنا .
ثانيا :التحولات الاقتصادية التي وقعت في ظل انفتاح النظام الساداتي في مصر، ثم في تونس والجزائر واليمن وسوريا أواخر عهد الرئيس حافظ الأسد، وصولاً إلى العدوان الأمريكي على العراق وسقوط النظام، ومن ثم انهيار ما تبقى من المشروع القومي، وكافة مشاريع التنمية على الصعيد الوطني، مما أفسح المجال واسعاً أمام ظهور "دولة الكومبرادور" ، وتكريس التبعية والتخلف والإفقار ، وبالتالي توفير وخلق المناخ الملائم لانبعاث الحركات الإسلامية السياسية.
ثالثا : تزايد مظاهر الإفقار والاستبداد، تنامت الحركات والدعوات الإسلامية بصورة غير طبيعية وغير مسبوقة، حيث كثر بناء المساجد الأهلية، وظهر (أو تجدد) الاهتمام بمقامات الأولياء والأضرحة، وتزايد الإقبال على الطرق الصوفية، وأصبحت الجماعات الدينية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، تملك المؤسسات المالية والاقتصادية والعقارية، والمستشفيات، والمدارس، والشركات، وتعددت وتشعبت نشاطاتها، بحيث جاوزت المهام الدينية لتقدم من خلال المساجد العديد من أشكال الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية والاقتصادية، كما لوحظ انتشار هذه الظاهرة على المستوى الفكري عبر انتشار الكتابات الدينية، وإعادة وطبع كتابات "إسلامية" جسدت الرؤية الوهابية المتخلفة ، المعبرة عن المصالح الطبقية للأسرة الحاكمة في السعودية، وبقية الأسر، والمشايخ في الخليج العربي ، كما عبرت عن مصالح الكومبرادور المتنامي في بقية الدول العربية ، وذلك من خلال التركيز على الشكليات والبدع والخرافات، ورفض مفاهيم الحداثة والتقدم العلمي ، إلى جانب التركيز على رفض الديمقراطية، والعلمانية، والشيوعية، دون أي إشارة تدعو إلى النضال ضد الإمبريالية، والدولة الصهيونية ، وقد راجت هذه الكتابات واتسع سوقها وجمهورها (تطبع بالملايين وتوزع بسعر زهيد أو مجاناً!) إلى جانب المجلات والدراسات التي تؤكد على الخطاب الأيديولوجي الديني، الذي يقوم على تمجيد الماضي وإضفاء حالة القداسة عليه.
وعلى المستوى القانوني والتشريعي، ارتفعت الأصوات المطالبة بإلغاء كل تشريع ديمقراطي يتعارض مع الشريعة الإسلامية، داعية إلى تطبيق الشريعة وإلغاء القوانين الوضعية، ومطالبة الحكومات بإصدار تشريعات لمعاقبة الكتاب والمفكرين الذي يتعرضون للإسلام بسوء.
رابعاً: منذ عقد اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979 وما تلاها من دعاوي التطبيع السياسي والثقافي والاقتصادي مع العدو الإسرائيلي، وصولاً إلى أوسلو 1993، ثم وادي عربه 1994، بدأت مرحلة جديدة عنوانها "الأزمة المجتمعية الشاملة" كان أحد أهم تعبيراتها ذلك النمط المشوه من النمو الاقتصادي التابع الذي عمّق بدوره جوانب الخلل والتشوه في بنية المجتمعات العربية، حيث أدى هذا النمط إلى عدد من النتائج: زيادة الاعتماد على الخارج باستيراد الغذاء، وحدوث تراكم هائل في حجم الديون الخارجية المستحقة على الدول العربية غير النفطية ، ومن ثم تزايد مظاهر الاستبداد، والإفقار والتخلف، إلى جانب تزايد سيطرة النظام الإمبريالي على مقدرات شعوبنا العربية، في موازاة تزايد هيمنة الدولة الصهيونية، وعنصريتها العدوانية، الأمر الذي بات فيه الوضع العربي مهيئاً لانتشار وهيمنة القوى والجماعات والحركات الدينية الأكثر غلواً في تطرفها وتخلفها وبشاعة ممارساتها الدموية غير المسبوقة في التاريخ العربي الحديث.
خامساً: عفوية وعدم وعي الاغلبية الساحقة من الجماهير العربية :
في ظل التطور الاجتماعي الاقتصادي العربي المشوه والمتخلف ، كان من الطبيعي ان يعاد انتاج التخلف ليس على الصعيد الاقتصادي والصناعي والعلمي والحداثي فحسب، بل أيضاً على صعيد إعادة إنتاج وتجديد التخلف الذهني بالمعنى الثقافي في اوساط الجماهير العربية عموماً، والفقراء الذين يمثلون اكثر من 70% من مجمل عدد سكان الوطن العربي، ما زال معظمهم أُمِّيين أو شبه أمِّيين ، وبالتالي فإن وعيهم العفوي البسيط، يعزز لديهم الإيمان والتسليم الكامل بالقضاء والقدر والغيب، ويلجاؤن إليه لعلهم يجدون فيه مخرجاً من فقرهم ومعاناتهم وظروف معيشتهم القاسية، الأمر الذي جعل من هذه الجماهير الفقيرة مخزوناً بشرياً هائلاً، نجحت الجماعات والحركات الإسلاموية في مخاطبة عفويته واستغلاله وتحريضه، ومن ثم توسعها التنظيمي الذي ضم مئات الآلاف منهم في تلك الجماعات والحركات.
سادساً: خلط الدين مع السياسة سواء من قبل الحكومات والأنظمة أو الحركات والأحزاب الإسلامية. في كلا الحالتين وبحثا عن شرعيات مفقودة في الحالة الاولى، وتأسيساً لخطاب يوظف التدين الشعبي في الحالة الثانية، ازيح الجزء الاعرض من السياسة وعلى مدار عقود طويلة إلى مربع الدين. وهناك تم تديين السياسة واعتبارها مكونا من مكوناته المعاصرة، فصار الحكم والمعارضة والانتخابات وما تعلق بالممارسة السياسية شأنا دينياً.
إذ بإستخدام ذات الآلية (توظيف الدين في السياسة) التي احتمت بها أنظمة أو استغلتها حركات الإسلام السياسي نمت في الظلام وفي جنبات وزوايا الفشل السياسي والاقتصادي وتواصل القهر وانعدام المستقبل تنظيمات وافكار بالغة التطرف. ومنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي على اقل تقدير لم يتوقف نمو وزيادة عدد وتنوع هذه التنظيمات التي انخرطت في سباق مع نظيراتها في اظهار التشدد والتطرف، والإدعاء بأنها تمثل الإسلام.
سابعاً: إلى جانب الظروف الموضوعية التي تهيئ عوامل ومناخ التطرف، المتمثلة في الظلم والفقر والتخلف والجهل و الهزائم ، هناك عوامل ذاتية تقف وراء التطرف تعود حسب تحليل علماء النفس والاجتماع إلى : عامل التنشئة الاولى، اي التربية البيتية (العائلية) التي ينشأ الفرد خلالها ويتلقى معلوماته الاولية منها، كذلك يكون التطرف كرد فعل لتطرف مقابل وما ينتج عنه من جمود فكري وعقائدي في البيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها الانسان، حيث تتولد تراكمات دينية ومذهبية تتحكم بعقلية وسلوكية من يؤمن بها وتترسخ بمرور الزمن، وقد تتجاوز هذه العقائد الحدود ويصدر صاحبها أحكاماً على الآخرين بالكفر والردة ويعد عمله هذا جهادا في سبيل الدين، كما يلجأ المتطرف إلى انتقاء آيات واحاديث معينة للبرهنة على صحة آرائه. وقد لوح هؤلاء بفكرة ما يسمى (الحل الإسلامي) باعتباره الحل الأفضل لجميع المشاكل التي يعاني منها المسلمون في جميع ارجاء العالم العربي، حتى تحول هذا التطرف الإسلامي إلى منظمات ارهابية تبيح العنف وسفك الدماء وتعتبره نوعا من الجهاد الذي يوصل صاحبه إلى الجنة.
ثامناً : توقف الفكر الإسلامي عن الاجتهاد ، وعن متابعة التطور المعرفي والحضاري ، فالفكر الإسلامي يعاني من تأخر كبير يتجاوز القرون الثلاثة (مسافة التفاوت التاريخى بين الفكر الإسلامى والفكر الأوروبي تصل إلى الثلاثمائة سنة، فقد ابتدأ هذا الفكر بالكاد يحس –كما يقال هاشم صالح- بآثار الهزات والحضارات والاختلاجات الهائجة التى كانت قد ابتدأت فى الغرب بدءا من القرن السادس عشر واخذت تولد ما يمكن ان ندعوه بالفكر الحديث, اما الفكر الإسلامى، فلا يزال واقعا تحت هيمنة نظام الفكر القروسطى، وذلك من خلال الخلط بين ما هو اسطوري – وما هو تاريخى وعدم القدرة على التمييز بينهما، ثم –كما يضيف هاشم صالح- التصنيف الدرغمانى للقيم الاخلاقية والدينية، ثم التأكيد اللاهوتى على القول بأفضلية المؤمن – على غير المؤمن,والمسلم – على غير المسلم, ثم تقديس اللغة والقول بأنها وقف من الله وليست اصطلاحا بشريا، ثم ثبوت المعنى المؤصل من الله إلى البشر عن طريق الرسول واحاديثه, ثم الأعتقاد المطلق بأن هذا المعنى مفسر وموضح ومحفوظ ومنقول بشكل كامل من قبل الفقهاء إلى الاجيال التالية من المؤمنين دون اى نقص أو حذف أو ضياع على الطريق، ثم الايمان بوجود عقل خالد، أو ابدى وازلى لايتغير ولايتبدل والاعتقاد بأنه عقل
فوق تاريخى أو يتجاوز التاريخ لانه يستمد معينه من كلام الله.
بعد استعراضنا للعوامل الثمانية الرئيسية التي أدت –من وجهة نظرنا- إلى انتشار الحركات الإسلاموية، فإننا نعتقد في قراءتنا للمشهد العربي المنحط الراهن، انه من المفيد التوقف عند بعض محطات التاريخ العربي الحديث ، اواخر القرن 19، وبداية القرن العشرين حتى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، كخلفية تاريخية وراهنة، نستند إليها في تفسير الصراع المحتدم اليوم بين قوى التخلف الرجعي وبين القوى النهضوية الوطنية الديمقراطية العربية، وذلك انطلاقاً من وعينا أن كافة الحركات والجماعات الإسلامية المنتشرة في بلدان الوطن العربي بمختلف المسميات هي فروع –بصورة مباشرة أو غير مباشرة- لجماعة الإخوان المسلمين، على الرغم من التعارضات الظاهرية أو الشكلية بين هذه الحركات ، إذ انها لا تختلف في جوهر منطلقاتها الفكرية.
تأسيس جماعة الإخوان المسلمين :
أوائل القرن العشرين، ادرك بعض المثقفين العقلانيين العرب، أهمية استيعاب مفاهيم الحداثة والنهضة على طريق التحرر والديمقراطية، ولذلك قاموا بمراجعة الأفكار الرجعية السائدة آنذاك ، ومن ثم صياغة الأفكار والرؤى التنويرية الديمقراطية والعلمانية، الليبرالية والمادية، إلى جانب قيامهم بترجمة وتأليف العديد من الكتب التي قدمت أفكاراً فلسفية وتنويرية متميزة في تلك المرحلة من النهوض العربي التي امتدت منذ اواخر القرن التاسع عشر، حتى ثلاثينات القرن العشرين وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر 1928 وانتشارها بدعم صريح من الانتداب البريطاني، والملك، والقوى الاقطاعية الرجعية، إلى جانب دور عدد من شيوخ الأزهر الموالين للملك والطبقة الحاكمة والانجليز، وفي مقدمتهم الشيخ محمد رشيد رضا الذي يعتبر الأب الروحي المؤسس للجماعة حسن البنا، وهو الذي قام بصياغة أهداف الجماعة التي تبناها حسن البنا آنذاك، وتتلخص في: العودة إلى أصول الإسلام الأولى (المدرسة الوهابية) ومجابهة المد الوطني لحزب الوفد ومناهضة أفكاره الليبرالية، ومقاومة الفكر الشيوعي، ودعم شرعية الملك ومقاومة الفكر التنويري والديمقراطية وقطع كل محاولة للوصول إلى منابع الحضارة الحديثة .
وفي هذا الجانب، نشير إلى المنابع الفكرية والوهابية للشيخ، محمد رشيد رضا في ضوء ارتباطه المصلحي مع الملك عبد العزيز بن سعود (بعد أن تخلى عن أفكار أستاذه الشيخ محمد عبده)، وأصبح من اهم رموز الرجعية في مصر لمواجهة المتغيرات والتحولات السياسية، والاجتماعية، في تلك المرحلة ، ومجابهة ورفض رموز التنوير والعقلانية من المثقفين والمفكرين الديمقراطيين اليساريين المصريين والعرب آنذاك، الذين أدركوا أن المجتمعات العربية صارت أكثر تخلفاً وهامشية، وحاولوا اكتشاف أسباب نهوض وتقدم الأوروبيين المحدثين، الذين حققوا خطوات رائعة وريادية في ميادين العلم والثقافة والحضارة، الأمر الذي كان من بين أهم العوامل التي دفعت بالمثقفين العرب والمصريين آنذاك، مراجعة حساباتهم وتاريخهم وأوضاعهم للوصول إلى أسباب تخلف مجتمعاتهم وتهميشها، وبناءً على ذلك، تشكل تيار ليبرالي أكثر راديكالية في تأويل القيم الإسلامية، و تزعم هذا التيار أحمد لطفي السيد ، وسلامة موسى، وشبلي شميل، وانطون مارون ، وأحمد آمين ، وقاسم أمين، و علي عبد الرازق، و طه حسين، وغيرهم الذين اسهموا في نشر الفكر النهضوي التنويري الوطني الديمقراطي.
وفي مجابهة هذه الحالة النهضوية ، قام المندوب السامي البريطاني آنذاك (عام 1928) بدعم بعض رموز الاقطاع والمشايخ الرجعيين في مصر خاصة الشيخ محمد رشيد رضا، لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين لكي تمارس دورها الرجعي في مهاجمة قوى التنوير والتحرر والديمقراطية واغلاق الباب في وجه الحضارة الحديثة .
هذه المهمة أصبحت مع حسن البنا (1906-1949) (مؤسس الجماعة) محددة في: بعث الإسلام الأصولي لا الاجتهاد فيه. وقطع كل محاولة للتصالح أو التوفيق مع الحضارة الغربية، على أساس أنها "حضارة مادية مريضة، ملوثة بالإلحاد"، وأن إسلامنا وحده بشموليته وتفرده _كما يقول حسن البنا_ قادر على التصدي لكل تفاصيل حياة الفرد والمجتمع دون حاجة إلى أي اقتباس أو استعارة من حضارات أجنبية"، وهنا نلاحظ التطابق الفكري بين منطلقات جماعة الإخوان المسلمين (الأم) وبين "داعش" وغيرها من حركات التطرف الإسلاموي.
وعلى أساس هذه المنطلقات الفكرية الرجعية ، إمتد الصراع بين الإخوان المسلمين وكل قوى التقدم والتحرر والديمقراطية في مصر، منذ 1928 حتى عام 1954 حين قرر الإخوان اغتيال جمال عبد الناصر، وصدور قرار حل الجماعة بعد ذلك، إلا أنها كمنت، وقامت بإعداد أكبر مخطط اجرامي لتفجير مؤسسات الدولة والمجتمع في مصر عام 1965 ، وكان ذلك المخطط بمثابة ذروة الصدام، حيث جرى اعتقال العديد من قيادات وكوادر واعضاء جماعة الإخوان المسلمين ومحاكمتهم، واعدام بعض أهم قادتهم، بما في ذلك سيد قطب (1906-1966) الذي كان المُنَظِّر الرئيسي المعتمد للأصولية السلفية الإسلامية الرجعية، والذي تأثر بفكر ابن تيمية، وابن القيم الجوزيه، وأبو الأعلى المودودي (1903-1979)، مؤسس الجماعة في باكستان، ونتيجة لذلك التأثير أنكر سيد قطب أن هناك ضرورة للاجتهاد، فنحن جميعاً –كما قال- جاهليون، "ولم نصبح مسلمين بعد، وعلينا أولاً الإقرار بأن الحاكمية لله وحده، وهي تتمثل في شريعة الله في كل ما يتعلق بالاعتقاد، والحكم، والأخلاق، والسلوك والمعرفة، وعلى ذلك ليس من حق بشر أن يشرع لبشر".
ووفق هذه الرؤية، التي تطرحها "داعش" في المرحلة الراهنة، فإن المهمة الأساسية في رأي سيد قطب، هي إعادة النظر في تعبيد الناس لربهم، عبر تلقيهم من الله وحده كل تصوراتهم وشرائعهم، وقوانينهم، ونظم حياتهم، برمتها، فيتم بذلك التحرر من عبودية العبيد، والإسلام وحده كفيل بذلك، فالإسلام _كما يقول قطب_ لا يقبل أنصاف الحلول: "إما حكم الله، وإما حكم الجاهلية، ولذلك لابد من الحركة والجهاد للانقلاب على المجتمعات الجاهلية وتحطيمها، ومن ثم، فالحرب ضرورية للقضاء على المجتمعات الجاهلية المعاصرة أو للقضاء على حضارة العصر.
وعلى أثر قرار السادات بالإفراج عن الإخوان المسلمين والتصالح معهم عام 1972، قامت الجماعة باستعادة نشاطها السياسي والمجتمعي في أوساط الشعب المصري عموماً ، والشرائح الفقيرة خصوصاً واستمر نشاطها حتى عام 1981، حيث تجدد صراعها مع السلطة في عهد حسني مبارك .
ومع تفاقم الصراعات والمعارك العسكرية بين الاتحاد السوفياتي، والنظام الموالي له في افغانستان وبين التيارات الدينية، والأصولية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية وتوابعها في النظام العربي خاصة السعودية، ودويلات الخليج، والأردن، وغيرها، استمرت تلك الصراعات والمعارك منذ نهاية عام 1979 حتى عام 1989 ونشوء تنظيم "القاعدة" نهاية عام 1989 وأوائل عام 1990 الذي يعتبر تنظيماً متعدد الجنسيات ، ولكن معظم أعضائه كانوا من الأفغان ثم العرب من أعضاء الإخوان المسلمين في مصروالسعودية والأردن وفلسطين واليمن والعراق.. إلخ.
وعلى أثر دعوة أسامة بن لادن لما يسمى بـ"الجهاد العالمي" قام تنظيم القاعدة بانشاء فروع متعددة في البلدان العربية.
ومع تفجر ما يسمى بـ"الربيع العربي" في تونس ومصر ثم في العراق وسوريا واليمن وليبيا، تأسست حركة النصره، كفرع من فروع "القاعدة" ، إلى جانب عدد من الحركات الإسلاموية المتطرفة الأخرى، بدعم من السعودية وقطر وتركيا .
وفي عام 2012 قام عدد من قيادات "حركة النصره" بالمطالبة بتطبيق شعار الخلافة الإسلامية، واعلان الدولة الإسلامية، إلا ان الظواهري ، وأغلبية قيادة "النصرة" ارتأوا تأجيل هذه الخطوة، ورفضوا الاقتراح المقدم من أبو عمر البغدادي، الذي قرر بدوره الانشقاق عن "النصرة"، وتأسيس ما عرف بالدولة الإسلامية في الشام والعراق عام 2013 ، بدعم صريح من بعض قيادات وكوادر الجيش العراقي المنحل، وبعض كوادر البعثيين العراقيين، من جماعة عزت ابراهيم ، المعروف بميوله الدينية التصوفية ، حيث تولى الخبراء العسكريون في أجهزة المخابرات العسكرية والجيش ، الاشراف التنظيمي والامني والتدريب العسكري لقواعد وكوادر "داعش" ، وكان لذلك الدعم دور هام في انتشارها وقوة تنظيمها، ليس في العراق وسوريا فحسب ، بل أيضاً في معظم الدول العربية والأراضي المحتلة عموماً، وفي مصر سيناء خصوصاً، حيث تمارس اليوم (عبر أطر وهياكل سياسية، وتنظيمية، وإعلامية، ومالية، عالية التنظيم) أبشع وسائل القتل والتعذيب ومن منطلقات دينية سلفية شديدة التخلف بهدف تفكيك الدولة القطرية والنظام العربي، وتكريس تبعيته وفق مخطط مرسوم ومدعوم بالمال والسلاح من السعودية وقطر وتركيا بموافقة أمريكية وفق الأهداف والمخططات الأمريكية.
في الربع الأخير من القرن العشرين، ظهرت جماعة "التكفير والهجرة"، التي أخذت على عاتقها مهمة تجسيد أفكار سيد قطب، وجعلها حقيقة واقعة، فدعت إلى الحاكمية وأقرت بجاهلية المجتمعات والبشر ووسمتهم بالكفر.
وفي حين اتجهت جماعات أصولية إلى انتقاء قضايا محددة للغاية لإثبات تميز الإسلام وتفرده واختلافه عن الحضارة الغربية وقيمها ومفاهيمها، مثل ضرورة عودة النساء إلى الحجاب (وإطلاق اللحي والجلباب القصير والمسواك لدى الرجال ..الخ)، وتأسيس بنوك إسلامية، وضرورة إقامة حدود الشريعة، والتفرقة بين المسلمين وغيرهم، من أتباع الديانات الأخرى ، فإننا نجد جماعات سنية أخرى ارتأت أن الإسلام انتصر بالمجاهدين لا بالفقهاء والدعاة، وبالسيوف لا بعلوم الكلام، ومن ثم تحول الدعاة والمصلحون إلى مجاهدين حملة أسلحة بيضاء وسوداء، وألوان أخرى عديدة، يهاجمون ويكفرون ليس أهل الرأي والتنوير فحسب، بل يكفرون ويبطشون بكل طوائف المسلمين من الشيعة والعلويين والزيديين وغيرهم.
"إن جوهر هذه الدعوات أو الحركات والجماعات، ينطوي على "إعلان إقالة العقل، واستقالة الإنسان العربي، وعجزه عن القيام بدور بناء في بناء مجتمع تسوده العقلانية والحداثة والحرية والعدل، ومن ثم دفع الإنسان إلى تبني الخرافة والجهل، وإغراقه في معارك وهمية خارج الزمان والمكان مع ترسيخ الخيارات الغيبية لمشكلات فيما وراء الحياة والتاريخ" كما هو حال مجتعاتنا العربية اليوم مع حركة داعش وامثالها من حركات التطرف الرجعية.
وفي مجابهة هذه الأفكار، قام المفكر الراحل نصر أبو زيد بالبحث عن مفهوم علمي للنص القرآني، فأكد كون ألوهية مصدر النص "القرآن" لا تنفي عنه البشرية، وبالنظر للدلالة في النص القرآني ومدى قبولها للتأويل وجد أن هناك نصوص قرآنية ذات دلالات تاريخية كملك اليمين وعتق الرقبة وتعدد الزوجات، والآيات التي تنظم أحكام الرق فهذه النصوص لا تقبل التأويل المجازي فهي تاريخية محكومة بوقتها، في حين أن هناك العديد من النصوص القرآنية الممتدة زمنيًّا، وقد وضع نصر أبو زيد مجموعة من القواعد الأساسية لفهم ما إذا كان النص ممتدًا في الزمان أو محكومًا بسياقه التاريخي، وقد استمد نصر هذه القواعد من المبادئ الأساسية للإسلام، التي وضعها القدماء وهي حفظ النفس والعقل والدين والعرض والمال، وصاغها في ثلاثة مبادئ توجز القراءة الكلية للنص الإسلامي في تعامله مع الواقع وهي: العقل والحرية والعدل، فالعقل في مواجهة الجاهلية، والحرية نقيض للعبودية، والعدل الإلهي، ومن خلال هذه المبادئ الكلية يمكن لنا فهم الآيات القرآنية ودلالاتها والقدرة على تكوين خطاب ديني قائم على أسس معرفية.
وفي هذا السياق انتقد -أبو زيد- طريقة التأويلات النفعية للنصوص القرآنية المحكومة برؤى أيديولوجية، سواء بالنسبة للخطاب الأصولي أو الخطاب النهضوي "الاستشراقي"، فكل منهما قصر جهده على المعارك السجالية، كما انتقد النظرة الاختزالية للخطاب الديني السلفي، حيث اختزل أصحاب هذا الخطاب الإسلام في التراث، وتفسيرات الدين في الفهم الأشعري للنصوص القائم على النقل وإلغاء العقل، واختزل الآخر في الغرب المعتدي الكافر المحتل مع تهميش ومهاجمة كل ما يختلف مع تلك النظرة، مع تصدير شعار "الإسلام هو الحل" باعتباره القادر على حل كل أزماتنا الاجتماعية والاقتصادية، دون طرح آليات علمية وعملية للخروج من النفق المظلم.
بهذه الرؤية، يؤكد المفكر الراحل أبو زيد، على أن الخروج من أزماتنا على المستوى السياسي والاجتماعي، يتطلب معارك فكرية تتعلق بالفكر الديني تبدأ بالنقد الذاتي، والعمل على خلق منظومة معرفية قادرة على نقد التراث، ووضعه في سياقه التاريخي، مع تبني مناهج علمية حديثة في فهم النصوص الدينية وتأوليها، ولكي يحدث ذلك فلابد أولًا من خلق نظام تعليمي قادر على تنمية القدرات الفردية، وتنمية القدرة على التساؤل مع إتاحة مناخ من الحرية على جميع المستويات.






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فرنسيس بيكون ( 1561 م _ 1626 م )
- ليوناردو دافنشي ( 1452 م. - 1519 م.)
- جوردانو برونو ( 1548 م. _ 1600 م. )
- جان كالفن (1509 - 1564)
- مارتن لوثر (1483 - 1546)
- توماس مور (1478 – 1535)
- نيكولاس كوبرنيكس ( 1473 م. _ 1532 م. )
- نيقولا ميكافيلي ( 1469 م. _ 1527 م. )
- الفلسفة الأوروبية نهاية القرون الوسطى
- فلسفة عصر الاقطاع في أوروبا منذ القرن السادس حتى الرابع عشر
- شروحات ختامية حول تأثير الفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى
- ابن خلدون ( 1332 م. _ 1406 م. )
- ابن تيمية (1263 م– 1328م)
- ابن عربي ( 1165 - 1240)
- شهاب الدين بن يحيى السهْرَوَرْدي (1155 – 1191 م)
- ابن رشد ( 1126 م. _ 1198 م. )
- ابن طفيل (1110 م- 1185 م)
- ابن باجه  (1080 م- 1138 م)
- أبو حامد محمد  الغزالي (1059 – 1111 م)
- ابن حزم (994م – 1064م)


المزيد.....




- دعاة أزهريون وصوفيون ومستقلون.. من يملأ فراغ الإسلاميين في م ...
- منظمة التعاون الإسلامي تعقد اجتماعا افتراضيا طارئا غدا لبحث ...
- الأزهر يطالب بتشكيل قوة ردع إسلامية لتحرير القدس
- اجتماع مرتقب لمجلس الأمن.. تحركات عربية وإسلامية وردود دولية ...
- -معا-: إصابة طفلين فلسطينيين بحروق بعد إلقاء زجاجات حارقة من ...
- ضاحي خلفان يطالب العرب بالقضاء على حركة المقاومة الإسلامية ف ...
- التوحيد العربي يدعو للتضامن والتضحية والوقوف بجانب الشعب الف ...
- مراسل العالم: ابناء الطوائف غير الاسلامية تشارك في هذه الوقف ...
- الرئاسية لشؤون الكنائس بفلسطين: العالم يشهد أبشع عدوان عسكري ...
- شيخ الأزهر يدعو شعوب وقادة العالم لمساندة الشعب الفلسطيني


المزيد.....

- أفيون الشعب – الكتاب كاملاً / أنور كامل
- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - غازي الصوراني - عن انتشار الاسلام السياسي و دور جماعة الاخوان المسلمين......