أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - غازي الصوراني - فلسفة عصر الاقطاع في أوروبا منذ القرن السادس حتى الرابع عشر















المزيد.....



فلسفة عصر الاقطاع في أوروبا منذ القرن السادس حتى الرابع عشر


غازي الصوراني

الحوار المتمدن-العدد: 6720 - 2020 / 10 / 31 - 19:23
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    





تمهيد:
ظهرت هذه الفلسفة بعد استقرار وتفعيل دور الكنيسة في الغرب خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين، وتعاظمت هيمنتها في القرن السادس، بعد الغاء الافلاطونية، واعلان المسيحية دين الدولة الرسمي عام 529م (يوستينيانوس)، فيما عُرف بالعصور الوسطى، التي امتدت منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي، واستمرت حتى بداية عصر النهضة في القرن الخامس عشر.

تُرَكّز فلسفة العصور الوسطى على الرؤى الميتافيزيقه اللاهوتيّة بشكل كبير، أما المبادئ التي ارتكزت عليها جميع أعمال الفلاسفة في العصور الوسطى:

1) تبني رؤى الفلاسفة القدماء، وخاصّةً أفلوطين، والإذعان لسلطة فكرهم، لتكريس أفكار الكنيسة والاقطاع ومصالحهم وامتيازاتهم الطبقية.

2) الالتزام بتنسيق الرؤى الفلسفيّة مع التعاليم الدينية المعبرة عن المصالح الطبقية للملوك وأباطرة الكنيسة.

3) استخدام الفلسفة لحساب اللاهوت المسيحي الرجعي من جهة ولتبرير قهر واستغلال العبيد والأقنان من جهة ثانية.

الفلسفة المسيحيّة في العصور الوسطى المبكرة:

حدود فترة العصور الوسطى المبكّرة مسألة جدليّة، ولكن من المتّفق عليه عموماً بأنها تبدأ بالفيلسوف أوغسطينوس (354-430م) الذي ينتمي إلى الفترة الكلاسيكيّة، وتنتهي في أواخر الفرن الحادي عشر؛ أي في بداية فترة القرون الوسطى العليا.

بعد انهيار الإمبراطورية الرّومانية، عاشت أوروبا الغربيّة في ما يُعرف بالعصور المظلمة، وكان التّعليم مقتصر على الأديرة؛ وكان الفكر المسيحيّ البابويّ في تلك الفترة يميل لأن يكون بديهيّاً صوفيّاً، لا يعتمد على العقل والحجّة والمنطق، ويركّز بشكل كبير على العقائد الغامضة في فلسفة أفلاطون وأفلوطين، ويقلّل من تركيزه على التفكير المنهجيّ في فلسفة أرسطو؛ حيث كان أرسطو غير معروف في الغرب في تلك الفترة.

كان للفلاسفة الرّومان تأثير كبير على تطوّر فلسفة القرون الوسطى وخاصةً الفيلسوف أوغسطينوس الذي اعتبره بعض المؤرخين، أعظم من باباوات الكنائس، حيث قدم الكثير من كتاباته الفلسفيّة التي تناولت مواضيع لاهوتية سكولائية مثل: الحقيقة، والله، والرّوح البشريّة، ومعنى التّاريخ، والدّولة، والخطيئة، والخلاص؛ وكانت هذه الكتب من بين أهم المراجع الدينية اللاهوتية والفلسفية طوال ما يقرب من ألف عام.

وفي هذا الجانب، كانت الاديرة المسيحية بمثابة القلاع التي تم اقامتها وسط مساحات شاسعة من الأراضي، مما كان له أثراً كبيراً في توفير عوامل تطوير مراكز للعمل الزراعي على النمط الاقطاعي، جنباً إلى جنب مع إقامة المؤسسات الفكرية التابعة للكنيسة في ذلك العصر تعزيزاً للعوامل والتراكمات التي انضجت ظهور النظام الاقطاعي في أوروبا.

كان ظهور الاقطاعية (القنانة) في اوروبا الغربية على أنقاض مجتمع الرق، وكان الفلاحون، الذين يعملون في أراضي الاقطاعيين، والاقطاعيون، الذين يستغلون جهودهم والذين تركزت السلطة بأيديهم، يشكلون الطبقتين الاساسيتين في المجتمع الاقطاعي.

إلى جانب هاتين الطبقتين الاساسيتين كان هناك الحرفيون، المتحدرون من أوساط الفلاحين، والتجار، وكان رجال الكنيسة يلعبون دورا بالغ الأهمية في حياة المجتمع، ذلك أن تملك الكنيسة لمساحات واسعة من الاراضي جعلها تمثل قوة اقتصادية – اجتماعية كبيرة.

وفي هذا السياق أشير إلى أن "المسيحية لم تقض على الوثينة، بل تبنتها، ذلك أن العقل اليوناني المحتضر عاد إلى الحياة في صورة جديدة في لاهوت الكنيسة وطقوسها، وأصبحت اللغة اليونانية، أداة الآداب، والطقوس المسيحية، وانتقلت الطقوس اليونانية الخفية إلى طقوس القداس الخفية الرهيبة،

ولما أن فتحت المسيحية([1]) رومة انتقل إلى الدين الجديد بناء الدين الوثني القديم؛ فقد انتقل إليه –كما يقول ديورانت- "لقب الحبر الأعظم، وعبادة الأم العظمى، وعدد لا يحصى من الأرباب التي بثت الراحة والطمأنينة في النفوس، والإحساس بوجود كائنات في كل مكان لاتدركها الحواس، وبهجة الأعياد القديمة أو وقارها، والمظاهر الخلابة للمواكب القديمة التي لا يعرف الإنسان بدايتها"([2]).

"إن هذه كلها انتقلت إلى المسيحية كما ينتقل دم الأم إلى ولدها، وأسرت رومة الأسيرة فاتحها، وأسلمت الإمبراطورية المحتضرة أزمة الحكم والمهارة الإدارية إلى البابوية القوية، وشحذت الكلمة المواسية بقوة سحرها مافقده السيف المفلول من قوته؛ فحل مبشرو الكنيسية محل جيوش الدولة، وأخذ هؤلاء يجويون الآفاق في جميع الجهات متتبعين الطرق الرومانية؛ وعادت الولايات الثائرة بعد أن اعتنقت المسيحية إلى الاعتراف بسيادة رومة، وبداية الخطوات الأولى صوب عصر الاقطاع"([3]).

تأسست الاقطاعية في اوروبا في العصور الوسطى على أنقاض مجتمع الرق وكان الفلاحون الذين يعملون في أراضي الاقطاعيين، والاقطاعيون الذين يستغلون جهودهم، يشكلون الطبقتين الأساسيتين في مجتمع العصور الوسطى الاقطاعي، وقد لعب رجال الكنيسة دوراً بالغ الأهمية في حياة ذلك المجتمع، وفي تكريس النظام الاقطاعي.

" ولم يكن النظام الاقطاعي الذي نشأ نتيجة لهذا الصراع إلا وسيلة لجأ إليها الرجل العادي للحصول على قسط من الأمن لنفسه بان يضع نفسه تحت حماية الزعيم أو الأمير الاقطاعي الجديد، مهما كلفه ذلك من فقدان لحريته.

ومن ناحية أخرى، رأى أنصار الزعيم الشخصيون ان الاقطاعية نظام أصلح من الحروب بين القبائل، فاستقروا على الارض المهداة إليهم من زعيمهم، هكذا ظهر شيئاً فشيئاً نظام لا مركزي ذو تنظيم ارستقراطي أخذ يشن حرباً طويلة، بطيئة، من أجل الحصول على السلطة المركزية من جديد"([4]).

في هذا الجانب، يقول جون لويس "هناك قوتان لعبتا دوراً هاماً في هذا التطور: تطور النظام الملكي الذي صحبه قيام الدول القومية وتكوين الجيوش المحترفة في بعض الاحيان من ناحية، ثم ظهور الكنيسة المنادية بمجتمع عالمي ونظام اخلاقي اجباري وقانون ديني من ناحية أخرى، فقد"كان البابا جريجوريوس الأكبر (من 590 حتى 604) من اعظم رجال الكنيسة في العصول الوسطى، كما كان بمثابة همزة الوصل بين العصرين القديم والوسيط، وكان أول ناسك يعتلي كرسي البابوية، كما كان أول بابا لجأ إلى الاجناس الجديدة في الغرب كيما يعيد إلى روما امبراطوريتها التي فقدتها، كان منظماً فذاً ونابغة دينياً لا ينازع، فقد نجح في تقديم العقيدة المسيحية إلى الأجناس البربرية التي سيطرت عليها الكنيسة في صورة تناسب عقليتها الساذجة"([5]).

العقل والإيمان بداية العصر الاقطاعي:
تنطرح مسألة العلاقات بين العقل والايمان على نحو يبعد أن يكون بسيطاً، "فمؤسسة كالكنيسة ليست منظومة من حقائق نظرية، يمكن للعلم وللايمان أن يتفقا أو يختلفا بصددها؛ فهي تفرض نفسها بادئ ذي بدء على نحو ما يفعله الكيان السياسي أو القواعد القانونية: ولقد كانت الغاية التي رمت اليها الأوغسطينية أن ترسي بصفة نهائية أسس حاضرة روحية، ومن جهة أخرى "أخذ الفكر الوسيطي في ما يتصل بالالهيات عن القديس أوغسطينوس المأثور الأفلاطوني المحدث، فالله هو العقل بالمعنى السامي، منبع المعقول؛ ومعرفة الله أو رؤيته هي بمثابة الحد الأعلى لكل معرفة عقلية، وعلى منوال أفلوطين، يعتقد القديس أوغسطينوس أنه "متى فرغت النفس إلى نفسها، وانتظمت، وتناغمت، فستجترئ عندئذ على أن ترى الله، المنبع الذي منه تصدر كل حقيقة، بل والد كل حقيقة، وفيما دون هذه الرؤية، التي هي وقف على القلة القليلة، "تبصر النفس العاقلة، المتحدة اتحاداً طبيعياً بالمعقولات، الحقائق على ضوء لاجسمي، طبيعته من طبيعتها"([6]).

إن روح هذا العصر، تتجلى بوجه خاص في التآليف التي وُضِعَت في كيفية تثقيف رجال الدين، والتي رّدَّتْ بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كل علم إلى معرفة حقائق الدين، وهي معرفة محتواة بين دفتي علم "الكتاب المقدس"، وفق مقولة: "إن أُس الحكمة وكمالها العلم بالكتب المقدسة"، فقد "كان قوام النتاج الأدبي لذلك العصر، شروحاً لا يحصى لها، للتوراة (وعلى الأخص خلق الله للعالم في أيام ستة) وللأناجيل ولرسائل الرسل؛ وما كانت هذه الشروح تعدو على أية حال أن تكرر وتُضَخِّم شروح كبار فقهاء الكنيسة في العصور السابقة، وعلى الأخص منهم القديس هيلاريوس أو القديس أوغسطينوس"([7]).

أخيراً، من المفيد الإشارة إلى تأثير الافلاطونية الجديدة في الديانة المسيحيه، نتيجة للأزمة الروحية، التي عصفت بالمجتمع العبودي القديم، ولذا فانها لم تشارك الايديولوجية المسيحية عددا من أفكارها، فحسب، بل وكان لها الاثر الكبير على تطور التعاليم المسيحية اللاحقة"([8])، باتجاه المزيد من التعاليم الغيبيه الرجعية، فقد كانت تعاليم الافلاطونية الجديدة، بالمقارنة مع فلسفات أفلاطون وأرسطو، ظاهرة تدهور وانحطاط.

ومما عزز من سلطة الكنيسة، " أن الامبراطورية الرومانية تعرضت لغزوات كثيرة في القرنين الخامس والسادس، أدت إلى تمزيقها وتقسيمها إلى دويلات، يقف على رأس كل منها ملك أو أمير، فكانت النتيجة أن مركز الحكام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي تضاءل إلى حد كبير، مما جعل الفرصة مواتية جدا للكنيسة لبسط هيمنتها على كل مقاطعات الامبراطورية المقدسة، وبذلك أصبحت الاقطاعي الأكبر، الذي كان يضطر كل الاقطاعيين الآخرين، بما فيهم الامراء والملوك، إلى الرضوخ لسلطانه في كثير من الاحيان" ([9]).

والحق –كما يقول د. حامد خليل- "ان ما فعلته الكنيسة حين اضطلعت بمهمة تفسير "كلمة" الله، إنما كان يخدم قبل كل شيء تكريس القيم الاقطاعية المتمثلة أساساً بالخضوع والاستسلام، والانقياد، وكَبْتْ الطبيعة البشرية، والإنسلاخ عن الحياة، وخنق الحرية، واستئصال العقل، والقضاء على كل مقومات الابداع، والاسترسال في الأوهام، والتعلق بالخرافات وبكلمة واحدة، اغتراب الإنسان عن ذاته، وعن العالم الذي يعيش فيه، وعن المستقبل الذي ينشده، وأخيراً عن الله ذاته"([10]).

ثم ننتقل إلى العصور الوسطى، بمعنى الكلمة الاصلي، "عندما نادى البابا جريجوريوس السابع (من 1073 حتى 1085) بسلطة عالمية تستمد قوتها من الله (البابوية، وعلى الجميع أن يطيعوها ويكون جميع ملوك العالم مسؤولين أمامها فيما يتعلق بصلاحية الحكم"([11]).

" والأخطر من ذلك أن فكرة الله التي كانت الفكرة المحورية التي تأسست عليها حياة الإنسان بكافة أوجهها الطبيعية والروحية وعلاقته بالإنسان الآخر والمجتمع، والتي يفترض أنها وليدة نشاط فاعل وحر وخلاق لعقل الإنسان، تحولت في ذلك العصر إلى فكرة "الوسيط" المتمثل بطبقة الاكليروس التي كانت تتربع على قمة الهرم الاجتماعي، أي أن الله لم يعد ذلك الكائن القريب من الإنسان، الذي يكون في مقدور هذا الاخير التوجه مباشرة إليه، على العكس من ذلك، فقد أقصاه الاكليروس عن العالم ككل، وعن عالم الإنسان على وجه التخصيص، وحلوا محله بدعوى أنهم وسطاء بينه وبين البشر.

وقد ترتب على ذلك أن أصبح على الإنسان أن يتوجه مباشرة إليهم، إن شاء الظفر برضاء الله، وتعين عليه أن ياخذ بالتفسير الذي يقدم له لكلمة الله، ويسلم به، دونما اعتراض أو مناقشة أو تدبر، ولم يبد ذلك بالامر الذي يدعو إلى الدهشة، فالكاهن هو المسؤول أمام الله يوم الحساب عن أرواح جميع المسيحيين دونما استثناء، وإذن فمن الطبيعي أن يكون هو نفسه "الوسيط" الذي ينبغي إقامة الحوار معه، أو على الاقل ممثل الله في الارض. وفي كلتا الحالتين، فإن ما يقوله يتعين قبوله على أساس أنه هو ما يأمر به الله.

ولا شك أنها كانت فرصة مواتية لظهور طبقة الاكليروس "الوسيطة" كتعبير دقيق عن حالة ذلك العصر الاجتماعية والثقافية والاقتصادية"([12]).

فقد هيمنت الايديولوجية الدينية على الحياة الفكرية في هذا العصر حيث تحولت الفلسفة إلى خادمة للاهوت عبر طابعها الرجعي التصوفي وكان مبررها ان الحكمة والمعرفة تتم فقط عبر الوجدالصوفي([13]) ورفض التجربة او طريق العقل، لقد انحطت الفلسفة في هذا العصر إلى درك التصوف والسحر والاساطير، وارتدى صراع الطبقات فيه شكل خافت من الصراع الديني.

لقد ترافقت الهيمنة الأيديولوجية للكنسية مع هيمنتها المادية وثرواتها المتراكمة، فقد "دعم الاباطرة الكنيسة في القرون الأولى من قيامها، حيث امتصت الكنيسة تدريجيا سلطة الملوك والاباطرة، ونمت نموا كبيراً في عددها وثروتها ونفوذها، وفي نحو القرن الثالث عشر أصبحت الكنيسة تملك ثلث الأرض في أوروبا، وامتلات خزائنها بتبرعات وهبات الأغنياء والفقراء. واستطاعت ان توحد لمدة الف سنة تقريباً معظم شعوب القارة الأوروبية، لقد القت الكنيسة بعقيدة محدودة ومحددة طوقت بها العقل الأوروبي اليافع في العصور الوسطى، واحاطت هذه العقيدة العقل الأوروبي كما تحيط الصدفة الحيوان البحري الصغير في داخلها. لقد تحركت الفلسفة المدرسية (السكولائية)([14]) من داخل هذه الصدفة الضيقة من العقيدة والايمان إلى العقل، وعادت ثانية إلى الوراء في دائرة مخيبة للأمل، ومثبطة للعزيمة. وفي القرن الثالث عشر تحرك العالم المسيحي وتنبه بما ترجمه العرب واليهود عن فلسفة أرسطو، ولكن سلطة الكنيسة كانت لا تزال قوية لتأمين نفسها عن طريق توما الاقويني وغيره بتحويل فلسفة أرسطو إلى فلسفة إلهية للقرون الوسطى" ([15]).

المسيحية والفلسفة في القرون الوسطى :
عَبَّرتْ الأفلاطونية الجديدة، وبمقدار ما الرواقية المتأخرة، عن ذلك التوق الديني الذي استفاق من جديد، فوجدت المسيحية فيها، تربة صالحة لنموها، وجذبت المسيحية أعداداً هائلة من الناس بعد إعلانها "أنها الأمل الوحيد لهم، على الرغم من الشرور السائدة، كان هناك أمل لكل واحد من البشر، وفوق ذلك كله، هناك أب سماوي يمد برحمته الخطاة والأتقياء، ويخلصهم سواء بسواء"([16]).

وفي اول الأمر، نجد تأليفاً بين المسيحية والأفلاطونية الجديدة، على الرغم من أن الرواقية المتأخرة أدت دوراً أيضاً، وساد ذلك التأليف اللاهوتي من حوالي عام 300 إلى العام 1200 بعد الميلاد، شاملاً معظم القرون الوسطى.

وفي القرن الثالث عشر، عندما اكتشف العالم المسيحي الغربي أرسطو من جديد حصلنا على تأليف بين المسيحية والأرسطية، وصار ذلك التأليف اللاهوتي الفلسفة السائدة للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وفي تلك المرحلة "كانت الفلسفة واللاهوت فرعي التعليم الرئيسيين اللذين زعما أنهما يؤديان إلى الرؤية الصحيحة، لذا، كان من الطبيعي أن تكون العلاقة بين الإيمان والعقل علاقة مركزية في تلك الفترة. وغالباً ما كانت تقدم العلاقة الوثيقة بين الفلسفة واللاهوت في القرون الوسطى كما لو أن اللاهوت، بمعنى ما، قبض على الفلسفة بقبضة محكمة، أي كانت الفلسفة هي "الضحية"([17]).

في هذا الجانب، أشير إلى أنه، على الرغم من هيمنة الكنيسة، إلا أن القرن الثالث عشر، شهد تتويجاً للفلسفة اليونانيّة، حيث نمت مدارس التّرجمة في إيطاليا وصقلية، وفي نهاية المطاف في بقيّة أنحاء أوروبا، كما تطوّرت الجامعات في المدن الأوروبيّة الكبرى خلال تلك الفترة، لكن القوى الدينيّة المتنافسة داخل الكنائس، بدأت النّضال من أجل تكريس السّيطرة على الحياة السياسيّة والفكريّة؛ وكانت القوى الرئيسيّة التي تأسست في تلك الفترة: الفرنسيسكان والدومينيكان.

أسس فرنسيس الأسيزي في عام 1209م الفرنسيسكان، الذين إلتزموا بالدفاع عن لاهوت أوغسطين وفلسفة أفلاطون وأفلوطين، وقالوا أن العقل لا يستطيع اكتشاف الحقيقة، إلا عندما تكون الفلسفة مضاءة بالإيمان الدّيني، أمّا النّظام الدومينيكي الذي أسّسه القديس دومينيك في عام 1215م، ركّز أكثر على استخدام العقل والاستفادة من المصادر الأرسطويّة الجديدة المستمدّة من الشّرق ومن إسبانيا؛ كان أهم وأبرز فلاسفة هذا النظام "توما الأكويني" الذي استعمل في النّهاية العقلانيّة اليونانيّة والعقيدة المسيحيّة لتعريف الفلسفة الكاثوليكيّة، ركّز الأكويني على العقل والحجج المنطقيّة، وكان أوّل من استعمل الترجمة الجّديدة للكتابة الميتافيزيقيّة والمعرفيّة لأرسطو.



البابا والملك في القرون الوسطى.. حاكمان في دولة واحدة :
لم تتميز القرون الوسطى التي امتدت من حوالي العام 400 بعد الميلاد إلى العام 1500، بنظام اجتماعي متجانس ومستقر، كما كانت الفروق الجغرافية عظيمة أيضاً، مع ذلك يمكننا، بشكل مجمل، أن نقول " إن نظام الحكم الرئيسي في القرون الوسطى كان نظاماً إقطاعياً بأشكال مختلفة، ونعني بذلك المجتمع الذي تكون فيه العلاقة بين الملك (أو الإمبراطور) وطبقة النبلاء لها صورة عقد متبادل مشترك، يمنح الملك بحسبه النبلاء (الأتباع) إقطاعيات، ويتعهد النبلاء مقابل ذلك بالدعم العسكري وبضرائب يقدمونها للملك.

وهناك أيضاً عقد بين الأتباع والفلاحين يقضي بأن يحمي التابع سكان إقطاعيته، على أن يقدم هؤلاء بدورهم جزءاً من المحصول للتابع "([18]).

" تَمَكَّنَ ذلك النظام الإقطاعي من أن يخلق ممالك قوية وضعيفة. غير أن الذي حدث هو أنه حوالي العام 1000 كان الاتجاه إجمالاً نحو تقوية سلطة الدولة، ومع إصلاح أنظمة الاديرة وانتشار النزعة الزهدية في اواخر القرن الحادي عشر (بعد الحملة الصليبية عام 1095)، أصبحت الحاجة إلى الحد بصورة أكثر نجعاً وتحديداً من دور تلك العلوم الدنيوية، ومن ثم تكريس الأفلاطونية الجديدة في إطار عقيدة التثليث المسيحي.

أما القرن الثاني عشر، فقد عَرفَ فيه الفكر تقدماً حثيثاً ومتنوعاً، صاخباً وملتبساً أيضاً: فمن جهة أولى حاجة ماسة إلى المذهبة والوحدة، تولدت عنها تلك الضروب من الموسوعات اللاهوتية التي عُرِفَت باسم الأحكام؛ ومن الجهة الثانية فضول عقلي كبير ترجم عن نفسه في بعض الأوساط بعودة إلى النزعة الأنسية القديمة "([19]).

هذه النزعة الانسانية المتوجة بنظرية في اللاهوت، نلقاها –كما يقول اميل برهييه- من جديد في كتاب السلطة السياسية الذي تتوج فيه الحكمة البشرية، الخلقية والسياسية، بنظرية في الحكومة الالهية، وهذا الكتاب مشرب، في قسمه الخلقي، بالرواقية، ولا جدال في أن هذا المذهب عرف، في ذلك العصر، انبعاثاً حقيقياً توافق مع النزعة الطبيعية، وفي موضع لاحق يثبت يوحنا السالسبوري، بحسب المذهب الرواقي الصحيح، أن "عناية الله لا تلغي طبيعة الاشياء، وأن سلسلة الاشياء(التي هي تعريف القدر بالذات) لا تحرف العناية الالهية"، ويقول يوحنا أيضاً: إن الدولة ينبغي ان تنظم على صورة الطبيعة؛ ويستشهد بهذا الخصوص، على سبيل النموذج الذي يحتذى، بوصف جمهورية النحل نقلاً عن الفلاحيات"([20]).

هذه النزعة الطبيعية، المشربة بالعقلانية الرواقية، تتواكب على وجه لافت للنظر بنظرية ثيوقراطية تُخْضِعْ السلطة الزمنية للسلطة الروحية، فإن "يكن الامير خادم الكهنة ودونهم مقاماً"، فذلك لأنه "من الثابت أن الأمير خاضع، بحكم الشريعة الالهية، لشريعة العدل"، فالكاهن هو اذن الترجمان الأول لتلك الشريعة الالهية التي "يتعين على الأمير أن يضعها دوماً نصب عينيه". وتترافق العقلانية والطبيعية وأولوية السلطة الروحية بصيغ من هذا القبيل: "ان الدولة جسم حي بفضل نعم الله، يوجهه العدل المطلق ويسوسه ضابط العقل"([21]).

وحوالي نهاية القرون الوسطى كان الملك هو المسيطر في أكثر الأحيان، حيث "ترسخت الدول المركزية، وصارت فيها السلطة القانونية كاملة بحلول القرن السابع عشر، ومتمركزة عند الملك الذي صار ملكاً مطلقاً، فبعد أن أصبحت المسيحية الدين المسيطر، حدثت تغيرات سياسية محددة كان لها وقع على الحياة السياسية في القرون الوسطى وفكرها، وتضافرت سلطتان، هما السلطة المدنية والسلطة الكنسية، وتطورت تلك السلطات، وتغيرت العلاقة بينهما بدءاً من القرن الرابع حتى نهاية القرون الوسطى "([22]).

" صحيح أن الكنيسة كانت في اغلب الأحيان تعظ رعاياها بالطاعة للحكام المدنيين، غير ان هذا اللجوء إلى طاعة الحكام المدنيين كان غامضاً، لأن الكنيسة تستطيع أن تسحبه إذا وجدت أن السلطات المدنية لا تطبق المعايير الأخلاقية والدينية، والنقطة الرئيسية هي أن الكنيسة، باعتبارها سلطة مستقلة نسبياً، لها من وقت إلى آخر السلطة السياسية اللازمة لمثل تلك العقوبات، أما نظرياً، فعلى الدولة والكنيسة أن يتعاونا. غير أنه لما كانتا سلطتين مستقلتين نسبياً، ولهما الرعايا نفسهم، فإن ما يحصل في اغلب الأحيان هو أن تنقسم ولاءات الناس، عندما يصعب تقديم ما يستحق البابا والإمبراطور معاً. وعملياً كان من المستحيل التمييز الحاد بين السلطتين المدنية والكنسية، أي: من لهم السلطة الروحية وحدها، لا بد لهم من أساس اقتصادي ليقوموا برسالتهم، فلا بد من أن يكون لهم مقدار معين من السلطة المدنية. ومن يمسكون بالسلطة المدنية، لابد من أن يكون لديهم سلطة روحية معينة، وبالتالي صارت المسيحية الدين السائد في مجتمع تحكمه سلطتان: الدولة والكنيسة، وكل عضو في المجتمع كان خاضعاً لهاتين السلطتين كليهما، فولاؤه مزدوج. غير أن العلاقة بين السلطتين كانت حبلى بالصراع"([23]).



النظام الاجتماعي الاقطاعي :
نظام الملكية:
كانت الزراعة هي المصدر الأساسي للثروة في العصور الوسطى، "فقد اتخذت الملكية أشكالاً ثلاثة رئيسية ترتب عليها قيام مجتمع مراتبي استمر بشكل أو بآخر طيلة عشرة قرون:

الشكل الأول هو الملكية المطلقة غير المشروطة بأي شرط من الشروط، وكان الملك والكنيسة هما وحدهما اللذان يتمتعان بهذا الحق بحسب النظرية الاقطاعية، والشكل الثاني هو الالتزام، أما الشكل الثالث فهو الايجار، وهو الذي يعطي بموجبه جزء من غلة الأرض، وليس ملكيتها، لرقيق الأرض أو مستأجرها، شريطة أن يقوم بأداء الإلتزامات الاقطاعية التي يترتب عليها ضمان حمايته من قبل السيد الاقطاعي.

ومن الجدير بالذكر أن منح الأرض للاقطاعي كان ينطوي على اطلاق يده في كافة المسائل الحقوقية والسياسية والامنية التي تتعلق باقطاعيته، دون ادنى تدخل من جانب رجال الملك، أما المبدأ الذي كان يقوم عليه ذلك الشكل الاقطاعي للتملك، فقد كان مبدأ الولاء المتبادل الذي يتمثل في ما على رقيق الارض أو التابع من التزامات اقتصادية وعسكرية تجاه سيده"([24]).

في هذا السياق، نعرض بإيجاز للواجبات التي كان يؤديها رقيق الأرض لسيده، لكي نتبين طبيعة النظام الاقطاعي([25]) وأساليبه في أوروبا، (والتي لم يعرفها الشرق على الإطلاق) لقد كان الرقيق يؤدي لسيده الواجبات التالية([26]):

1. دفع ثلاث ضرائب نقدية في العام.

2. تقديم جزء من محصوله وماشيته، يبلغ في العادة العشر، لسيده.

3. العمل عند المالك بعض أيام السنة مسخراً دون أجر.

4. يتعين على رقيق الأرض أن يطحن حبوبه، ويخبز خبزه، ويعصر عنبه في مصنع المالك، أو تنوره، أو معصرته.

5. تأدية أجر معين مقابل السماح للرقيق بصيد السمك، أو اقتناص الحيوان البري، أو رعي ماشيته.

6. رفع الدعاوي أمام محاكم المالك، ودفع مبلغ معين يتفق عليه نظير ذلك.

7. تلبية دعوة المالك بالانضمام إلى فيلقه إذا نشبت الحرب.

8. تأدية غرامة للمالك إذا ما أرسل الرقيق ابنا له إلى المدينة كي يتعلم، أو إذا وهبه للكنيسة، لأن الضيعة تخسر بذلك يدا عاملة.

9. تأدية ضريبة عن كل ما يحمله ذلك الرقيق من الغلات لبيعه في السوق.

10. الحصول على إذن من المالك إذا أراد الرقيق أن يتزوج هو او أحد أبنائه من خارج نطاق الضيعة، وطبعاً كان يحق للمالك الموافقة على تلك الزيجة أو رفضها.

11. في بعض المقاطعات كان يحق للسيد قضاء الليلة الأولى مع عروس الرقيق.

التركيب الاجتماعي:
كانت الملكية –في النظام الاقطاعي- تورث للأبناء، كما كان المركز الاجتماعي هو الآخر، ميراثاً أبدياً للأبناء، وأبناء الابناء، أما في الجيش، فان المراتبية الدقيقة هي التي كانت تحكم تكوينه، فقد كان ينقسم إلى طبقات على أساس الشرف والمنزلة المتحدرين إلى أصحابهما من الملكية التي كانت بحوزتهم، وليس أبداً بحسب الكفاءة أو التضحية.

فالأمير والمركيز والكونت ورئيس الاساقفة، هم قواد الجيش، والبارون والسيد والاسقف ورئيس الدير، هم رؤساء الفرق، وكان الاتباع هم خدم البارونات أو الفرسان، اما الجنود الذين هم عدة المعركة ووقودها، فقد كانوا من الارقاء، ويليهم في المرتبة حشد من العبيد والخدم يتبعون الجنود من غير نظام ولا قادة .

النظام السياسي والتشريعي:
كان من المسلم به بوجه عام، أن تقوم فوارق واختلافات كبيرة في التكاليف والمزايا بين الاشخاص تبعاً للمركز الاجتماعي الذي يتبوأه كل منهم، والذي يقوم بدوره على مركزه الاقتصادي، فلم يكن هناك تشريع يحدد آفاق المسؤولية السياسية وحدودها وضوابطها، وكل ما في الأمر أن المجتمع كان محكوماً بقواعد عرفية تتوارثها الاجيال جيلاً بعد جيل، أهم ما كان فيها هو أن كل تابع تكون في حوذته أرض اقطاعية، يتعين عليه التعهد لسيده الأعلى منه بان يطيعه في كل الامور، سواء في شخصه أو في ماله.

فالمراسيم التي كان يصدرها الملوك في القرن السادس على سبيل المثال، كانت تنص على أنها صدرت بعد التشاور مع "زعماء الامة"، أو مع "الاساقفة والاشراف"([27]).

على "أن الشيء المهم في الامور هو أن أساس النظام السياسي لم يكن المساواة أمام القانون، وإنما كان حق كل انسان في التمتع بالحقوق والمزايا التي يكفلها له ذلك القانون تبعاً لمركزه ودرجته، فالاعتقاد الذي كان راسخاً بتفاوت المراكز، جعل من الممكن تسويغ أي قدر من عدم المساواة، ولذلك كان للملك وضع فريد جعل سلطاته في كثير من الاحيان مطلقة، إلا في الحالات التي تتعارض مصالحه مع مصالح فئات أخرى داخل الطبقة الحاكمة الواحدة، وبخاصة مع الكنيسة.

ومهما يكن من أمر، فإن السمة الغالبة التي تركت بصماتها على النظام السياسي في العصور الوسطى، إنما هي ازدواج ولاء الإنسان، لسلطتين إحداهما روحية والاخرى زمنية، فشؤون الروح والخلاص الابدي هي من اختصاصات الكنيسة، أما مجريات الامور الدنيوية اليومية، والمحافظة على السلام والنظام، فهي من اختصاص الحكومة، وكان الشعور بازدواج الولاء، يشتد أو يضعف بحسب العلاقة بين الملوك والبابوات"([28]).

تراجع دور الكنيسة والبابا في القرنين الثالث عشر والرابع عشر:
بلغت "الكنيسة ذروة سلطتها الدينية في عهد البابوات: إنوسنت الثالث (Innocent III)، وغريغوري التاسع (Gregory IX)، وإنسونت الرابع (Innocent IV) (1198 – 1254)، فقد خرج البابوات مظفرين في الصراع مع الإمبراطور أوتو الرابع (Otto IV)، وفريدريك الثاني (Ferdreick II)، وأَمَّنوا سلطة واسعة شملت، في ما شملت، الإشراف على التعيينات والاتفاقيات، وإبداء الرأي في مسائل الحرب والسلم، وإشراف على رعاية الأرامل والأيتام، وإدارة لاضطهاد الهراطقة، والحق في مصادرة ممتلكاتهم، والحق في التدخل في الثورات ضد الكنيسة والنظام الاجتماعي. غير أن هذه الإنسانية الكلية ومعها السيطرة الكنسية العليا لم تدم إلى الأبد، وحوالي العام 1300، نجد أن رجال الدين الفرنسيين يتصرفون مثلهم مثل المواطنين الفرنسيين، وليس كموظفين لخدمة البابا، وصار الولاء للوطن أقوى من الإخلاص للبابا، وصارت الدولة القومية (وفي هذه الحالة، فرنسا) صارت كياناً سياسياً أقوى من الأخوة المسيحية الكلية، حتى في أوساط رجال الدين"([29]).

وقد أدى نمو الدولة القومية المنظمة إلى تعاون مليء بالتوترات بين الملك والطبقة الأرستقراطية، وظهر التوتر بصورة أيديولوجية في الصراع بين مذهب الحكم المطلق ومذهب الحكم الدستوري.

فخضعت مسألة العلاقة بين الحكام والرعايا لتمحيص كبير، أي: إذا كان لملك سلطة مطلقة، فعلى رعاياه أن يظهروا طاعة مطلقة، ألا يكون الثوار عندئذ محرومين من حق الثورة ضد حاكم ظالم مستبد.

كذلك، أثير سؤال عن مشروعية السلطة المطلقة والدستورية، أي: هل سلطة الملك المطلقة هبة من الله؟ وهل للمجالس القومية حق مشروع في السلطة بفضل طبيعتها التمثيلية؟ لكن الاحداث وتطورها في ذلك العصر أجابت على السؤال، ففي القرن الرابع عشر دار النزاع الأيديولوجي (في إطار الصراع على المصالح) حول مسألة العلاقة بين الملك ورعاياه، وبين البابا وبقية المسيحيين، وهل يجب أن تكون للملك (او للبابا) سلطة مطلقة، أو يجب أن تكون السلطة أيضاً في المجالس التمثيلية التقليدية، وتخضع للقوانين والتقاليد القديمة؟([30])، والإجابة هنا، سنجد ملامحها الأولى عند القديس الفيلسوف توما الاكويني في القرن الثالث عشر، ثم تطورت بالمعنى الفلسفي العقلاني، وبالمعني السياسي الاجتماعي النقيض لفلسفة القرون الوسطى عموماً، والفلسفة المدرسية السكولائية خصوصاً، عند الفيلسوف روجر بيكون الذي مهد الطريق لتراكمات النهضة فيما بعد.



روجر بيكون (1214 - 1292):
"روجر بيكون Roger Bacon، ويعرف أيضاً باللقب Doctor Mirabilis (لاتينية: "المعلم البديع")، وهو فيلسوف إنجليزي وراهب فرانسيس، كان شدد على أهمية الفلسفة التجريبية (أو الإمپريقية)، وكانت الروح الإنجليزية، روح النفعية والاعتماد على الاختبار، قد أخذت تتشكل، وبناءً عليه كان روجر بيكون أحد أوائل الاوروبيين المنادين بالطريقة العلمية الحديثة، المستلَهمة من أعمال العلماء المسلمين، فقد كان يعترف بما للعلوم والفلسفة الإسلامية من فضل عليه، وعلى العالم المسيحي كله، وربما هو مَدين به لليونان عن طريق العلماء المسلمين؛ وأشار إلى أن علماء اليونان والمسلمين كانوا هم أيضاً ممن تلقوا الوحي والهداية من الله"([31]).

رفضّ بيكون ميتافيزيقية المدرسيين وفلسفتهم الرجعية، وطرح فكراً نقدياً للفلسفة المدرسيه عبر إعلانه أن الوصول إلى الحقيقة يتطلب إزالة العوائق التي تعترض المعرفة " وأهم هذه العوائق عند بيكون: رواسب الجهل وقوة العادة والتبجيل المفرط لمفكري الماضي، وأن أفكارنا الصحيحة يجب أن تثبت بالتجربة"، فألقى بنفسه بحماسة بالغة في تيار العلوم الرياضية، والتاريخ الطبيعي، والفلسفة، وترك جامعة اكسفورد عام 1256، حيث قضى عشر سنوات في تأليف بعض كتبه الصغيرة أمثال: في "العدسات المحرقة" وفي "قوى الاختراع" و"الطبيعة العجيبة"، و"تقدير الحادثات الطبيعية". ووضع في هذا الوقت خطة "الكتاب الرئيسي"، وهو موسوعة من عمل رجل واحد أراد أن تكون في أربعة مجلدات: (1) النحو والمنطق. (2) الرياضة، والهيئة، والموسيقى. (3) العلوم الطبيعية - البصريات، والجغرافية، والتنجيم، والكيمياء القديمة، والزراعة، والطب، والعلوم التجريبية. (4) ما وراء الطبيعة والأخلاق([32]).

أما كتابه الضخم المعروف باسم "الكتاب الأكبر"، فهو أكبر مؤلفات روجر بيكون، وهو كتاب يضم ثمانمائة صفحة مقسمة إلى سبع رسائل: (1) في الجهل والخطأ. (2) وفي العلاقة بين الفلسفة وعلوم الدين. (3) وفي دراسة اللغات الأجنبية. (4) وفي فائدة العلوم الرياضية. (5) وفي فن المنظور والبصريات، (6) وفي العلوم التجريبية. (7) وفي الفلسفة الأخلاقية.

مَزَجَ روجر بيكون العلوم بالتنجيم والسحر، ومزج بين الكيمياء والسحر، ثم اهتم بالعلوم التجريبية، من خلال منهجه العلمي، حيث وضع خطة لإصلاح العلم والفلسفة، لأن هناك–كما قال- أربعة أخطاء كبيرة متوارثة فيها وهي:

1- الايمان الاعمى بمرجعيات دينية وفلسفية خاطئة.

2- العادة والأعراف التي تحفظ هذه الاخطاء.

3- الاحكام المسبقة عند الأغلبية خاصة عند اللاهوتيين.

4- الجهل السائد.

وهذه الاخطاء ساعدت وكرست حالة التجهيل المنتشره بين الناس وحالت دون تقدم وتطور العلوم والمجتمعات، وطالب بقيام العلوم واستنادها إلى التجربة، بما لا يتناقض مع اللاهوت.

استبق روجر بيكون سُمَيَّه فرنسيس بيكون في الدعوة إلى تحطيم الأوهام والأصنام بثلاثمائة عام فبدأ بذكر أربعة أسباب هي التي توقع الإنسان في الخطأ وهي: "الاقتداء بالمراجع الراهنة غير الجديرة بأن يُقْتَدى بها، والعادة التي استقرت من زمن بعيد، وإحساس الجماهير الجاهلة، وتغشية الجهل بستار من التظاهر بالحكمة".

أما التجربة عند روجر بيكون، يجب أن تكون وسيلة العلم وطريقة اختبار نتائجه، بناءً على ذلك، أحدث بيكون ثورة علمية أداتها الرياضيات والتجارب"([33]).

لكن على الرغم من ايمانه بالعلم والتجربة، إلا أن روجر بيكون كان يُصدِر حكمه الأخير لصالح الدين وليس في صالح الفلسفة، فبالأخلاق وحدها التي يؤيدها الدين –كما يقول روجر بيكون- يستطيع الإنسان أن يُنَجِّي نفسه، ولكن أي دين يقصد؟ إنه يحدثنا عن ندوة الأديان - البوذية، والإسلام، والمسيحية - ويفاضل بين الأديان الثلاثة، ويصدر حكمه في صالح الدين المسيحي، ولكنه لا يصدر هذا الحكم بوصفه ديناً يتعبد به الناس في العالم وكفى، فهو يشعر بأن البابوية، مهما وُجِّه إليها من نقد لاذع، هي الرابطة الروحية لأوربا، وبدونها تمزقها فوضى العقائد والحروب، وكان يأمل أن يدعم الكنيسة بالعلوم، واللغات، والفلسفة ليمكنها من أن تحكم العالم حكماً روحياً خيراً من حكمها الحاضر.

لكن لابد من القول على أن كل من روجر بيكون وفرنسيس بيكون رفضا منطق أرسطو، والطريقة المدرسية، وارتابا في الاعتماد على المراجع القديمة، وعلى العادات وغيرها من أصنام التفكير التقليدي، وامتدحا العلوم، وذكرا ما يتوقع اختراعه بالاعتماد عليها، ورسما منهاجاً لها، وأكدا فائدتها العملية؛ وطالبا بالمعونة المالية للبحوث العلمية"([34]).

قالوا عنه([35]):

· " من بين الأمور التي تجعله أهلاً للثقة دخوله السجن أولاً، ثم الشجاعة الشهمة التي أعلن بها أن كتب أرسطو جميعها لا تصلح إلا للحرق؛ وذلك في زمن كان فيه إجلال السكولائيين لأرسطو يفوق بكثير احترام الجانسينيين للقديس أوغوسطينوس" (فولتير).

· "رجل عظيم كان يمكن أن يعطي الثقافة العلمية برمتها وجهاً جديداً واتجاهاً جديداً فيما لو أمكن لعصره أن يفهم عمق تفكيره" (فلهلم تينمان).

· "كان رائداً عبقرياً للعلم التجريبي، وقد تخلص من سلطة أرسطو، ودعا جازماً إلى إخضاع الاستدلال للوقائع، وسلط ضوءاً باهراً على دور الرياضيات في العلم". (بيير روسو).



توما الأكويني (1225 - 1274):
توما الاكويني فيلسوف إيطالي، بدأ حياته طالباً في مدرسة للرهبان في مونتي كازينو، ثم التحق في جامعة نابولي، وبعد ذلك التحق بجامعة باريس، حيث تخرج أستاذاً في 1257؛ ومن 1259 إلى 1268 أقام في ايطاليا بعد أن أصبح راهباً.

كانت حياة الأكويني حافلة بالعمل والترحال إلى مراكز العلم، فنتج عن ذلك مجموعة ضخمة من الكتابات، وتوفي وهو بعد لم يكن قد بلغ بعد الخمسين من عمره (1274). وطوب قديساً في عام 1323 بعد 49 عاماً من وفاته، وفي عام 1879 تبنت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية فلسفته([36]).

بسبب تأثيره الديني ودوره اللاهوتي المتميز، حمل الأكويني ألقاباً عديدة منها العالِم الملائكي والعالِم المحيط، والقديس أو العالم الأعظم، ترك تأثيره الواضح على الفلسفة الغربية وعلم اللاهوت، تأثر بفلسفة أرسطو–كما يقول يوسف حسين- وحاول دمجها مع علم اللاهوت، كما تاثر بفلسفة أوغسطين والفارابي وابن سينا وابن رشد، ويظهر تأثره بهؤلاء في عدد من كتاباته وكتبه واشهرها "الخلاصة اللاهوتية" ، وكتاب "رسائل في قوانين الطبيعة" و"الخلق والخالق" و"خلاصة الرد على الوثنيين" و "شروحات في اعمال أرسطو" .. إلخ.

فلسفته: المعرفة عند الاكويني تنقسم إلى قسمين : معرفة مرتبطة بالايمان، ومعرفة عن طريق العقل والفلسفة، ولا يوجد تعارض بينهما كما يقول ، أما الحقيقة فهي عنده ثلاثة اقسام:

1- حقائق نكتسبها من الطبيعة بواسطة العقل و التجربة.

2- حقائق نكتسبها من الايمان أو الكتاب المقدس وهي فوق قدرة العقل الانساني.

3- حقائق يمكن تعلمها من الطبيعة والكتاب المقدس معاً، وهي ما عُرفت باللاهوت الطبيعي، بهدف خلق الانسجام بين العقل والطبيعة من ناحية وبين الدين من ناحية ثانية.

موقفه من المجتمع والانسان، فيقوم على التلازم بين القانون الالهي وبين الانسان من خلال الضمير الانساني في إطار الدولة الدينية.

أما الحقائق–كما يقول الاكويني-"فإننا نستمدها من الكتاب المقدس، مثل الروح والخلق والله.. الخ" وهذا هو ما عرف عنده باللاهوت الطبيعي، بمعنى أن ما يُوجِدْهُ الله لا يخالف ما ورد في الكتاب المقدس. وبالتالي نستدل على الله من الكتاب المقدس من ناحية ومن الطبيعة من ناحية ثانية، ذلك هو منهجه اللاهوتي الذي يؤكد على الانسجام بين العقل والايمان، وهو منهج وسط بين الدين والفلسفة، وكان هدف الاكويني جعل الفلسفة خادماً للدين.

لكن الأكويني لم يُغفِل العقل، إلى جانب إدراكه –كما يضيف يوسف حسين- "بأن "الدولة هي القانون الطبيعي الذي لا ينفصل عن القانون الإلهي، فالقانون الإلهي يُعرَف بواسطة الايمان، أما الوسيلة التي تضمن تطبيق القانون الطبيعي حسب الاكويني فهي الضمير الانساني، وكل ذلك مشروط بوجود الدولة في إطار النظام المَلَكي الذي يضمن وحدة الشعب.

أما الوجود: فالمبدأ الأول فيه هو الله الذي هو المبدأ الأول للوجود، ثم الملائكة، ثم الجواهر الحسية التي هي العَالْم الانساني والحيواني (الطبيعة) أو العالم الحسي، وكل ذلك عبر أدلة أو فرضيات ميتافيزيقية، تستند كلها إلى المحرك الأول الذي لا يتحرك"([37]).

وبوصفه أرسطياً، "رأى أيضاً أن المجتمع ذو وجود طبيعي، وأن لا حاجة لقيادة كنسية في شؤون الدولة، وفي الوقت ذاته، لا وجود لتمييز مطلق بين المجتمع (العقل) والمسيحية (الإيمان) – فالمهمات الروحية والمهمات الدنيوية تندمجان إلى حد ما "([38]).

لذا –كما يقول الأكويني- " إذا لم نكن عارفين بإرادة الله لا نعرف ما هو الخير، وإذا كانت تلك رغبة الله، لكان قرر معايير مختلفة للخير، لذا، فإن المسيحيين الذين يعرفون إرادة الله، هم في وضع فريد نسبة إلى رؤية الخير، ولا تعود معرفة الخير مسألة تفكير عقلي، بل مسألة إيمان صحيح، أي هي نتيجة الإيمان والنعمة، والله عند الأكويني هو قبل كل شيء عاقل، ويريد ما هو عقلاني وما هو خير. ولا يستطيع الله أن يرغب الشر. هو يرغب الخير لأنه خير، والخير ليس خيراً لأن الله أراده"([39]).

"دمج الأكويني نظرية المعرفة في فلسفته العامة، حيث يقول "إننا نكتسب المعرفة بواسطة الخبرة الحسية وبواسطة التفكير بما خبرناه". وهذا يتعارض مع النظرة الأفلاطونية التي تؤكد وجود مسار مستقل لرؤية المثل، كما أنها تتعارض مع نظرة كانط التي تؤكد أن الإنسان العارف يعطي بصورة أساسية شكلاً للانطباعات الحسية الواردة من العالم الخارجي، وبكلمات أخرى، نقول: إن الإكويني اعتقد أن المعرفة تبدأ بالخبرة الحسية، فلا وجود لشيء في العقل قبل وجوده في الحواس أولاً، فالمعرفة الإنسانية عنده تقوم كلها على الخبرة الحِسِّية بالاشياء الجزئية"([40]).

غير أن "للأشياء الجزئية مظهرين يمكن أن نميزها بالفكر، وهما الصورة والمادة. المادة شرط الحركة والتغير.

في الوقت ذاته، وعندما ندرك شيئاً، فإن ما ندركه هو الصورة. والصورة هي التي تجعل الشيء قابلاً للمعرفة. الصورة هي بنية الشيء ومظهره، والصورة هي التي تجعل توصيف الشيء بما هو ممكناً – دائرياً، أو بيضوياً، اخضر أو أصفر .. إلخ"([41]).

أما بالنسبة للحياة الاجتماعية، فقد رأى الإكويني أن "الحياة الاجتماعية والدنيوية هما مثل الجسد ووظائفه طبيعيان وواقعيان بشكل أساسي، وهذا يعني، من الوجهة اللاهوتية، أن هذه الأشياء ينظر إليها أيضاً على أنها من خلق الله.

وتماماً، مثلما رأى الأكويني أن الإنسان يستطيع بشكل طبيعي أن يعرف مظاهر مهمة من الخلق، بمعزل عن البلاغ والإيمان المسيحيين، رأى أن الإنسان يستطيع أيضاً بمعزل عن المسيحية أن يعيش حياة جيدة، ويمكنه بمقدار كبير أن يحصل على معرفة بمعايير الحياة الأخلاقية.

ولأن الله خلقنا فإننا –كما يقول الاكويني- "نملك القدرة على المعرفة بمعزل عن كلمات المسيح وبلاغه، نحن نملك نورنا الطبيعي، فضلاً عن ذلك، يمكننا أن نعيش حياة عقلية واجتماعية بمعزل عن كلمات المسيح، وباستقلال من النظام المسيحي. وهكذا، نجد أن الأكويني لا يشارك أوغسطين في نظرته الإرادية والتشاؤمية إلى الإنسان.

يتبع الأكويني في نظرته إلى ماهية الطبيعة البشرية النظرة الأرسطية، أي: الإنسان كائن عقلي وروحي معاً.

والأعمال الصالحة هي التي تحقق تلك القدرات العقلية والروحية. ومثله مثل أرسطو، لا يرفض الأكويني فكرة أن الإنسان هو مخلوق دنيوي، أو أن للبشر المختلفين قدرات مختلفة. وبصرف النظر عما نختار استناداً إلى قدراتنا وموقعنا، ينصح الأكويني، مثل أرسطو، أن يكون سلوكنا سلوك اعتدال، فالسلوك المتطرف ليس طبيعياً وغير قائم على الخير"([42]).

لكن الإكويني "وضع نصب عينيه مهمة دحض الرشدية من مواقع الكاثوليكية المتطرفة، وذلك عن طريق البرهان على أن الايمان والعقل لا يختلفان أبداً، بل يشكلان وحدة منسجمة، لكن العقل، في بحثه عن الحقيقة، يمكن أن يقع في تناقض مع المعتقدات الدينية. هنا، بخلاف نظرية" الحقيقة الرشدية، يرى الاكويني أن مثل هذا التناقض يعني، دونما شك، أن أحدهما خاطئ حتما، وبما أن الوحي الالهي لا يتضمن أي شيء خاطئ، فإن التناقض الحاصل يعني أن المخطئ هو العقل لا الايمان، الفلسفة لا اللاهوت"([43]).



الخير والشر عند الإكويني:
إذا كان الله هو سبب كل شيء، فهل هو أيضاً سبب الشر؟ سوف نذكر باختصار ونحن نختتم بعضاً من حجج الاكويني الخاصة بمسألة الشر، ذلك إن بعض ما ندعوه شراً هو بالضرورة نتيجة للحقيقة التي تفيد أننا نعيش في عالم متناه، لذا، لابد من أن تكون الأشياء محدودة في المكان والزمان، والأشياء لا تبقى إلى الأبد، لكنها فانية –وهذا يشمل الإنسان.

لذا، فإن هذه الحدود وما تستتبع من شر هي محتومة، حتى في أكمل العوالم. لذلك، لا يمكن عزوها إلى إرادة الله، فالكثير "مما نعتقد أنه شر يبدو لنا من وضعنا المحدود ليس إلا. وإذا نظر إلى هذا الشر الواضح من منظور أوسع، فإنه يتلاشى. ومع ذلك، فبعض الشر حقيقي وسببه الله. ويكون هذا الشر عندما يعاقبنا الله على خطايانا، وعلى كل حال، ليس الله هو السبب الرئيسي للشر، بل العكس سببه الخطيئة الإنسانية. فخطيئة الإنسان، وهي الشر الحقيقي، لم يسببها الله، بل هي من أعمال الإنسان الحرة، صحيح أن الله أعطى الإنسان حرية الإرادة، أن يعيش حياة مستقيمة أو يقترف خطيئة. غير أن إساءة استعمال حرية الإرادة، أي فعل الشر، لم يسببه الله"([44]).

وفي هذا الجانب يقول د.حامد خليل في اشارته إلى الوظيفة التبريريه لفكرة "الوسط": "لقد طُرِحَ "الايمان" في المرحلة الأولى بوصفه الأساس الوحيد للظفر بالخلاص والتكفير عن الخطيئة، وفي تلك المرحلة برز دور فكر آباء الكنيسة، وبخاصة القديس أوغسطين، وفي المرحلة التي شهدت استقرار النظام الاقطاعي، وضمان استمراريته على أسس عقلية منبثقة من الأساس الإيماني، كان للقديس توما الأكويني دوراً أساسياً وهاماً في تكريس تلك الأسس، حيث أن الأكويني سَلَّم بقدرة العقل على معرفة الحقائق بقواه الخاصة، لكنه لم يدفع بهذه المقدمة إلى نتائجها المنطقية، فإذا ما تعارض العقل مع الايمان، تكون الكلمة الفصل لهذا الاخير.

فقد بين "الاكويني" ان الخير العام للمجتمع يقضي على الادنى بأن يخدم الاعلى ويطيعه، في حين أن على الأعلى أن يسود الأدنى، وقد عَبَّرَ عن هذه الصورة بطريقة تنطوي، في واقع الامر، على تقسيم طبقي حاد يُكَرَّس كله لصالح المتربعين على قمة الهرم الاجتماعي من إكليروس وبارونات، فطالما أن المجتمع عبارة عن تبادل خدمات ومنافع بغية الوصول إلى حياة طيبة، لذلك قضت حكمة الله أن تسهم في بنائه مهن وحرف كثيرة، فالزراع والصناع يمدون هذا المجتمع بالاحتياجات المادية، والقساوسة يسهمون بالصلاة وإقامة الشعائر الدينية، اما الهيئة الحاكمة فإنها تسهم بتسيير شؤونه كما تسير الروح الجسد، أو كما تتحكم طبيعة راقية في اخرى أدنى منها"([45]).

والجدير بالذكر –كما يضيف د. حامد خليل- أن "هذا المبدأ الذي قامت عليه نظرية المجتمع في العصر الوسيط جاءت إلى المسيحية من أفلاطون، فالطبقات الثلاث التي قال بها هذا الاخير (الحكام والمحاربون والعمال) تتطابق مع تقسيم مجتمع العصر الوسيط إلى (الاكليروس والاسياد والعوام)، صحيح أن الاكويني سَلَّم - نتيجة لمحاولته الرامية إلى التوفيق بين العقل والايمان – بالأصل الأرضي للسلطة إلى جانب الاصل الالهي، ولذلك أجاز مقاومة الملك المستبد من قبل الشعب، غير أن هذا لا يغير من جوهر النظرية في شيء، فحق المقاومة المذكورة تقتصر ممارسته فقط على الذين في يدهم سلطان أصلاً (أعني امراء الاقطاع المحيطين بالملك، أو الذين هم حكام على مقاطعاتهم)"([46]).

وإذن فإن الإنسان – الجمهور- يظل هو الخاسر، سواء أخذ بالتفسير الأوغسطيني الأصل الالهي الوحيد للسلطة، أم بالتفسير الاكويني القائل بالاصلين، ولا شك أن هذا التعديل من جانب الاكويني إنما كان يعكس الصراع على السلطة الذي أخذ يحتد داخل الطبقة الحاكمة وحدها"([47]).




([1]) إن أكثر ما تتحدث عنه المسيحية الشرقية هو المسيح، أما علم أوغسطين فيتحدث عن "الشخص الأول". يتحدث ويكتب عن الله الأب وإلى الله الأب، وهو لا يخلع على الله أوصافاً، لأن الله وحده هو الذي يعرف الله حق المعرفة ، والراجح أن الله الحق ليس بذكر ولا بأنثى، وليس له عمر ولا جسم، ولكن في وسعنا أن نعرف الله، معرفة أكيدة بمعنى ما، عن طريق خلقه، لأن كل شيء في العالم أعجوبة من أعظم العجائب في نظامها وفي وظيفتها، ولا يمكن أن توجد إلا إذا أوجدها عقل خلاق؛ وإن ما في الكائنات الحية من نظام، وتناسب، واتزان ، ليدل على وجود نوع من القدرة الإلهية الأفلاطونية يتوحد فيها الجمال والحكمة. ولا شيء يضطرنا إلى الاعتقاد بأن العالم خلق في ستة "أيام"؛ وأكبر الظن أن الله قد خلق في اول الأمر كتلة سديمية ، ولكن النظام البذري، أو المقدرة الانتاجية كانت كامنة في هذا النظام، ومن هذه المقدرة الانتاجية نشأت الأشياء كلها بعلل طبيعية. وكان أوغسطين يرى – كما يرى أفلاطون – أن ما في العالم من أشياء حقيقة وحوادث قد وجدت كلها أولا في عقل الله قبل أن توجد على سطح الأرض "كما يوجد تخطيط البناء في عقل المهندس قبل أن يقيمه"،ويحدث الخلق في الوقت المناسب حسب هذه الصور الأزلية الموجودة في العقل الإلهي. (ول ديورانت – ترجمة: محمد بدران – قصة الحضارة "قيصر والمسيح" – المجلد السادس (11/12) – ص 143+144)

([2]) ول ديورانت – ترجمة: محمد بدران – قصة الحضارة "قيصر والمسيح" – المجلد السادس – ص418

([3]) المرجع نفسه - ص 418

([4]) جون لويس – ترجمة: انور عبد الملك - مدخل إلى الفلسفة – دار الحقيقة – بيروت - الطبعة الثانية – 1973– ص 83

([5]) المرجع نفسه - ص 83

([6])اميل برهييه– تاريخ الفلسفة– الجزء الثالث: العصر الوسيط والنهضة– ترجمة: جورج طرابيشي– دار الطليعة– بيروت- الطبعة الأولى،1983 – الطبعة الثانية 1988– ص 21

([7]) المرجع نفسه – ص 22

([8]) جماعة من الأساتذة السوفيات – موجز تاريخ الفلسفة - تعريب: توفيق ابراهيم سلوم - دار الفارابي – طبعة ثالثة (1979 م)- ص124

([9]) د. حامد خليل – مشكلات فلسفية – الطبعة الثالثة – دار الكتاب – دمشق – 1989/1990 م - ص 55

([10]) المرجع نفسه – ص 56

([11]) جون لويس - مرجع سبق ذكره - مدخل إلى الفلسفة – ص 83

([12]) د. حامد خليل - مرجع سبق ذكره – مشكلات فلسفية - ص 57

([13]) الصوفية "mystycism"وتطلق هذة الصفة على المؤمنين بقدرة الانسان على الدخول فى تماس مباشر مع الله وتذويب ذاته بالذات الإلهية.

([14]) كانت السكولائية Scholasticism ("المدرسة" ، من الكلمة اللاتينية SChola – مدرسة) التيار الرئيسي في فلسفة المجتمع الاقطاعي، دُرِّست هذه الفلسفة في المدارس أولا، ثم – منذ أوائل القرن الثاني عشر – في الجامعات ، وفي العصور اللاحقة أصبحت كلمة سكولائية (مدرسية) مرادفة للعلم المعزول عن الحياة، العقيم عمليا، البعيد عن التأمل والتجربة، والقائم على الانقياد الاعمى لمفكري الماضي، وقد مرت السكولائية بمراحل ثلاث:

(1) مرحلة السكولائية الباكرة (منذ القرن التاسع وحتى القرن الثاني عشر).

(2) مرحلة النضج (القرن الثالث عشر).

(3) مرحلة الانحطاط (القرن الرابع عشر – القرن الخامس عشر).

كانت مسألة العلاقة بين المعرفة والايمان المحور الاساسي للفلسفة السكولائية، والسكولائية تعطي الافضلية للايمان على العقل. كان ألبرت الاكبر، وتوما الأكويني من أشهر مفكري السكولائية في القرن الثالث عشر. (مرجع سبق ذكره - موجز تاريخ الفلسفة – جماعة من الأساتذة السوفيات– ص164+165)

([15]) ول ديورانت- قصة الفلسفة - بيروت-مكتبة المعارف-الطبعة الخامسة-1985- ص133

([16]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي .. من اليونان القديمة إلى القرن العشرين – ترجمة: د.حيدر حاج إسماعيل – مركز دراسات الوحدة العربية – الطبعة الأولى ، بيروت، نيسان (ابريل) 2012- ص 244

([17]) المرجع نفسه - ص 245

([18])مرجع سبق ذكره - غنارسكيربك و نلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي - ص 247

([19]) اميل برهييه – تاريخ الفلسفة – الجزء الثالث: العصر الوسيط والنهضة – ترجمة: جورج طرابيشي – دار الطليعة – بيروت - الطبعة الأولى، مايو 1983 – الطبعة الثانية يناير 1988–ص 61

([20]) المرجع نفسه - ص 104

([21]) المرجع نفسه - ص 105

([22]) مرجع سبق ذكره - غنارسكيربك و نلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي - ص 248

([23]) المرجع نفسه - ص 250+251

([24]) د. حامد خليل – مشكلات فلسفية – الطبعة الثالثة – دار الكتاب – دمشق – 1989/1990 م - ص 61

([25]) أشير هنا إلى أن هذا النظام الاقطاعي لم تعرفه مجتمعاتنا العربية طوال تاريخها.

([26]) مرجع سبق ذكره - د. حامد خليل – مشكلات فلسفية – ص 62+63

([27]) المرجع نفسه – ص 64

([28]) المرجع نفسه - ص 66

([29]) مرجع سبق ذكره - غنارسكيربك و نلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي - ص 302

([30]) المرجع نفسه - ص 302

([31]) روجر بيكون – موقع: المعرفة – الانترنت .

([32]) المرجع نفسه .

([33]) المرجع نفسه .

([34]) المرجع نفسه .

([35]) جورج طرابيشي – معجم الفلاسفة – دار الطليعة – بيروت – ط1 – أيار (مايو) 1987– ص 224

([36])غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي - ص 274

([37]) يوسف حسين – محاضرة على اليوتيوب – الانترنت.

([38]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي- ص 281

([39]) المرجع نفسه - ص 279

([40]) المرجع نفسه - ص 287

([41]) المرجع نفسه - ص 289

([42]) المرجع نفسه - ص 291+292

([43])جماعة من الأساتذة السوفيات– مرجع سبق ذكره – موجز تاريخ الفلسفة – ص 172

([44]) غنارسكيربك و نلز غيلجي– مرجع سبق ذكره – تاريخ الفكر الغربي - ص 300

([45]) د. حامد خليل – مشكلات فلسفية – الطبعة الثالثة – دار الكتاب – دمشق – 1989/1990 م - ص 67

([46]) المرجع نفسه - ص 72+73

([47]) المرجع نفسه – ص 75






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شروحات ختامية حول تأثير الفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى
- ابن خلدون ( 1332 م. _ 1406 م. )
- ابن تيمية (1263 م– 1328م)
- ابن عربي ( 1165 - 1240)
- شهاب الدين بن يحيى السهْرَوَرْدي (1155 – 1191 م)
- ابن رشد ( 1126 م. _ 1198 م. )
- ابن طفيل (1110 م- 1185 م)
- ابن باجه  (1080 م- 1138 م)
- أبو حامد محمد  الغزالي (1059 – 1111 م)
- ابن حزم (994م – 1064م)
- ابن سينا([1]) ( 980 م - 1037 م)
- أبو الحسن علي الأشعري (873 – 935 م)
- أبو النصر محمد بن طرخان الفارابي ( 870 م. - 950 م. )
- أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (865 م– 934 م)
- أبو الحسن احمد بن يحيى ابن الراوندي (827 – 911 م )
- يعقوب بن اسحق الكندي ( 800 م. _ 879 م. )
- الخوارزمي محمد بن موسى (781 م - 846 م)
- جابر بن حيان (721 م –815 م)
- الموقف من العقل لدى -إخوان الصفا- (3/3)
- -إخوان الصفا- والموقف من الشريعة وخَلقْ الإنسان والخلافة (2/ ...


المزيد.....




- السعودية.. مبادرة لتجميل جدة تتلقى ردود فعل سلبية وأمير منطق ...
- شاهد.. الأضرار في عسقلان وغزة بعد تبادل إطلاق الصواريخ
- شاهد.. الأضرار في عسقلان وغزة بعد تبادل إطلاق الصواريخ
- نائب وزير الدفاع السعودي يصل بغداد على رأس وفد رفيع
- غزة.. -كتائب القسام- تعلن سقوط قتلى في صفوفها و-سرايا القدس- ...
- -القناة 12-: صواريخ استهدفت مدينة أسدود خلال وجود غانتس الذي ...
- ميزات إضافية لاجتذاب المستخدمين تظهر في -يوتيوب-
- أنقرة: إسرائيل تتحمل جل المسؤولية عن تصاعد الأحداث في الأراض ...
- سفينة خفر أمريكية تدخل ميناء أوديسا الأوكراني
- بدء مهلة تقديم الترشيحات للانتخابات الرئاسية في إيران


المزيد.....

- الماركسية كعلم 4 / طلال الربيعي
- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - غازي الصوراني - فلسفة عصر الاقطاع في أوروبا منذ القرن السادس حتى الرابع عشر