أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - زمن موناليزا الحزينة: بقية الفصل السابع عشر















المزيد.....

زمن موناليزا الحزينة: بقية الفصل السابع عشر


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6722 - 2020 / 11 / 3 - 17:33
المحور: الادب والفن
    


4
أطلت ديبا من الشرفة، لتبصر جارتها والنار تشتعل بشعرها وتنتقل إلى ملابسها. فاتجهت إلى الدرج، لتنزل بسرعة نحو المرأة المسكينة. حاولت إطفاءَ النار، بأن رمت على المرأة بطانيةً سميكة، كانت منشورة على حبل الغسيل. لم تُصب الجارة بحروق خطيرة، مثلما تبيّن في المستشفى؛ لكنها فقدت شَعرها تقريباً. لما حضرَ شرطيٌّ لتسجيل الحادثة، فإن المرأةُ المصابةُ اتهمت المستأجرةَ في منزلها بتعمد إعطائها البنزين وهيَ تعلمُ مسبقاً أنها بطريقها إلى المطبخ لإعداد الطعام على موقد النار. آنذاك، كان والدُ ديبا في الجزيرة، قد استهل باستثمار المزرعة هناك. حدّو، عهد لمحامٍ من الحي بالدفاع عنها في المحكمة. بعد ساعاتٍ طويلة ممضّة من الأسئلة والأجوبة والمرافعات، حكم القاضي ببراءة ديبا. قبل ذلك، كان حدّو قد نقل العفشَ من منزل الإيجار إلى دار أخيه. أشهر قليلة على الأثر، وقررت فرنسا إلغاءَ انتدابها على سورية. بالنتيجة، حصل حدّو على تعويض مُجزٍ من خدمته في جيش الانتداب. فوضع جانباً من المال في إكمال تعمير ذلك المنزل في زقاق الحج حسين، الذي سبقَ أن مُنحَ أرضه من لدُن حميه.
عندما رمى صالح ابنته ديبا إلى ابن عمه حدّو، الذي يكبرها بقرابة العشرين عاماً، فعل ذلك غالباً كيداً بوالدتها. الآن، والأب يشعر بدنو أجله، أحسَّ أكثر من أي وقتٍ مضى بفداحة فعله بالابنة العاثرة الفأل. قلة زياراتها له وهوَ على فراش المرض، كانت ولا شك من واردات العلاقة السيئة بينهما. لكن من الصعب القول، أنّ غراميات حدّو أزعجت كثيراً والدَ امرأته؛ بالأخص، ونحن نعرف أن هذا الأخير كان في زمنه زيرَ نساء. كما أن صالح، من ناحية أخرى، تجاهل خبثَ صهره، طالما أنه موجّه ضدّ الآخرين: لما سُدِدَ إلى بيان، فحرمها من منزل أبيها وكان رجلها يود شراءه كما مر معنا، فإن تقدير صالح للرجل الماكر أنحدرَ إلى الحضيض. في حقيقة الحال، أن صالح كان يود قضاء ما بقيَ من عُمره في دار والديه ذاك، الشاهد على معظم فصول حياته. فضيحة أخرى، فاحت من ناحية حدّو، وما أسرعَ أن نمّت لعلم حميه وكان هذا على فراش المرض الأخير.

***
منزل صبيح، مثلما علمنا، كان مجاوراً لذلك المنزل، الذي عمّره حدّو. كان الجاران على علاقة سيئة، لا يكاد الواحد منهما يزور الآخر حتى في الأعياد. لكن ديبا، بطبعها المعلوم، كانت تستقبلُ امرأةَ صبيح وابنته البكر. هذه الابنة، واسمها " أصيلة "، نُظِرَ إليها بين نساء العشيرة كفتاة خفيفة العقل؛ بزعم أنها نسخة عن عمّتها وجدّتها لوالدها. لم تحظ قط بفرصة للذهاب إلى المدرسة أو إلى مشغل الخياطة، وقنعت بتأدية واجبات المنزل. هيئتها المُنفّرة، وملامحها غير المتناسقة، أبعدت طالبي القُرب. هذا، برغم ما اتسمت به من بساطة وطيبة وتفانٍ بخدمة الآخرين. كانت أيضاً تتقبّلُ الغمزَ واللمز بصبر وعدم مبالاة، كما لو كانت تقرّ بأنها تستحقُ الإهانات. حدّو، لم يختلف مسلكه مع الفتاة المسكينة، وذلك عندما يلقاها في منزله. إلى أن غيّرَ، على حين فجأة، نظرته لها.
ديبا، وقعت وقتئذٍ فريسةً لمرضٍ غامض بعد إنجابها لخامس أطفالها. إذاك، كان زوجها الزيرُ قد قارب عُمره الخمسين؛ فلم يعُد مقبولاً، كعشيقٍ، من لدُن النساء، المُهْمَلات والمهجورات. إذا به يتجه يوماً إلى جاره صبيح، في زيارة نادرة. عقبَ تقديمه تمهيداً عن حالته العائلية المعلومة، ووضعه الميسور مادياً، طلبَ يدَ أصيلة. استمهله الأبُ في الجواب، لكي يُفاتح الابنة المعنية. مع أن صبيح معرّفٌ بدَوره بالسذاجة، لم يشأ جرحَ كرامة قريبته ديبا. قابل على الأثر السيّدة ريما على انفراد، ليبلغها بطلب أخيها، المُفاجئ والمُستغرب. وإنها هيَ من هُرعت إلى حدّو، لتجعله على الملأ أضحوكةً للحاضرين؛ وذلك بفضحها نيّته انزال أصيلة، شبه البلهاء، ضرّةً على امرأته، الموصوفة بكمال العقل والخلق والمسلك.

5
دأبَ ديبو على زيارة والده المريض، وكان متعلّقاً به بشدّة كما علمنا. وإنه هوَ من أقنعَ الأب بإخلاء دكان الفواكه والخضار، الذي أضحى عبئاً وليسَ مصدر رزق. بذلك أتيحَ لأخيه الأصغر، أوسمانو، إمكانية العمل في مكان آخر كسائق؛ وهيَ المهنة التقليدية لرجال العائلة منذ زمن الجدّ. من ناحيته، واظب ديبو على قيادة السيارة، العائدة لمخدومي والدته من آل جميل باشا، وكان هؤلاء قد استقروا في الشام نهائياً، تاركين أراضيهم الزراعية الواسعة في الجزيرة بعُهدة الوكلاء. كلا الأخوين كان يشبه الأب في الشكل، لكنه مختلفٌ عنه في الطبع والمسلك. لم يُعرف عنهما المغامرات النسائية، وفي المقابل، بقيا عازبين حتى دخولهما العقد الثالث من عمريهما. شأن الأب وبقية الأخوة، كانا مرتبطين عاطفياً بالمنزل الأول، الكائن في زقاق الآله رشي، الشاهد على نشأتهما وألعاب طفولتهما وشقاوة صباهما. ثمة، توثقت صداقتهما بإبن جارهم، " محمد شريف "، وكان هذا رجلاً وجيهاً ومقترناً بامرأة شركسية.
" بَعْنو "، بالباء الأعجمية، كان لقبَ ذلك الابن؛ ويعني، الشخص المربوع القامة. على عكس أشقائه، أظهرَ نفوراً من المدرسة في مرحلةٍ مبكرة من التعليم، ما أجبرَ الأبُ على البحث عن بديل آخر. بيد أن الابنَ تنقل من صنعةٍ إلى أخرى، دونَ أملٍ باتقان أيّ منها. بيان وأخواها، كانوا ينظرون من خلال باب الجيران الموارب إلى ابنهم الشقيّ، وكان الأبُ قد ربطه إلى جذع شجرة الصنوبر، كعقوبة تأديبية. كان يصفه في نبرة إزدراء، بأنه " بالوعة العائلة ". في الأثناء، اكتشفَ بعنو أن صوته الأجش ذا نبرة عاطفية تحوزُ إعجابَ من يسمعه. وقد شجعه صديقاه الحميمان، ديبو وأوسمانو، لما فاتحهما برغبته في الغناء بالمناسبات السعيدة في الحارة. كذلك أظهر مقدرة كبيرة في تقليد نبرة وحركات أبطال الأفلام، التي كان يحضرها معهما في صالات السينما. هنا أيضاً، وقفَ له الأبُ بالمرصاد؛ باعتبار أن الفن من الأمور الملحقة العار بالأسرة. جرّبَ بالقوة أن يمنع الابن من الغناء، ما اضطر هذا الأخير مراراً للهرب من البيت والنوم في دار صديقيه. مَن شُبّه بكونه مسقط قذارة عائلته، حققَ في مرحلةٍ لاحقة الشهرةَ والمجد في مجال التمثيل وليسَ الغناء، وذلك باسمه الحقيقيّ؛ " عبد الرحمن آله رشي ".

***
كان صالح يعاني بصبر من علّة تليّف الكبد، عاضّاً بأسنانه على آلامه. يقول لمن حوله في كل حينٍ، أنه جرّبَ القبرَ قبل الموت؛ وذلك في إشارة للمسكين الحقير، المتعيّن عليه العيشَ فيه بأواخر حياته. لكن ذكرياته عن المنزل الأول، المضافرة من آلامه، كان ذهنه يتداولها بمعزل عن الآخرين. وما كان هؤلاء سوى النزر اليسير من الأقارب، فضلاً عن امرأته وصغرى البنات. لم يكن يغفرُ لنفسه بيعَ ذلك المنزل، وكان يلزمه لمنع ذلك قول مفردة واحدة، حَسْب. غير أنه من نوع أولئك الرجال، الذين استصعبوا دوماً قول " لا "؛ المفردة، التي في وسعها تغيير حياةٍ بأسرها. وقد دخلَ في رقّ هذا السياق أيضاً، كرمُهُ اللا محدود حدّ التهوّر. وهوَ ذا بمنأى عمن أغدق عليهم، فيما مضى، من دوحة دخله الكبير، بالأخص جيرانه في المنزل الأول. ذات يوم، استذكر أحدَهم، جروس، وكان يصفه في سالف الزمن ب " الطَّرْح "؛ أي الجنين السَّقَط.
" مَن كنتَ تهزأ منه، أضحى اليوم مَقْصَدَ أهل الحارة مِمَّن يطلبون وساطة قريبه، الزعيم محمود شوكت "، قالت له امرأته حينَ أتى على ذكر ذلك الجار. هزّ صالح رأسه مبتسماً، وتمتم: " هذه حال الدنيا، صعود وانحدار أو العكس ". ثم استدرك، متذكّراً أمراً مهماً: " أوسمانو يرغب في العمل كسائق بإحدى مصالح الدولة، فلِمَ لا يذهب إلى جروس كي يكون قريبه محمود شوكت واسطة له؟ "
" الأفضل أن تكلّم جمّو بهذا المسعى، وذلك حين يعودك، لأنه يملك معارفاً في مراكز مرموقة بالدولة "
" لا أريدُ أن أثقل عليه، كالآخرين "، رد صالح. كان يكنُّ وداً خاصاً لصهره، ولم يأخذ عليه سابقاً سوى في تورّطه الخطير بأمور السياسة. لكن الحالَ تغيّرَ على أثر سقوط الشيشكلي، وصارت الملاحقات الأمنية من ذكريات الماضي. خلافاتُ الصهر الآخر، فيّو، المستعرّة مع رودا، شكّلت همّاً دائماً لصالح في أيامه الأخيرة. عندما كان أحدهما يزوره، اعتاد على نصحه بتجنب الخصام والاهتمام بمصلحة الأسرة. أما الهمّ الآخر، فتمثّل في صغرى البنات، وكانت قد تجاوزت سنّ العشرين. لمّحت أمامه السيّدة ريما ذات مرة، بأن فَدو ربما لديه نيّة بعقد قرانه على تحيّة. علّقَ عندئذٍ، نافخاً بقنوط: " هل سأقبل بنزول ابنتي الأثيرة على ضرّةٍ ضاريَة، مثل مزيّن؟ ألا يكفي ما فعلته هذه ببيان، لحين أن استقلت كل منهما عن الأخرى ببيتها؟ ".
قضى صالح في أحد أيام الربيع، وذلك على أثر نزيف داخليّ. حُمل نعشه إلى المقبرة، الكائنة في أعلى زقاق آله رشي؛ في الزقاق، الذي ضمّ منزله الأول.






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل السابع عشر/ 3
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل السابع عشر/ 2
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل السابع عشر/ 1
- زمن موناليزا الحزينة: بقية الفصل السادس عشر
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل السادس عشر/ 3
- زمن موناليزا الحزينة: مستهل الفصل السادس عشر
- زمن موناليزا الحزينة: بقية الفصل الخامس عشر
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الخامس عشر/ 2
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الخامس عشر/ 1
- زمن موناليزا الحزينة: بقية الفصل الرابع عشر
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الرابع عشر/ 3
- زمن موناليزا الحزينة: مستهل الفصل الرابع عشر
- زمن موناليزا الحزينة: بقية الفصل الثالث عشر
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الثالث عشر/ 3
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الثالث عشر/ 2
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الثالث عشر/ 1
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الثاني عشر/ 5
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الثاني عشر/ 4
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الثاني عشر/ 3
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الثاني عشر/ 2


المزيد.....




- الشعب يريد والأيام تريد...والله يفعل مايريد!
- رواية -رأيت رام الله- للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي
- العثماني يؤكد استمرار سريان الإجراءات الاحترازية طيلة أيام ا ...
- تعرفوا إلى أنس أصغر درويش صوفي في سوريا
- بوريطة يتباحث مع نظيره الليبيري
- فنان مصري يتهم حفيد جمال عبد الناصر بـ-سرقة امواله-
- مصر.. مصدر يكشف تطورات حالة الفنان سمير غانم ودلال عبد العزي ...
- بمناسبة عيد الفطر.. وزارة الثقافة تبث سلسلة احتفالات ثقافية ...
- صور دمشق العثمانية كما لم ترها من قبل.. رحلة الإمبراطور الأل ...
- شاهد.. ظريف باللغة العربية: الاحتلال سبب انعدام الاستقرار في ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - زمن موناليزا الحزينة: بقية الفصل السابع عشر