أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الغني سهاد - الفيضان...الفصل 4...















المزيد.....

الفيضان...الفصل 4...


عبد الغني سهاد

الحوار المتمدن-العدد: 6691 - 2020 / 9 / 30 - 13:16
المحور: الادب والفن
    


( في حضن الشجرة الخضراء…)...
●●●●●●●●●●●
لا احد يمكنه ان يعرف جيدا حقيقة الفيضان سوى ضحاياه من الاموات الغرقى والمفقودين ..فكل كلام او وصف له من الاحياء الناجون منه او الذين سمعوا عنه عن قريب او بعيد لا يستطيعون وصفه كماهو...وبالتالي لن يكون كلامهم سوى لغو وثرثرة تغور في اعماق الماء وتضمحل ما بين كثل وموج الاوحال ....و على هذا المنوال يمكن اعتبار كلامي عنه ..فلا احد يجيد الكلام عن الحوادث المفجعة التي يشقى بها الانسان....ولا احد يتقن فن الكلام عنها..
من احس يوما بسكون الموتى والغرقى في كفن الماء..من يرصد نحيبهم في لجة الوحل والظلمة الدهماء..من يستشعر رعب انفاسهم الا خيرة لا ااخد ولا اميل زولا..في رواية بنفس العنوان .لا احد..صدقوني..!!..
لن يحكي احد عنه بدقة لا متناهية وان حكى قسطا من الحكاية تبقى في حدود وجهة نظره الخاصة لا اقل ولا اكثر حيث لن تتعداها الى الزوايا المظلمة الاخرى العديدة لنفس الحكاية اي الفيضان ..وتفتقر الى الوضوح و الشمولية التي ترنو ملامسة الحقيقة والواقع..فلا تبقى اذن بايادينا سوى رسم الصور..وتركيبها ..والاعتماد على المخيلة التى تتعب وتمل في رسم ما حدث...؟
الفيضان ليس هو نفسه الفيضان .وهو في السهل يختلف كثيرا عن ما هو في الحبل ..وفي السفوح والوديان هو اكثر قساوة من الوهاد والاحواض..وسرير الوادي ليس سرير النهر وهو ليس هو نفسه في حوض المصب ولا هو في مخاريط الانصباب..ففي كل نقطة تتغير وتزداد درجة خطورة الفيض.هذا ان اقتصر الحكي عن الصيرورة وامتنع عن استكشاف الكيونونة....لكن من المتفق عليه ان الطبيعة تبرز قوتها وجبروتها في كل الاماكن والازمان حين تغضب سواء في السهول او الشعاب او السفوح والمنحدرات..وهي تظهر هذه القوة في ابسط مظاهرها ..الامطار..الزخات ..الرعود..البروق..الزخات والهطول القوية الطويلة الامد..التي قد تشبه الطوفان..كلها تحمل الخير والشر في ان واحد...
وكل المخلوقات الارضية تعجز عن النجاة من غضب الطبيعة مابين الارض والسماء..بين التربة والماء..؟
لن يعود يوما احد من الغرقى ليحكي مأ وقع في الفيضان وان عاد وصدقت عودته..لن نفهم ما سيقوله عن الفواجع والمحن ..وفي الاخير نعد كلامه ضربا من الجنون...؟
فيضان وادي اوريكة جنوب المدينة يحدث الكوارث في كل جيل..وادي صغير قادر على جرف اي شيء في الصيف..في كل محراه وعلى عرض سريره الضيق..وسكان الوادي يتناقلون تاريخ فيضانه والماسي التي يتركها فيهم وفي الغرباء المتنزهين عل ضفافه الضيقة...كلما غضب الوادي امتزج ماؤه بالوحل كما يمتزج ومحى الماء لون الدماء..كمزاج عاهرة عب بالجفاء القاسي والبطش الاعمى للبشر بلا تمييز..
لكن ماذا جرى في تلك العشية من ذلك اليوم يوم الاربعاء 18 غشت 1965م.من سيتحمل غيري المسؤولية الاخلاقية في وصف ما حدث من خلال السمع والروايات الشفوية للاهل والسكان وكل من فوجع من هول هذا الفيضان...حتى سائق الشاحنة العامل بمصلحة البريد ارتج عليه لسانه وارتبكت لغته وكان يكرر هذه الجملة الوحيدة قبل ان يصمت نهائيا بسبب الجنون…(خويا...بورحيم مات..؟)..كيف ومتى واين لم يقدر على اتمام كلامه...بعد اشهر قليلة كان يمشي في الحي المجاور مهملا..يرتدي الاسمال لا يحدث احدا ..ينظر في اتجاه الارض..لا يجيب كل من كلمه ..سوى بالنظرات المتيبسة…!
كانت مهمة الفريق تتلخص في اعادة ترميم خطوط الهاتف الثابت التي توصل القرية بالمدينة..وبمصالحها الادارية وحطت الفرقة الممونة من 10 عمال جنب الوادي على بعد بضع كيلومترات من المنزل الذي اكتراه (بو) لاسرته لقضاء اجازتهم الصيفية ..وقبل الفيضان بساعات كان قد زار صاحب البيت وتناول معه كاس الشاي..وغادر بعد ان نصحه مالك البيت بالحدر من الوادي لان الامطار استمرت تتساقط لايام عديدة في المنحدرات والشعاب…
في الخيمة بعد تتاول وجبة الغداء استغرقت افرقة بعض الوقت في مجاذبة الحديث ..فيما بينهم..لم يتحدثوا عن احوال الطقس..ولا عن توقعات عن صبيب الوادي...كان الحديث الذي شغل بالهم مصاريف الاولاد ..ودراستهم..والموسم الدراسي على الابواب..واغلبهم كان كارها لانجاز هذه المهمة في الوادي..لكن حاجتهم الى تعويضات الرحلة المضافة الى الراتب الصغير جعلتهم يفبلون بالمشاركة فيها اي المهمة الخارجية...عند اتتهاء الحديث عن الرحلة والاولاد وعجز الراتب الشهري عن تغطية نفقات البيت ..افترقوا..كل توجه الى قضاء اغراضه الخاصة منهم من كان ينظف ملابسه على حافة الواد ومنهم فضل التنزه قريبا منه على السفح..ومنهم من كان يرتب حوائجه داخل الخيمة...وكان (بو)..يقيم صلاة العصر جنب الطريق الضيق التي تخترق سرير الوادي..قريبا من الشاحنة التي كان يصلح فراملها ومحركها السائق...الشريف..ادركت هذه التفاصيل حينها من احاديث الارامل..ارامل الشهداء خلال الرحلة الاستطلاعية التي نظمتها المصلحة لاجل اطلاعهن على مكان الفاجعة بعد اسبوعين منها..وكنت رفقة (ف) بعد ان رفض ع1..اخي الكبير صحبتها في الرحلة كونه لا يزال مصدوما..واستمر مصدوما لوقت طويل..!
زرت معهن مسرح الفاجعة..الذي عمه الخراب من كل الجهات..لايظهر على المكان سوى الحجارة والتربة بلون القمح الذي ابتلع لون الدماء..وكتم انين الشهداء..ولون الموت تلبس لون التراب..عند عصر ذلك اليوم كانت السماء زرقاء هادئة..والريح بالوادي في سكينة..هدوء يسبق الفيضان..وفي لحظة عم الضخب والفوضى..كانت صيحات الاهالي تعلو افق السفوح..(الواد...جاي..الواد... جاي..)..توقف بو عن اتمام صلاته.صلاة العصر وتلحف سجادته..واراد الصعود الى اعلى السفح..لكن امواج الماء حاصرت الفرقة من كل الجهات..واستمرت صيحات الاهالي مفزعة مربكة فلم يعرفوا الى اي جهة يهربون..وكان صدى الجبل يردد تلك الصيحات ..صعد اهالي القرية الى سفوح الجبل العالية..وهم يلتفتون الى الوراء حيث ارابك الفريق..كان (بو) يجاهد للوصول السفح..الا ان امواج الوحال تزايد علوها..وقوتها ولم يفلح في الوصول..لا الى السفح ..ولا الى الشاحنة جنب الطريق وكان على سطحها الشريف..يصرخ فيه ان يسرع..كانت الوحال تجرفه..وكان يحاول ان يصل..جرفته الامواج والوحال الى جدع شجرة عالية خضراء..كانت مياه الفيض قد اقتلعت الخيمة..وتلاعبت بها الاوحال..تناول الشريف حبلا طويلا وكان يحاول رميه في اتجاه الشجرة لعل (بو)..يتشبت به وربطه بهيكل الشاحنة التي اخدت الامواج تغمرها وتخاصرها من كل جنب..استمر الشريف في محاولاته..وكان بو على الشجرة تدحرجه الاوحال وهو متمسك بها يحاول الصعود..واستمر يستغيث بالشريف ليعيد محاولة القبض على الحبل..بدون فائدة..وقوة الموج والوحل تهز الشاحنة وتدفعها الى لب المجرى القوي للمياه..واخدت المسافة تزداد بعدا ما بين الشاحنة والشجرة..وتغمر الاوحال الشجرة بكاملها وتقدف ب (ب) في عمق الامواج..التي تزيد قوة وعلوا..قاوم (بو) لبعض الوقت كان يصدر اصواتا غير ذات معنى..ويصرخ من شدة الم الرطم وضربات الاحجار وجثت المواشي وجدوع الاشجار التي يدفع بها الوادي ...يغوص ثم يظهر راسه فوق الماء..هل كان لا يزال ينتظر الغوث من حبل الشريف..؟وهذا الاخير كان ينظر..ولا يرى ولا يستوعب ما يراه..تحته الشاحنة تسير بلا محرك تعبث بها الامواج يمينا وشمالا..لم يعد في استطاعته رمي الحبل...واخر ما سمع من (بو)..كلمة واحدة خرجت فمه..ورددها وهو يغرق…(اولادي..اولادي..)..تلك كانت وصية (بو) الاخيرة..
ولم يعد الشريف يرى شيئا..سوى الامواج المتعالية والاوحال التي تزداد كثافة..كل شيء في لحظة قصيرة ابتلعه الفيضان..وقدفته امواج التراب والوحل امامها بقوة..كم مرة ردد (بو) على مسامعنا نخن الصغار انه سيشتري بقعة من الارض على ضفاف الوادي نأوي اليها في كل صيف..وهاهو يقتنيها بلا جهد او مال …
خلال تلك الرحلة الاستطلاعية المشؤومة اشارة احدى ارامل الشهداء..الى مكان وقالت ربما هنا رمى الواد بجثة زوجي تنفخها المياه..ومنزوعة العينين..!..وفي تربة ذلك الموضع المفجع كنت اتخيل التراب عليه تتناسل وجوه (بو)..فاتحا فاه يخترق التربة المبللة وهو يصيح…(اولادي...اولادي..)..!وهو يقول ايضا..(هنا ساشتري بقعة ارضية في العام القادم...؟)..كانت صور الموت في ذلك الموضع تفزعني..وتسببت لي في الكثير من الكوابس..لليالي طويلة..الارض هنا كانت مزرعة للغرقى والموتي ..وهي في مكلكيتهم بلا ثمن..سوى ثمن الحياة..لكن لا احد يدري ما يكسب غدا..ولا يدري باي ارض يموت..كان (بو)..فقط يتمنى..لكني حينها تحسرت وندمت على مشاركتي للارامل في هذه الرحلة..في موضوع الفيضان وموت اعز انسان عندي القدوة والامل وكل شيء...كان يتملكني الفزع كلما فكرت في صورة (بو) وهو يتذرع الشجرة الخضراء.،وهي تهتز به وتسقط وهو يصيح في الافق..للمجهول..(اولادي….اولادي.،)..وكان لا حول لي ولا قوة على البكاء..عندما امتلات الدار بالناس قصد العزاء في موت (بو)..كنت اصعد الغرفة المهجورة التي قضى فيها (بو) نهارات لتهيئ سريره..اقضي النهار كله فيها راسي بين ركبتاي اتامل واعيد استرجاع وانتزاع صوره من ذاكرتي..ولا ابكي…(بو) علمني ان الرجال لايبكون ابدا….!!..
معانقة (بو) للشجرة القوية الخضراء التي صادفها في طريق الهروب الى سفح الجبل..هو عناق قوي للحياة..وصراخها اولادي...اولادي خوفا منه على انجرافنا امام امواج الحياة العاتية…
في تلك الرحلة لا شيء عن الحياة..مجرد شرشرة ماء وبرد وحفر مخضبة بالوحل وكل شيء صامت في وجه العدم…!
لماذا كتب على (بو) ان يموت معانقا جدع شجرة خضراء.؟
ففي مستودع الاموات عاينت الاسرة جثة (بو)..وكانت جاتية كالتراب.ذراعيه متيبسة ممدودة نحو الامام..كان متمسكا بشيء لا يرى...جسده مغطى بالجروح..وجمجمته مفرغة من الخلف..؟
رفضت الحضور معهم لتلك المعاينة واكتفيت برؤية العدم والوجوه المتناسلة ل (بو) في موضع الفيضان…
انطلاقا من تلك اللحظة التي شاهدت فيها بعيوني الصغيرة بقايا الموت..صامتا مخبولا..فارغ الفاه..فهمت بعض معاني الايمان بالقضاء والقدر..كلما كتب على المرء امرا..لايريده فما عليه سوى الرضوخ والاستسلام..والتقدم اليه..وان يكف عن جهد نفسه في مقاومة ما قضي فيه وقدر..
ومنذ ان همس الشريف الناجي الوحيد من الموت في اذن (فا)..ان (بو)..مات ..وهي لا تكف عن البكاء والنحيب..وفاجعتها كانت اقوى منذ ان اقفلت امواج الوادي تلك الصفحات السعيدة في كتاب حياتها وحياة الاولاد..وحدها (فا) كانت تستوعب قساوة ومأساة ما وقع وما سيقع في المستقبل لها وللاولاد…
وفي دواخلها صوت يواسيها يقول ..
_ وحده الخالق قادر على كل شيء..
وحده كفيل بكل شيء..!!...






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفيضان...الفصل 2
- الفيضان (مابين الماء والدماء ) ف1
- رأبت البحر هذا المساء..
- نظرية الكهف ...واراء الفلاسفة الصغار ..
- العاصفة والكلاب .
- انسحاق النهايات
- حلم بقرة..
- وهم السعادة ..هو الاغتراب.
- من الحجر الصحي الى العلاج النفسي
- الصيف ...ضيعنا اللبن .
- اوهام الاستقلال...!
- لن تصلح الدكاكين السياسية ما افسده المخزن...!
- سنصلي خارج البيت....!
- في المنعطف ...1
- قراءة الابراج...
- خلف النوافذ.(..شاعر محروق..)
- وهج في عين الشمس..
- من اهل داخل السور ...انا.
- غفلة العقل العربي
- السياسي والداعية...!


المزيد.....




- دنيا سمير غانم تحتفل بعيد الأب وتهدي كلمات مؤثرة لوالدها الر ...
- دليل استخدام ترجمة غوغل | رفيقك الذي لا يمكنك الاستغناء عنه ...
- بردية نادرة تكشف -قصة حب فرعونية- (صورة)
- محافظ كفر الشيخ يتابع امتحانات الدبلومات الفنية والثانوية ال ...
- مصر... تحرك برلماني ضد محمد رمضان بسبب -إساءته- للفنانة سمير ...
- رغم إبداعاتهم.. مخرجون خارج حسابات السوق السينمائي
- محمد رمضان يغرد محتفلا بابنته كنز (الممثلة) (فيديو)
- الأكاديمي الأميركي جون إسبوسيتو يتحدث للجزيرة نت عن الإسلامو ...
- مهرجان -الجونة السينمائي- يكرم أحمد السقا
- مهرجان الجونة السينمائي يكرم أحمد السقا


المزيد.....

- ترانيم وطن / طارق زياد المزين
- قصة الخلق . رواية فلسفية. / محمود شاهين
- فن الرواية والسينما والخيال: مقابلة مع سلمان رشدي / حكمت الحاج
- أحمر كاردينالي / بشرى رسوان
- بندقية وكمنجة / علي طه النوباني
- أدونيس - و - أنا - بين - تناص - المنصف الوهايبي و - انتحال - ... / عادل عبدالله
- التوازي في الدلالات السردية - دراسة ذرائعية باستراتيجية الاس ... / عبير خالد يحيي
- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الغني سهاد - الفيضان...الفصل 4...