أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سامى لبيب - المناظرة – الجزء الرابع .















المزيد.....



المناظرة – الجزء الرابع .


سامى لبيب

الحوار المتمدن-العدد: 6652 - 2020 / 8 / 20 - 19:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


- خمسمائة حجة تُفند وجود إله – حجة 416 -417 .
- المناظرة – الجزء الرابع - الحجة الأخلاقية .

هذه المناظرة تأملات تخوض فى الثوابت والأفكار الصنمية والرؤى المغلوطة التى صارت تابوهات ومُسلمات بدون أى منطق فكرى يلازمها , كما تهدف المناظرة التعامل مع الحجج التى تروج لإثبات وجود إله , من خلال تصور حوار إفتراضى بين مؤمن وملحد لإعطاء الحوار بعض الإثارة والندية , فمن يجد لديه الرغبة فى المشاركة فى الحوار ودعم أحدهما فأهلا به .
هذا هو الجزء الرابع من المناظرة التى تتناول تفنيد الحجج التى يرى المؤمنين أنها تثبت وجود إله وقد تناولنا فى الجزء الأول والثانى منطق السببية الذى يعتبرونه أيقونة الأحجيات لإثبات وجود إله كمُسبب , ويأتى الجزء الثالث لتناول وهم فكرة التصميم والمصمم والمنظم.
كان من المُفترض أن تكون مناظرة اليوم إستكمال لتفنيد فكرة المُصمم والمُنظم ولكنى لم أرى أى ردود من السادة الحضور لذا أكمل بقية مناظرة المُصمم والمنظم والمصمم الذكي علاوة على قصة الثوابت الكونية لاحقاً,ولنتناول هنا مايقال عنها الحجة الأخلاقية.

المؤمن : ماذا لديك لتقدمه وتثيره ؟
الملحد : نتناول فى هذه المناظرة ما تعتبرونه بأن الناموس الأخلاقى إثبات لوجود إله .

المؤمن : حسنا فلأبدأ أنا بالقول أن وجود نواميس أخلاقية إلهية سنها الإله للبشر دليل على وجود الإله , كما وجود منظومتى الخير والشر دليل على من وضع هاتين المنظومتين .
الملحد : بداية أنت تفترض أن الإله هو من وضع وسن القوانين الأخلاقية والخير والشر لتفتقد فرضيتك للإثبات المنطقى , فأنت مطالب بإثبات أن تلك المنظومة الأخلاقية من فعله علاوة على إثبات وجوده أولاً .

المؤمن : نحن عرفنا الأخلاق من الكتب المقدسة التى أرسلها الإله ولولا تشريع وتقنين الإله لأصبحت العلاقات الإنسانية فوضوية وتم إستحلال الحرام والموبقات , فمثلا الملحد الذى لايؤمن بإله لا يجد غضاضة فى ممارسة الجنس مع أخته وأمه .
الملحد : بدايةً الإنسان عرف الأخلاق قبل تلك التشريعات التى يقال أن الأديان السماوية جاءت بها , فماهى إلا إقتباسات من شريعة حمورابى وكتاب الموتى للمصريين القدماء ومصادر اخرى سبقت الأديان بآلاف السنين , كذا شريعة حمورابى وكتاب الموتى هما نتاج مسيرة الإنسان التطورية على مدار آلاف السنين , فالإنسان هو المنتج لنظمه وأخلاقه .
- يستفزنى القول بأن الملحد لا يجد غضاضة فى ممارسة الجنس مع أمه أو أخته لأرى هذا القول ينم عن سذاجة وطفولية تبغى التشويه ولتفترض أن الأخلاق الدينية مثالية .. فبداية الواقع يكذب هذا فالإنحرافات موجودة لدى الدينيين أصحاب إدعاء المنظومة الأخلاقية فتوجد ممارسات جنسية شاذة ومايقال عنه زنا المحارم فى المجتمعات الدينية فهذا لم يمنع التجاوزات , كما أن الإله حلل الزواج والنكاح بين الأخ وأخته كما تدعون فى بدايات البشرية فأين ذهب التحليل الإلهى ولماذا تستقبحونه الآن أليس هو من وضع المنظومة الأخلاقية أم إذا أحَلنا الأمور للتحليل العقلى فسنقول أن البشرية كانت مجبرة على هذه الممارسات الجنسية للإنتشار وعندما تبين قبح وفساد الإنتاج البيلوجى من هكذا زيجات تم حظرها وتحريمها .
- الإدعاء بأن الملحد لا يجد غضاضة فى ممارسة الجنس مع أمه وأخته كاذب وطفولى يبغى التشويه ويخالف الواقع كحال الشعوب الملحدة واللادينية فى أوربا التى تتسم بأخلاق متحضرة إنسانية لا تستطيع الشعوب الدينية أن تُضاهيها , كذا هذا الإدعاء مخالف للمنطق كون الأخلاق منتج بشرى فى الأساس ونتاج تطور المجتمع الموضوعى وعلاقاته الإنتاجية , أى أن الأخلاق مجتمعية وليست دينية ليلتزم الملحد بها فى إطار الحالة التطورية لمجتمعه وما يتبعها من نواهى ومحاذير وإستحسان , ومن هنا يأتى إلتزامه أخلاقيا , وإن كان إلتزامه أكثر رقياً من نظيره الدينى , فالأخلاق وفق قناعات مجتمعية وليست خوف من العصا والتوسم فى جزرة , فلا يوجد جزر لدى الملحد .
- من الأمثلة الفجة التي يسوقها المؤمنون على الأخلاق وتكون محصورة في فكرة العصا فقط هي إدعائهم أن لولا الإيمان بالمنظومة الأخلاقية التي أرسلها الله فسيكون من السهل على الإنسان الغير مؤمن أن يضاجع أخته فليس لديه رادع يُردعه بينما المؤمن لا يستطيع أن يُقدم على هذا الفعل الشائن .
سنسأل سؤال بسيط يثبت تهافت هذه الرؤية : هل سلوك المؤمن تجاه أخته يتوقف على إيمانه بالله فقط ؟! ..وهل كل ما يمنعه من ممارسة الجنس مع أخته هو وجود غضب إلهي مُنتظر ؟! ..أم أن الضمير الجمعي هو الذي يمنعه من ممارسة الجنس مع أخته سواء آمن بهذا الإله أم لا .
- إذا كان الإنسان يتعامل مع الفعل الأخلاقي بمفهوم العصا فيكون هنا بوهيمي يحمل الشهوة لأمه وأخته ليحوله فقط العصا ولكن حال اختفت العصا فسيقفز عليهما في التو .. بالطبع لا يملك المرء سوى الشعور بالاحتقار الممزوج بالشفقة تجاه هذا الإنسان .. أما إذا كان يرفض هذا المسلك سواء في وجود إله ذو عصا أم لا فهو أدرك معنى المفهوم الأخلاقي من خلال أنه سلوك مستمد من الضمير الجمعي للمجتمع بكل أبعاده وتضاريسه .
وللدلالة على أن الأخلاق هي رؤية إنسانية مجتمعية تعبر عن مصالح واحتياجات آنية نحن من نبدعها ونطلبها وفقا ً للظرف الاجتماعي ودرجة الوعي والتطور الحضاري , سنتأمل نفس النقطة السابقة بامتناع المؤمن من ممارسة الجنس مع أخته خوفا ً من الغضب الإلهي الذي يحدد الثوابت الأخلاقية لنجد أن البدايات الإنسانية الأولى شهدت ممارسات جنسية بين الأخ وأخته , فحسب أسطورة الخلق الطينية لآدم وحواء كان لابد أن تتكاثر الإنسانية من هكذا منحى ولتستمر لعقود طويلة ليحق لنا أن نسأل هل الله كان منزعجا حينها أم لا ؟!..فألم يكن في مقدوره بقليل من الطين أن يخلق عدة ذكور وعدة إناث ويحافظ على القيمة الأخلاقية التي إعتمدها ! .. أم من المنطقي القول بأن الإنسان في العصور الأولى لم يجد غضاضة في مثل هذه علاقات جنسية ومع تكاثر البشرية وتحت ظروف موضوعية نحو تجويد النسل والتقارب مع الجماعات الإنسانية و القبائل تم حظر هذه العلاقات .
- بالنسبة للإدعاء القائل أن الملحد سيبيح لنفسه أن يمارس الجنس مع أمه أو أخته فهو إدعاء يبغى التقبيح والتشويه كما ذكرنا وترد سهامه على الدينى الذى أطلقه لنسأل هنا : هل لا تتم هذه الممارسات فى المجتمعات الدينية ؟ وهل لو لفظ المؤمن وجود إله وألحد فهل سيقفز حينها على أمه وأخته ؟ . فلو قلت لا فهذا يعنى أن الأخلاق لا علاقة لها بآلهة مُفترضة , وإذا قلت سيفعل فهذا يدين عمق فكرة الأخلاق لدى المؤمن فهو يحمل فى أعماقه رغبة فى نكاح أمه وما يحوله هو الخوف من العقاب الإلهى لذا نكح امه يوم تخليه عن الإيمان بإله !
- تفترضون أن الإلحاد نفي لكل مبدأ أخلاقي ولكل الأسس والروابط الأخلاقية , فتفترضون أنه إذا لم يكن الإله موجوداً فإن كل تمييز بين الخير والشر ,والفضيلة والرذيلة يصبح لاغياً , ولذلك فإن هذا التمييز يكمن فقط في وجود الإله , كما تفهمون الأمور بأن الفضيلة ليست بمعنى وتقييم أسقطناه على الأشياء بل بوجودها مستقلة عن الإنسان مرتبطة بذات مستقلة خارجية عنه , فإذا كان الإعتقاد بأن الإله هو الشرط الضروري للفضيلة فهذا يعنى الاعتقاد في عدمية الفضيلة ذاتها .

المؤمن : أرى طرحك يدخل فى إطار رؤية فكرية وتوجه إفتراضى , فهل لديك رؤية منطقية ؟
الملحد : حسناً هو طلبك هذا ولعلك تصمد أمام طرحى , ولكن قبلها أقول أن التحليل التاريخى للأخلاق ليس توجه إفتراضى فهو مُستمد من تحليل تاريخ المجتمعات القديمة وما تركته من تراث وآثار وأركيوجيا .
- نأتى إلى نقد فكرة إله الخير والشر والاخلاق منطقياً وفلسفياً , ولنسأل : " أيختار الله الصلاح لأنه صالح أم أن الصلاح صَالح لأن الله يختاره ؟ أى هل يختار الله الخير لأنه خيّر أم أن الخير خيّر لأن الله إختاره ؟"
- في حالة إختيار الله الصَلاح لأنه صَالح فهذا يعني وجوب وجود معنى الصلاح بمعزل عن الله كأن يكون السلوك الصالح موجوداً في الكون ثم إكتشفه الإله وراق له ومال إليه وعرف بأنه صالح , فإختيار الله للخير كونه خير يعنى وجود الخير بمعزل عن الله أى وجود سلوكيات خارجة عنه أى وجود لموجودات مارست سلوكاً فى حالة إستقلالية عنه تركت لدي الإله إنطباع بأنه خير وحسن , وهذا يعنى أن الإله تحت العلم والمعرفة والتأثير والإنطباع إنتقى من هذه السلوكيات وصنفها ليجعل منها خيراً أو شراً , ولكن هذا يتنافى مع كونه الخالق وأنه خارج دائرة التأثير والتأثر والحاجة ,فهذا يبدد الألوهية ويقودنا الى أن الاخلاق ليست من الله .
إذن فى إحتمالية الإله يختار الصالح لأنه صالح , سنجد الله يختار الصالح لأنه صالح بالفعل فهو صالح سواء إختاره الإله أو لم يختاره أى أن الخير ذو وجود مُستقل عن الإله وهذا فهم ميتافزيقى خاطئ , فبداية الخير ليس بذا وجود بل تقييم سلوك جاء من وجود , فنحن البشر بخبرتنا وتجاربنا عرفنا أن هذا صَالح وهذا طَالح من التجربة ولا دخل لإله فى ذلك , فالأشياء الصالحة هي صالحة بصورة مستقلة عن الإله والطالحة كذلك , وإختيار الإله لا يجعلها صالحة لأنها صالحة بالأصل وفق هذا الإحتمال .. وهنا طالما أن الصالح والطالح لا يعتمدان على الإله , فوجود الإله لن يَضر ولن يُفيد وليس ذو معنى فى نظرية الخير والشر .
- دعونا نتأمل الإحتمال الثاني : أن الصَالح صالح لأن الإله يختاره , فالصَالح هو فقط ما يختاره الإله والطَالح أيضاً هو ما لم يختاره الإله , ولكن حينها يصبح الصالح والطالح مفهومان قسريين يفتقدان قوتهما الأخلاقية , فما الذي يمنع الإله في تقرير أن الصالح طالح والطالح صالح ؟ أى أن القتل صلاح وخير والسلام شر .!
في حالة أن الصلاح صالح لأن الله يختاره فهذا الخيار يصيب الإله بالمزاجية والعشوائية واللامعنى , فكون الخير هو خير لأن الله إختاره فهذا سيخلق إشكاليات بأننا أمام مفاهيم قسرية فهو إنتقى مجموعة من السلوكيات بدون أى مبرر أو تمييز وإعتبرها صالحة مع عدم إهمال إشكالية أنه من المفترض أن الصالح أو الطالح ليس لهما أى مردود ايجابى أو سلبى عليه .
- نحن امام إشكاليتان الأولى وجود موجودات ذات سلوك منفصلة عن وجوده وذات إستقلالية وتؤثر عليه وتمنحه الإنطباع , والثانية إنتقاءه لحزمة من السلوكيات الخيرة أو الشريرة بشكل عشوائى مزاجى ليست بذا معنى أو تحديد أو مضمون طالما نريد إخراجه من دائرة التأثر والإنفعال ليكون خارج التأثير بها والتفاعل معها , ولنقدم رؤيتنا بأن الخير والشر تقييمات وتقديرات بشرية نتاج حاجاتهم ورغباتهم وذات بعد نسبى تم إقرارها وللأسف إحتمى المؤمنون بفكرة ميتافزيقية لتمنحها القوة والترهيب فأصابت فكرة الإله بالإرتباك .

المؤمن : إنكم أمام عجزكم عن فهم طبيعة الإله تخلطون وتلتبسون لتصنعوا علاقة للإله مع الشر .
الملحد : أنتم المُكَلفون بتبيان طبيعة الإله والتى عجزتم عن الإجابة فى مناظرتى الأولى عن ماهية وكينونة وذات الإله , كما هناك معضلات كثيرة فى إشكالية الشر والإله تقوض فكرة الإله نفسها , فهل الله كليّ الرحمة ؟ لكن كيف نفسر كل هذا الألم والعذاب على الأرض فلا يحركه ساكناً , فهل تعطلت الرحمة أم هذا يعنى أنه ليس كلىّ الرحمة ؟
هل الله خيّر وهو يرى الشر ولكن لا يستطيع ايقاف الشر ؟ فحينئذ سيكون ليس كليّ المقدرة ! , وهل الإله لا يعلم ما يحصل في هذا الكون من شرور ؟ فحينئذ ليس كليّ المعرفة !
يطرح أبيقور الفيلسوف اليونانى القديم رؤية معضلة الشر والإله فى تساؤلات محددة تنسف فكرة الإله وتضع المؤمنين به وبقدارته فى حرج بالغ , فقال :
- هل الله يُريد أن يمنع الشر ولكنه لا يَقدر ؟ فهذا يعنى أنه ليس كليّ القدرة لتتبدد ألوهيته .
- هل يَقدر ولا يُريد ؟ وهذا يعنى أنه شرير ولكن يُفترض عدم وجود إله شرير .
- هل يَقدر ويُريد محو الشر ؟ فلماذا الشر موجود في العالم ومن أين يأتي الشر إذن ؟
- هل هو لا يَقدر ولا يُريد ؟ فلماذا نطلق عليه إله طالما هو عاجز وشرير ؟

- أما عن طلبك تفسير أن الأخلاق منتج بشرى وضعى محض , فبالفعل هى منظومات سلوكية بشرية تبغى الأمان والسلام والإستقرار سنها الإنسان أو قل للدقة النخب والأقوياء لتحقيق مصالحهم وإستقرارهم ليرتأوا أن هكذا نظام سيحقق سلامهم وسلام وإستقرار المجتمع .
- الخير والشر والأخلاق ببساطة هى منظومات ومحددات سلوكية تقديرية نسبية , فالعمل الذى يراه الإنسان مفيداً سيطلق عليها خيراً وأخلاق طيبة حميدة , والأعمال التى تجلب الضرر للفرد والمجموع أطلق عليها شراً وأخلاق فاسدة ليكون التقييم والتصنيف هنا إنسانى حصري , لذا يتسم بأنه تقديرى نسبى , ليسأل سائل ومن أين جاء الزعم بوجود إله وضع النواميس والضوابط الأخلاقية ؟
الإجابة ببساطة شديدة أن الخير والشر والأخلاق منتج إنسانى تصنيفاً وتحديداً كما سنثبت لاحقا , فمن حدد مفرداتها وحددها هم صفوة المجتمع ونخبه وأقوياءه ومن لديهم مصلحة فى إرساء منظومات سلوكية وأخلاقية محددة ليتم إيهام البشر عن طريق الأنبياء والكهنه والأديان أن تلك المعايير والمنظومات الأخلاقية هى من قوى إلهية ستغضب وتنتقم وتعاقب من يشذ وينحرف عنها أى أن حشر فكرة الإله فى مسألة الخير والشر والأخلاق بمثابة إرهاب وردع لمن يخترق تلك المنظومة الأخلاقية فهناك إله سيقتص منهم ويعاقبهم عقاباً شديداً أى أن الإله بمثابة بوليس سمائى للعقاب والقصاص من المنحرفين .
-الأخلاق كما ذكرنا هي تعبير عن رؤية طبقية أو نخبوية لشكل وطبيعة العلاقات بين البشر لتخدم مصالحها وتؤمنها .. فمثلا الزنا والسرقة والقتل هي أشياء غير أخلاقية كما هو شائع في الثقافة البشرية ولتسأل لماذا هي غير أخلاقية .. هل لأن الله لا يعجبه هذا فينتفض من هكذا سلوك وفى بعض الميثولوجيات تجد عرشه يهتز من ممارسة سلوكيات هو يرفضها بل لن يتوانى عن معاقبة مرتكبيها في جحيمه الأزلي !!

- فكرة السرقة كعمل شرير غير إخلاقى فستجد بدايةًً أن هذا الفعل ليس له علاقة بإله فهو لا ينال منه كحال الكفر والشرك به , فلما هذا الغضب الإلهى الذى لا يكتفى بعقابه الشديد فى مملكته السمائية وفقا للأسطورة بل يوصى بعقاب السارق على الأرض بقطع اليد كما يزعمون .
ظهرت فكرة السرقة مع ظهور مجتمع الملكيات بعد مجتمع المشاعية ليكون المُلاك هم من أبدعوا تقبيح وإدانة السرقة فقد خشوا على ممتلكاتهم من النهب فأعلنوا أن السرقة عمل شرير وليمنحوا هذا التحريم والإدانة لقوى ميتافزيقية ليروجوا أن الإله يغضب غضباً شديداً على من يعتدى على ملكياتهم وسينتقم منهم إنتقاماً شديداً فى المحرقة الإلهية اللانهائية بغية الردع , ولتتطور الأمور بعد ذلك نحو مزيد من التحصين بأن يقبحوا الحسد أى إستنكار أمنيات وخيالات المُعدمين بعد أن مرروا فكرة الإله كمقسم الأرزاق.

- الزنا هو فعل غير أخلاقي في رؤية طبقة الملاك أيضا ًويكتسي بغلالة من الشرف والحمية ولكنه يخفى مصلحة حيوية في تأمين الأملاك من التبدد ليعبر عن المغزى الحقيقى بحفظ الأنساب لضمان نقاء الأوانى الجنسية وعدم طرحها أطفال ليس من صلبهم فما داخل رحم المرأة هو من إنتاجى ويحق لي أن أترك له ممتلكاتي بعد وفاتي .. ولنلاحظ أن الممارسة الجنسية الحرة لا تنال من ألوهية الإله بل تنال من المَالك لجسد المرأة المتوسم أن يكون النسل من صلبه , كما نلاحظ فى الطريق أن فكرة الزواج هو رؤية الملاك بدفع المهور لتأميم جسد المرأة لصالحه .. إذن فعل الزنا هو غير أخلاقي مثالى بل الخوف من منطلق تبدد الأملاك ليس إلا .

- القتل يعتبر من أقدم الأفعال التي اعتبرها الإنسان غير أخلاقية بعد إدراك أن القتل يقوض أركان وقوة الجماعة البشرية ويخصم من رصيدها في مواجهة الطبيعة والجماعات البشرية الأخرى .

- إذن الأخلاق تعبير عن مصالح حيوية لنخبة أو طبقة ترى أن ترويج رؤيتها هو تأمين لمصالحها وهيمنتها .. وكون البشرية لا تنتج أشكال طبقية كل قرن من الزمان بل تستمر لفترات طويلة لذا تظل المنظومة الأخلاقية ثابتة وراسخة تتوارثها الأجيال لحين وتتغلغل في ثقافتها وضميرها الجمعي .. بل يمكن القول أن من شدة ثبات الأنماط الأخلاقية لقرون طويلة لمجتمعات تبدل فيها الوضع الطبقي ومازالت تحمل أخلاقيات طبقة قديمة كما في الأداء الأخلاقي للأديان فى العصر الحديث والذي يحمل في أحشاءه أخلاقيات مجتمعات العبودية أن طبقة الملاك أقدم الطبقات التي عرفها الإنسان وتمتد لآلاف السنين وحتى الآن لتنتج طبقة الأسياد والإقطاعيين والبرجوازيين وإن تنوعت في أشكالها ولكن يبقى المضمون واحدا .

المؤمن : بماذا تفسر بقاء وثبات المنظومات الأخلاقية لكونها ناتجة من إله قدير , فلو كانت من فعل البشر لشهدنا تغيرات فى المنظومات الأخلاقية والتعامل مع الخير والشر , وكونك تعتبر أن الأخلاق منظومة وضعية بشرية فكيف تَوصل الإنسان إلى تقبيح وتحريم السرقة والقتل والزنا مثلاً .
.
الملحد : أنت أتيت برجلك إلى تلمس هشاشة وخواء وتناقض ما يقال عنه أن الأخلاق نواميس إلهية فقد ذكرت فى التعليق السابق ذلك , فلا يوجد ثبات للمنظومات الأخلاقية الدينية إلا لحين تطور المجتمعات , فوفق الأديان ذاتها نجد إنصراف الدينيين عما تم الإيحاء بأنه ناموس إلهى , فتم الإنصراف عن السبى وملكات اليمين والعبودية مثلا بالرغم انها مُحللة وتشريعات إلهية .
- كذا يُعتبر زواج المحارم عملا شريراً قبيحاً مُجرم فى الأديان بالرغم أن البشرية وفق أسطورة آدم وحواء لم تأتى إلا من زواج الأخوة والأخوات , كما تسرد لنا القصص الدينية أن هذه العلاقة كانت مُباركة من الرب حتى ما بعد عهد ابراهيم .. فحينئذ سنتوقف أمام هذا التناقض , فإذا كان زواج المحارم عمل شرير فلما أقره وباركه الإله المُفترض فى البدء ولما لم يخلق عدة نسخ من آدم وحواء لتجنب هذه المفسدة الأخلاقية , لكن الفهم الموضوعى يفسر لنا هذا المشهد , فالبشرية فى بداياتها كانت محدودة تحتاج للنسل فلم تجد غضاضة فى علاقات جنسية بين المحارم بل رأته حفاظ على بقاء الجماعة البشرية , ليأتى التطور والوعى بأن هذه العلاقات الجنسية تنتج نسل ضعيف وعندما يتم مع الغرباء يعطى نسل أقوى , علاوة على تقوية العلاقات الإجتماعية مع الجماعات الأخرى والتودد لها عن طريق الصهر والنسب فى إطار مشروع سلام , فتم نبذ زواج المحارم وهكذا نرى أن الإنسان مُبدع المنظومات الأخلاقية والسلوكية بينما إنسابها لفكرة إله ستصيب فكرة الإله بالتناقض والخلل .

- الازدواجية في الأخلاق فيما يُطلق منظومات أخلاقية إلهية , فالأخلاق في الأديان إزدواجية التعامل والفكر والهوى , هي تطلب من أتباعها ممارسة سلوكيات طيبة في إطار الجماعة المؤمنة الواحدة ولكن هم في حِل من هذه الممارسات مع الآخر بل بعض المعتقدات تحرص على تصدير العداء والكراهية للآخر , فالدعوة للمحبة والتواد والتكافل تكون مقصورة على أصحاب الدين الواحد بينما النبذ والكراهية تكون من نصيب الآخر ولترتفع بأسقفها في بعض المعتقدات لتصل لحد العداوة وتنخفض في البعض الآخر لتصل لعدم الإدماج .
- القتل فعل غير أخلاقي ومُدان في إطار الجماعة البشرية الواحدة ولكنه غير مُدان عندما يتجه نحو تصفية الآخر وقتله !! .. والتراث الديني فى القرآن والكتاب المقدس حافل بنصوص وتاريخ دموي ضد الجماعات البشرية الأخرى بل تجد أن الإله حسب السرد الديني يحث تابعيه على ممارسة قتل الآخر ويَعد مُحبيه بثواب عظيم وأكاليل ونساء تنتظرهم على أبواب الجنة عندما يحضرون في ملكوته .
- الزنا فعل غير أخلاقي يستقبحه الدين ويُنذر فاعليه بالعقاب الدنيوي والأخروي عندما يمارسه الإنسان خارج مؤسسة الزواج وداخل الجماعة المؤمنة , ولكنه مُحلل ومُباح ومُؤيد من الإله المُشرع لإغتصاب نساء الآخر واستحلال فروج نساءه تحت دعوى السبي وملكات اليمين ويبدو أنه لم يفطن أن المستقبل سيلفظ مثل هذه الممارسات ويعتبرها أعمال غير أخلاقية !
- السرقة فعل غير أخلاقى ومُدان عندما يمارسه الإنسان في محيط جماعته البشرية ولكنه مقبول عندما يتم نهب الآخر تحت يافطة الغنائم ليحفل التاريخ والتراث الديني بعمليات نهب لشعوب تحت يافطة الغنائم ومباركة الإله المزعوم لذلك ثم نجد أخلاقيات العصر الحديث تعتبره نهب مُدان .
- عندما نقول قيمة أخلاقية ونصفها بالحسنة والمصداقية فتعنى نمط سلوكي واحد غير متلون وذات رؤية ومسلك واحد فالسرقة تكون سرقة غير معنية بهوية المسروق والزنا يبقى زنا بنفس الإدانة ولا يعتمد على هوية ونسب الرحم والقتل هو قتل إنسان من لحم ودم فالإنسان واحد والفعل واحد .

- الغريب أن الأديان التي تتدعي أن منظومتها الأخلاقية سامية ومُرسلة من السماء لم تدع قيمة أخلاقية بسيطة إلا شوهتها ودمرتها .. فالكذب فعل غير أخلاقي ويكون كذلك ولكن الدين يتحلى بإزدواجية غريبة في فعل سلوكي يدعو للمصداقية .. فالإسلام مثلا ًينفرد في تمريره للكذب والنفاق من خلال رخصة وليس من خلال سيناريو قصة تمرر بين مشاهدها معنى الكذب , كذلك الكتاب المقدس عندما كذب إبراهيم على فرعون بشأن امرأته سارة .
- الإسلام يصدر لنا مبدأ التقية .. والتقية تأتى من "وقاية" فمبدأ التقية في الإسلام هو أن يكذب المسلم بلسانه ليقي نفسه أو يقي المسلمين من الضرر .. هذا المبدأ يتيح للمسلم الحرية في أن يكذب في ظروف يعتقد بأن حياته فيها مهددة أو سيناله سوء ما فحينها يمكنه أن يكذب بل وينافق آثراً السلامة ,وقد تصل الأمور أن يُعلن كفره بالله طالما يقول ذلك بلسانه ولا يعنيه في قلبه !... ويدل عليه قول القرآن : ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) ولنا أن نسأل هنا : ما معنى أن يكذب المرء ويتنكر من إيمانه في أمر لن يكون للإيمان أي قيمة بإنكاره ؟!
- تأكيدا ً لمبدأ التقية والنفاق والإزدواجية , سنجد في سورة آل عمران تصريح آخر .."لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير". سورة آل عمران 28:3. فبناء على هذه الآية يمكن للمسلم أن يتظاهر بمصادقة الكفار وموالاتهم بالرغم أن هذا يتعارض مع نصوص كثيرة بالقرآن تدعو لعدم موالاة الكافرين وأهل الكتاب ولكن هذه الآية ستمنح المسلم الرخصة بالكذب والنفاق والتظاهر بمراعاة الكافرين حتى يتقى شرهم "إلى أن تتقوا منهم تقاة" بينما القلب مُشبع بالعداوة والبغضاء .
- " أحبك في الله وأبغضك في الله" مقولة تتردد وتتسم بالغرابة والشذوذ في الازدواجية السلوكية وتبتر قيمة الإنسان لتبرمجه وتفرض نفسها بقسوة على المشاعر فلا تكون مشاعر الحب والبغض نتيجة انعكاس وتفاعل سلوك بل هي محسومة وحادة وإقصائية فى الأساس !
- أن تحب وتتعاطف وتتكافل مع أخيك الإنسان فهو فعل أخلاقي جيد ولكن الإسلام مثلا ً لا يمنح هذه القيمة مسلك اخلاقي عام بل تتخلله الازدواجية أيضا فتجد أن المحبة والتسامح والسلام هي لنفس المنتمى لإيمانك الديني بينما المختلف فله البغض والكراهية بل تصدر له العداوة , وهذا ما يعرف بفقه الولاء والبراء وهو ركن أصيل من العقيدة الإسلامية وشرط من شروط الإيمان ! .. هو ليس برأي أو اجتهاد أو اختيار لك في محبتك للمؤمن وكراهيتك للكافر فهذا في صلب العملية الإيمانية , فممارسة الود للآخر والبعد عن كراهيته وبُغضه يجعل المسلم يدخل في الكفر !.. نعم يخرجه من إيمانه ويُلقى به في نار جهنم كونه تواد مع كافر ولم يمنحه الكراهية والبغضاء ! فقد قال رسول الإسلام : ( أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ).
أنه بتحقيق هذه العقيدة تنال ولاية الله ، لما روى ابن عباس قال : ( من أحب في الله وأبغض في الله ، ووالى في الله وعادى في الله ، فإنما تنال ولاية الله بذلك ) , ولك أن تعلم أن عدم تحقيق هذه العقيدة قد يدخل في الكفرفى قول القرآن : ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم) !

المؤمن : أنت تشوه الأديان نتيجة أن قلبك حاقد وكاره لها .
الملحد : دعك من هذه الأسطوانة المشروخة فلا حقد ولا كراهية على تراث إنسانى ملك ظروفه وزمانه , ولك الرد على ما أثيره بدلا من ميديا المؤامرة لهؤلاء الحاقدين ولتعلم أن توقفنا ليس على أحداث الماضى بل سريان ثقافة وسلوكيات الماضى فى واقعنا .
- من التشوهات التي نجنيها من هيمنة المنظومة الأخلاقية والسلوكية للأديان أو بمعنى أدق التشبث برؤى وسلوكيات الإنسان القديم أننا سنصاب بإزدواجية فكرية غريبة ومشوهة للعقل والضمير فتبتعد عن مفاهيم الحضارة والعصر والإنسانية لنسقط في مستنقع الموروث المشبع بالتخلف والجمود .
- تجد بعض الدينيون يدعون أنهم ليبراليون ليعلنوا إيمانهم بحرية الفكر وينادون بمجتمع يسوده الحريات والديمقراطية وفى نفس الوقت لا يعترض على حد الردة البشع فتجده إما مؤيد لتفعيله أو مبرر له ولن تعرف الإدانة طريقها إليه , فماذا سيكون الحال بعدها سوى حصد التناقض وعدم المصداقية لنجد هيمنة التراث يطفو خالقا ً منهجية الاستبداد فكراً وفعلا ً وممارسة .
- تجد من يتشدق بحرية المرأة وأنها كيان له الحق في ممارسة كل الحقوق والنشاط الإنساني وفى نفس الوقت لا يرى غضاضة في ضربها لتأديبها وحجبها عن ممارسة أى نشاط إنساني ولا مانع من تحقيرها فهي نجسة وناقصة عقل .. فهل رؤيته السابقة تتسق مع نفس الرؤية وهل يكتب لها الصمود لنجد الرجل يتعامل مع المرأة بنعسف وليست كإنسانة.
- تجد أننا نستقبح الاستعمار وغزو الشعوب ونعتبر الغزو والنهب والهيمنة أفعال غير أخلاقية ولا حضارية ولن نغفرها للمستعمر .. ولكن يصبح غزو البدو لمصر ليس استعمارا ً ونهبا ً وهيمنة بل فتحاً مبيناً !
- نخلص من هذا العرض الموجز للازدواجية الأخلاقية والفكرية أننا أمام قيم أخلاقية مهترئة ومزدوجة .. قيم تحمل الشيء ونقيضه ولا تطرح نمط أخلاقي متماسك وشفاف وذو مصداقية ..والحقيقة أن هذا الأمر لا يشذ عن نفس النسق الأخلاقي الذي اتبعته شعوب عديدة كان هذا مسلكها في صياغة وتنظيم العلاقات الاجتماعية لها وتحقيق مصالح مبتغاة , فلا يجب أن نتصور بأن هكذا أخلاق هى سامية أو تم إهداءها من السماء ..فالسماء لا تهدى شيء إلا المطر .

المؤمن : ولكن المنظومة الأخلاقية والسلوكية الإلهية ثابتة صالحة للتعاطى معها فى كل العصور , ولا يعنى فساد البشر فى التطبيق يعنى فسادها .
الملحد : بعد هذا العرض مازلت تتدعى بثبات المنظومة الأخلاقية الألهية فلتراجع النصوص الدينية فالخلل فيها وليس فى البشر .
- المنتج الأخلاقي والسلوكي هو نتاج ظرف موضوعي وتاريخي ومادي تجمعت أسباب عدة لإنتاجه ليكون شكل نظامي لسلوك الفرد مُعبراً عن علاقات ومصالح وتوازنات ومصالح طبقية .. وعلى سبيل المثال عندما نفحص العلاقات بين السيد والعبد في مجتمعات العبودية المنسوبة لتشريعات إلهية وفقاً لنصوصكم , فلماذا لم يقر الإله بتحرير العبيد بدلا من إهتمامه بإلغاء التبنى ؟! وهل هذا يعنى أن الإله مهتم بمجتمع السادة أم أن السلوكيات الأخلاقية تُعبر عن نمط العلاقات الإجتماعية التى يُراد لها الإستمرار , ومن هنا ألغت الإنسانية العبودية رغم أنف الإله وطبقة الأسياد المتظللة بفكرة الإله التى إخترعتها .. لأضيف أن مؤسسو الأديان إما أن يكونوا من أصحاب الإنحياز للسادة أو مرغمين , فأى دين لن تكون له أى قائمة بدون التسليم والإقرار لحق السادة .
- هذا يعنى لنا أن الأخلاق نسبية ومنتوج بشرى وليس له علاقة بالسماء , لنخلص من هنا بإدراك الخداع فى قضية الأخلاق عندما ترتدي زورا ً وبهتانا ًرداءاً مقدسا ً لتشرعن هيمنتها ومصالحها ولتدعى أن هكذا هو الكمال المطلق والأخلاق المأمولة التي يعتمدها ويريدها الله .
- خطورة تثبيت النمط الأخلاقي لمجتمع قديم وإسقاطه على الواقع هو استحضار نفس الفكر والمنهج والسلوكيات القديمة وإقحامها على الواقع فينتج تجمد وشلل وعدم مبارحة الماضي بكل قسوته وبداوته مما يجعل السلوكيات والأخلاقيات لا تتغير فيظل التعاملات والسلوكيات والمنهج القديم قائما ً لا يبارح مكانه بالرغم من تغير أحداث وجريان مياه كثيرة .

المؤمن : أنت تهمل حزمة من الأخلاقيات النبيلة التى دعت إليها المنظومة الأخلاقية الإلهية كالتكافل الإجتماعى والزكاة والعشور .
الملحد : عليك إثبات أن التكافل الإجتماعى والزكاة والعشور منتجات خاصة بالأديان حصراً ولم تسبقها أنظمة مجتمعية أخرى , ولكن سأعتبر أن التكافل الإجتماعى والزكاة والعشور هى إنتاج مجتمعات دينية ليهمنى التطرق لقضية معينة تدعم رؤيتى بأن الأخلاق تبحث عن المصلحة والغاية .
- لو نظرنا لقيمة نراها رائعة مثل الشفقة والتعاطف الإنسانى فبلاشك أنها معنى نبيل وراق وله الإستحسان والتقدير لمن يمارسه , ولكن هل الإنسان يمارس هذا الشعور هكذا بوحى جميل من أعماقه وضميره أم هناك بيئة حاضنة غرست وأسست فى الإنسان قيمة التعاطف فتبناها لإستحسان المحيط بها عند ممارسته لها لتعتريه حالة وجدانية شعورية جيدة عند ممارسته للشفقة .
- لا يوجد شعور او إحساس دون أن يبحث عن غايته حتى لو بدا نبيلا ً.. لذا علينا تتبع معنى التعاطف من البدايات الأولى وكيف تشكلت لدي الإنسان لتصبح قيمة يصدرها لنسله كمفردة معرفية وسلوكية .
- مع ظهور مجتمع الملكية القائم على تحقيق الإستحواذ من جهد وعرق الآخرين ظهر التفاوت بين البشر لتتواجد حفنة من الأثرياء وجموع من الفقراء والبائسين , هذه الوضعية لم تزعج الأغنياء بل بالعكس هم أرادوا وجود قطيع من الفقراء والمحتاجين والمهمشين حتى يستمتعوا بحالة تمايزية أنانية قذرة , فما معنى أن يكون البشر سواسية بالنسبة لمن تسلل له الطمع والجشع والأنانية .. مامعنى وقيمة للذهب كمعدن نسعد به إذا كان فى حوذة كل البشر ؟!
- هذه الرغبات لم تمنع الإغنياء أن يفكروا بذكاء لا يخلو من الخبث فهم يريدون أن يكون أغنياء متميزين كما يريدون الفقراء أمامهم لا يتغيرون ولا يتحررون من فقرهم غير مُفطنين أن ثرائهم جاء من فقرهم كنتيجة حتمية ولكن ما يعنيهم هو حالة تمايزية تجد متعتها فى ذلك كما أسلفت .
- هناك إدراك واعى لدى الأثرياء بأن الإنسان عندما يفتقد أى إمكانية للحياة والإستمرار فسيثور ويتوحش وسيقلب الطاولة فقد أصبح ظهره للحائط ولا مفر له .. لذا لابد أن يستمر هؤلاء فى التنفس والحياة بأقل القليل لنحقق متعة التمايز ونأمن ثورتهم الهوجاء التى ستطيح بكل أخضر ويابس ومن هنا نشأت فكرة منح الفقراء والبائسين عطايا ومنح على شكل زكاة وعشور لكى يستمروا فى الحياة ويظلوا أمام عيوننا بلا أنياب نستمتع بوضعهم البائس ونزهو نحن بتميزنا وشبعنا .
- الأديان قامت بتسويق نزعة الأثرياء بل هى جاءت خصيصا لتحصين ممتلكاتهم بتسويق أن رزق ونعمة الإله هكذا قسمها ورتبها وأرادها , ولتبالغ بعض الميثولوجيات لتصل بأن الإله جلس على عرشه وأمامه طاولة قام بتقسيم الأرزاق عليها قبل أن يخلق الحياة !!
- تنساق الأديان وراء رغبات الأغنياء ورؤيتهم أو قل أن هؤلاء الأثرياء سطروا وصدروا رؤيتهم من خلال الدين ..أو قل أن مبدع النص قرأ رؤية الأثرياء لتحث النصوص على التعاضد والتكافل لتسمح بالزكاة والعشور الذى يوجه منها جزء للفقراء لتتحول منح الأغنياء محددة فى إطار رؤيتهم الحفاظ على إستقرار المجتمع وبقاء الفقراء أحياء فلا تصبح المنح والعطايا ذات نزعة مزاجية يمارسها البعض ويغفل الأنانيون والأغبياء عنها .
تشريع المنح والعطايا من خلال الأديان وهبت هذا الفعل الروعة والنبل والجمال لأنه خرج من نص مقدس هكذا يريده الإله لينال الإستحسان كمعنى وقيمة فى عيون الأتباع ويصبح مفردة سلوكية مصحوبة بالإستحسان والإشادة لفاعلها فهو ينفذ رؤية الإله مما صاحبها تقدير مجتمعى لنرى الرضا والسعادة فى عيون المُمارسين لفعل التعاطف والتكافل ويصبح معنى يتم منحه هالات ويبتعد عن ذهنية الإنسان فكرة أن المنح والعطايا لم تمنح إلا لبقاء الفقراء أحياء خوفا من ثورتهم وجنونهم عندما يجدوا أنفسهم فى المحك الأخير مع الحياة .. كما يتم نسيان المتعة الكامنة للأغنياء أن يبقى الفقراء فقراء .

- الأديان حذرت ونهت عن الحسد والحقد الموجه للأثرياء والموفورين وأصحاب الحظوة .. ولو توقفت قليلاً لتتأمل سر تحريم مشاعر بائسة خجولة لن تُقدم ولن تُؤخر بل لن تنال من أصحاب الحظوة والوفرة فى شئ فهى لا تنتقص مما فى حوذتهم من أملاك ونعم , فهى لا تعدو ان تكون مشاعر خجولة بائسة يائسة فقط .
فعل التمنى ما للأخرين ونهر هذا الإحساس هو تحصين الأثرياء من الفقراء ليس لأن نظرات هؤلاء البائسين ستنال منهم وإن إعتقد البعض بهذا الوهم وتم إعلانه فى ميثولجيات بائسة بأن العين الحاسدة تنال من الخيرات ولكن يأتى النهى عن الحسد لدرء وتجنب ما هو قادم فيجب زجر البدايات المتمثل فى مشاعر حتى لا تتطور الأمور وتصل إلى الرغبة فى التحرك لنيل ما لديهم .
مازالت الدول الكبرى الغنية تمارس نفس رؤية الأثرياء القدامى وإن أضافت لها بعض المصالح المادية الأخرى .. فليس من مصلحة الدول الغنية أن يسقط الجميع فى بئر الديون والحاجة والعوز بلا مخرج فهنا سيصبحوا قنابل بشرية وهو ما يوصف بالتوازن كما ستفقد أسواق بالضرورة لذا فلنساعد هؤلاء الشعوب البائسة أن يتنفسوا ويستمروا فمن الحماقة نزع انبوب الأكسجين الواهب للحياة منهم .

- نخلص من هذا ان الأخلاق والسلوك منتج بشرى دماً ولحماً , لا تكون مفرداته قيم مثالية ذات معنى مُجرد ومُنفصل عن الغاية والحاجة والمنفعة .. وإنما هى رؤية إنسان يبحث عن حماية مصالحه وتكريسها .. فنحن نمتثل لموروثنا الثقافى والأخلاقى والسلوكى كمفردات ورثناها عن الأجداد و يكتمل حضورها وتأصيلها فى الضمير الإنسانى فلا تقف عند حيز أنها مفردات مدونة فى الموروث أو الكتب الصفراء بل تكون مصحوبة دوماً بمناخ عاطفى وحزمة من المشاعر يصدرها لنا الآباء عند تلقيننا إياها ما بين الغضب والثورة من المحظورات والرضى والحبور من الطيبات وليضيع من ذهننا تماماً لماذا غضب ورضى الجد الأول فقد نسيناه وإستحضرنا فكرة إله فى السماء كفكرة بديلة يعبث فى لحيته يرصد ويراقب ويغضب ويرضى .
- الأخلاق والسلوك الإنسانى الحالى هو إنتاج مجتمع الملكية الذى طوع الأديان والمعتقدات لتسويق مصالحه وحماية ممتلكاته ولتتفاوت الأمور حسب قدرة الملكية على المناورة والتطور لتخرج من الفجاجة فى تحقيق مصالحها إلى مرونة تراعى التوازن وترفع غطاء القدر قليلا وهو ما يسمونه بالحريات والديمقراطية .
- نحن نتصرف وفق ثقافة تم شحنها فى أعماقنا فأخذنا العنوان ونسينا المضمون .. تعاملنا مع اليافطة بل عبدنا حروفها ونسينا غاية صاحبها .. نخلص من هذا أن الإيمان والأخلاق والسلوك وحتى المزاج والذوق هو نتاج ظرف موضوعى شكلته عوامل مادية جاءت باحثة عن حاجة وغاية تريد أن تتحقق.. مواقف إكتسبناها من رغبات الأجداد تغلفت وهى فى الطريق بمشاعر وأحاسيس تم تصديرها لنا لنصل بإعتبارها قيمة فى حد ذاتها بينما هى مصالح ورؤى ومزاج النخب القديمة .

- بالطبع هى ليست دعوة لكسر حواجز المجتمع العتيقة من إيمان مهترئ وسلوك وأخلاق حتى لا يظن الأغبياء أننا ندعو للسرقة والمثلية لأن تغيير الأخلاق والسلوك لن يتم ببحث أومقال ولكن بإدراك الظرف الموضوعى وتأثيره والتعاطى معه وفق الغايات الجديدة .. ولكن تكون غايتنا أن ندرك ونعى بأن الأخلاق والإيمان والسلوك هو نتاج غايات ورؤى ذات مصالح وليست رؤى وقيم سقطت من السماء ,فالسماء لا تسقط إلا الأمطار .. لذا على من يريد التغيير فعليه إدراك المصالح الفاعلة وتبيان هشاشة المصالح القديمة وبؤسها .. وعلى المتعنتين أن يستيقظوا من إيمانهم وأوهامهم , فأفكارهم هى رؤى وفكر ومصالح وخيال الأجداد .

- الإلحاد يحل إشكالية الخير والشر والأخلاق ويمنحها فهم مَوضوعى مُتحرر من الوهم والعبث , فالأخلاق سلوك أبدعه الإنسان فى إطار سعيه لمجتمع الأمان والسلام لذا هى متطورة لترتبط بتطور المجتمع الموضوعى والإنتاجى كما هى تعبير عن القوى الفاعلة والمهيمنة فى المجتمع , أما ما نراه من شرور وضرر ناتج عن الطبيعة كالأمراض والأوبئة والكوارث الطبيعية كالزلازل والأعاصير فهى فعل الطبيعة الغير واعية والتى تفتقد الغاية والترتيب والتقدير فهكذا فعلها , وبذا نحرر وعينا من وهم إله شرير عابث يصيب البشرية بالشر ليُبررون هذا برغبته فى الإنتقام والإبتلاء .

- ختاماً . كان هذا العرض للوعى بماهية الخير والشر والاخلاق وأن الإنسان من يحدد ويصنف السلوكيات وفق رؤيته ومصالحه وتفاعله مع واقعه الموضوعى بغية تحقيق مجتمع الأمن والسلام , فلا توجد كائنات خرافية حددت وصنفت وشرعت , ومن هنا يجب التحرر من هذا الوهم , فالتحرر منه يعنى مواجهة الإنسان لواقعه بشجاعة وممارسة سلوك مُتحرر من سلطة يتوهم أنها تتحكم فيما يفعل ليخفى مسئوليته الحقيقية أو تبعات الخوف من نظام شمولى وما أدراك ما النظام الشمولى , لذا فلتتشكل أخلاقنا عن قناعات ووعى وليس لأننا مجبرون أن نكون أخلاقيين وفق منهجية الخوف من العصا والتلويح بالجزرة , فالأخلاق ستكون أفضل بدون منهج الخوف والإنتهازية والزيف حيث يمارس الإنسان الأخلاق بحرية ونقاء .. الوعى بأننا من ننتج الأخلاق ومعايير الخير والشر يجعلنا أحرار وأصحاب مصداقية وشفافية فى سلوكنا وليس مجرد قطيع يرعى بزيف وبرمجة .

دمتم بخير وعذرا على دسامة المحتوى .
- أجمل ما فى الإنسان هى قدرته على مشاكسة الحياة فهو لم يرتقى ويتطور إلا من قدرته على المشاكسة ومعاندة كل المسلمات والقوالب والنماذج , وأروع ما فيه هو قدرته على السخرية من أفكاره فهذا يعنى أنه لم يخضع لصنمية الأفكار فكل الأمور قابلة للنقد والتطور .. عندما نفقد القدرة على المشاكسة سنفقد الحياة .
-"من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته " أمل الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,067,482,368
- المناظرة - الجزء الثالث .
- تأملات فى أسئلة تطلب التوقف والتفكير .
- المناظرة - الجزء الثانى
- المناظرة – الجزء الأول .
- الأديان بشرية تُمنهج البشاعة والإزدواجية والبلادة
- ليس وهماً فحسب بل فكرة شديدة الضرر والإنتهاك
- الحياة لاتحتاج لإله فالطبيعة العشوائية تُفسر
- الإله كما يجب أن يكون إذا كان موجوداً
- تأملاتى أثناء التوقف .
- تأملاتى وأفكارى وخواطرى
- من رحم العشوائية جاء النظام
- العشوائية اللاغائية الغير مخططة تصنع الحياة والوجود
- الطبيعة العشوائية تصنع الجمال وفهمنا ووعينا
- الكورونا يفضح بشاعة النظام الراسمالى العالمى
- الكورونا وثقافتنا البائسة , فمتى نستفيق
- إنه الترويض والتقديس..لماذا نحن متخلفون
- هل هى أخطاء إلهية أم نصوص بشرية يا أحمد
- أوهام البشر .. الجن والعفاريت والأشباح
- إنها نصوص دليفري حسب الطلب يا أحمد
- بشرية وتهافت الأديان فى حوارى مع أحمد


المزيد.....




- دوقة ساسكس ميغان ماركل تكشف عن تعرضها للإجهاض.. وتوجه رسالة ...
- طبيب مختص يكشف عن أعراض مبهمة لكرورنا!
- إثيوبيا تأمر بشن الهجوم النهائي على سلطات تيغراي في ميكيلي
- إثيوبيا تأمر بشن الهجوم النهائي على سلطات تيغراي في ميكيلي
- بعد ضجة الصورة... شقيقة محمد رمضان توجه له رسالة
- هل يستعد نتنياهو لانتخابات جديدة؟
- -وقفة جديدة مع الصديق الروسي-... السفير الروسي ينشر رسالة مف ...
- وحدات بحرية أوكرانية تفقد مراحيضها... والحقيقة تنكشف
- البرلمان الأذربيجاني يعلق على قرار مجلس الشيوخ الفرنسي بشأن ...
- بعد إقلاع أول طائرة اليوم... بدء الرحلات التجارية بين الإمار ...


المزيد.....

- صيرورة الإنسان العاقل (منعرجات تطور الجنس البشري) / مصعب قاسم عزاوي
- أسرار الدماغ البشري / مصعب قاسم عزاوي
- الفلسفة الأوروبية نهاية القرون الوسطى / غازي الصوراني
- فلسفة عصر الاقطاع في أوروبا منذ القرن السادس حتى الرابع عشر / غازي الصوراني
- عقول عظيمة - مفاتيح الاتصال المعرفي مع الفكر العالمي / مصعب قاسم عزاوي
- شروحات ختامية حول تأثير الفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى / غازي الصوراني
- ابن رشد ( 1126 م. _ 1198 م. ) / غازي الصوراني
- نقد الاركونية / الحلقة الخامسة / رواء محمود حسين
- الله ذلك المجهول / جواد بشارة
- الفلسفة الإسلامية والعلم / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سامى لبيب - المناظرة – الجزء الرابع .