أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - زمن موناليزا الحزينة: الفصل الأول/ 1














المزيد.....

زمن موناليزا الحزينة: الفصل الأول/ 1


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6648 - 2020 / 8 / 16 - 19:09
المحور: الادب والفن
    


الأعوام الخمسة الأولى من حياتها، لا تتذكّر " بَيَان " منها سوى مشاهدَ غامضة، أشبه بصوَر الفانوس السحريّ، الذي كان يأتي به رجلٌ غريب عن الحارة وذلك في أيام العيد بوجه خاص. لكن ذاكرتها، فيما عدا تلك الأعوام، بقيت على قوتها ومضائها في خلال العقود الثمانية التالية، ما جعلها ذخيرة لابنها الأوسط حينَ شاء تسجيل وقائع السلالة فيما يُشبه العمل الروائيّ. ولو أن الأم ـ وكانت شبه أمّية في حقيقة الحال ـ علمت بنيّة الابن، فإنّ من المرجّح ألا تسمح لنفسها بلعب دَور الواشي للأسرار العائلية. مع ذلك، لم تكن محرومة من الثقافة بشكل عام؛ وهذا كان بفضل رجلٍ اقترنَ بها وهيَ في السادسة عشر من العُمر.
أسرة بيان، كانت تنتمي للطبقة الوسطى، أو الميسورة بتعبيرنا المحليّ. وكان في وسع والدها أن يكون من الأغنياء، لو لم يكن متهوّراً في تبديد المال بكرمٍ حاتميّ وكذلك بمشاريع استثمار خاسرة: " بافي أوسمان " هذا، كان من الممكن أن يُدعى عصامياً في حالةٍ مخالفة، وعلى الأقل في بيئته الشعبية المتواضعة. لقد بدأ حياته العملية بأن ورثَ عن أبيه مهنة حوذيّ العربة المشدودة بالخيل، وكان مجال خدمتها بين حيّه الكرديّ وحيّ الصالحية المجاور. ثم استبدلها الابنُ بسيارة فورد، لما دخلت هذه الوسيلة من الموصلات مع الغزاة الفرنسيين في مستهل عشرينات القرن المنصرم. لاحقاً، سيغدو سائقاً لمهندس المدن، " ايكوشار "، براتب قدره تسعمائة ليرة. قريبه، " معمو "، كان يقضي الليل بطوله يجوب طرقات دمشق القديمة ـ كحارس ليليّ ـ في مقابل خمس وستين ليرة شهرياً، ناهيك أنه كان يعيل أيضاً عائلة من عدة أفراد.
بيد أن والد بطلة سيرتنا عُرف باسم أمه، " ابن شملكي "؛ وبالأحرى أن يرثَ عنها بعضَ الخصال. لقد كانت الأم عليمة في أمور الطب العربيّ، ماهرة في استخدام المغليات والنقوع، التي أساسها الأعشاب والزهور وأوراق الشجر. كانت تمنح معرفتها مجاناً، سواءً للأقارب أو الجيران. باستثناء فترة قصيرة، أعقبت وفاة رجلها وكانت في حالٍ عَسِرة لناحية تدبير أمور المعيشة. على عكس زوجها الراحل، وابنها فيما بعد، كانت حريصة على المال لكن من غير تقتير وشُح. غير ذلك، لعبت هذه المرأة دوراً أساساً في حكايتنا، طالما أنها هيَ مَن شجعت ابنها على الاقتران برابع زوجاته؛ بمَن ستنجبُ له بطلة سيرتنا. برغم ذلك، لا تكاد بيان تتذكّر من جدتها لأبيها سوى جلوسها وهيَ شبه عاجزة في أرض الديار في خلال أيام الدفء، توزع الأوامر على نساء ابنها إن كان لجهة النظافة والترتيب أو المطبخ أو الحديقة وغيرها من الأمور اليومية.

***
" حاجي "، كان العم الوحيد لبيان ويكبر والدها ببضعة أعوام. أيضاً ذكرياتها عنه محدودة، تكاد تكون في مشهدٍ واحد في حياته. كانت في سنّ الرابعة أو نحوها، عندما طلبَ منها أن تذهب إلى دكان " جروس "، الكائن في أسفل الزقاق، كي تشتري له لبناً: " ضمّي النقود بيديك، وإياكِ أن تفرديها "، أوصاها بحرص. بعد مضي فترة قصيرة، انتبهت والدتها لعدم وجودها في البيت. هنا، أخبرها حاجي أينَ أرسلَ البنت. فهتفت الأم جزعةً: " أهيَ في عُمرٍ يسمح لها بهكذا مهمة؟ ". ثم استطردت بنبرة مهددة فيما كانت تلف الملاءة السوداء على رأسها وملابسها، استعداداً للخروج من المنزل: " الويل لك، أيها الأخرق، لو جرى للبنت مكروه،! ". ثمة عند مدخل الزقاق، كان يوجد سبيل ماء، وقد وقفت بيان في مقابله تتأمل النساءَ وهن يملأن الجرار الفخارية من المعين العذب. على تلك الحال وجدتها والدتها، وقالت في براءة بينما تفتح قبضة يدها: " أوصاني عمي ألا أضيّع النقود، لكنني لم أدرِ ماذا أفعل بها ". لم يكن اعتباطاً، أن يوصفَ العم بالأخرق. إنه نشأ على شيء من التخلف العقليّ، وبقيَ إلى آخر حياته يُنظر إليه كطفلٍ كبير الحجم مثلما أنه لم يتزوج. لقد أنجبته أمه بعد نصف دزينة من الأولاد، رحلوا عن العالم في سن مبكرة بسبب الأمراض. كان ذلك بمثابة مفارقة بيّنة، بالنسبة لامرأة خبيرة بالطب الشعبيّ وتقدم خبرتها للآخرين. لكنها في حالة حاجي، كانت تُحيل الأمر إلى لعنة ربانية: رجلها، سبقَ أن أقسمَ لو استمر هذا الابن بالعيش أن يحج لبيت الله الحرام. فلما تحقق له ذلك، عاد إلى شرب الخمر بالرغم من هالة لقب الحاج، المسبوغة عليه.
المشهد الآخر، المترسخ في ذاكرة بيان عن العم الوحيد، جدَّ إبّان رحيله عن الدنيا. بضعة أيام على أثر تشييعه إلى المقبرة، ثم قدمت شقيقته " سلطانة " من الريف؛ ثمة، أينَ كان رجلها يخدم كوكيل أعمال لأحد الاقطاعيين المعروفين. نساء الدار، أتفقن على ألا يفاجئن المرأة بخبر وفاة شقيقها وأن يؤجلن ذلك للغد. هكذا عدن إلى أشغالهن، بينما سلطانة جلست في الحديقة للرحلة على أريكة هناك. بيان، كانت تلعب بين الأشجار حينَ طلبت منها العمة أن تأتي إليها. أجلستها في حضنها، ثم راحت تمازحها بالقول: " أتحبين والدك أكثر أم والدتك؟ "
" أحبهما كلاهما، يا عمتاه "، ردت الصغيرة. هنا، عادت سلطانة لسؤال ابنة شقيقها: " وعمك حاجي، هل تحبينه مثلهما؟ ". قالت بيان، مشيرةً إلى ناحية في الطرف الجنوبيّ الغربيّ للحديقة: " لقد رأيتهم يغسلونه هناك، في مياه المصنع ". فما كان من العمة إلا مقاطعة الصغيرة بصرخة ثاقبة، ثم الهروع مولولة باتجاه أرض الديار لتهتف من ثم بنساء شقيقها: " ماذا جرى لحاجي؟ هل مات حقاً؟ ".

* الرواية الأخيرة من خماسية " أسكي شام "



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بضعة أعوام ريما: الخاتمة
- بضعة أعوام ريما: الفصل الرابع عشر/ 5
- بضعة أعوام ريما: الفصل الرابع عشر/ 4
- بضعة أعوام ريما: الفصل الرابع عشر/ 3
- بضعة أعوام ريما: مستهل الفصل الرابع عشر
- بضعة أعوام ريما: الفصل الثالث عشر/ 5
- بضعة أعوام ريما: الفصل الثالث عشر/ 4
- بضعة أعوام ريما: الفصل الثالث عشر/ 3
- بضعة أعوام ريما: الفصل الثالث عشر/ 2
- بضعة أعوام ريما: الفصل الثالث عشر/ 1
- بضعة أعوام ريما: بقية الفصل الثاني عشر
- ثمنُ المكالمة
- بضعة أعوام ريما: الفصل الثاني عشر/ 3
- بضعة أعوام ريما: مستهل الفصل الثاني عشر
- بضعة أعوام ريما: الفصل الحادي عشر/ 5
- بضعة أعوام ريما: الفصل الحادي عشر/ 4
- بضعة أعوام ريما: الفصل الحادي عشر/ 3
- بضعة أعوام ريما: مستهل الفصل الحادي عشر
- بضعة أعوام ريما: بقية الفصل العاشر
- بضعة أعوام ريما: الفصل العاشر/ 3


المزيد.....




- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل في قطاع السينما بعد توقيعه ...
- كاثرين دينوف.. أيقونة مهرجان كان السينمائي الخالدة التي لا ي ...
- تضارب في الروايات بشأن أسبابه.. انفجار غامض قرب مطار كسلا يخ ...
- مهرجان كان السينمائي مرآة للآراء السياسية
- ذاكرة الشاشة المصرية: كيف شكلت البرامج الثقافية وعي الأجيال؟ ...
- باربرا سترايساند تعتذر عن عدم حضور تكريمها بمهرجان كان السين ...
- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل سينما بعد توقيعهم عريضة ضد ...
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: التقت الفرق ا ...
- من الذكاء الاصطناعي إلى غبار غزة.. نشاط الصالون الثقافي بمعر ...
- بحرينية ترصد آلاف الأعمدة الصخرية الشاهقة بالصين بمشهد كأنه ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - زمن موناليزا الحزينة: الفصل الأول/ 1