أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود الصباغ - سقوط الديمقراطية في سوريا في الفترة ما بعد الاستقلال حتى الوحدة مع مصر















المزيد.....



سقوط الديمقراطية في سوريا في الفترة ما بعد الاستقلال حتى الوحدة مع مصر


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 6514 - 2020 / 3 / 14 - 09:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تحلل هذه الورقة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للسنوات الممتدة ما بين استقلال سوريا في العام 1946 و حتى العام 1958 تاريخ الوحدة مع مصر التي أدت إلى سقوط الديمقراطية في البلاد. وبرغم ما تم الحصول عليه بشق الأنفس من إنجازات سيادية و إنشاء مؤسسات ليبرالية بعد العام 1946, فقد واجهت سوريا عقبات عدة حالت دون ترسيخ الحالة الديمقراطية وتعرض استقرار لدولة إلى الزعزعة بسبب الفوارق الاقتصادية بين المواطنين و التدخل العسكري والنزاعات الاجتماعية القاسية المتفاقمة الناتجة عن الشعور العميق بانعدام الأمن. فلم تكن البلاد, خلال السنوات الأولى لنشأتها بعيدة عن الاضطرابات الاجتماعية و المناهضة للاستعمار التنافسات الناجمة عن الحرب الباردة . و من أجل التغلب على هذه التحديات, شرعت الديمقراطية الفتية السير في طريق التحديث الدفاعي عبر ارتقاء الجيش قمّة هرم السلطة السياسية.
و للوصول إلى أسباب سقوط الديمقراطية في سوريا, تقوم هذه الدراسة بتحليل بعض العوامل المسببة لذلك, مثل : الصراع الاجتماعي, الضعف المؤسساتي, صعود الأحزاب الراديكالية, تسييس الجيش, و أخيراً دور البيئة الخارجية السلبية. كما تلفت الدراسة النظر إلى التغيرات في الطبقات الاجتماعية مثل إضعاف النخب الليبرالية ذات الشرعية الآخذة في التآكل لفشلها في مواجهة التحديات التي فرضتها عملية التصنيع المتأخرة و المنافسة الأجنبية, كما تولي أهمية خاصة إلى ولادة طبقة وسطى جديدة التي تبنت التوجهات الراديكالية بفضل الأحزاب السياسية في مواجهة الأوليغاركية و الإمبريالية. وتفترض هذه الورقة أن انهيار الديمقراطية في سوريا يمكن أن ينظر إليه على أنه نتيجة للتطورات الداخلية و الضغوطات الخارجية.
مقدمة:
أظهر استقلال سوريا في أواخر أربعينيات القرن الماضي أن إقامة دولة قابلة للحياة يمثل تحديًا كبيراً, فبعد قرون من الهيمنة الاستعمارية، كان متوقع من الحكومة أن تؤدي وظيفتها بكفاءة لتوفير الأمن الإقليمي والاجتماعي. وكما يشير لينز وستيبان(1): من أجل إدامة النظام الديمقراطي ينبغي لهذا النظام أن يوفر الحد الأدنى من الموارد الاقتصادية. وقد أضافت الصراعات الإقليمية و التنافس الاقتصادي الأجنبي و الحرب الباردة المزيد من الضغط على المهمة الشاقة لتشكيل حكومة مستقرة ومتجاوبة مع هذه الصعوبات, فقد أدت النزاعات المريرة التي أثارتها الفوارق الاجتماعية إلى زعزعة استقرار الدولة, كما تسببت المفاهيم المتنوعة لشكل الدولة في تنافس بين ممثلي السلطة ممثلين في القوميين و الناصريين والأحزاب الاشتراكية في عملية تعريف سوريا و صياغة مسار التنمية السياسية و الاقتصادية السورية لمرحلة ما بعد الاستقلال.
و سوف تبحث هذه الدراسة في العوامل التي أدت إلى تقويض النظام الديمقراطي في سوريا وانتقال البلاد إلى الحكم الاستبدادي.
بعد مقدمة موجزة لمسألة الهوية في الدولة الفتية الحديثة، سوف يتم تحليل المحددات التي سمحت بتفكيك البنى الديمقراطية، مثل انهيار النخب الليبرالية، والصراع الاجتماعي، وظهور طبقة راديكالية جديدة، وصعود الأحزاب الراديكالية وأثر العوامل الخارجية والتحديث الدفاعي. مع التركيز على التهديد الخارجي والصراع الاجتماعي الحاد الذي سبق [ إعلان ] الجمهورية العربية المتحدة.
هناك تفسيرات مختلفة لأسباب الانهيار الديمقراطي في سوريا. ويزعم [ سامي] مبيض(2) أن محاولات الإطاحة بالحكومة على يد الفرقاء المتعاطين مع طرفي نزاع الحرب الباردة دمّر فرص بناء ديمقراطية مستقرة في سوريا. و ينتقد هيدمان هذا التركيز على المؤامرات الدولية(3) معارضاً مبيض بقوله أن انهيار الديمقراطية في سوريا لم يكن سببه "مؤامرات تحيكها القوى الأجنبية بل بسبب ديناميكيات الاقتصاد السياسي السوري" (4). وضمن هذه الخلفية النظرية، تعكس هذه الدراسة انشغالها المزدوج بكل من العوامل الداخلية والخارجية التي تسببت في انهيار الديموقراطية في البلاد, كما تجادل بأن من أسقط النظام هو جملة من حسابات متكاملة و متزامنة من التهديدات الخارجية والانقسامات الداخلية. وقد كان لمجموعة من العوامل الاجتماعية والبيئة الخارجية السلبية دوراً حاسماً في فشل تدعيم الديموقراطية السورية.
يظهر تاريخ سوريا الطويل مع الاستعمار، ودلائل التدخل الأجنبي في شؤونها الداخلية، بما في ذلك دعم الانقلابات العسكرية، أن السياسات الداخلية السورية لم تتأثر فقط بالصراعات على السلطة الداخلية فحسب، بل تأثرت أيضاً بالعلاقات العربية والسياسة التنافسية لأطراف الحرب الباردة. و يظهر العداء السوري للقوى الغربية واضحاً بعد دعم الغرب [ لقيام ] ودوره في حرب السويس، وبدأ الاتحاد السوفييتي تدريجياً في مواجهة النفوذ الغربي في سوريا وعززت صفقات الأسلحة وأشكال التعاون الاقتصادي الأخرى العناصر اليسارية في سوريا وأعادت القضايا الاجتماعية إلى الواجهة بشدة.
وسوف يتم التركيز في هذه الدراسة على الفترة التي سبقت الوحدة مع مصر الناصرية، والتي أنهت عمليا فترة الديمقراطية القصيرة، أكثر من التركيز على الأحداث التي سبقت مباشرة انقلاب البعث في العام 1963. و سوف تحلل هذه الدراسة, بدلاً من ذلك, مجمل العوامل التي سمحت بحدوث الانقلاب والتي أدت بشكل غير مباشر إلى الاستبداد.
مسألة الهوية
لابد من الأخذ في الاعتبار السياق التاريخي الخاص- باعتباره سياقاً حاسماً- من أجل فهم تلك البرهة الديموقراطية القصيرة في سوريا. لقد جاءت ولادة الدولة كنتيجة للنضال القومي ضد الإمبريالية، مما أدى إلى تطرف المشاعر القومية في سوريا(5). وقد ساهم ترسيم الاعتباطي للحدود من قبل القوى الاستعمارية في عدم تحقيق مطامح سوريا الكبرى, فقد أدى هذا الترسيم التعسفي إلى خسائر إقليمية لسوريا التاريخية - فلسطين ولواء اسكندرونة ووادي البقاع وأجزاء من ساحل البحر الأبيض المتوسط -. غير أن الروابط التاريخية والثقافية والسياسية بين الدول المقسمة مهدت الطريق أمام ظهور الحركات الراديكالية, فقد كانت الحركات القومية العربية و القومية السورية و الإسلامية متجذرة بعمق في عقول السوريين لدرجة أن الرأي العام سوف لن يتسامح مع أي انحراف يبتعد عن التوجه القومي العربي(6). على الرغم من أن تركيز الحياة السياسية السورية منذ العام 1946 قد تحول من النضال القومي إلى مواجهة تحديات ناء دولة قابلة للحياة، إلا أن النزعة القومية العربية ظلت تياراً مهيمناً في السياسة السورية. وكان الهدف الرئيسي لهذه النزعة القومية تعويض الإذلال الاستعماري بإعادة توحيد الأراضي العربية المقسمة, وقد وفرت هذه العقلية الدعم الإيديولوجي اللازم للوحدة مع مصر, وهكذا , ومن خلال موجة عارمة من النشوة العربية تم التنازل عن المؤسسات الليبرالية لصالح مصر الاستبدادية, واعتبرت الوحدة العربية وسيلة لتأمين التنمية الاجتماعية والاقتصادية. وكانت الأقليات في سوريا أكثر من تأثر بالإيديولوجيّة القومية العربية باعتبار هذه الإيديولوجية وسيلة للحفاظ على وضعها وأمنها, وأظهرت هذه الأقليات مزيدا من التوجهات الراديكالية بسبب " الضعف المزدوج " الذي تعاني منه البلاد: أي تهديد الغزو الأجنبي والخطر الذي تمثله الأغلبية السنية على موقعهم الداخلي.
ضعف النخب الليبرالية.
سيطرت على سوريا, في أربعينيات القرن الماضي مجموعة من خمسين عائلة بارزة من الأرستقراطيين ملاكي الأرض يتمتعون بتفوق لا يقارن على الصعيد الاقتصادي و السياسي ويستمدون قوتهم تلك من تملطهم للأراضي و توليهم المناصب العامة الهامة في المدن. ومع ذلك، أدت التوترات الاجتماعية المذكورة أعلاه، وغياب الإصلاحات وتهميش بعض الفئات الاجتماعية إلى " التفكك سريع العطب للنظام الأوليغاركي " (7). وفي تلك الفترة, افتقر القوميون المخضرمون إلى الدعم الشعبي, وتم استجواب قيادة الكتلة الوطنية بسبب المفاوضات غير الناجحة للمعاهدة مع الفرنسيين والتي فشلت, أي المفاوضات, في منع الخسائر الإقليمية لأراضي سوريا التاريخية, وترك البلاد تتعامل في وحدة نقدية مرتبطة بالفرنك الفرنسي. وحسب ما يطرحه ماكس فيبر بخصوص الشرعية السياسية(8)، فقد افتقر الأعيان إلى السلطة التقليدية لتعزيز مكانتهم. لقد حصلوا على الأراضي في المرحلة الأخيرة من الحكم العثماني وأصبحوا أثرياء من خلال الفرص التجارية التي خلقتها ظروف الحرب العالمية الثانية. ولم يطور جزء كبير من ملّاك الأراضي الغائبين أي إحساس بالمسؤولية الاجتماعية والسياسية تجاه الريف. أما الأحزاب القيادية فقد كانت نخبوية وغير متواصلة مع الجماهير، ولم تكن تمثل أمة ثلثيها تقريباً من الفلاحين. لم ترق حكومة ما بعد الاستقلال إلى مستوى الضغوط السياسية المختلفة، مثل المشاركة الطويلة والفاشلة في الصراعات الإقليمية، وفشل مشروع التنمية الاقتصادية الذي تقوده الدولة، وتفشي الفساد البيروقراطي، وارتفاع الديون الخارجية، وازدياد التضخم ومعدلات البطالة، وارتفاع منسوب القمع المحلي (9).
مثّلت الكتلة الوطنية السورية مجموعة واسعة وغير متجانسة اتحدت ضد عدو مشترك-الفرنسيين. وبعد تحقيق مهمة التفاوض على الاستقلال وصياغة الدستور، ظهر داخل الكتلة الاختلاف في الآراء و الرؤى لمشاريع لمستقبل الدولة السورية.
وبعبارات ميشيل عفلق:" لفهم إفلاس الكتلة، يجب على المرء أن يدرك أن أفراد الكتلة أنفسهم لم يكن لديهم نظرة شاملة؛ إذ اقتصر طموحهم على بقائهم السياسي ودرجة محدودة من الاستقلال للبلاد. لقد تخلفوا كثيراٍ عن الرأي العام، وخاصة الشباب، الذين تعرضوا عبر سنوات عدة لأفكار البعث والشيوعية. لقد أعطى البعث للجماهير طموحات أوسع، على صعيد المشروع الاجتماعي و المشروع القومي" (10).
لم يكن حزب الشعب يمثل بديلاً حقيقياً للكتلة الوطنية - فقد تعرض للاستنكار من قبل الرأي العام بسبب صلاته مع العراق وعلاقاته بالمصالح الإقطاعية. ركز الخطاب العام على التقدم بدلاً من الديمقراطية. وكان الاهتمام الرئيسي منصباً على الدفاع عن المصالح الطبقية و الوطنية، وليس حماية النظام الديمقراطي(11). لم تتمكن الأحزاب المنقسمة من إجراء الإصلاحات بعيدة المدى اللازمة لتحسين البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في سوريا, وقدم كل من الحزب الوطني وحزب الشعب [ المنقسمين أساساً من الكتلة الوطنية- المترجم ] برنامجاً سياسياً غامضاً تركز في الغالب على " تذكير الجماهير بإنجازاتهما الوطنية في ظل الانتداب" (12). وتقاسم خصومهما المشتركين الاهتمام في خدمة النظام القديم ولم يشجعوا الأعيان المحافظين على التعاون لمواجهة الراديكاليين.
بدأ البعثيون والشيوعيون يحققون مزيداً من النجاح في اكتساب المزيد من السيطرة على الجبهة الوطنية وحزب الشعب. ويمكن القول بأن التعديل الدستوري الذي سمح بإعادة انتخاب شكري القوتلي لولاية لثانية مدتها خمس سنوات قوضت عملية الإصلاح من خلال إضعاف " السلطة القانونية العقلانية " المؤمنة بأهمية المعايير الديمقراطية التي يمكنها أن تُعدّل فقط للحفاظ على شخص ما في السلطة. لقد ساهم غياب الإصلاحات في الوقت المناسب في انهيار العملية الديمقراطية بعد أربعة عشر شهراً (13).
مثّلت انتخابات العام 1954, التي تم إصلاحها بإدخال آلية الاقتراع السري لها، عودة سوريا إلى الحكم البرلماني بعد فترة من الديكتاتورية العسكرية. وتُظهر مقارنة الانتخابات الديمقراطية والحرة في سوريا أهمية التغيير الاجتماعي السياسي. حقق العام 1949 نجاح المحافظين: فقد فاز حزب الشعب بمعظم مقاعد البرلمان البالغ عددها 114 مقعداً, لكن الحزب الوطني شكّل ائتلافا مع عدد قليل من النواب المستقلين, فيما ذهبت مقاعد قليلة جداً للأحزاب الراديكالية. وفي العام 1954، بدأ يتأرجح الميزان لصالح عناصر الجناح اليساري، لا سيما حزب البعث الذي حصل على 22 مقعداً، مقارنة بمقعد واحد فقط قبل خمس سنوات. كان التحول في السلطة مرئياً من منظورٍ طبقيّ: ففي العام 1949 كان ستة من أصل سبعة نواب من حماة من ملاك الأراضي, بينما لم يفز سوى مالك أراضي واحد في انتخابات العام 1954 رفقة ستة ممثلين من المعارضة الفلاحية(14). و على الرغم من النجاح النسبي للأحزاب الراديكالية، فقد تمكن حزب الشعب من الفوز بأكبر عدد من الأصوات, كما حصل الحزب الوطني على 19 مقعداً.
انتقد عدد كبير من أعضاء البرلمان المستقلين ممن يمتلكون انتماءات سياسية غير واضحة ضعف نظام الأحزاب السياسية - كانت الأسرة أو الدين أو مكان الميلاد العوامل الحاسمة في انتخاب الأعضاء، بدلاً من الأيديولوجية المشتركة(15). وكانت قرارات البرلمان عرضة للتغيير بسبب من تراخي الانضباط الحزبي ووجود عدد كبير من المستقلين، وكان من الواضح بأن أعضاء البرلمان غير الحزبيين يمكنهم لعب دوراً قوياً, ولكنه في ذات الوقت دور لا يمكن التكهن به. ويشير العدد الكبير من النواب المستقلين إلى عدم الثقة في المؤسسات أو حتى المجموعات، بما يؤكد نظرية هنتنغتون بأن المشكلة الرئيسية في تدعيم الديمقراطية لا تتعلق بإدخال العملية الانتخابية، بل في تعزيز الولاء للمؤسسات. ويظهر تحليل الانتخابات أن البرلمان في دورتي 1949 و 1954 كان ضعيفاً ومنقسماً بشكل حاد ويفتقر إلى القيادة, ولم يتوفر على أغلبية واضحة أو حتى إمكانية تحقيق تحالف عملي. فلم يستطع البرلمان السوري المنقسم أن يرتقي إلى مستوى القيادة الرئاسية, و اعتبر القوتلي، الذي أعيد انتخابه في العام 1955، شخصية سياسيّة ضعيفة، وغير قادر على إعطاء البلاد إحساساً بالقيادة، وكان لا يحظى بشعبية بين أوساط الجيش منذ العام 1948. و فشلت حكومة صبري العسلي [ ينتمي للحزب الوطني-المترجم]التعددية, و المكونة من بعثيين وثلاثة من حزب الشعب وعضوين من الكتلة الديمقراطية الليبرالية واثنان من الكتلة الدستورية واثنان من القوميين، في التعاون وأدت إلى أزمة برلمانية أخرى. وبين عامي 1946 و 1956, ظهرت في البلاد عشرين حكومة مختلفة صاغت أربعة دساتير منفصلة أدت إلى زعزعة النظام الديمقراطي.
الصراع الاجتماعي
يمكن النظر إلى الصراع الاجتماعي الحاد كمصدر رئيسي لعدم الاستقرار وعامل يؤدي إلى تغيير النظام. وفي الفترة ما بين 1946 و 1958 كانت سوريا دولة ذات فوارق كبيرة و تتمتع بأحد أدنى مستويات التنمية في المنطقة واقتصاد متخلف يعتمد بشكل أساسي على الزراعة, ناهيك عن التباين الشديد بين المناطق الريفية و المناطق الحضرية. لم يخفف ازدهار ما بعد الحرب من التفاوت الاقتصادي العميق, فم يتكن سوى أبناء الطبقات العليا والمتوسطة من الحصول على فرص أوسع من التعليم والتحضر والتحديث لتي بقيت بعيدة المنال عن العمال أو الفلاحين، مما زاد من اتساع الشقة بين الأغنياء والفقراء(16). ويلفت لينز وستيبان الانتباه إلى الاقتصاد كعامل رئيسي في الحفاظ على الديمقراطية، ويشيران إلى أن التوترات المرتبطة بالظروف الاقتصادية مثل البطالة والتضخم المرتفع والتأخر في إعادة تنظيم الصناعة غالبًا ما تؤدي إلى انهيار ديمقراطي وانتقال سياسي(17). وهذا ما كان عليه الحال جزئياً في سوريا، حيث تم التشكيك في مزايا الديمقراطية والاستقلال في غياب التحسينات الاقتصادية، التي تم إلقاء اللوم فيها على السياسيين والاقتصاديين(18). تعرضت الحكومة لانتقادات شديدة بسبب الظروف الاقتصادية السيئة، مثل القرى المكتظة
التي تفتقر إلى المرافق الأساسية للحياة الحديثة وارتفاع تكلفة المعيشة مقارنة بالدول المجاورة. وعلى الرغم من أن سوريا لديها إمكانات اقتصادية كبيرة، كما أشاد بذلك تقرير البنك الدولي، إلا أن افتقارها إلى تحسين ظروف العمل المترافقة مع تخفيضات متكررة في الأجور وارتفاع معدلات البطالة شكّل مصدراً لصراع اجتماعي سياسي(19). واعتبرت الحكومة غير قادرة على توفير الحماية من التهديدات الخارجية ولا حتى توفير الحد الأدنى من الضمان الاجتماعي. أدى ارتفاع الضرائب والأسعار الباهظة إلى تنامي السخط الاجتماعي. واختار العديد من المستثمرين تسيير مشاريعهم في لبنان بسبب التخلف الإداري في سوريا، والرسوم الجمركية العالية وضعف البنية التحتية(20). وفوق كل هذا كانت الحكومة السورية موضع تساؤل بخصوص الإنفاق الحكومي بسبب الإسراف في تمويل عشرة مشاريع تنموية كبيرة ابتدأ العمل فيها من دون خبرة ولم تؤثر على القدرة التنافسية للصناعة السورية الناشئة(21). و كان للحرب العربية الإسرائيلية في العام 1948 تداعيات خطيرة على الشأن الداخلي السوري. لقد كشفت [ الحرب ] عن نقاط ضعف الدولة وعدم الاستعداد، والفصل بين الخطاب السياسي الواعد بانتصار مبكر والواقع القاسي الذي أعقب ذلك. شعر الشعب المضلل بخيبة أمل مريرة من قادة البلاد. وقد أدت الحرب إلى تشويه سمعة القوتلي، الذي أظهر نفسه زعيم لا يمتلك القدرة على الحسم المطلوب في وقت الأزمات وغير قادر على تشكيل حكومة قوية. وقد أثيرت أصوات مثيرة للقلق من أن النظام الديمقراطي يفقد مصداقيته، والسبب الحقيقي لاستقطاب الجماهير ليس فلسطين بل العجز الحكومي(22). تدهور الوضع الداخلي في سوريا في أعقاب حرب العام 1948، فارتفعت الأسعار كما أن استمرارية التمويل النقدي القائم على عملة غير مستقرة لا تزال مرتبطة بالفرنك الفرنسي أدى إلى حالة كارثية.
" ردكلة" الطبقة الوسطى
تم تسييس الفلاحين بغية الحصول على الأرض وخيبة أملهم بطبقة ملاك الأراضي لعدم قيامهم بإصلاحات جذرية واسعة (23). لكن الفلاحين لا يمكنهم إحداث تغيير جذري دائم بمفردهم. كانت القوة الثورية الرئيسية تتألف من تحالف بين الطبقة الوسطى والفلاحين الذين قدموا الدعم للأحزاب الراديكالية(24). علماً أنه تم حرمان الطبقات الأخرى من الصعود الاجتماعي والنفوذ السياسي في ظل حكم الأعيان الحضريين سكان المدن. وتمكن عدد قليل فقط من ممثلي الطبقة الجديدة من الحصول على مقعد في البرلمان أو المؤسسات السياسية الأخرى، والتغلب على المحسوبية والفساد و " شبكة من التحالفات المتينة بين العائلات البارزة" (25). وحيث أن قنوات التأثير الرسمية على العملية السياسة باتت مغلقة فقد كانت الطبقة المتوسطة الجديدة تتوق إلى ثورة من شأنها أن تتيح لها الوصول إلى السلطة. ففي الصراع بين ملاك الأرض و الفلاحين، كانت الطبقة الوسطى الجديدة هي القوة التي قلبت التوازن لصالح الأخيرة.
تتألف الطبقة الوسطى الجديدة من عمال القطاع العام والجنود والمدرسين والفنيين والصحفيين والمحامين وغيرهم. وبين عامي 1939 و 1947 ، زاد عدد موظفي الخدمة المدنية ثلاثة أضعاف ، مما جعل الرواتب تزيد عن نصف الميزانية العامة و مدفوعاتها تشكّل أكبر إنفاق للدولة(26). فهذه الطبقة التي تعتمد في دخلها على الدولة بشكل أساسي، لم تكن معتمدة على نفسها وكانت بحاجة إلى حكومة قوية كوسيط رئيسي(27). تم افتراض أن الاعتماد الشديد سوف يعرقل عمل الديمقراطية المستقرة التي تتطلب مجتمع مدني قوي ومستقل، يقوم أساساً على الطبقة الوسطى.
صعود الأحزاب الراديكالية: القومية والعروبية
ترك تراجع تأثير المحافظين المشهد السياسي مفتوحاً أمام ظهور الأحزاب التقدمية. وبدأت الأحزاب الراديكالية, منذ بداية الأربعينيات، في تكريس نفوذها ضمن طيف واسع من المجتمع السوري. وضمت الأحزاب العقائدية كل من حزب البعث، والحزب الشيوعي السوري، وحزب الشعب، والحزب القومي السوري الاجتماعي، والإخوان المسلمين، وحزب الشباب. وجدت هذه الأحزاب دعماً بين الطبقات التي اعترضت على نظام حكم الأوليغاركية وسعت إلى إعادة هيكلة المجتمع السوري. حشدت الأحزاب الراديكالية الفلاحين والعمال، لكن ما دفع هذه الأحزاب نحو السلطة هو تحول الطبقة الوسطى إلى الراديكالية, وقد استفادت الأحزاب العقائدية من الصراعات بين العناصر السياسية المتنوعة في البلاد، فأطلقت وعودها بالتنمية السورية من خلال الوحدة السياسية والاقتصادية العربية. كان يُنظر إلى التغيير الجذري الراديكالي على أنه طريق تحديث البلاد بحيث يمكنها منافسة الغرب(28). ونمت الإيديولوجية القومية التي طورها حزب البعث العربي الاشتراكي في أرض خصبة بعد إنشاء دولة إسرائيل. وقد تمتع الحزب بشعبية خاصة بين الأقليات التي كانت تأمل في الارتقاء الاجتماعي بسبب إدانة الحزب للانقسامات الطائفية والمذهبية. وكان يتم تجنيد أنصار الحزب من خلال مؤسسات فوق طائفية مثل مؤسستي التعليم والجيش, وتم التسييس الكامل لمعظم الطلاب العسكريين من "جيل التوقعات العالية " أثناء انتسابهم للأكاديميات العسكرية(29). و على الرغم من أن الجماعات الراديكالية كانت نشطة للغاية ومؤثرة بشكل متزايد، إلا أنها لم تستطع الوصول للسلطة عبر الوسائل الديمقراطية. وحتى في أوج نجاحه الانتخابي سنة 1955، حصل حزب البعث على 19 مقعداً فقط من أصل 142 مقعداً في البرلمان. ولم يجد الحزب أي طريقة للحفاظ على موقفه من خلال المناورة الداخلية، فتوجه إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر للمساعدة.
التحديث الدفاعي
تبنت سوريا التحديث بشكل أساسي كوسيلة لتحسين موقعها العسكري في الشرق الأوسط وتستند نظرية " التحديث الدفاعي" (30) على التنافس الاقتصادي و السياسي و العسكري بين الدول للحصول على مكانة لها في الساحة الدولية. وقد دفعت صدمة الهزيمة العسكرية في حرب العام 1948 إلى القيام بعملية تحديث للجيش، فضلا عن التنمية في السياسة الاقتصادية من أجل تمويل و تنظيم الجيش, فارتفعت نسبة تمويل الدفاع الوطني في الميزانية السورية كما ازداد عدد القوات العسكرية من 25000 في العام 1949 إلى 60.000 في العام 1963 (31).
وحثت التهديدات الخارجية على تكثيف الاستعدادات العسكرية, فتم تنفيذ خطط بناء الملاجئ ضد الغارات الجوية، وتوسيع التعليم العسكري وتعزيز الدفاعات الحدودية. و تم الإعلان في العام 1956، عن برنامج تأهيل المدنيين على الصعيد الوطني بما في ذلك النساء. و هذا النوع من التحديث القومي كان يفضل الاستقرار على المشاركة الديمقراطية الواسعة. وقد شجع التحديث الدفاعي على التحرك نحو المركزية المفرطة لسلطة الدولة السورية(32). سهّل مثل هذا الخلق للبنية التحتية لتدخل الدولة من الوصول إلى مرحلة الاستبداد. و يؤكد كل من سادوسكي(33) و شايتاني(34) و سيلز(35) أن مثل هذا الاستجلاب للاستبداد كان عاماً في المجتمع السوري لجهة لعب دور الدولة جانباً أكبر في الاقتصاد السوري, واعتبرت الحكومة المركزية والسلطة القوة الوحيدة القادرة على توليد رأس المال وتطوير الصناعة وحماية الحدود.
تم تعزيز قوة الدولة في البداية بدعم من النخب الليبرالية، التي حافظت على سيطرتها على المؤسسات، ومن قبل رجال الأعمال، الذين يعتمدون على الدولة في نجاح أعمالهم. وكما يشير سادوسكي(36) , فأن تمدد نفوذ الدولة نحو الاقتصاد كان هو الاتجاه السائد في سوريا منذ العام 1946. فقط بعد الاستقلال لم تمارس الدولة نفوذاً كبيراً على الاقتصاد من خلال سيطرتها على التعريفات (الطرق والمدارس والاتصالات), ولكن في غضون عشرين عاماً [تلت]، تطورت الدولة لتصبح أقوى مؤسسة اقتصادية في البلاد و أحكمت بحلول العام 1950 سيطرتها على حوالي 8.3٪ من الدخل القومي، الذي زاد بأكثر من ثلاثة أضعاف إلى 27.9٪ بحلول العام 1965(37).
مع ظهور أزمة العام 1948, لم تكن الحكومة السورية قادرة على ضمان الأمن الخارجي، ولا السلامة الداخلية للمدنيين. وأجبرت الإضرابات وأعمال العنف، بما في ذلك قتل 76 يهودياً دمشقياً، الإدارة المدنية على إعلان حالة الطوارئ وطلب مساعدة الجيش للحفاظ على النظام. ومما هو مدعاة للسخرية أن الجيش المسيّس كان الوسيلة لنقل الاستياء العميق لثورة المواطنين بدلاً من أن يكون أداة قمع لهم. بدأ الجيش في تقديم نفسه على أنه الهيئة الوحيدة القادرة على الحفاظ على استقلال الأمة. ونظراً لضعف المؤسسات المدنية بعد الاستقلال، ظهر الجيش على أنه " القوة الاجتماعية ذات التوجه الوطني الأكثر تنظيماً مع الحصة الأكبر في الدولة والأفضل تجهيزاً لفرض النظام" (38). وكانت مؤسسات مثل الأمن العام و القوات الخاصة Troupes Spéciales and Sûrete Générale التي أنشأت خلال الانتداب الفرنسي آخر المديريات التي تم نقلها لسيطرة السورية تعلو لتصبح رمزاً للوحدة والقوة الوطنية. هذا عزز الصلة بين الجيش والاستقلال، مؤكدا على دور الجيش كحامي للسيادة(39).
جلبت الحرب الفلسطينية العداء بين الحكومة والجيش، حيث ألقى كل منهما سبب الهزيمة على الآخر. وبينما اشتكى الضباط من فقر المخصصات و المعدات المعيبة وغير الكافية، اتهمت الحكومة الجيش بالرشوة وضعف القيادة. و أدت فضيحة " السمن" التي اتهم فيها العقيد أنطوان البستاني المعين من قبل الزعيم حسني الزعيم بالتربح على حساب الجيش، حوّل الجيش ضد السياسيين، الذين كانوا يتهمون من التدخل في الشؤون الداخلية للجيش وليس تحمل مسؤولياتهم في محاسبة مسؤوليهم الفاسدين. وبالتالي حمّل العسكر, فضلاً عن الصحافة السورية مسؤولية خسارة الحرب لكل من القوتلي و[خالد] بك [ العظم] و طالبتهم بالاستقالة. وقد استخدم الزعيم سوء الحكم وعار الهزيمة كمبرر أخلاقي لانقلابه.
نجح الزعيم بدعم سري من الولايات المتحدة (40), في إقناع الضباط القوميين بأن الحكم العسكري يمكن أن يكسب الحرب. وأصبحت كلمة" فلسطين" الشعار الذي دفع بالجيش للوقوف إلى جانبه (41). و في الحادي عشر من نيسان- أبريل 1949 استولى حسني الزعيم على السلطة, مدعوماً من قبل شرائح واسعة من سكان المدن و المناطق الحضرية التي كانت غير راضية عن غلاء الأسعار و البيروقراطية غير الكفؤة. أيدت الصحافة الانقلاب وخرجت عناوينها تقول " لاشك في أن سوريا ستفقد بعض من حريتها , لكن حاجة الدول حديثة النشأة للانضباط أكبر من حاجتها للحرية" (42).
[ تعد حادثة " السمن" مشهورة في التاريخ السورية الحديث , وهي تلخص أحد الذرائع وراء انقلاب حسني الزعيم, ففي الخامس عشر من شباط-فبراير 1949 قام الرئيس شكري القوتي و رئيس الحكومة خالد بك العظم بجولة تفقدية لمستودعات الجيش, و قد " لاحظا " أن عملية الغش في " السمن" المخصص لإطعام الجيش, فأمرا على الفور بكف يد العقيد أنطوان البستاني عن العمل و توقيفه رفقة المتعهدين المدنيين, وجرى الهمس عن علاقة حسني الزعيم بهذه القضية ( انظر , نصوح بابيل صحافة و سياسة: سورية في القرن العشرين ط2, " بيروت, لندن: رياض نجيب الريس للكتب و النشر 2001" ص 420 ) و كذلك محمد جمال باروت, التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة و إشكاليات التحول من البدونة إلى العمران الحضري ط1" المركز العرب للأبحاث و دراسة السياسات", بيروت 2013- لمترجم]
على الرغم من فترة حكمه الوجيزة، إلا أنها كانت غنية بالعواقب على الديمقراطية في سوريا. قام الانقلاب الأول في الشرق الأوسط بتفكيك النظام التقليدي وقدم نموذجاً للانقلابات المستقبلية. أنجز الديكتاتوريون العسكريون المتعاقبون عملية تحويل الجيش إلى أداة سياسية: قام الزعيم بتدعيم وإعادة تجهيز قواته ووضع الشرطة والدرك تحت سيطرة هذه القوات. كما قام العقيد أديب الشيشكلي بزيادة تعداد عناصر الجيش وتعزيز دوره السياسي من خلال ترقية الضباط الوطنيين الشباب إلى الوظائف السياسية, حيث كان طموحه أن تصبح سوريا بمثابة "بروسيا الدول العربية" و " القلعة الفولاذية" التي ستنطلق منها شرارة التحرير إلى جميع بلدان العالم العربي" (43). في العام 1954، تمت تنحية الشيشكلي، لكن إرثه السياسي في طمس الحدود بين السلطات العسكرية والسلطات المدنية ظل قائماً. فمازال الجيش يحمل جميع الأوراق - لا يمكن لأي حكومة أن تقدم سياسة لا يوافق عليها الجيش. كان التهديد بالتدخل العسكري عاملاً مزعجاً بما يكفي للحكومة لكي تأخذ في اعتبارها رأي الجيش وقد جعل منه هذا النفوذ الداخلي أقوى قوة منفردة في السياسة السورية (44).
على الرغم من كل هذا، كانت قوة الجيش السوري نسبية للغاية. فأولاً، لم تكن القوات العسكرية قوية بما يكفي للدفاع عن سوريا ضد جيرانها. وثانياً، كانت القوات منقسمة حول ما يتعلق بالحفاظ على السلطة الداخلية لفترة طويلة من الزمن. أثبتت التغييرات السريعة في الحكم العسكري من حسني الزعيم إلى سامي حناوي إلى فوزي سلو إلى أديب الشيشكلي والانهيار المبكر للقوة العسكرية أن الجيش لا يمكنه الحكم بمفرده(45).
صنف نورتون الجيش السوري كنموذج عسكري للفلاحين ولجيش تهيمن عليه الأقليات، حيث تصبح السيطرة على الجيش ضرورة وجودية للأقليات والجماعات المحرومة اجتماعياً( 46).
ويصبح الجيش نقطة انطلاق للصعود الاجتماعي وبالتالي يشجع الطبقات الدنيا على الانضمام إلى صفوفه, لكن عيب هذا الاتجاه كان أن الجيش سوف يعكس واقع تجزئة المجتمع على أساس الأسرة والإثنية و- بشكل متزايد - على أساس إيديولوجي، وسوف ينتج صراعات داخلية مستمرة على السلطة (47).
العوامل الخارجية
اختلطت المنافسة ما بعد الحرب على السيادة الإقليمية بين العراق ومصر في السياسة السورية من خلال الدعم الأجنبي لمختلف الجماعات السياسية. كما أظهرت حرب 1948 والوحدة مع مصر أن السياسة الداخلية السورية كانت منخرطة في تنافس فيما بينها و بين الدول العربية الأخرى وصراع القوى العظمى, ما جعل النزاع على قيادة معركة الهيمنة في سوريا لا يتوقف عند الدول التي تتطلع إلى دور القوى الإقليمية، بل يتعداها إلى أطراف الحرب الباردة.
جعلت حدة الصراعات والمنافسات الإقليمية من سوريا دولة " شائكة، دفاعية، قومية متطرفة ومعادية بشدة للفرنسيين" (48). و تنامى شعورها بالعزلة والضعف(49) بوصفها معادية لإسرائيل، غير ودية تجاه تركيا، معزولة عن لبنان والعراق. وقد فشلت جهود محاولة إنشاء شكل من أشكال الأمن الجماعي، حيث اعتبرت منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط أن سوريا تقع ضمن دائرة النفوذ البريطانية .[ منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط Middle East Defense Organization وتعرف اختصاراً بالأحرف MEDO عبارة عن مقترح تقدم به رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل أثناء زيارته للولايات المتحدة في كانون الثاني-يناير 1952 بعد فشل المحاولات البريطانية- الأمريكية في ضم الدول العربية إلى مشروع قيادة الشرق الأوسط, واتفق الجانبان ( الأمريكي و البريطاني) على ضرورة إنشاء منظمة دفاعية في الشرق الأوسط في أقرب فرصة ممكن و أن يعرض هذا الاقتراح على دول المنطقة. و يبدو أن الأهداف الحقيقية المشتركة البريطانية الأمريكية وراء مثل هذا المقترح كانت للوقوف في وجه التهديد الشيوعي المتنامي للغرب و حماية مصادر النفط الشرق أوسطية و الأهمية الاستراتيجية لقناة السويس فضلاً عن تنامي المد القومي العربي المعادي للغرب ووجوده في المنطقة, للمزيد أنظر : فهد عباس سليمان السبعاوي, العلاقات السورية الأمريكية 1949-1958" عمّان, الأردن 2012" ص 158- المترجم].
خلقت مشكلة سوريا الأمنية الدائمة معضلة فيما يتعلق بالتحالفات الخارجية. حتى الأحزاب الراديكالية التي زعمت التحرر من جميع التأثيرات الأجنبية توصلت إلى توافق على ضرورة إنشاء معاهدات دفاع. و في شباط- فبراير 1958، تم في القاهرة إعلان اندماج مصر وسوريا في الجمهورية العربية المتحدة، برئاسة [ الرئيس المصري] ناصر. كانت الجمهورية العربية المتحدة الجديدة بشكل أساسي ذات طبيعة دفاعية.
أظهرت الجمهورية العربية المتحدة ضعف الحكومة السورية المنقسمة للغاية بحيث لم تكن قادرة على صياغة سياسات متماسكة, ورغم عدم موافقة المحافظون على الوحدة الاندماجية مع مصر إلا أنهم لم يبدوا أي اعتراض، لأن الوحدة كانت الطريقة الوحيدة للقضاء على النفوذ الشيوعي. واعتبر حزب البعث الوحدة وسيلة لزيادة نفوذه من خلال تصدير سياسته التضامنية العربية الرئيسية. على الرغم من أن جميع قادة الحزب القومي السوري الاجتماعي ادعوا أنهم يؤيدون الوحدة، إلا أن حزب البعث وحده هو الذي اتخذ خطوات جادة لتنفيذها(50). أعطى تفتيت النظام السياسي لضباط الجيش حق الاختيار, واعتبر الضباط مشروع الوحدة إيجابياً كوسيلة لإثبات تفوقهم على الأحزاب السياسية.
بالنسبة لبلد استراتيجي مثل سوريا، أصبح الحياد المعلن في مؤتمر باندونغ 1955 شبه مستحيل. لم تكن الحرب الباردة تتعلق فقط بتحقيق الطموحات الجيوسياسية؛ لقد كانت صراعاً بين المسارين الرأسمالي و الاشتراكي للتحديث, و قد أثر تنافس القوى العظمى بشكل سلبي على عملية التحديث الاقتصادي والسياسي كما حاول كل معسكر فرض نموذجه الخاص به للتنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. و بحسب[ سامي] مبيض(51)، كان الشرط الأساسي للحفاظ على النظام الديمقراطي يتمثل في القبول بمجموعة القواعد التي يفرضها الغرب, أي القبول بإسرائيل، والاستجابة أكثر للمطالب و الاحتياجات الأمريكية. وقد سامت عوامل عدة في خلق مناخ من عدم الثقة اتجاه الغرب مثل : ماضي سوريا الاستعماري و إقرار الغرب بدعمه المالي و السياسي و العسكري لإسرائيل و رفض وزير الخارجية [ الأمريكي] دالاس تمويل سد أسوان؛ وأجواء الحرب التي خلقتها خلقت أزمة السويس والحرب اللاحقة. لم يكن لدى السوريين "رغبة في القتال جنباً إلى جنب مع جلاديهم" (52). عندما طالب الغرب بدعم عربي نشط إلى جانبه في صراع الحرب الباردة ارتكب خطأً استراتيجياً في تأطير موقف" إما معنا أو ضدنا". لم يكن التقارب التدريجي لسوريا مع السوفييت نتيجة لأيديولوجية مشتركة، بل نبع من الاستياء العام تجاه الغرب. و قد بالغ الأمريكيون في تقديراتهم بخصوص مخاطر تحوّل سوريا إلى تابع لموسكو لتجاهلهم للعداء الشرس المناهض للشيوعية لدى عبد الناصر وحزب البعث. وقد استخدمت الدبلوماسية الروسية بمهارة عداء الناس المتزايد للمعاهدات "الإمبريالية" وقدمت نفسها كبديل يقدم المساعدة بدون شروط. على عكس الغرب، أقرت [ روسيا] بمشاعر سوريا القوية المؤمنة بالقومية العربية. ومنذ الإطاحة بالشيشكلي في شباط- فبراير 1954, عملت كل من مصر والاتحاد السوفييتي على التأثير على سوريا. واختار كلاهما اللحظة المناسبة لتقديم نفسه كحامي قوي عندما أثار الخوف الواسع النطاق من التهديد الخارجي الذي تخلقه إسرائيل, كما ساهمت الحملة الدعائية الموالية للاتحاد السوفياتي في الصحافة، والمركز الثقافي السوفيتي، والتجارة، في تعزيز مثل هذا المطلب بوجود حامي قوي , لكن يقف على رأس هذه الاحتياجات توفر حماية عسكرية ضد التهديد الإسرائيلي, وهذا ما ساهم في تعزيز العلاقات مع الكتلة السوفيتية. ولكن هذا لا يعني أن الجمهور المطلع رحب بالمشاركة الروسية. كان الوقوع في أحضان الشيوعية يهدد المحافظين و كذلك البعثيين الذين تنافسوا مع الحزب الشيوعي السوري في التأثير على الناخبين. وقد شعر كل من المحافظين و البعثيين بالقلق من أن النصر الانتخابي أو الانقلاب الذي يقوده الشيوعيون من شأنه أن يثير إجراءات يمينية مضادة ورد فعل غربي. ومع ذلك، بدا عملياً التعاون مع السوفييت - فضلاً عن فوائده العسكرية-، على أسس اقتصادية بحتة أيضاً فتم تزويد البلاد بالسلاح بدون قيود وشراء فائض المنتجات الزراعية السورية. وكانت نقطة التحول في هذا التعاون صفقة الأسلحة التشيكية, و بالنظر إلى هذه الصفقة وجدت سوريا نفسها بجانب ناصر في مواجهة مع الغرب, وفي نهاية خريف العام 1957 كان مازال بإمكان الرئيس القوتلي الإعلان بأنه " لو لم تكن إسرائيل هي السبب لما كنا شعرنا بالحاجة لأسلحة جديدة, و لولا المعاملة التفضيلية السخية لإسرائيل من قبل الولايات المتحدة، لما قمنا بإدخال الروس الجدد. " 53
تبين [ للسوريين] أن الأمن والاستقرار أهم من الديمقراطية. و تأكدت [ لهم] مخاطر الهجوم الأجنبي على البلاد في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على القرى العربية شمال شرق بحيرة طبريا في كانون الأول- ديسمبر 1955, والاشتباكات الحدودية مع تركيا خلال أزمة حلف بغداد، وهذا ما ساهم في تقارب سوريا مع الشرق [ الأوروبي]. وعبّر الاتحاد السوفياتي عن دعمه العسكري للجانب السوري، ولم يكن أمام سوريا المنشغلة بحدة بأمنها من خيار سوى الترحيب بحلفائها الجدد الأقوياء. كان للتحالف مع مصر والاتحاد السوفييتي تداعيات خطيرة: كانت سوريا قد بدأت في أن تتحول إلى دائرة نفوذ لمصر وتنضم إلى صراع الحرب الباردة . و ثمة حدث آخر يوضح المشهد الاجتماعي السياسي المتضارب في سوريا، ألا وهو اغتيال عدنان المالكي -وهو ضابط ذو شخصية كاريزمية ومؤيد لحزب البعث- على يد رقيب ينتمي إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي المؤيد للغرب. وثمة تحقيق رسمي يتهم بعض المسؤولين الأمريكيين في التواطؤ في عملية الاغتيال فضلاً عن دور الولايات المتحدة كممول رئيسي للحزب القومي السوري الاجتماعي. لقد كان لعملية الاغتيال عواقب و تداعيات بعيدة المدى, فتم توظيفها للتخلص من المنافسين اليمينيين و تعزيز شعبية حزب البعث من خلال كسب التعاطف الجماهيري. و عززت التغطية الإعلامية للحادثة من موقف اليسار و الجيش (45) . كما منحت " الجماهير السورية نظرة على حجم و عنف التنافس الدولي التي لم تكن سوريا فيه أكثر من بيدق, ومن خلال حقن عنصر الهستيريا في الحياة السورية العامة, تم تشجيعها للمضي قدماً بحثاً عن الأمن بين أحضان حماتها الجدد" ( 55).
أصبح المالكي شهيد القيم التي دافع عنها, أي الاستقلال السوري و الحياد و العروبة المتشددة والمشاعر المؤيدة لمصر. شحذت قضية المالكي الانقسامات الداخلية للجيش. وبعد اغتياله وموته لم يستطع أي ضابط إثبات تفوقه " تم تدمير وحدة الجيش حيث تدافع كل حزب سياسي وكل دولة مجاورة بحثاً عن حلفاء عسكريين: الإعانات السرية التي تدفقت من العراق ومصر والمملكة العربية السعودية والأردن، وكذلك من القوى العظمى البعيدة ... كانت مسيسة بشكل كامل بما تشتمل هذه الإعانات على أموال سرية و تمويل خاص, فأصبح الجيش غابة من الدسائس، وأحيانًا يتطابق مع الفصائل المدنية، وأحيانًا يكون أجيراً من قبل خصومهم المحليين" (56). خلال الفترة المضطربة التي أعقبت اغتيال المالكي، تم تفتيت البرلمان والجيش على حد سواء، لذا كان من الصعب تحديد من يحكم سوريا. خافت الفصائل المتنافسة من بعضها البعض أكثر من أي قوة خارجية(57) بينما وجد الجمهور في جمال عبد الناصر الزعيم الذي كانوا يأملون. ارتقت به أزمة السويس ليصبح رمزاً لمقاومة العدوان الغربي ومؤيد متحمس للقضية العربية. اكتسب ناصر شعبية كبيرة بين السوريين من خلال البث الإذاعي، والبيانات الصحفية و الخطابات التحريضية و الأغاني القومية (58). غير أن هذا الدعم الجماهيري الكبير لفكرة الوحدة العربية والتركيز على شخصية زعيم قوي كان قد تجاهل طبيعة نظام ناصر (59).
الخلاصة
واحدة من أكثر المفارقات اللافتة للنظر في تحليل الفترة ما بين 1948- 1958 هي أن السوريين، الذين قاتلوا بشراسة من أجل الحفاظ على سيادتهم، سلموها طواعية في نهاية المطاف إلى مصر. وهذا يظهر الحجم غير المسبوق للضغوط التي تواجهها الديمقراطية الفتية. لقد كان المشهد السياسي السوري تفاعلاً بين قوى اجتماعية وعسكرية وأجنبية معقدة. وقد قوّض الفساد والضغوط الخارجية مكاسب النظام البرلماني في سوريا، ودفعت البروباغاندة الجماهير باتجاه" هستيريا نظرية المؤامرة و الانقلابات و تهديدات الغزو. لم تكن هذه الظروف مثالية لتفتح الفضائل المدنية أو الأداء السليم للمؤسسات الديمقراطية الانتخابية" (60).
لم تكن الديمقراطية الليبرالية قاسمًا مشتركًا لفترة ما بعد الحرب، ولم تكن أبدًا " اللعبة الوحيدة في البلدة" [ بمعنى الشيء الوحيد الذي يستحق الاهتمام - المترجم]. في الواقع، كان المجتمع السوري منقسمًا بشدة فيما يتعلق بهويته والشكل الذي يجب أن تتخذه البلاد. لم يقدم الاستقلال ولا الديمقراطية الليبرالية حلاً واضحًا للمشكلات التي استمرت في سوريا ما بعد الحرب. لم تتعامل هذه المؤسسات الوليدة مع مشاكل توزيع الثروة، أو أزمة الهوية، أو التنافس العسكري والاقتصادي الأجنبي. لم تكن الأمة قادرة على التعامل بنجاح مع التغيرات الاجتماعية السريعة وكانت غير محمية في مواجهة التهديدات الخارجية. ساهم ضعف قادة سوريا وفسادهم في انهيار النظام السوري(61). و كانت الحكومة الدمشقية قليلة الخبرة وتفتقر إلى الأموال الكافية لتنفيذ الإصلاحات اللازمة لخدمات الدولة. كانت أضعف من أن تضمن بقاء المؤسسات الليبرالية. ولا يمكن للأحزاب المنقسمة إبقاء الجيش خاضعًا للإدارة المدنية، ولا توفير بيروقراطية فعالة أو محاسبة (62).
كانت المهمة الأساسية الموكلة للدولة السورية هي إنشاء "دولة غنية، وجيش قوي" من أجل مواجهة تحدي الأمن القومي الذي يشكله التهديد الأجنبي. و بعد الهزيمة الكارثية على يد إسرائيل، تم إجراء تغييرات جذرية من أجل تسريع التعافي من عار الهزيمة ومنع تكرارها من خلال تنظيم منظومة سياسية تدعم التنمية بأكبر قدر من الكفاءة (63). كان هناك إجماع عام على ضرورة تعزيز الدولة، وكان الاستقرار أكثر أهمية من الديمقراطية. و بعد العام 1948، أصبحت التهديدات المحتملة ضد سلامة وسيادة الدولة السورية حقيقة واقعة، واتخذ تحديث سوريا طابعاً دفاعياً. وجاءت الانقلابات العسكرية والتحديث الدفاعي كرد فعل ضد التهديد الأجنبي القادم من مصادر مختلفة: إسرائيل وتركيا والهاشميون وقوى الحرب الباردة. وقد لاقى الدفع باتجاه تعزيز القوة الاقتصادية والعسكرية السورية دعماً من الشعب كوسيلة لتحقيق الاستقرار.
كان النفوذ العسكري الساحق سبباً آخر للانهيار الديمقراطي في سوريا. ولأن الجيش بدا أنه القوة الوحيدة القوية بما يكفي لحماية سيادة سوريا، فقد انتقل الولاء من الحكومة المدنية إلى الجيش. وفي ظل الثورة الشعبية, بدلاً من التمسك بنظام السلطة القائم، أصبح الجيش الراديكالي هو الوسيلة لنقل استياء السكان العميق من النظام. تم تعريف هذه المفارقة من قبل بيتر فيفر: " إن المؤسسة التي تم إنشاؤها لحماية النظام السياسي [ أي الجيش ] مُنحت قوة كافية لتصبح تهديداً للنظام السياسي" (64).
الأسئلة المركزية التي تم تناولتها هذه الدراسة خاصة بالقضية السورية، لكنها تفتح في نفس الوقت موضوعاً من طبيعة أكثر عمومية: لماذا يؤدي فشل السياسات إلى تغيير حكومي في بعض الديمقراطيات، ولكنه يؤدي إلى انهيار الديمقراطية في بلدان أخرى؟ إن نظرية الانهيارات الديمقراطية هي أحد الموضوعات التي يمكن أن تستفيد من خلال القيان بمزيد من البحث. ويمكن أن يكون هذا التحليل المتعمق لبلد واحد بمثابة نقطة انطلاق لدراسة مقارنة لانهيار الأنظمة البرلمانية الليبرالية. وفي ضوء موجة جديدة من الديمقراطية، يعدّ من المناسب العثور على إجابة لسؤال جوان . جي. لينز ( 65) حول وجود نمط مشترك في تغييرات صيرورات النظام. تسلط الورقة الضوء على العوائق المحتملة أمام التعزيز الديمقراطي. ويعتبر إبراز تجربة المؤسسات الديمقراطية بين عامي 1949 و 1958 [ في سوريا] أمراً هاماً لإصلاحيي المجتمع المدني المعاصرين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كما يمكن أن تساهم في فهمٍ أفضل للأسباب والعمليات التي يمكن أن تؤدي إلى انهيار الديمقراطيات واستبدالها بأنظمة غير ليبرالية.
........
ملاحظات
العنوان الأصلي : The Fall of Democracy in Syria
المؤلف: Katarzyna Krókowska ( ماجستير في العلاقات الدولية والدراسات الأوروبية المتقدمة من المعهد الأوروبي للدراسات العليا الدولية Institut Européen des Hautes Études (IEHEI)
الناشر: https://dergipark.org.tr/en/pub/perception/issue/48989/625048 PERCEPTIONS: Journal of International Affairs , 16 (2) , 81-98
المترجم: محمود الصباغ
........
الهوامش
1 Juan J. Linz and Alfred Stepan, “Toward Consolidated Democracies”, Journal of Democracy, Vol.7, No.2 (April 1996), pp.14 -33.
2 Sami Moubayed, Damascus Between Democracy and Dictatorship Maryland, University Press of America, 2000.
3 Steven Heydemann, Authoritarianism in Syria: Institutions and Social Conflict, 1946-1970, Ithaca, N. Y., Cornell University Press, 1999.
4 Ibid., p.28
5 Raymond Hinnebusch, Syria: Revolution from Above, London, Routledge, 2002. p.3
6 Patrick Seale, The Struggle for Syria: A Study of Post-War Arab Politics, 1945-1958, Oxford, Oxford University Press, 1965, p. 71.
7 Heydemann, Authoritarianism in Syria: Institutions and Social Conflict, 1946-1970, p.84.
8 Max Weber distingueshes three types of authority: charismatic, traditional and trational–legal authority. See, Max Weber, The Theory of Social and Economic Organisation, New York, Oxford University Press, 1947.
9 Heydemann, Authoritarianism in Syria: Institutions and Social Conflict, 1946-1970, p. 4
10 Seale, The Struggle for Syria: A Study of Post-War Arab Politics, 1945-1958, p.30.
11 Ibid., p.116.
12 Ibid., p.175
13 Ibid., p.33.
14 Patrick Seale, Asad of Syria: The Struggle for the Middle East, Berkeley, University of California Press, 1989, p.43,
15 Radwan Ziadeh, “The Rise of Ideological Political Parties in Post-Independence Syria”, Unpublished Report, International Forum for Democratic Studies, National Endowment for Democracy.
16 Youssef Chaitani, Post-Colonial Syria and Lebanon: The Decline of Arab Nationalism and the Triumph of the State, London, I.B. Tauris, 2007. P.55.
17 Linz and Stepan, “Toward Consolidated Democracies”, pp.14 -33.
18 Chaitani, Post-Colonial Syria and Lebanon: The Decline of Arab Nationalism and the Triumph of the State, p. 58.
19 Ibid., pp.6-7.
20 Ibid., pp.69-72.
21 Ibid., p.121.
22 Ibid., pp.124-125.
23 Hinnebusch, Syria: Revolution from Above, p.30.
24 Manfred Halpern, The Politics of Social Change in the Middle East and North Africa, Princeton, N.J., Princeton University Press, 1963.
25 Christoph Schumann, “The Generation of Broad Expectations: Nationalism, Education, and Autobiography in Syria and Lebanon, 1930-1958”, Die Welt Des Islams, Vol. 41, No.2 (2001), p. 203.
26 Halpern, The Politics of Social Change in the Middle East and North Africa, pp.251-280.
27 Ibid.
28 Schumann, “The Generation of Broad Expectations”, p.174.
29 Ibid., p.197.
30 Bill and Springbord term as a process of ‘defensive modernisation’ cited in Mohamad G. Alkadry, “Reciting Colonial -script-s: Colonialism, Globalization and Democracy in the Decolonized Middle East”, Administrative Theory & Praxis, Vol. 24, No. 4 (December 2002), pp. 739-762.
31 The term ‘military forces’ includes army, navy and air force but not police forces which are often considerable, see Halpern, The Politics of Social Change in the Middle East and North Africa, p.263.
32 Hans Joas, War and Modernity, Cambridge, Polity Press, 2003.
33 Yahya Sadowski, Political Power and Economic Organization in Syria: The Course of State Intervention 1946 -1958, Unpublished Ph.D. Dissertation, University of California, 1984, p.4.
34 Youssef Chaitani, Post-Colonial Syria and Lebanon, p.55.
35 Seale, The Struggle for Syria, p. 128.
36 Sadowski, Political Power and Economic Organization in Syria, p.4.
37 Ibid.
38 Hinnebusch, Syria: Revolution from Above, p.7.
39 Chaitani, Post-Colonial Syria and Lebanon, p.55.
40 Moubayed, Damascus Between Democracy and Dictatorship, pp.11-25
41 Seale, The Struggle for Syria, p.61.
42 Ziadeh, The Rise of Ideological Political Parties in Post-Independence Syria.
43 Seale, The Struggle for Syria, p. 124.
44 Ibid, p.304.
45 Halpern. The Politics of Social Change in the Middle East and North Africa. p. 267.
46 Richard Norton and Ali Alfoneh, “The Study of Civil-Military Relations and Civil-Society in the Middle East and North Africa”, in Carsten Jensen (ed.), Civil-Military Relations in the Middle East, Copenhagen, Royal Danish Defence College, 2008, p.13.
47 Eyal Zisser, “Appearance and Reality: Syria’s Decision-making Structure”, Meria Journal, Vol. 2, No. 2 (May 1998), at http://meria.idc.ac.il/journal/1998/issue2/jv2n2a5.html (Accessed: 18/11/2010).
48 Patrick Seale poised this argument in his introduction to Youssef Chaitani’s book, See, Chaitani, Post-Colonial Syria and Lebanon, p. XII.
49 Philip Hitti, Syria: A Short History, New York, Macmillan,1959, p.255.
50 Seale, The Struggle for Syria, p. 314.
51 Moubayed, Damascus Between Democracy and Dictatorship, p. VII.
52 Seale, The Struggle for Syria, p.105
53 Hitti, Syria: A Short History, p.257.
54 David Commins, Historical Dictionary of Syria, Lenham, Scarecrow Press, 2004, p.147.
55 Seale, The Struggle for Syria, p.250.
56 Ibid., p.244.
57 Ibid., 319.
58 Moubayed, Damascus Between Democracy and Dictatorship, p.136.
59 Seale, The Struggle for Syria, p.324.
60 Ibid., p.307.
61 Ibid., p.170.
62 Halpern, The Politics of Social Change in the Middle East and North Africa, p.291.
63 Joas, War and Modernity, p.47.
64 Norton and Alfoneh, “The Study of Civil-Military Relations”, p.7.
65 Linz and Stepan, Toward Consolidated Democracies, pp.14 -33.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حافة الوجود, حافة الموت: عبد يغوث بن صلاءة مثالاً
- إسرائيل القديمة والاستعمار الاستيطاني
- البنى الآثارية للاستيطان الإسرءيلي في فلسطين(2)
- البنى الآثارية للاستيطان الإسرءيلي في فلسطين(1)
- تحية إلى ديستويفسكي (2) : ديستويفسكي و لينين
- فيودور دوستويفسكي: ما له وما عليه مذكرات زوجة الكاتب: آنا غر ...
- الصراع السوري وأزمة اللاجئين في الاتحاد الأوروبي - وجهة نظر ...
- ديستويفسكي وجريمة قتل الأب
- تفاهة الشر: القمع البريطاني لثورة 1936 في فلسطين -2
- تفاهة الشر: القمع البريطاني لثورة 1936 في فلسطين -1
- القذافي والأسد والشرعية السياسية و إدارة أوباما
- الإرهاب اليهودي -الصهيوني و قيام دولة إسرائيل -5
- الإرهاب اليهودي -الصهيوني و قيام دولة إسرائيل -4
- الإرهاب اليهودي -الصهيوني و قيام دولة إسرائيل -3
- يوم أيوب؛أربعاء العطاء و الشفاء
- - الحاج- : حكاية الاستعمار و -دولة الحدود- 1
- العنصرية في لبنان:العنزة بتخلّف عنزة
- -مكبّعه ورحت امشي يُمّه بالدرابين الفقيرة-: ومن مثل الموسيقا ...
- الصهبجية:بين مطرقة الفن الهابط وسندان الزمن الجميل
- زفرة أبو عبد الله الصغير الأخيرة


المزيد.....




- بالأسماء.. روسيا تعلن كبار مسؤولي أمريكا غير المسموح لهم بدخ ...
- -أعجوبة طبية-.. أم تحمل مجدداً وهي حامل بالفعل
- بعد جدل حول صورتها مع محمد رمضان.. مهيرة عبدالعزيز ترد
- كأس أوروبا 2020: بسبب كورونا إسبانيا تقترح اشبيلية كمدينة م ...
- بعد فقدان -سندها- .. الملكة إليزابيث الثانية ستمضيّ قدما في ...
- شاهد: إسقاط 15 ألف علبة حبوب على طريقة الدومينو تكريما لأحد ...
- كأس أوروبا 2020: بسبب كورونا إسبانيا تقترح اشبيلية كمدينة م ...
- شاهد: إسقاط 15 ألف علبة حبوب على طريقة الدومينو تكريما لأحد ...
- بعد فقدان -سندها- .. الملكة إليزابيث الثانية ستمضيّ قدما في ...
- أمريكا: العمليات العسكرية للحوثيين تطيل أمد الصراع في اليمن ...


المزيد.....

- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود الصباغ - سقوط الديمقراطية في سوريا في الفترة ما بعد الاستقلال حتى الوحدة مع مصر