أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - ديستويفسكي وجريمة قتل الأب















المزيد.....



ديستويفسكي وجريمة قتل الأب


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 6406 - 2019 / 11 / 12 - 05:04
المحور: الادب والفن
    


يمكن أن نميز في الشخصية الغنية لدستويفسكي أربع وجوه هي الكاتب الملهم، والأخلاقي، والعصابي، والآثم. والسؤال هو كيف بوسع المرء أن يجد طريقه وسط هذا التعقيد المحير؟
لعل ديستويفسكي الكاتب هو أقل هذه الوجوه إثارة للجدل: فمكانة ديستويفسكي تكاد تقارب مكانة شكسبير. والأخوة كارامازوف قد تكون أعظم رواية كتبت على الإطلاق، وعرض شخصية المحقق الكبير – في هذه الرواية – هو أحد قمم الأدب العالمي. لكن المحلِّل ليس بوسعه، مع الأسف، أن يلقي السلاح أمام الإشكالية التي يثيرها ذلك الأديب المبدع.
أما الجانب الأخلاقي عند ديستويفسكي فهو أكثر الجوانب قابلية للتناول. فإذا أردنا أن نضعه في مكانة عالية كأخلاقي، بحجة أن الإنسان الذي عرف الخطيئة بعمق هو الذي يستطيع فحسب أن يبلغ أعلى درجات الأخلاق، فإننا نتسرَّع في الحكم؛ حيث نجد أنفسنا أمام تساؤل عميق، فالأخلاقي هو من يتفاعل مع الإغراء بمجرد أن يشعر به، ولكن من دون أن يستجيب له. أما من يخطئ بصورة مستمرة، ثم يقدِّم خلال توبته متطلبات أخلاقية عالية، فإنه يترك نفسه عرضة لنقد يقول إنه جعل الأمر سهلاً. لأنه لم يحقق ما يتطلّبه منه جوهر الأخلاق، الذي هو الأحجام؛ فالسلوك الأخلاقي في الحياة له أهمية عملية بالنسبة للإنسانية. أمَّا صاحبنا فيذكرنا بالبرابرة وبغزواتهم، فهم يقتلون ثمَّ يقيمون الكفَّارة. ما يجعل الكفَّارة مجرد وسيلة لتبرير القتل. وقد كان ايفان الرهيب يفعل الشيء نفسه تمامًا، ونسجِّل هنا أن هذا الشكل من السلوك الأخلاقي هو سمة روسية بامتياز. كما أن النتيجة النهائية للصراع الأخلاقي لدستويفسكي لم تكن شيئًا عظيمًا على الإطلاق.
لأنه بعد كلِّ تلك الصراعات الحادة التي حاول من خلالها التوفيق بين المتطلبات الغريزية للفرد والمتطلبات الجماعية، نراه يصل إلى حالة انطواء، تجلت بخضوعه التام لكلا السلطتين الزمنية والروحية، أي إلى توقير القيصر والإله المسيحي من منظور المفهوم الضيق للقومية الروسية. وهي حالة كان توصل إليها ضعاف العقول بمجهود أقل. وهذه هي نقطة الضعف الأساسية لتلك الشخصية العظيمة.
لأن ديستويفسكي لم يتمكن من أن يكون معلمًا ومحررًا للبشرية، إنما أصبح شريكًا لسجانيها؛ ما يعني أن مستقبل الحضارة الإنسانية لا يدين له إلا بالقليل في هذ السياق. وسبب فشله على الأغلب إنما هو عصابه. فعظمة ذكائه وقوة حبه للإنسانية، كان من الممكن أن يشقا له دربًا آخر في هذه الحياة، دربًا كان يمكن أن يكون رسوليًا.
أما النظر إلى ديستويفسكي كآثم أو كمجرم، فإنه يثير بلا شك معارضة شديدة لا تحتاج لأن تكون مبنية على تقويم محافظ لمفهوم المجرم. وسرعان ما يصبح الدافع الحقيقي لهذه المعارضة واضحًا. فهناك سمتان جوهريتان للمجرم: أنانيته التي بلا حدود ودافعه التدميري القوي، ومن الأشياء المشتركة في كلتا السمتين ومن الاشتراطات الضرورية للتعبير عنهما، انعدام الحب والافتقار إلى المقاربة العاطفية للموضوعات "الإنسانية".
ويتذكر المرء على الفور ما يتعارض عند ديستويفسكي مع هذه الصورة – أي حاجته الشديدة إلى المحبة، وقدرته الهائلة على الحب. تلك (القدرة) التي يمكن رؤيتها لديه في مظاهر العطف المبالغ التي جعلته يحب ويساعد حين كان من حقه أن يكره وأن ينتقم، كما كانت الحال مثلاً فيما يتعلق بعلاقته مع زوجته الأولى ومع عشيقها. الأمر الذي يجعلنا نمتنع عما يغرينا بإدراج ديستويفسكي بين المجرمين. لكن الردَّ على هذا الاعتراض إنما يعود إلى اختياره لمواد كتاباته، ذلك الاختيار الذي جعله يركِّز على تلك الشخصيات العنيفة الإجرامية والأنانية، ما يشير إلى وجود نزعات مماثلة لديه، وكذلك تركيزه على وقائع معينة في حياته، كحب القمار، وربما (كما يعترف هو) اعتداءه الجنسي على فتاة صغيرة.
وما يفسِّر هذا التناقض هو إدراكنا بأن غريزة الهدم القوية عند ديستويفسكي، والتي ربما كان من الممكن أن تجعل منه – بسهولة – مجرمًا، كانت موجهة في حياته الفعلية ضد شخصه بالدرجة الأولى أي "نحو الداخل بدلاً من أن تكون موجهة نحو الخارج". وهذا كان يجد التعبير عنه في النزعة المازوشية والإحساس بالذنب. ومع ذلك احتفظت شخصيته بقدر كبير من السمات السادية، التي تظهر في انفعاليته، وحبه للإيلام، وعدم تسامحه حتى مع الناس الذين كان يحبهم، كما تنعكس أيضًا في الطريقة التي تعامل بها – كمؤلف – مع قرائه. وهكذا كان (ديستويفسكي) ساديًا مع الآخر في الأمور الصغيرة، وفي الأمور الأكثر أهميةَ كان ساديًا مع نفسه، أي مازوشيا. أو لنقل بعبارة أخرى كان أرق وأرحم وأنفع شخص يمكن تصوره.
من شخصية ديستويفسكي المعقدة اخترنا ثلاثة جوانب، واحد منها كمي والآخران كيفيان؛ وهذه الجوانب هي الحدة الانفعالية غير العادية لحياته، والخلفية الغريزية الجامحة التي كانت تؤهله لأن يكون "ساديًا مازوشيا" أو مجرمًا، وأخيرًا موهبته التي تستعصي على التحليل. وهذه كلها كان من الممكن تتواجد على أرض الواقع من دون عُصاب! حيث هناك أناس مازوشيون تمامًا من دون أن يكونوا عصابيين.
ومع ذلك فإن التوازن بين المتطلبات الغريزية، والموانع التي تعارضها (ومن ضمنها وسائل التسامي المتوفرة)، يجعل من الممكن تصنيف ديستويفسكي "كشخصية غريزية". غير أن ما يزيد الحالة غموضًا هو تداخل العُصاب الذي لم يكن – كما سبق وأشرنا – محتمًا في تلك الظروف. لأن هذا العصاب كلما ازدادت قابليته ازداد في المقابل التعقيد المطلوب للسيطرة عليه من قبل الأنا. فالعصاب ليس في الواقع إلا دلالة على أن الأنا لم تنجح في القيام بتلك التوليفة، وأنها في محاولتها هذه فقدت وحدتها.
ونتمعن المزيد، ونتساءل حول كيف يظهر ذلك العصاب؟ لقد كان ديستويفسكي يدعو نفسه بالمصروع، وكان الناس يعتبرونه كذلك نظرًا لنوبات الصرع الحادة التي كانت تصيبه مصحوبة بفقدان للوعي، وبتشنجات عضلية يتبعها وهن عميق. ما يعني، وهذا هو الأمر الأكثر احتمالاً، أن ما كان يدعوه صرعًا لم يكن في الحقيقة إلا أحد أعراض عصابه، الذي ينبغي أن يشخص بالتالي كصرع هستيري، أي كهيستيريا حادة. مع الإشارة إلى أننا لا نستطيع التيقن التام من هذه النقطة لسببين: أولاً لأن معلوماتنا عن تاريخ الصرع المزعوم لدستويفسكي ناقصة وغير موثقة، وثانيًا لأن فهمنا للحالات المرضية المرتبطة بنوبات ذات مظهر صرعي ما زال غير مكتمل.
ونبدأ بالنقطة الثانية. مع التأكيد أنه من غير الضروري هنا استعراض كل باثولوجيا مرض الصرع، لأن ذلك لن يلقي ضوءًا حاسمًا على المشكلة. لكننا نستطيع أن نقول ما يلي: إنه نفسه مرض الجنون المقدس القديم، الذي ما زال ينظر إليه كظاهرة مرضية واضحة، ذلك المرض المعروف بحركاته التشنجية التي لا تحصى، والتي لا يمكن من حيث الظاهر تهدئتها، وبتغييره للشخصية نحو العنف والعدوانية، وبما يرافقه من هبوط مستمر للملكات العقلية. لكن السمات العامة لهذه الظاهرة ما زالت غامضة وغير محددة.
فالنوبات التي قد تكون عنيفة في هجماتها، ومصحوبة بقضم للسان وعجز عن ضبط التبول، ويصل إلى حدِّ بلوغ تلك الحالة الصرعية الخطيرة، بما تتضمنه من خطورة إلحاق أضرار قاسية بالذات، يمكن أن تقتصر على فترات وجيزة من الغيبوبة أو على مرور سريع لهجمات من الدوار، أو قد تحل محلها، ربما، فترات زمنية قصيرة يقوم فيها المريض بشيء يخالف شخصيته، كما لو كان واقعًا تحت سيطرة اللاشعور. وهذه النوبات التي قد تكون مسبباتها جسمية بحتة رغم أننا لا نفهم أسبابها، وقد تكون مدينة من حيث أعراضها الأولى إلى بعض الأسباب النفسية المحضة (كالخوف مثلاً)؛ أو قد تكون استجابة في جوانب أخرى لمؤثرات نفسية.
ورغم أن العجز الذهني هو الصفة المميزة لمعظم حالات الصرع السائدة، إلا أن هناك حالة واحدة على الأقل، ومعروفة جيدًا بالنسبة لنا، (حالة) لم تؤثر العاطفة فيها على القدرة الذهنية العالية (إنها حالة هلمهولتز[1]). حيث هناك حالات يقال إنها مشابهة لحالة ديستويفسكي لكنها جميعها إمَّا قابلة للأخذ والرد وإمَّا مشكوك بها. ويعطينا الناس الذين أصابهم الصرع انطباعًا بالبلادة وبتوقف النمو العقلي، تمامًا كما تصاحب المرض غالبًا أعراض بلاهة واضحة وعاهات دماغية جسيمة، حتى ولو لم يكن ذلك جزءًا من اللوحة المرضية. إلا أن هذه النوبات بجميع أنواعها تحدث أيضًا لأناس آخرين، ممن يبدون تطورًا عقليًا كاملاً، وإلى جانب ذلك يعيشون حياة انفعالية مفرطة غير خاضعة للسيطرة إلى حدٍّ كبير.
ولا عجب أنه في مثل هذه الظروف، يستحيل إعطاء تشخيص سريري واحد لظاهرة "الصرع"، فالتشابه الذي نجده في الأعراض الظاهرة يستدعي أن ننظر إليه نظرة وظيفية، حيث يبدو كما لو أن آلية تفريغ غرائزية غير طبيعية تؤدى عضويًا، وهي آلية يمكن استخدامها في ظروف مختلفة تمامًا كما في حال اضطراب النشاط الدماغي العائد إلى إصابات في الأنسجة أو إلى إصابات تسممية، وأيضًا في حال السيطرة غير الكافية للاقتصاد النفسي[2]، وفي وقت يبلغ فيه نشاط الطاقة العاملة في النفس درجة التأزم.
ونتلمَّس خلف هذه الثنائية في التقسيم، طبيعة الآلية الكامنة وراء ذلك التفريغ الغريزي. وهذه لا يمكن أن تكون بعيدةً عن الممارسات الجنسية التي هي في الأساس ذات طبيعةٍ سامة. لقد وصف الأطباء الأوائل الجماع بأنه صرع مصغر، ما يعني أنهم كانوا يدركون أن الفعل الجنسي هو طريقة يتم من خلالها التخفيف أو التكيُّف مع حالة الهياج الصرعي.
ورد الفعل الصرعي، كما نجيز لأنفسنا بأن ندعو هذا العنصر المشترك، يخضع أيضًا لتأثير العصاب الذي يمكن القول إن جوهره يتكون مما يلي: التخلص بوسائل جسمية من تراكمات الإثارة التي لم يكن بالإمكان التخلص منها نفسيًا. وهكذا تصبح النوبة الصرعية شكلاً من أشكال الهستيريا، تتكيف وتتعدل النفس بواسطتها، كما تتكيف وتتعدل بواسطة العملية الجنسية العادية. وبالتالي، يحقُّ لنا تمامًا أن نميز بين الصرع العضوي والصرع "العاطفي". والدلالة العملية لهذا هي أن الشخص الذي يعاني من صرع من النوع الأول يكون مصابًا بمرض في الدماغ، بينما الشخص الذي يعاني من صرع من النوع الثاني يكون عصابيًا، ويكون الاضطراب في هذه الحال تعبيرًا عن حياته النفسية بحد ذاتها.
وبالتالي، فإنه من المحتمل جدًا أن يكون صرع ديستويفسكي من النوع الثاني. لكنه ليس بوسعنا اثبات هذا الأمر بشكل قطعي، حيث يتوجب علينا كي نثبته أن نكون في وضع يمكننا من إدماج بدء ظهور النوبات وما يتبعها من تقلبات في سياق حياته النفسية. ونحن لا نعرف إلا أقل القليل في هذا الصدد. كما أن الوصف المقدم للنوبات بحدِّ ذاتها لا يزيد من معلوماتنا. وكذلك فإن معلوماتنا عن العلاقة بين نوباته وبين خبراته المكتسبة ناقصة ومتناقضة في معظم الأحوال. ما يعني أن الافتراض الأكثر احتمالاً هو أن تلك النوبات تعود إلى فترة بعيدة من طفولة ديستويفسكي، وأنها بدأت بأعراض أخف، ولم تتخذ شكلاً عصابيًا، حتى كانت محنة الصدمة التي تلقاها في سن الثامنة عشرة، حين قتل والده.
وقد يكون من المناسب جدًا أن نقول إن تلك النوبات انقطعت تمامًا خلال فترة نفيه إلى سيبيريا، غير أن معطيات أخرى تناقض هذه الفرضية[3]. فالعلاقة الواضحة بين قاتل الأب في الأخوة كارامازوف وبين مصير والد ديستويفسكي قد هزت الكثيرين من كتَّاب السير، ودفعتهم إلى الرجوع إلى "مدرسة حديثة معينة في علم النفس". فمن وجهة نظر التحليل النفسي، وهذا هو المقصود في حالنا، نجدنا ميالين لأن نرى في ذلك صدمة قاسية جدًا، وأن نعتبر ردة فعل ديستويفسكي نقطة التحول في عصابه.
لكني إذا ما أردت إثبات هذه النظرة، من منظور التحليل النفسي، فإنه من الممكن أن أكون غامضًا بالنسبة لجميع أولئك القراء غير المعتادين على لغة التحليل النفسي ونظرياته.
لكن هناك نقطة انطلاق أكيدة. فنحن نعلم أن النوبات الأولى التي عانى منها ديستويفسكي في أعوامه الأولى، أي قبل إصابته بالصرع بزمن طويل، كانت تحمل دلالة الموت. فقد كانت تعكس الخوف من الموت، كحالات من السبات العميق. وقد دهمه هذا المرض أولاً حين كان لا يزال صبيًا، على شكل اكتئاب مفاجئ لا أساس له، وهو شعور وصفه لاحقًا لصديقه سولوفيف بأنه كان يشعر وكأنه على وشك أن يموت لتوه، وكان يتبع هذا في الواقع حالة شبيهة بالموت الحقيقي. يقصُّ لنا شقيقه اندريه أن فيودور الصغير كان يحرص، قبل نومه، على أن يترك إلى جانبه قصاصات صغيرة يقول فيها أنه ربما سيسقط أثناء الليل في حالة غفوة شبيهة بالموت، ويرجو أن يؤجل دفنه خمسة أيام (فيلرب-ميللر وايكشتين، 1925).
ونحن نعلم مغزى ومقصد نوبات الموت هذه. إنها تعني التماثل مع شخص ميت، مع شخصٍ ميتٍ بالفعل أو شخصٍ ما زال على قيد الحياة ويتمنى أن يموت. والحالة الأخيرة هي الأكثر أهمية، لأن النوبة في هذه الحالة تتخذ قيمة العقوبة. فقد تمنينا موت الآخر، وأضحينا هذا الآخر، وأمتنا نفسنا. في هذه النقطة تعمد نظرية التحليل النفسي إلى التأكيد على أن هذا الشخص الآخر قد أمات نفسه. وهنا تؤكد نظرية التحليل النفسي أن هذا الشخص الآخر هو، مبدئيًا، الأب. وبالتالي فإن النوبة – التي اصطلحنا على وصفها بالهستيرية – هي عقاب للذات التي رغبت موت الأب المكروه.
إن قتل الأب، تبعًا لوجهة نظر معروفة، هو الجريمة الأساسية والأولى للبشرية وللفرد – انظر مقالاتي عن الطوطم والتابو، (1912 - 1913). إنه على أية حال السبب الرئيسي للشعور بالذنب رغم أننا لا نعرف ما إذا كان السبب الوحيد؛ فالأبحاث لم تصبح بعد قادرة على تحديد المنشأ النفسي للشعور بالذنب ولما يتبعه من حاجة إلى التكفير. مشيرين إلى أنه ليس من الضروري أن يكون هذا السبب هو السبب الوحيد لأن الحالة النفسية التي نتعاطى معها معقدة وبحاجة إلى المزيد من التوضيح. لأن علاقة الصبي بأبيه كانت علاقة متناقضة. فبالإضافة إلى الكراهية التي ترغب في إزالة الأب كمنافس، هناك أيضًا بشكل عام، شعور بالمودة تجاهه. وكلا الموقفين يؤديان إلى التماثل مع الأب. فيود الصبي أن يحلَّ محلَّ والده لأنه معجب به ويريد أن يصبح مثله، وفي الوقت نفسه يريد أن يبعده عن طريقه. لكن هذا التطور سرعان ما يواجه عائقًا قويًا، حين يفهم الطفل أن محاولته ابعاد أبيه كمنافس ستخصى من قبل هذا الأخير. وبالتالي، خوفًا من هذا الخصاء، ومن أجل الحفاظ على ذكورته، يصرف النظر عن رغبته في امتلاك أمه ومن التخلص من أبيه.
لكن مقدار ما يتبقى من هذه الرغبة في اللاشعور يشكل أساسًا للشعور بالذنب. ونحن نعتقد أن ما نصفه هنا هو العمليات السوية، أي المصير السوي لما نسميه بـ"عقدة أوديب"، لكن الأمر يتطلب قدرًا كبيرًا من الإسهاب.
لأنه ينشأ تعقيد آخر، حين يكون العامل التكويني، الذي ندعوه بالثنائية الجنسية، متطورًا بشكل كبير نسبيًا عند الطفل، فيقوِّي التهديد الذي يشكِّله الخصاء على الذكورة كميل للانحراف باتجاه الأنوثة، ما يدفعه لأن يضع نفسه مكان أمه، ليقوم بدورها كموضوع لحب أبيه. إلا أن الخوف من الخصاء يجعل هذا الحل مستحيلاً. ويفهم الصبي أن عليه أن يخضع له، إذا ما أراد أن يكون محبوبًا كامرأة من قبل أبيه، وبالتالي، فإن كلا الدافعين، أي كراهية الأب والدخول في علاقة حب معه، يؤديان إلى الكبت.
مشيرين هنا إلى وجود بعض الفروقات السيكولوجية: فكراهية الأب تختفي بسبب الخوف من خطر خارجي (هو الخصاء) بينما يؤدي الدخول في علاقة حب مع الأب إلى خطر غريزي داخلي يحمل من حيث الجوهر نفس مخاطر الخطر الخارجي.
إن ما يجعل كراهية الأب أمرًا غير مقبول هو الخوف منه؛ فالخصاء شيء قميء، سواء كعقاب أو كثمن للحب. ومن بين العاملين الذين يكبحان كراهية الأب، فإن العامل الأول، الذي هو الخوف المباشر من العقاب ومن الخصاء هو العامل السوي، لكن زيادة الحدة المرضية لهذه الكراهية لا تحصل إلا عند العامل الثاني، الذي هو الخوف من الموقف الأنثوي، ما يزيد من الميل الخنثوي كشرط معزز للعُصاب.
وهذه النزعة موجودة دون أدنى شك عند دستويفسكي. وهي تظهر بشكل جلي (كشذوذ جنسي كامن) من خلال أهمية الصداقات الذكورية في حياته، وفي سلوكه الذي يتميز برقة غريبة تجاه منافسيه في الحب، وفي تفهمه الملحوظ لمواقف لا يمكن أن تفسَّر إلا كمثلية مكبوتة كما نلاحظ في أمثلة كثيرة من رواياته.
أنا آسف، لأنه رغم أني لا أستطيع تغير الحقائق، فإن التطورات ذات العلاقة بمواقف الكراهية والحب تجاه الأب، والتحولات التي تتعرض لها بسبب التهديد بالخصاء، تبدو للقارىء غير المتآلف مع التحليل النفسي، مفتقرةً إلى الذوق، وفي الوقت نفسه إلى المصداقية. وبالتالي فإن عليَّ أن أتوقع أن تثير عقدة الخصاء هذه أشد أنواع النفور عامةً. لكن اسمحوا لي أن أؤكد بأن خبرة التحليل النفسي جعلت هذه العلاقات تحديدًا بعيدةً عن متناول الشك، كما علمتنا أن نرى فيها المفتاح الذي يجعلنا نفهم كل أنواع العُصاب. انطلاقًا من هذا سنحاول تفهم صرع كاتبنا.
لأنها بعيدة جدًا عن وعينا، تلك الأمور التي تتحكم بحياتنا النفسية اللاشعورية! غير أن ما قلته إلى الآن لا يستنفذ عواقب كبت كراهية الأب في عقدة أوديب. فهناك شيء جديد ينبغي إضافته، ألا وهو التماهي مع شخص الأب الذي يحتل في النهاية مكانةً ثابتةً في الأنا. لكنها مكانةٌ تتثبت كمثيل خاص يتعارض مع المفهوم الآخر للأنا، ذلك الذي ندعوه بالأنا العليا، تلك التي نعيد إليها، كوريث لتأثير الأهل، أكثر الوظائف أهمية.
فإذا كان الأب صعبًا وعنيدًا وقاسيًا، تأخذ الأنا العليا منه هذه الصفات، ومن خلال علاقتها مع الأنا، تعود السلبية، التي كان من المفترض تحديدًا أن تكبح، إلى الظهور. فتصبح الأنا العليا سادية، وتتحول الأنا إلى مازوشية، أي سلبيةً وأنثوية في أعماقها. وتتطور في الأنا حاجة كبيرة إلى العقاب، حيث تقدِّم نفسها، من جهة، كضحية للقدر، بينما تجد، من جهة أحرى، إشباعًا لرغبتها من خلال سوء المعاملة التي تلاقاها من الأنا العليا (الشعور بالذنب).
لأن كل عقاب هو في نهاية الأمر خصاء، وبالتالي، في الوقت نفسه إشباع للموقف السلبي القديم من الأب. ما يجعل حتى القدر، في نهاية المطاف، إسقاطًا لاحقًا للأب.
إن العمليات السوية في تكوين الوعي الأخلاقي يجب أن تكون مماثلة للعمليات غير السوية التي وصفناها هنا. ونحن لم ننجح بعد في تحديد الخط الفاصل بينهما. لكننا نلاحظ بأن الدور الأكبر في حلِّ هذه العقدة إنما تلعبه كعنصر سلبي تلك الأنوثة المكبوتة. في المقابل، وبالإضافة فإن من المهم، كعامل عرضي، أن يكون الأب – الذي يخشى منه في جميع الأحوال – في الواقع عنيفًا أو غير عنيف أيضًا بشكل ملحوظ. وقد كان عنيفًا في حالة ديستويفسكي، ما يمكننا أن نعيد سبب شعوره غير العادي بالذنب، وسلوكه المازوشي، إلى ذلك العنصر الأنثوي القوي بشكل ملحوظ. فالمعادلة بالنسبة لدستويفسكي هي إذًا كما يلي: نزعة قوية للثنائية الجنسية، وقدرة في الدفاع عن نفسه بدرجة كبيرة من الشدة ضد الاعتماد على أب يتميز بالقسوة. ونضيف خاصية الثنائية الجنسية هذه إلى مكونات طبيعته التي سبق وتعرفنا إليها. ما يمكننا بالتالي من أن نفهم بأن الأعراض المبكرة من النوبات الشبيهة بالموت التي كانت تعتريه، كانت تماهيًا مع الأب على صعيد الأنا، تماهيًا تسمح به الأنا العليا كنوع من العقاب. "لقد أردت قتل الأب لتصبح أنت الأب. الآن أنت أبوك، وأصبحت أنت ذلك الأب الميت".
تلك هي الميكانيكية الطبيعية للظاهرة الهستيرية. بالإضافة إلى ذلك، "أنت الآن من يقتله الأب". وظاهرة الموت هذه هي بالنسبة للأنا إشباع في الخيال للرغبة الذكورية، كما أنه في الوقت نفسه بالنسبة للأنا العليا إشباع مازوشي، إشباع عقابي، وبالتالي إشباع سادي. وفي كلتا الحالتين، تقوم الأنا والأنا العليا من جديد بدور الأب.
فإذا أردنا أن نجمل قلنا إن العلاقة بين الشخص وبين الأب كوجود، قد تحولت – مع احتفاظها بمحتواها – إلى علاقة بين الأنا والأنا العليا؛ أي إلى إخراج جديد على مسرح جديد. مشيرين إلى أن ردود الأفعال الطفولية هذه، والناجمة عن عقدة أوديب، قد تختفي إذا لم يمدها الواقع بأي عنصر جديد. لكن شخصية الأب تبقى هي نفسها، لا بل إنها تتدهور مع مر السنين، ما يبقي على حالها كراهية ديستويفسكي الشديدة لأبيه ورغبة الموت الموجهة ضد هذا الأب السيء. لكن من الخطير أن يحقق الواقع مثل هذه الرغبات المكبوتة. لقد أصبح الخيال واقعًا وتدعّمت جميع الوسائل الدفاعية. وبالتالي، اتخذت نوبات ديستويفسكي ذلك الطابع الصرعي؛ فهي ما زالت تحمل نفس معنى التماهي مع شخص الأب كشكل من أشكال العقاب، لكنها أصبحت مريعة كالموت المخيف لأبيه نفسه. أيُّ مضمون أضيف إليها من ثم، وبخاصة أيُّ مضمون الجنسي؟ هذا يستعصي على التخمين.
ونلاحظ شيئًا ملفتًا للانتباه وسط هالة تلك النوبة الصرعية، لحظة يتم فيها الشعور بغبطة فائقة، لحظة يمكن أن تكون تسجيلاً لشعور بالانتصار (يحسُّ به المريض)، حين يسمع نبأ موت الأب الذي يتبعه مباشرةً أقسى أنواع العقاب. إن هذا التسلسل من الشعور بالانتصار ثم بالفجيعة، بالابتهاج السار ثم بالحزن، كنا قد تنبأنا به عند الأخوين في تلك العشيرة البدائية اللذين قتلا الأب، ورأيناه يتكرر في حفل الغذاء الطوطمي. فإذا ما ثبت لنا بالنسبة لحالة ديستويفسكي أنه لم يعاني من نوبات في سيبيريا، فإن ذلك يقدِّم البرهان بأن نوباته كانت هي عقابه.
لأنه لم يكن في حاجة إليها حينما كان يعاقب بطريقة أخرى. غير أن هذا لا يمكن إثباته. على الأقل، تفسر هذه الحاجة إلى العقاب، ومن منظور الاقتصاد النفسي لدستويفسكي، واقع أنه نجح في أن يجتاز بشكل سليم، تلك الأعوام من البؤس والذل. لقد كان الحكم على ديستويفسكي (بالنفي) كسجين سياسي، حكمًا ظالمًا، وهو كان يعلم ذلك، لكنه قبل هذا العقاب غير المستحق الذي عاقبه به القيصر، كأب صغير، كتعويض عن العقاب الذي كان يستحقه بسبب خطيئته ضد أبيه الفعلي. بالتالي، بدلاً من أن يعاقب نفسه، قبل أن يعاقبه بديل عن أبيه. ما يعطينا لمحة عامة تبرر نفسيًا العقوبات التي يلحقها المجتمع. لأن الكثير من المجرمين في الحقيقة يريدون أن يعاقبوا. فذاتهم العليا تطلب ذلك. لأنها بهذا تريح نفسها من عقاب نفسها.
إن كل من يعرف المعنى العميق للتحول المعقد للظاهرة الهستيرية، بوسعه أن يفهم أن ليس بوسعه التعمق في فهم مغزى نوبات ديستويفسكي، من خلال هذه المقدمة[4]. ويكفينا أن ندَّعي أن مغزاها الأصلي قد بقي كما هو ولم يتغير، بعد كلِّ ما تعرَّض له. ما يعطينا الحق بأن نؤكد أن ديستويفسكي لم يتحرر ضميره إطلاقًا من شعوره بالذنب بسبب نيته في قتل أبيه. وهذا الشعور بالذنب هو الذي حدَّد أيضًا موقفه في مجالين مختلفين آخرين للعلاقة بالأبوة فيهما دور حاسم، ألا وهما: موقفه المتعلق بسلطة الدولة وبالإيمان بالله.
وقد انتهى في الموقف الأول من هذين الموقفين إلى خضوع كامل للقيصر – الأب الصغير – الذي لعب معه على الأرض مرةً لعبة الحكم بالإعدام، التي أعاد تمثيلها غالبًا في نوباته. وهنا كان الغالب هو القصاص. أما في المجال الديني فقد احتفظ لنفسه بحرية أكبر. فطبقًا لتقارير شهودٍ موثوق بها، بقي حتى آخر أيامه متأرجحًا بين الإيمان والإلحاد. حيث أن ذكاؤه العظيم جعل من المستحيل عليه أن يتغاضى عن أي من تلك الصعوبات الفكرية التي يؤدي إليها الإيمان. وكان، من خلال التكرار الشخصي لتطور حصل في التاريخ الإنساني، يأمل في أن يجد مخرجًا وتحررًا من الذنب في المثل الأعلى للمسيح، وأن يستخدم ما كان يعاني من الآم كي يلعب دورًا شبيهًا بدور المسيح.
فإن لم يتمكن – في نهاية المطاف – أن يحقق حريته، وأصبح رجعيًا، فقد حدث ذلك لأن الشعور بالذنب تجاه الأب، والموجود لدى الكائنات البشرية عامة، والذي يستند إليه الشعور الديني، قد بلغ عنده درجة فائقة في شدتها، ما جعل من غير الممكن، رغم ذكائه العظيم، أن يتغلب عليه. ونعرض أنفسنا هنا لانتقاد يتهمنا بالتخلِّي عن الموضوعية في التحليل، وبإخضاع ديستويفسكي لأحكام لا يمكن تبريرها إلا من وجهة متحيزة. وقد يأخذ المحافظ جانب "المحقق الكبير" ويحكم على ديستويفسكي بطريقة مختلفة. وهو اعتراض سليم. وما بوسعنا فقط أن نقوله في هذه الحال، هو أن قرار ديستويفسكي قد تحدد بفعل عملية كبت فكري Inhibition عقلية ترجع إلى عُصابه.
كما أنه ليس من باب الصدفة على الإطلاق، كون ثلاثة من أروع الأعمال الأدبية على مرِّ العصور، والتي هي أوديب الملك لسفوكليس، وهاملت لشكسبير، والأخوة كارامازوف لدستويفسكي، قد عالجت جميعها نفس الموضوع، الذي هو قتل الأب. ونجد في الأعمال الثلاثة، ظهور نفس الدافع للجريمة – ألا وهو التنافس الجنسي من أجل امرأة. وقد كان العرض الأكثر صراحةً هو ذلك الذي قدمته الأسطورة اليونانية (أوديب لسفوكليس). مع التأكيد أنه هنا أيضًا، يقوم البطل نفسه بالفعل الإجرامي. لكن المعالجة الشعرية تبقى مستحيلة من دون تهذيب وتخفيف.
يبدو الاعتراف المكشوف بنية ارتكاب جريمة قتل الأب، الذي توصلنا إليه في سياق تحليلنا، غير مقبول من دون اعداد تحليلي. فالمأساة اليونانية، التي تحافظ على الوقائع، تقدم التخفيف اللازم بشكل متقن من خلال إسقاط الدافع اللاشعوري للبطل في الواقع على شكل إكراه غريب من القدر. فيرتكب البطل فعلته بدون قصد، وهو ليس خاضع في الظاهر لتأثير امرأة، مع أخذ هذا العنصر الأخير بعين الاعتبار، لأن البطل ليس بوسعه أن يتوصل إلى امتلاك الملكة الأم ما لم يكرر فعلته ضد الوحش الذي يرمز إليه الأب.
والبطل بعد أن يكتشف ذنبه ويعيه، لا يحاول البتة التخلص منه، بل يستعين من أجل ذلك بفكرة القدر. وبالعكس، لو أن الجريمة حصلت عن وعي، لتمَّ الاعتراف بها كذلك، ولكان عقابها على هذا الأساس، الأمر الذي قد يبدو من منطلق تحليلنا غير عادل، وإن كان مبرر تمامًا من الناحية النفسية. أما في المسرحية الانجليزية[5] فإن التمثل غير المباشر أكثر وضوحًا، لأن البطل لم يرتكب الجريمة بنفسه، إنما الذي نفذها شخص آخر لا تعتبر الجريمة بالنسبة له جريمة قتل للأب. ما يجعل الدافع غير اللائق للمنافسة الجنسية على المرأة ليس بحاجة إلى التخفيف. كما نلاحظ، فضلاً عن ذلك، انعكاس ضوء عقدة أوديب عند البطل، حينما نتبين كيف انعكست عليه الجريمة التي ارتكبها ذلك الآخر.
وقد كان عليه أن ينتقم لهذه الجريمة ولكنه يجد نفسه عاجزًا، بصورة غريبة، عن القيام بذلك. ونحن نعلم أن شعوره بالذنب هو الذي يعوقه، بشكل يتماشى تمامًا مع العمليات العصابية، فيتحول الشعور بالذنب إلى إدراك عجزه بالقيام بهذه المهمة. وهناك دلائل على أن البطل يحس بالذنب كشعور يتجاوز فرديته. فيحتقر الآخرين كما يحتقر نفسه. "لأننا إن عاملنا الآخرين كما نعامل أنفسنا، من بوسعه تجنُّب السوط؟".
وتخطو الرواية الروسية[6] خطوة أبعد في نفس الاتجاه. ففيها أيضًا ترتكب الجريمة من قبل إنسان آخر، لكن هذا الشخص الآخر تربطه بالمقتول نفس العلاقة البنيوية التي تربطه بالبطل ديمتري، كما يتم الاعتراف صراحة بدافع المنافسة الجنسية. إنه أخ البطل، وأنها لحقيقة ملحوظة أن ديستويفسكي قد نسب إليه مرضه هو – أي الصرع المزعوم – كما لو كان يسعى إلى الاعتراف بأن الجانب الصرعي – أي العُصابي – هو من ارتكب جريمة قتل الأب. ثم قام، في مرافعة الدفاع في المحكمة، بتقديم تلك السخرية الشهيرة المتعلقة بالحالة النفسية – كسيف ذو حدِّين. ويا له من تمويه رائع، حيث يكفي أن نعكسه لنكتشف المغزى العميق لنظرة ديستويفسكي إلى الأشياء. لأن ما هو مدعاةً للسخرية ليس التحليل النفسي، إنما طريقة التحقيق القضائي بحدِّ ذاتها.
ولا يعود مهمًا أن نعرف من ارتكب الجريمة. لأن ما يهتم التحليل النفسي به هو من تمنَّاها من كلِّ قلبه ومن تقبلها بعيد حدوثها. لهذا السبب يمكن اعتبار جميع الأخوة – باستثناء أليوشا الذي تختلف شخصيته عن الآخرين –: الشهواني الخاضع لنزواته، والشكاك الساخر، والمجرم المصاب بالصرع[7] مذنبين بنفس القدر. ونجد في الأخوة كارامازوف مشهدًا خاصًا يعبِّر عن ديستويفسكي، ففي مجرى الحديث بين ديمتري والموقر (سوزيما) يدرك الأخير أن لدى ديمتري استعدادًا لارتكاب جريمة قتل أبيه، فيخرُّ ساجدًا عند قدميه.
ولمَّا كان من المستحيل أن يكون المقصود بهذا الفعل تعبيرًا عن الإعجاب، فإنه لا بد أن المقصود هو أن هذا الرجل الموقر الذي رفض اغراء ازدراء المجرم وكرهه، تواضع أمامه. والحقيقة هي أن تعاطف ديستويفسكي نحو المجرم لا حدود له. فهو يتجاوز الشفقة الحقة التي يثيرها فينا الشقي المسكين، ويذكرنا "بالخوف المقدس" الذي كان ينظر به إلى المصروعين والمجانين في العصور القديمة. المجرم عنده هو في الأغلب مخلِّص حمَّل نفسه الخطيئة التي كان ينبغي أن يتحملها الآخرون. فلم يعد المرء بحاجةٍ لأن يقتل، طالما أنه قام بعملية القتل بنفسه، وعلينا أن نعترف له بالجميل لأنه بفعله هذا أراحنا من القتل. فالحالة لم تعد مجرد تعاطف إيجابي، إنما حالة تطابق تنطلق من بواعث إجرامية مماثلة، إن لم نقل من نرجسية منحرفة بعض الشيء.
ولا يمكن التشكيك بالقيمة الأخلاقية لهذا التعاطف. فهذه قد تكون، بشكل عام، الآلية التي تجعلنا نتعاطف مع الآخرين، تلك الآلية التي نتلمسها بسهولة في الحالة القصوى التي يعيشها بشكل خاص الروائي الواقع تحت وطأة الشعور بالذنب. لأنه مما لا شكَّ فيه أن ذلك التعاطف الذي منبعه التماثل هو الذي كان العامل الحاسم في اختيار ديستويفسكي لأبطاله. فهو قد تعاطى في البداية مع المجرم العادي (الذي يتصرف بدافع من أنانيته)، ثم مع المجرم ذو الدافع السياسي والديني، ليصل في أواخر حياته إلى التعاطي مع المجرم الأصلي، قاتل الأب، الذي أدلى من خلاله – أدبيًا – باعترافاته.
لقد ألقى نشر كتابات ديستويفسكي بعد وفاته، وكذلك نشر يوميات زوجته، ضوءًا ساطعًا على مرحلة هامة من حياته، أعني تلك الفترة التي قضاها في ألمانيا حينما كان مدفوعًا في هوس إلى المقامرة (كان ديستويفسكي مهووسًا بلعب الروليت). ذلك الهوس الذي لا يمكن تفسيره كغلوٍ عاطفي مرضي. مشيرين إلى أن تبريرات هذا السلوك الغريب والحقير كانت كثيرة. فالشعور بالذنب، وهو شعور غالبًا ما نلحظه لدى المصابين بالعصاب، قد تم استبداله بشيء أكثر حسِّيةً، هو عبء الدين، ما فتح المجال أمام ديستويفسكي أن يعتصم وراء حجة تقول إنه كان يحاول عن طريق مكاسبه على موائد القمار، العودة إلى روسيا من دون أن يقبض عليه دائنوه. إلا أن نوبة الهوى المرضي لا يمكن أن يخطئها الإدراك، ولم تكن هناك حاجة إلى غير اللائق، فكما يحدث غالبًا مع العصابيين، اتخذ عبء الذنب عند ديستويفسكي شكلاً ملحوظًا كعبء الدين، وكان في مقدرته أن يحاول، غير أن هذه الحجة لم تكن أكثر نبلاً بدرجة كافية ليسلم بها، فقد كان يعلم أن الشيء الرئيسي هو مجرد حجة. وكان ديستويفسكي دقيقًا بدرجة كافية ليدرك الحقيقة، القمار لأجل القمار نفسه – اللعب للعب وكل تفاصيل سلوكه اللامعقول الاندفاعي تُظهر هذا وتظهر أكثر منه، إذ أنه لم يكن يستريح أبدًا حتى يفقد كل شيء. فقد كان القمار بالنسبة له طريقة أخرى لمعاقبة الذات. كان يعطي لزوجته الضعيفة يومًا بعد يوم وعدًا أو كلمة شرف ألا يعود للعب، وألا يعود للعب في ذلك اليوم خاصة، وكان – كما تقول هي – يحنث بوعده دائمًا، وحينما كانت خسائره تودي به وبها دائمًا إلى أبشع حالات الحاجة، كان يستمد من هذا إشباعًا مَرَضيًا ثانيًا، إذ كان يستطيع عندئذ أن يسب ويهين نفسه أمامها وأن يدعوها لأن تحتقره وأن تحس بالأسف لأنها تزوجت مثل هذا الخاطئ العجوز، وحينما كان يخفف العبء عن ضميره بهذا، يبدأ الأمر كله مرة أخرى في اليوم التالي. وعوَّدت الزوجة الصغيرة نفسها على هذه الدائرة، لأنها لاحظت أن الشيء الوحيد الذي كان يمثل أملاً حقيقيًا في الخلاص، أي إنتاجه الأدبي، لم يكن يستمر بصورة أفضل مما تكون الحال حينما يكونا قد فقدا كل شيء ورهنا آخر ممتلكاتهما. وهي لم تكن – بالطبع – تفهم الصلة. فحينما كانت أنواع العقاب التي يوقعها على نفسه تشبع شعوره بالذنب، كانت تزول المعيقات التي تمنعه من العمل، وكان يسمح لنفسه أن يخطو خطوات قليلة في طريق النجاح.
.................
ملاحظات
ترجمة: سمير كرم
مراجعة: أكرم أنطاكي
الرابط:http://www.maaber.org/issue_july12/depth_psychology1a.htm
*** *** ***
٭ سيغموند فرويد: كتب هذا البحث عام 1928، وهو الفصل الحادي والعشرون من المجلد الخامس من كتابات فرويد المجمَّعة[ بعنوان: Dostoevsky and Parricide] (طبعة نيويورك 1959). (المترجم)
[1] هلمهولتز(1821-1894) عالم طبيعي وفيزيولوجي ألماني، قام بالتدريس في الجامعات ألمانيا المختلفة. وهو أحد مكتشفي مبدأ ضغط الطاقة ومخترع جهاز "الأوفتالماسكوب" (1850) وله أبحاث في آليات الأبصار والسمع. يفهم من سياق حديث فرويد أنه كان مصابًا بحالة مرضية. [المترجم]
[2] المقصود بالاقتصاد النفسي خلق وتوزيع واستهلاك الطاقة العقلية بما يتفق مع مبدأ تحقيق المنفعة الأكبر بأقل مجهود ممكن. [المترجم]
[3] نؤكد على النقيض من ذلك أن المرض لم يتخذ صورته الصرعية النهائية إلا في منفاه في سيبيريا، ولسوء الحظ أن لدينا سببًا هو معظم الآراء بما فيها رأي ديستويفسكي نفسه.
[4] انظر الطوطم والتابو (1912-1913): إن أحسن الآراء في مغزى ومضمون النوبات التي كانت تنتابه هو الذي ذكره ديستويفسكي نفسه حينما قال لصديقه ستراخوف أن انفعاليته وقمع هذه الانفعالية بعد نوبة صرعية كانا راجعين إلى حقيقة أنه كان يبدو لنفسه مجرمًا، ولم يكن يستطيع أن يتخلص من شعوره بأنه يحمل عبء ذنب مجهول بأنه ارتكب خطأ عظيمًا وكان هذا الشعور يرهقه (فولوب ميلر، 1924، ص 3188). ويرى التحليل النفسي في مثل هذه الاتهامات الموجهة للذات دلالات على إدراك "الواقع النفسي" وهو يجاهد ليجعل المذنب المجهول للشعور معلومًا له.
[5] المقصود هنا هاملت. [المترجم]
[6] الأخوة كارامازوف. [المترجم]
[7] يقصد ديمتري وايفان وسميردياكوف على التوالي من شخصيات الأخوة كارامازوف. [المترجم]






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفاهة الشر: القمع البريطاني لثورة 1936 في فلسطين -2
- تفاهة الشر: القمع البريطاني لثورة 1936 في فلسطين -1
- القذافي والأسد والشرعية السياسية و إدارة أوباما
- الإرهاب اليهودي -الصهيوني و قيام دولة إسرائيل -5
- الإرهاب اليهودي -الصهيوني و قيام دولة إسرائيل -4
- الإرهاب اليهودي -الصهيوني و قيام دولة إسرائيل -3
- يوم أيوب؛أربعاء العطاء و الشفاء
- - الحاج- : حكاية الاستعمار و -دولة الحدود- 1
- العنصرية في لبنان:العنزة بتخلّف عنزة
- -مكبّعه ورحت امشي يُمّه بالدرابين الفقيرة-: ومن مثل الموسيقا ...
- الصهبجية:بين مطرقة الفن الهابط وسندان الزمن الجميل
- زفرة أبو عبد الله الصغير الأخيرة
- الدون كيشوت وتابعه سانشو في مخيم اليرموك(2)
- إسرائيل من الداخل:يهودية الدولة،والانقلاب الإشكنازي
- الإرهاب اليهودي -الصهيوني و قيام دولة إسرائيل (2)
- مولد الصورة في الوعي البشري :بورتريه غيفارا مثالاً
- على جدار النكسة: درس في اللجوء؛ -كفر الما-والبيان رقم-66-
- الإرهاب اليهودي-الصهيوني و قيام دولة إسرائيل(1)
- فلسطين الصهيونية: بين مجتمع مستوطنين ووطن قديم لشعب جديد : ا ...
- تلك اللحظة التي هرمنا من أجلها


المزيد.....




- العنصر: - التوظيف الجهوي خيار استراتيجي ينسجم مع الجهوية الم ...
- رسالة -من القلب- من نجوى كرم إلى جورج وسوف وحديث عن إمكانية ...
- الموت يفجع أسرة الفنان سعيد صالح
- رحيل فايز خضور أحد شعراء سوريا البارزين
- اكتشاف هيكل عظمي لفتاة عاشت قبل 700 عام تحت أرضية أقدم قصر م ...
- جدل فرنسي يتجدد حول نابليون بونابرت في الذكرى الـ200 لوفاته ...
- مصادر: الحالة الصحية للفنان سمير غانم غير مستقرة ويخضع للتنف ...
- فيديو | “إخضاع الكلب”.. رواية جديدة لأحمد الفخراني مع دار ال ...
- الموت يفجع الفنان السوري باسل خياط
- حفل في دار الأوبرا بدمشق بمناسبة عيد النصر


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - ديستويفسكي وجريمة قتل الأب