أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فالح مهدي - لماذا إيران؟















المزيد.....



لماذا إيران؟


فالح مهدي

الحوار المتمدن-العدد: 6452 - 2020 / 1 / 1 - 21:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في حرب حزيران المخجلة في عام 1967 التي انتهت بتلك الهزيمة المريرة للعرب ولم تزل آثارها ماثلة ،صرح وزير الدفاع الإسرائيلي حينذاك موشي ديان تعليقاً على ذلك النصر الساحق ومنذ اليوم الأول الذي حققته إسرائيل في حربها الخاطفة تلك هذا التصريح ( العرب لا يقرؤون)! .
لم نفهم في حينها ذلك القول ، ذلك إننا( وهنا اقصد عشرات ومئات الشباب في تلك اللحظة ) من القراء بل من المصابين بداء القراءة العظيم !
بمرور الزمن فهمنا ما يعنيه موشي ديان ، فالمقصود القراءة المتعلقة بفهم عدوك وهذا يعني قراءة في سوسيوجيا عدوك، في ثقافته، في أعرافه وتقاليده ، في طرق تفكيره ، في الايديولوجية التي تتحكم بطرائق تفكيره الخ .
هذا المقال يدخل في مشروعي لنقد الفكر الشيعي الذي اعمل عليه منذ مدة، الحراك العظيم للشباب في العراق هو من دعاني للمساهمة وعبر هذا المقال لفهم الجارة إيران ! لقد كان ولم يزل من سوء حظ العراق ان يكون مجاوراً لإيران.
وقبل الدخول في قلب الموضوع اود القول أنني أقف بصرامة ضد الشعار الذي رفعه صدام حسين في حربه البائسة مع ايران ( الفرس المجوس) كنوع من التحقير، فهو وإضافة الى تفاهته ، عنصري وغبي ، فالفرس يشكلون جزء من التنوع الأثني الغني لهذا البلد ، وهم كأي مجموعة بشرية لا يمكن النظر اليهم عبر هذه الشعارات الفارغة والغبية. هم وهنا متنوعين ففيهم اليساري المتطرف واليميني والتقدمي ،أذا أخذنا بالمفاهيم المعاصرة . بيد أن القوميين منهم ينظرون للعرب باحتقار. الأيديولوجيات القومية في العالم ذات بنيوية واحدة. الأيديولوجية القومية في العراق كأختها في إيران بنيت على أوهام وأساطير فكلتاهما عُمل من نفس المعدن . كما ان استخدام عبارة " مجوس" كشتيمة، تنطوي على رخص ودونية والسبب هو ان المجوسية في التعبير الاغريقي هي عينها الزرادشتية التي ساهمت بصناعة التوحيد بل يمكن اعتبارها أول ديانة توحيدية.

إيران كعدو
هذه المقدمة تمهيد للدخول الى قلب هذا الموضوع ( لماذا ايران ؟) ، نعم أعداء العراق كثر فكل جيرانه لا يكنون له حباً، بل ان دويلة صنعها وفبركها البريطانيون، وهنا اقصد الكويت تتمنى ان لا يكون هناك عراق واحد بل عشرين عراقا!
وتكرمت الوهابية في الحجاز فأرسلت لنا بعشرات الإرهابيين ممن فجّر نفسه في أحياء شيعية ممعنة في البؤس وهم على يقين من تناولهم غداءِ دسمِ من الثريد مع رسولهم هم كما ورد في مدوناتهم. وكانت تركيا اوردغان بالمرصاد فساهمت وبكل الطرق للتدمير العراق. ولم يبخل رئيس النظام الفاشي في سوريا بشار الأسد من إرسال عشرات البرابرة ليفجروا أنفسهم في أسواق بغداد الشعبية .
ومن لم يبعث بدواعش تآمر، على العراق بأشكال أخرى وهنا اقصد بالذات الولايات المتحدة التي جلبت للعراق كل هذا الويل والدمار ومكنت هؤلاء السفلة من حكم العراق. وهنا كما يلاحظ كل لبيب لم اقصد الشعوب بل الأنظمة في تلك الدول .
لم يغب عن ذهني لحظة واحدة حقيقة أن أعداء العراق عديدون وكتبت في أكثر من مرة منوهاً بهذه الحقيقة ، إنما أعود هنا مرة أخرى واكتب ان اخطر أعداء العراق قاطبة ،هي إيران ومنذ أقدم العصور ، بيد ان القرن السادس عشر كان قرن شؤم على العراق، فقد قامت الصفوية (1501-1736) في ايران ، وأصبح هذا البلد المفتت مملكة لها حكومة مركزية. تلك الدولة كانت البداية لما يعرف الان بإيران المعاصرة ،وتبدلت الأنظمة من القاجارية (1796-1925) والبهلوية ( 192-1979) ومن ثم الدولة الصفوية الجديدة دولة الولي القاتل( 1979 ولا زالت على قيد الحياة )، ولم تتبدل سياسة إيران الخارجية.
وقبل الولوج الى قلب الموضوع اجد لازاماً عليّ الاعتراف من إنني كنت اجهل إيران كلياً مع أنها سببت كثيرا من المشاكل والمصائب للعراق، واحتلت عربستان في عام 1925 . كانت عربستان والتي تعني بلاد العرب) منطقة عربية في زمن الدولة الصفوية، ومن ثم دفعت صدام حسين للتنازل عن نصف شط العرب مقابل وقف دعم الشاه للمتمردين الأكراد في شمال العراق.
لم تكتف بذلك فقد احتلت العراق من الداخل باسم المذهب والطائفة وعن طريق عملائها في العراق .
بل تجرا بعض المسؤولين في هذا البلد بمن فيهم نائب رئيس الجمهوري الحالي من الإعراب وبكل اطمئنان عن أوهامهم وأمراضهم واعتبار العراق جزء من إيران !

الإستراتيجية الإيرانية
لكي نتمكن من فهم عدوانية إيران وسعيها الحميم لأن تكون قوة إقليمية معترف بها دولياً ، سنحتاج للرجوع الى خلفيات هذه العدوانية التي خرجت عن طورها ، اذ كان القادة الايرانيون يتصرفون بحكمة بالغة ولا يلجؤن الى العنف إلا نادراً. ما يقوم به حكام ايران الحاليون تجاوز ما خطط ورسم له شاه إيران. هناك عدد من الباحثين في الشأن الإيراني يجدون السبب في هذه العزلة القاتلة لإيران في ماضٍ بعيد جدا يتمثل بالأخمينين ( القرن الخامس قبل التقويم المعاصر)، أو في الثقافة الفارسية أو التشيع ورجال الدين .ولكننا نهمل غالباً التحولات العميقة في المجتمع الإيراني وفي الحياة السياسية بدءا من الثورة الدينية في عام1979 .
لكي نقترب من فهم الإستراتيجية الإيرانية سنحتاج إلى إلقاء الضوء على طبيعة المجتمع السياسي الإيراني وهنا اقصد المجتمع السياسي الفاعل الذي صنع إيران المعاصرة.
يمكننا القول إن هناك ثلاث تيارات هي التي رسمت الصيرورة الإيرانية المعاصرة .التيار الأول هو التيار القومي وقد عّبر عن وجوده في كل التاريخ المعاصر لإيران . التيار الثاني هو التيار الإسلامي المرتبط بالتشيع الإيراني. لقد نشأ هذا التيار مع بزوغ الدولة الصفوية ولا زال فاعلاً في الحياة السياسية والاجتماعية لهذا البلد. أما التيار الثالث فيتمثل بالانفتاح على الآخر وعلى العالم الخارجي. هذا التيار يمثل النخب الإيرانية التي تنزع لإدخال إيران في النظام العالمي .
لم تتوقف هذه التيارات الثلاث عن ان تتطور أو تتنافس أو ان تتحالف. لم يختف اي منها فهناك توازن بين التيارات الثلاث الذي يسمح للحياة السياسية والاجتماعية بالاستمرار. (1)
التيار القومي وصل الى ذروته في عهد الشاه رضا بهلوي ( 1925-1941)، وبالرغم من المعارضة الدينية الشديدة الحضور، انما كان له حضورُ فاعلُ. ينزع ذلك التيار الى تمجيد الماضي ما قبل الإسلامي، تأميم النفط في عام 1953 على يد رئيس الوزراء مصدق ابرز حضوره وفاعليته .
المسألة الجوهرية فيما يتعلق بالأستراتيجية الإيرانية، أن هناك اتفاقاً ضمنياً بين كل التيارات الثلاث حول أسطورة إيران الخالدة، بلد الآريين أو ما يسمى إيران زمان(Iranzaman)
يعتقد بعض الباحثين ان إيران حافظت على هويتها واستقلالها وذلك لمقاومتها للاحتلال الإغريقي، والعربي والتركي والمغولي. او تهديد الامبراطورية العثمانية ، والروس والبريطانيين. هذا الكلام مبالغ فيه فإيران لم تكن وحيدة في هذا الشأن ، أذ نجد كل الدول العربية المعاصرة (عدا المغرب) لم تتخل عن لغتها وعن تقاليدها وعادتها وأنماط عيشها مع مرور خمسمائة عام تحت نير ذلك الاستعمار الغاشم. بلاد الشام (سوريا ولبنان وفلسطين والأردن) والعراق، لم يتخلوا عن لغاتهم فالعربية امتداد للآرامية وهي جزء من هذه العائلة اللغوية التي يطلق عليها"سامية" . التصور الذي صاغه القوميون الإيرانيون مبالغ فيه الى حد كبير. لم تحافظ إيران على لغتها بل استعانت الإمبراطورية الاخمينية بالآرامية لكي تستمر على قيد الحياة واستعانت بقانون حمورابي في المعاملات الإدارية والاقتصادية. بل احتوت اللغة الفارسية المعاصرة من الكلمات والمصطلحات العربية نسبة تتجاوز الثلاثين بالمائة. بل يحمل عدد كبير من الإيرانيين اسماء والقاباً عربية الطابع .
وأذا نظرنا بعين فاحصة فسنجد ان ذلك التصور التي صنع الايديولوجية القومية الايرانية مبالغ فيه ،فلم يبق من آثار عظيمة تذكر لتلك الإمبراطورية قياساً بالمورث الإغريقي والروماني.
أحد المصادر المهمة عن الحضارة الساسانية كتبه الباحث والاستاذ في جامعة كوبنهاكن آرثير كريسنسن في عام 1936 ولازال ينظر اليه بتقدير ي. انقل من هذا الكتاب الذي اصبح احد مراجعي في البحث لنيل شهادة الدكتوراة في عام 1987 هذا المقطع «لم تكن الإمبراطورية الأخمينية إلا امتداداً للإمبراطوريات الأشورية ، البابلية والعيلامية . النظام السياسي الأخميني هو عينه الذي اخذ به الملوك البابليون والميديون » (2)

في كتاب المؤرخ الإيراني حسن ﭘيرنيا عن تاريخ يران القديم (3) نجد التالي « كتبت بعض النقوش الملكية الهخمانشية ( الاخمينية) بثلاث لغات، اي بالفارسية القديمة والعيلامية والاشورية.. وقد كتبت تلك النقوش بالخط المسماري»(4) ومن ثم يضيف " يجب ان يكون واضحاً فيما يخص اللغة الفارسية القديمة ، انها مثل اللغة السنسكريتية .. اي اللغة التي كتبت بها الافستا كتاب زرادشت المقدس". ويقصد بذلك انها لغة ميتة
اما اللغة المستعملة في زمن الساسانيين فهي قريبة من اللغة المستخدمة اواخر العصر الاخميني. واول كتابة وصلت ألينا مكتوبة باللغة البهلوية هي التي عثر عليها في الفيوم بمصر وهي مكتوبة على ورق بردي . ويعتقد انها كتبت في القرن الثاني للهجرة اي الثامن من التقويم المعاصر . الكتب التي وصلتنا من العصر الساساني قليلة جداً (5) .
ويذهب نفس المورخ الايراني، الذي كان من كبار رجالات الدولة في بداية القرن العشرين، الى ان « الخط الايراني الذي استعمل في تلك الحقبة هو المعروف بالخط البهلوي، وكانت كتابته وقراءته أمراً غاية في الصعوبة. ويمكن القول ان إيران الساسانية قد تخلفت بسبب هذا الخط ذلك انه كان يكفي لقراءة الخط المسماري الفارسي وكتابته معرفة إحدى وأربعين علامة أو أصل، بينما كان يلزم لقراءة الخط البهلوي معرفة أكثر من ألف علامة». (6)
لم يكتف ذلك المؤرخ الإيراني بذلك بل أكد على اصعوبة الاطمئنان الى ذلك الموروث ، والسبب هو ان الحروف تقرأ طبقاً للأصوات التي كانت عليها ايام الساسانيين . ويكمن مرد تلك الصعوبة بل إشكالية اللغة والخط في ايران القديمة الى أن الخط البهلوي كان مقتبساً من الخط الآرامي، فلا توجد علامات خاصة للأصوات باللغة البهلوية، واحياناً تدل العلامة على عدة اصوات. وثانياً أصبح حضور اللغة الآرامية في العصر الساساني طاغياً كما كان في الزمن الأخميني. ذلك الحضور الطاغي كانت له عوارض ثانوية لازالت اثارها بينة لمن يريد القيام بترجمة نص من نصوص تلك الحقبة. الساسانيون يستخدمون اللغة الآرامية عند الكتابة ولكن ( وهنا موضع ذلك التمزق الثقافي) كانوا يلجؤون الى البهلوية عند القراءة . فمثلاً كانوا يكتبون كلمة " ملكا" باللغة الارامية ، وهي كما نعلم تعني ملكاً في في كل اللغات التي يطلق عليها سامية، ولكن وعند القراءة يقرؤونها "شاه" ! ويقدر عدد الكلمات الآرامية التي استعملت في اللغة البهلوية الى اكثر من الف كلمة مما جعل قراءة الكتابة البهلوية صعبة الى ابعد الحدود.(7)
مسألة اللغة والخط كانت من العلامات البارزة على ضعف الحضارة في بلاد فارس . القوميون الإيرانيون حاقدون على العرب لأنهم انهوا المجد الفارسي بعد سقوط الإمبراطورية الساسانية ، انما هذا الحقد لم يمنعهم من اللجوء الى اللغة العربية ، بل هيمنت الآرامية قبل الإسلام بزمن طويل ، وهي غير مسلحة ولا تملك جيوشاً وأصبحت اللغة الأولى عند الأخمينين .
لم تترك الحضارة الساسانية آثارا عظيمة في منطقة الشرق الأوسط ولم تصل الى ما وصلت اليه الإمبراطورية الرومانية ، أذ نجد اثارها جلية في كل معظم اللغات الأوربية ولا زالت اللاتينية تدرس في معاهد الدراسات العليا ، بل لم يختف قانون جوستنيان من الوجود فقد تمت الاستفادة منه عند صياغة القانون المدني الفرنسي في القرن التاسع عشر، وقد اخذت بهذا القانون عدد كبير دول العالم . لم يترك الساسانيون مدينة يمكننا اعتبارها حاضرة في المخيلة البشرية كما فعل السومريون ببناءهم لأور واوروك والبابليون حيث اصبحت المدينة التي شيدوها من اعظم المدن في المخيلة البشرية فوردت في الكتاب المقدس بشقيه القديم والحديث وأصبحت علامة من علامات التفسخ الحضاري ، إذ يشار الى نيويورك كبابل، بل الهبت المخيلة الادبية لععد كبير من الشعراء والروائيين في الغرب ! وتمكن الاغريق من تمجيد اثينا والرومان من خلق روما التي لازالت حاضرة ليس في ايطاليا بل في العالم الغربي وكذلك الاسكندرية في مصر ونينوى الاشورية الخ . ليس هناك مدينة بناها الساسانيين وتركت اثرها في المخيلة البشرية . وعندما نعود الى القرون الوسطى نجد بغداد كأعظم مدينة في تلك العصور وتمكنت ألف ليلة وليلة من تخليد البصرة ايضاً.
وتمكنت الحضارات المعاصرة من خلق مدن كباريس ولندن ونيويورك الخ.
تصريح القادة الإيرانيين ان العراق جزء من الإمبراطورية الإيرانية ، ينطوي على غباء وخفة متناهية. هذه المنطقة من العالم ( العراق وبلاد الشام ) اولاً حكمتها أقوام تنتمي الى عائلة لغوية واحدة ( اللغات السامية) ولم تخرج ايران عن هذه القاعدة ، فلم تكن لها لغة سادت هذه المنطقة ولم يكن لها قانون أصبح من البهاء ينافس قانون جوستنيان الروماني. بل قامت الامبراطورية الرومانية باحدى المآثر في تاريخ الانسانية، ذلك انها اوجدت مفهوم المواطنة الذي ساهم بالقضاء على القبلية في اوربا .
نعم الحضارة الساسانية كانت من الحضارت العظيمة في العالم القديم ، انما غابت عنها الشمس وهي حية ترزق .
العرب المسلمون كانوا معجبين بالتنظيم الاداري الساساني وهم على حق فقد كان الساسانيون بارعين في هذا المجال. انما استفاد الساسانيون من العلوم الاغريقية ايضاً في فلسفتهم السياسية . نجد في نفس كتاب حسن ﭘيرنيا عن إيران القديمة « أن انوشيروان قد استفاد من لجوء سبعة علماء وحكماء من الإسكندرية الى إيران، وأقام مدرسة للطب في جندي سابور وتخرج منها هناك أطباء، وكذلك كلفهم بترجمة الفلسفة الأفلاطونية الجديدة... واحضر برزوية الطبيب كتاب كليلة ودمنة الهندي بأمر أنوشيروان، وتُرجم الى اللغة البهلوية ، ثم ترجمه ابن المقفع الى العربية في القرن الثاني الهجري، غير ان ترجمته الى البهلوية ضاعت.وقد ترجم هذا الكتاب في القرون اللاحقة من العربية الى لغات اخرى ، وعثر على ترجمة سريانية له في إحدى أديرة النصارى بالقرب من حلب. (8)
هذه احدى العقد النفسية الجبارة في اللاوعي الجمعي الإيراني. المخيلة الايرانية بل الإرث الثقافي الايراني لم يهضم لحد الآن تمكن العرب المسلمين من قهر الإمبراطورية الساسانية. الجمهورية الإسلامية وعلى نحو عجيب تمكنت من تبني ذلك الإرث، ولم تخرج منه . فعملت على تقوية الدولة المركزية. ومنذ السنوات الأولى للثورة أعرب قادة إيران ولاسيما الخميني عن طموحهم بتسيد العالم الإسلامي.
صدام حسين كمطية للمشروع الايراني
بدأت هذا المقال بقول شهير لوزير الدفاع الاسرائيلي ابان حرب حزيران حيث قال " العرب لا يقرؤن". في توقيعه على اتفاقية الجزائر التي تنازل بموجبها عن نصف شط العرب لشاه ايران ، أثبت انه أغبى شخصية سياسية في التاريخ . ومع انه صحب معه الى الجزائر شخصيات قانونية لها معرفة بمسائل الحدود ومسألة شط العرب بالذات ، انما لم يستشر احداً ووقّع على اتفاقية تعتبر خيانة عظمى بحق العراق (9)
وعندما ادرك انه جاهل وغبي على نحو لا يمكنه ان يبوح به لأحد ، حاول ان يتلافى الأمر في عام 1980 ، فقام بحربه المجنونة تلك والتي كان من أهدافها ان يسترد ما منحه للشاه.
لم يدرك ان الخميني لا يقل في جنوحه القومي وأوهامه الأيديولوجية عن الشاه محمد رضا بهلوي. بل لو كان صدام حسين على معرفة بطبيعة المجتمع والدولة في ايران ، لما فكر للحظة واحدة بشن تلك الحرب القذرة .ما قام به صدام حسين ودون ارادته وهنا الطامة الكبرى انه منح الشرعية لسلطة رجال الدين اولاً وادى بفعله ذلك الى ان تتوحد التيارات الثلاث لحماية الهضبة الايرانية من الغزو الخارجي . لقد ادى الغزو الأفغاني في عام 1722 الى قناعة تحولت الى استراتيجية متمثلة بالدفاع عن الهضبة الإيرانية أولا .
قدم صدام حسين الفرصة الذهبية الى تحالف التيارات الثلاث لمواجهة التحالف الذي انشأ ضدها والمتكون من العراق ومن الدول الخليجية النفطية إضافة إلى الدول الغربية .
الهجوم العراقي في سبتمبر من عام 1980 اوجد تحالفاً بين القوميين والإسلاميين على نحو خاص . لقد ترجمت الطموحات الثورية من عولمة الثورة الى ضرورة الدفاع عن الحدود. أذ تحول الحرس الثوري الى ابطال الامة ، فالانتصار في خرم شهر واستعادة تلك المدينة في 22 نيسان عام 1982، شهد تحرير التراب الوطني ولم يكن ذلك انتصاراً سياسياً اسلامياً ، بل ايرانياً ينطوي على تلك الوحدة التي اقتضتها تلك اللحظة بين التيارات الثلاث . وفي نفس الوقت ادت تلك الحرب الى شرعنة القوة السياسية لرجال الدين الشيعة ولمرشد الثورة والذي هو الخميني . فقد منحته تلك الحرب القدرة على تحريك ملايين المحاربين القدماء الذين دافعوا في نفس الوقت عن ايران وعن الجمهورية الإسلامية الشابة.
الغزو الصدامي لإيران اوجد حيوية لم تعرفها ايران عبر تاريخها التي تعيه الذاكرة ، فقد تشابك التياران الإسلامي والقومي بدرجة يصعب التفريق بينهما وادى الى شعور قومي إيراني ( وليس فارسيا كما يحلو للبعض من تصويره ) فقد اشترك بالدفاع عن ايران ورد الخطر الذي يهدد وجودها كل مكونات الأمة الإيرانية وأوجد علاقة مبنية على الايمان من ان السلطة تدافع عن الهضبة الايرانية .الحرب التي شنها صدام منحت الفرصة لهذه السلطة التي تمثل القرون الوسطى من القدرة على العيش والمناورة والتخطيط والتدخل في شؤون الآخرين. بين تلك السلطة التي لم تزل هشة وبين التوجه القومي الذي يمثله رجالات الشاه والمؤيدين له. ولأول مرة في التاريخ قام الجيش الذي أنشأه الشاه محمد رضا بهلوي بالدفاع عن الأراضي الإيرانية انما تحت سلطة يقودها رجال الدين الشيعة. تلك الوحدة التي تمت نتيجة وجود مصلحة عليا بين القوميين وبين قادة السلطة الإسلامية في إيران كانت ضرورية لكي تنتصر في تلك الحرب ، وهنا اقصد بالانتصار صد العدوان عن الهضبة الإيرانية. .
التوجه القومي في هذا البلد يغذي دون هوادة روح المقاومة، ولكن ليس ذاك القائم على الاحتلال . والسبب هو ان إيران عبر تاريخها الطويل احُتلت منذ اقدم العصور وحتى القرن السادس عشر وقد خسرت الحروب مع جيرانها وخسرت اجزاء من اراضيها ولم تنجح إلا ببعض العمليات العسكرية ضد دلهي في عام 1739 أو تبلسي في عام 1795 لانها شيعية وإيرانية محاطة بمجموعات سكانية تركية او عربية سنية أومسيحية. (10)
لم تبحث المملكة الفارسية للاستيلاء على أقاليم اخرى انما كانت تبحث دوماً عن دور مؤثر وفاعل في المناطق المحاذية للهضبة الإيرانية: مثل الشاطئ الشرقي لدجلة ، مناطق القوقاز، السهول التركمانية ومناطق هيرات وخيلماند في افغانستان ولا سيما في الخليج العربي – الفارسي . (11)
بعد الحرب العالمية الثانية ،كان أمام جيش الشاه محمد رضا بهلوي مهمة أساسية تتمثل بصد العدوان السوفيتي المفترض على الأراضي الإيرانية. السياسة العسكرية للجمهورية الإسلامية ، تأخذ بما اخذ به الشاه محمد رضا في هذا الأمر الاستراتيجي المتمثل بالسياسة الدفاعية. لقد تم التخطيط ومنذ زمن الشاه على وضع القوات المسلحة في وضع حرب خنادق دفاعية.
إيران التي قامت في القرن السادس عشر وأصبحت دولة لها شأنها في المحافل الدولية ، استفادت من تجربتها لذا لم تفكر في إرسال جيوش لاحتلال الآخرين بعد سقوط الدولة الصفوية . الدولة الإيرانية التي قامت في القرن السادس عشر ولم تزل مع إن الأنظمة تبدلت ، هي في جوهرها دولة قومية دون ان تكون استعمارية وامبريالية. الأسلحة الدفاعية التي تمتلكها إيران فاعلة ومهمة وهناك توافق ضمني بين كل القوى الإيرانية على هذا الموضوع اكثر من التوافق بشأن القنبلة الذرية .
التشيع الصفوي كهوية
الدولة الإيرانية المعاصرة قائمة على تشيّع جاء به الصفويون، فهو بطبيعته إيراني ولا يخدم إلا إيران. هذا التشيع الصفوي هو جزء جوهري في رسم هوية هذا البلد. لقد قام الشاه الأب والأبن بتهميش هذا الإسلام الإيراني . في ادعائها للإسلام قامت الجمهورية الفتية بقيادة الخميني .لقد حاول الثوريون الجدد من توجيه المد الثوري لصالح مصالحهم ، فانتبهوا الى هشاشة الإسلام الصفوي في الدول المحيطة بإيران، لذلك أصبح شعار معاداة اسرئيل كوسيلة لقبول إيران في محيطها الإسلامي. شعار ايران لتحرير القدس يدخل في جوهر الإستراتيجية الإيرانية ، واعني ان ذلك الشعار بعيد عن الجدية بل وسيلة لخدمة الطموحات الإيرانية .

ومع كل تلك الجهود لم ينجح أي منها. في مواجهة العدوان العراقي ، فانطوت إيران على ذاتها الإيرانية والشيعية بحثاً عن حلفاء في هذا العالم المعادي لها(12)
فقامت السياسة الخارجية الإيرانية على الاستفادة من الجزر الشيعية المحيطة بها للدفاع عن مصالحها في عالم محاط بأعداء ينظر الى التشيع الصفوي بريبة وخوف .
يشكل حزب الله اللبناني جوهرة الجزر الشيعية المحيطة بإيران. منذ عدة قرون ترتبط الطائفة الشيعية في لبنان بعلاقات متميزة مع إيران. الشرطة السرية لشاه ايران ( السافاك)، كان نشطة جداً في بيروت في سنوات السبعينيات ، من اجل دعم حركة امل وايضا من اجل مراقبة رجال الدين الشيعة في هذا البلد مثل آية الله موسى الصدر، الذي ربطته علاقة مع الخميني. تلك الشبكة التي أسسها شاه ايران، اصبحت فاعلة في الثورة الاسلامية من اجل التهديد والانتقام والقتل وتدمير من يقف بوجه تلك الثورة الدينية كما حصل في موضوع الرهائن الغربيين في لبنان والتفجيرات التي طالت الدول التي ساندت العراق في حربه مع إيران مثل فرنسا والولايات المتحدة . ومن حق إيران ان تفكر بمفهوم المؤامرة ،فقد جاء الغزو الإسرائيلي للبنان في تموز 1982 في اللحظة التي حققت بها ايران نصرا في جبهة الحرب مع العراق ولم تفلح إيران وعبر الأمم المتحدة من اعتبار العراق معتدياً. في ذلك الجو المشحون بالأعداء لم يبق أمام إيران سوى تعزيز وجودها في لبنان كوسيلة ضغط مع اعدائها.(13)
يورد كمال مظهر أحمد في كتابه عن ايران المعاصرة ان شاه ايران كان يمنح الطائفة الشيعية في لبنان مليون دولار سنوياً(14) .
لقد تشكل حزب الله كقوة حليفة مستقرة في ثلاثة محاور: كممثل سياسي مهم في بلد عربي، كقوة عسكرية قادرة عى القيام بأفعال مهمة عسكرية ام لا وأخيرا كسهم في جبهة الرفض ضد إسرائيل . وظهرت نتائج هذه الإستراتيجية عبر نهاية الاحتلال الإسرائيلي للبنان في عام 2000 ومشاركة حزب الله في تشكيل الحكومة اللبنانية في عام 2005 ودوره الجوهري في الحرب في سوريا إذ قاتل بجنب القوات الإيرانية من اجل مساندة نظام بشار الأسد. ذلك النجاح في الحفاظ على نظام بشار الأسد هو المكسب الوحيد الواضح ولم تتمكن من تقويته في الجزر الشيعية الأخرى . في اليمين استفاد الإيرانيون من معارضة الحوثيون للسياسة السعودية في بلادهم ، فانتهازهم لهذه الفرصة كان الغرض منه مقارعة الوجود السعودي في سوريا .
أما العلاقة مع العراق فهي من طبيعة مختلفة وشديدة التعقيد . ففي مدينة النجف وكربلاء وليس في قم أومشهد توجد المدارس الشيعية العظيمة كما ان المدينتين تمثلان القداسة للشيعة. هذه المنافسة بين التشيع الفارسي والتشيع العربي تطور الى صراع بين دولتين ، فعلي السيستاني الذي يمتلك تأثيراً عظيماً في العراق يعارض العقيدة الايرانية المتمثلة بولاية الفقيه . مع ان ايران وبسقوط نظام صدام حسين في عام 2003 ، تمكنت من بناء علاقات متميزة في كل المجالات وكان للمليشات الشيعية التي أقامتها ايران دورُ في اختراق الدولة العراقية من الداخل، ولكن جوبه ذلك الحضور الإيراني الكاسح بشعور قومي عراقي قوي كما يقول الباحث الفرنسي بيرنارد هوركاد (15) .
اورد رأي هذا الباحث الفرنسي المنشور في اللموند دبلوماتيكفي عام 2018 الذي انتبه الى ذلك الحضور الايراني الكاسح لاحتلال العراق من الداخل وعبر عملائه . مع اننا نعتقد ان المؤسسة الشيعية العراقية ، ذات طبيعة صفوية في بنيويتها وسلوكياتها وخطاباتها ( وهنا لا اتكلم عن السيستاني الذي له موقفُ لا يختلف عن موقف استاذه الخوئي ) بل كل رجال الدين الآخرين المتكلمين باسم السيستاني او الزعامات الدينية الأخرى التي لا تنتمي الى هذا البلد .
حرب ايران للجماعات الجهادية في سوريا والعراق يأتي في اعلى سّلم الاهتمامات الاستراتيجية والمتمثلة بحماية الهضبة الايرانية من قوى غازية وبربرية .
المجتمع الايراني ضد الدولة الاسلامية
تأتي أهمية التجربة الايرانية وأصالتها من ان هناك طبقة وسطى غنية ومتنوعة حيث قامت السلطة من تقويتها بالرغم منها . لقد تم إهمال الجزء الأعظم من الشعب الإيراني في زمن الشاه، في حين سلك رجال الدين طريقاً أخر .
الهوية والديناميكيات السياسية الإيرانية من التعقيد بدرجة يصعب معه اختصار ايران بالتشيع المحارب أو المطالبة بالحرية وبالانفتاح على العالم أو الحنين الى إيران القديمة التي جرى أسطرتها وإضفاء من الصفات عليها بما لا يتفق مع الحقائق التاريخية .تتمثل براعة الحياة السياسية الإيرانية في القدرة والسيطرة على التفاعل والتنافس بين هذه المكونات الثلاثة (16).
الازمات في ايران تأتي من اكتساب احد هذه المكونات حيزاً فائق العظمة أو العكس فيحشر في حيزٍ ممعنٍ في الضعف . النظام الامبريالي الشاهنشاهي الأب والابن استخف بالتيار الإسلامي احد مكونات الهوية الايرانية . وعندما قامت الثورة الاسلامية بخست المكون الذي يدعو الى الانفتاح على العالم، بينما وبعد مرور اربعين عاماً وجدت هناك علاقة قوية لصالح الخط القومي ، أّذ يعتبر هذا التيار هو التيار الوحيد القادر على إعادة بناء الحيوية الضرورية لولادة إيران أخرى .

الأرض كمرتكز للقومية
إيران كإقليم قائم بذاته هو الأفضل في كل المشتركات التي تربط الإيرانيين فيما بينهم. وعلى عكس الفكرة الشائعة فإيران المعاصرة امة وليست إمبراطورية. يعتقد بعض الباحثين مثل ﭘلانهو ان الايرانيين الشعب الوحيد في العالم الذي سكن نفس الارض منذ اكثر من خمسة الالاف سنة. الهضبة الايرانية التي يٌطلق عليها ( Sarzamin-e iran) أحتفظت بكيان سياسي لم ينفطع مع انه تبدل واصبح بيد الاتراك والمغول ومن ثم استقر في القرن السادس عشر. لقد تعرض الايرانيون الى عدد من الغزوات انما حافظوا على لغتهم.(17)
اشك كثيرا بنتائج دراسة هذا الباحث الفرنسي ، فقد سبق لي وأشرت اليه في كتابي نقد العقل الدائري ، فقد تباكى واعتبر ان البدو العرب سيطروا على إيران . اللغة الفارسية التي يتكلم بها كل الايرانيين ، لغة ضعيفة وقد اخذت الكثير من الاكدية والارامية ولا سيما العربية .في الدراسات الاجتماعية والانثربولوجية ، نجد ان الاقوام الرحل كانت حاضرة وبفاعلية في التركيب الاجتماعي .لم يستقر البلد وتتراجع الأقوام الراحل إلا مع الثورة الإسلامية.
الحدود الحالية لأيران لم تتبدل إلا نادرا ومنذ خمسة قرون كما يقول نفس الباحث . قلب يران بقى كما هو ، فقط المقاطعات التي تشكل الحدود التي تحمي مركز المملكة تبدلت قليلاً – القوقاز ، السهول التركمانية ، مقاطعة هيرات وفي افغانستان وشرق بلاد الرافدين وضفاف الخليج العربي الفارسي ، خرجت من السيطرة لأصفهان الصفوية أو طهران الشاهشناهية او الإسلامية ، انما بقت مناطق حدودية جوهرية لأمن إيران .
الحرب العراقية الإيرانية أكدت هذه الحقيقة الجيوبولتيك العظيمة الأهمية استراتيجياً.علماً ان تلك الحرب كانت قائمة على باطل وصدام حسين بتنازله عن نصف شط العرب لشاه إيران كان يناور كعادته في كل مرة يقدم فيها تنازلات لكي ينقضها . إيران الشاه ابتز العراق عبر بعض القادة الأكراد ولاسيما مصطفى البرزاني . لذا قيام الجمهورية الاسلامية في عام 1979 شكلت خطراً على نظامه وذلك نتيجة التأييد الكاسح الذي حصل عليه الخميني في كل المنطقة . حربه المجنونة تلك التي تصور انه سيكسبها خلال أسبوعين امتدت الى ثمان سنوات ولولا الدعم العظيم من الولايات المتحدة ودول أوربا الغربية الكبرى اضافة الى الاتحاد السوفيتي واستخدامه الأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً، لوصلت القوات الإيرانية الى بغداد .
جمهورية آيات الله تقدم لنا تصوراً دقيقاً عن سياسة إيران الحالية في دول الجوار ولا سيما في العراق. ان من قام بالحرب دفاعاً عن ايرن من العدوان الصدامي، جنّب إيران السقوط المذل الذي أصبح ملازماً للاوعي الإيراني، للملكة الصفوية على يد الافغان في عام1722.
في التاريخ المعاصر لم تقم إيران الشيعية باحتلال منطقة عربية تركية او هندية والسبب ليس لأنها لا تمتلك القدرات العسكرية للقيام بذلك الفعل انما وهذا هو السبب الجوهري لأنها لا تطمح بذلك . ان مهمة الأستراتيجية الإيرانية هو إبقاء قلب المملكة بعيداُ عن المخاطر. نعم سيطرت إيران على عربستان وعلى الجزر الثلاث وعلى نصف شط العرب ولم تتنازل عن أي من تلك المكتسبات الباطلة لأنها تدخل من ضمن إستراتيجيتها في الدفاع عن الهضبة الإيرانية .
النظام البهلوي ( 1923-1979) قام بتشييد الدولة الإيرانية وهويتها القومية الجديدة بمعنى انها منفتحة على العالم الخارجي مستنداً في ذلك على الموروث المتخيل في معظمه للإمبراطوريات الفارسية ما قبل الاسلام ولاسيما الاخمينية والساسانية في معارضة مقصودة ضد الثقافة الإسلامية. ذلك الإرث كان سبباً في الصراع العنيف بين النظام الإمبراطوري ورجال الدين الشيعة، فقد رسم التاريخ السياسي لإيران في القرن العشرين.
المفاهيم القومية الإيرانية والثقافة القائمة على ( إيران الخالدة)، تم ربطها بالحداثة ، في حين يشير الإسلام الشيعي الإيراني الى الرجوع الى القرون الوسطى.
وفي الحقيقة فقد حاربت الجمهورية الاسلامية ولزمن طويل كل رموز ايران ما قبل الاسلام واستبدالها برموز إسلامية شيعية الطابع . انما هذا التعارض بين المفاهيم القومية الإيرانية المعاصرة وبين الإسلام الشيعي ، الماضيوي، تم تجاوزه ولم يعد فاعلاً في الممارسة السياسية حيث تم الاعتماد على المشاعر القومية، حتى ان الباحث يجيد صعوبة بالغة لتحديد ثقافة ومرتكزات المرشد علي خامناي وعدد كبير من كبار رجال الدين ممن يقود دفة الحكم في ذلك البلد هل هي اسلامية أم قومية ؟ ودون الاشارة الى الشخصية الخطيرة قاسم سليماني ، ذلك ان مشاعره القومية طغت على كل سلوكياته.
تمكنت الجمهورية الاسلامية في حربها ضد معارضيها الإقليميين والدوليين من تأسيس وحدة وطنية لم تعرفها إيران سابقاً.

الذات الجريحة
مع وجود طاقات مذهلة في هذا البلد وإمكانيات بشرية تستحق التقدير ، انما بقى هذا البلد يعاني من أمراض مزمنة لم يتمكن من ان يتخلص منها، فبقى ذلك البلد منبوذاً اقليمياً وينظر له بحذر عالمياً . هناك تطور اجتماعي لافت للنظر حقاً ، ذلك ان المجتمع الإيراني لم يتوقف عن التطور. هذا التحول المجتمعي نجد صداه في الجانب الثقافي( التعليم) والجغرافي( الاستقرار والتمدن الحضري) واجتماعي( اجتماعية النساء اي حضورهن الفعال في التربية والتعليم ) وسياسياً فالمجتمع قاد الإسلام السياسي ان يكون مدنياً وعلمانياً اولاً . كما ان الأمية تراجعت في ايران ( الاطفال من 6 سنوات ) فقفزت نسب التعليم من (% 5 . 47 في عام 1979 الى % 6 ’ 87 في عام 2016 . وقفز عدد الطلاب في المراحل النهائية من 170 ألف طالب في عام 1979 الى خمسة ملايين في عام 2015 (18) . هناك أكثر من 000 500 ممن يحصل على شهادات جامعية. ليس كل الجامعات والمعاهد بدرجة عالية إلا أن بعضها معترف به عالميا .كما ان بناء المدن تطور هناك اكثر % 74 من الافراد المتحضرين. كل تلك الاحصائيات تشير الى ان هناك تحولات مهمة خلال هذه الحقبة التي حكم بها الاسلاميون.
ذلك التطور الاجتماعي المتميز لم يواكبه تطور اقتصادي . لقد رسبت إيران في امتحان العولمة كما تقول تلك الباحثة الايرانية التي اشرنا اليها والتي تعمل في مراكز البحوث في فرنسا. ولم يستفد الاسلاميين في السلطة من تجربة الشاه محمد رضا الذي بنى مدينة على مساحة تقدر ب 55 هكتار من اقليم يقع شمال طهران ، كان يراد لمدينة شاهستان بهلوي ان تصبح المركز العالمي الجديد للشؤون المالية والحكومية حيث تم بناؤه من قبل اعظم المهندسين في العالم(19) . لقد كان من الطبيعي ان تبدو ايران القلب الحيوي سياسياً واقتصادياً لكل الشرق الاوسط. ولكن الذي حصل كان مخالفاً لذلك تماماً ،فتحولت شاهستان في الوقت الراهن الى حديقة عامة لايزورها إلا عدد محدود من الناس ، في حين تحولت دبيّ الى العاصمة الاقتصادية لأيران(20) .
عقدة الهضبة الإيرانية قادت كل السلوكيات السياسية والإستراتيجية لهذا البلد، وابدي استعدادا وصل الى حد الدونية بتدمير من يقف حائلاً بوجه طموحاته الدفاعية اولاً . فلم يتوان من اللجوء الى الابتزاز كما فعل شاه ايران محمد رضا بهلوي،او الاستناد الى عملاء تم ترويضهم بأسم الطائفة والعقيدة والتي لا تخدم في المطاف الأخير إلا الطموحات الايرانية .
كل الدراسات المعاصرة تثبت ان المجتمع الايراني تجاوز الدولة وان دولة الولي الفقية آيلة للسقوط لا محالة . من يحكم ايران الان هم من غزاة الداخل واقصد انهم حكام طفيليين ،جاءوا الى السلطة في لحظة تاريخية خدمتهم وركزت اقدامهم ، وكان أول من قدم تلك الخدمة العظيمة هو صدام حسين بالذات نتيجة غبائه وتخلفه .
هذا البلد الذي سبب للعراق كوارث ومصائب لا تعد سيكون هنا دائماً، انها الجغرافية يا سادتي ، ومن سيحكم هذا البلد بعد زوال هذه الطغمة المفترسة سيكون قومي التوجه على اكثر الاحتمالات .
دولة الولي الفقيه تعاني من آزمات حادة اجتماعية واقتصادية. اجتماعيا تمكن المجمتع الإيراني من تجاوز هذه السلطة المتخلفة ، واصبحت خلفه ، لا تمثله ولن تتمكن من اللحاق به . اقتصادياً ، تتمثل الطامة الكبرى في ان إيران لم تتمكن من تطوير صناعاتها قياسا بتركيا مثلاً وبقى الفستق والسجاد من اولى صادرات إيران.
وكما هوالامر في بلد ولاية الفقيه ، تمكن شباب الانتفاضة من هزيمة الطغمة الحاكمة في العراق بكل أطيافها القومية والطائفية. من السابق لأوانه الحديث عن الهوية العراقية التي يقوم هؤلاء الأبطال بحياكتها، ذلك اننا سنحتاج الى زمن طويل من التأمل والمراقبة والدراسة لنتعرف على تلك الهوية. بيد ان هناك بعض الملامح التي تسمح لنا بالقول ان جنوب ووسط العراق المغيّب منذ سقوط الدولة العباسية ، عادت له الحياة مجددا. الوسط والجنوب في تقديري يمثلان قلب العراق كما هو الامر مع الهضبة الايرانية، فمتى ما اضمحل هذا الشريان ، اضمحل معه كل العراق . لقد كانت دمشق عاصمة الخلافة الإسلامية في زمن الأمويين ، بيد ان العاصمتين الثقافيين لدولة الخلافة كانتا، البصرة والكوفة. وعندما استتب الأمر الى العباسيين ، أنتقل معتزلة البصرة الى بغداد وانتقل فقهاء الدين واللغة من الكوفة الى قلب الإمبراطورية العباسية.

مراجع البحث

(1) Hourcade.B :Urbanisme et crise urbain sous Mohammad –Reza Pahlavi, in C.Adle &B. Hourcade( eds), Téhéran capitale bicentenaire, Paris/louvain ,Peeters /Institut Français de Recherche en Iran ,386P, pp206- 222 . 1992.
(2)Christensen.A: L’Iran sous les Sassanides,2éd, Copenhague ,1944. P15.

(3) حسن ﭘيرنيا: تاريخ يران القديم من البداية حتى نهاية العصرالساساني ، ترجمة : محمد نور الدين منعم ، السباعي محمد السباعي ، القاهرة ، المركز القومي للترجمة 2013.
(4) نفس المصدر ص 235.
(5) نفس المصدر ص 431-439.
(6) نفس المصدر ص 434.
(7) ( نفس المصدر ص 432 .
(8) نفس المصدر راجع ص 430 .
(9) راجع الكلمة التي كتبها صديقنا الدكتور حسن ناظم عن سلسلة كتابات فكرية التي يشرف عليها، عن كتاب الطيب الذكر حميد الخطيب وعنوانه ( الحدود العراقية الإيرانية والوضع القانوني لشط العرب. هذا الكتاب عبارة عن رسالة لنيل شهادة الماجستير تمت تحت إشراف أستاذنا في القانون الدولي الدكتور عبد الحسين القطيفي في عام 1972 ) .
(10) Bernard Houcard :L’Iran , puissance régional émergente ,Bullten de l’association de géographes français ,94-4 ,2017 ,pp638-652 .
(11) Ibid.
(12) ( راجع Digard, J-P(ed) Houcard B ,et Richard Y. (2007 :L’Iran au XXe siècle, Paris , FayardP499 .
(13) Houchang Chahbi et HassanMneineh ( sous la -dir- .de) Distance Relations :Iran and Lebanon in the last500 years ,I.BTauris, Londres 2006
(14) كمال مظهر أحمد ، في تاريخ إيران الحديث والمعاصر ، بغداد، 1985 ,راجع الصفحات 180- 190 .
(15) Houcard , B : Le Monde Diplomatique, Février 2018 p6-7.
(16) Houcard .B :L’Iran , une puissance régional sans expérience, Transcontinentales 2 PP 58- 71. 2006.
(17) Planhol,X . « Le KârÎz et la luzerne : Une première révolution agricole en Iran », Studia Iranica ,vol.39 , n°1 , pp 11-26 .
(18) Adelkhah ,F : La révolhution sous le voile .Femmes islamiques d’Iran,Paris Karthala 280 .1990.
(19) Hourcade.B :Urbanisme et crise urbain sous Mohammad –Reza Pahlavi, in C.Adle &B. Hourcade( eds), Téhéran capitale bicentenaire, Paris/louvain ,Peeters /Institut Français de Recherche en Iran ,386P, pp206- 222 . 1992.
(20) ABDELKHAH ,F : Les mille et une frontières de l’Iran,Paris Karthala . 2012. .




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,227,947,204
- يا علي؟
- مندسون؟
- أعتذار وعتاب
- خمسة وخمسون طعنة في ظهر العراق
- الاحتجاجات والعولمة الثانية
- انتفاضة المهمشين
- رسالة الى مقتدى الصدر
- رسالة الى عادل عبد المهدي الذي كان صديقاً في يوم ما!
- مقالة الدكتور كاظم الحبيب عن السفالة
- المفاهيم الاسطورية في الدستور الايراني


المزيد.....




- أمريكا تعتمد سياسة -حظر خاشقجي- لتقييد تأشيرات من يهددون الم ...
- السناتور مينينديز لـCNN عن تقرير خاشقجي: لا يمكن خرق القانون ...
- شميمة بيغوم “عروس داعش” تخسر محاولة قانونية للعودة إلى بريطا ...
- كل ما تحتاج معرفته عن تقرير الاستخبارات الأمريكية بشأن مقتل ...
- أمريكا تعتمد سياسة -حظر خاشقجي- لتقييد تأشيرات من يهددون الم ...
- شميمة بيغوم “عروس داعش” تخسر محاولة قانونية للعودة إلى بريطا ...
- كل ما تحتاج معرفته عن تقرير الاستخبارات الأمريكية بشأن مقتل ...
- مجلس الأمن الدولي يطالب بوقف إطلاق النار في مناطق النزاعات ل ...
- 27 عاما على مجزرة الحرم الإبراهيمي
- كيف تمكن بن سلمان من امتلاك سلطة ونفوذ -استثنائيين- في وقت ق ...


المزيد.....

- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي
- صفقة ترامب وضم الاراضى الفلسطينية لاسرائيل / جمال ابو لاشين
- “الرأسمالية التقليدية تحتضر”: كوفيد-19 والركود وعودة الدولة ... / سيد صديق
- المسار- العدد 48 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- العلاقات العربية الأفريقية / ابراهيم محمد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فالح مهدي - لماذا إيران؟