أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - فالح مهدي - انتفاضة المهمشين















المزيد.....


انتفاضة المهمشين


فالح مهدي

الحوار المتمدن-العدد: 6404 - 2019 / 11 / 10 - 22:04
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


هناك قول شهير لعالم الانثروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي شترواس الذي عاش فترة من الزمن مع سكان الامازون لغرض دراسة طرق عيشهم وسلوكياتهم ، يمكن اختصاره على النحو التالي ( مراقبة يوم في قرية من قرى الأمازون ستحتاج كل عمرك لانجاز تلك المهمة ) .
ابدأ مقالي هذا لتوضيح صعوبة الحديث عن هذا الحراك العظيم في العراق وأنت بعيد عن الوطن
ليس سراً انني خارج العراق ، لذا سأقوم بالتعليق على الصور والفيديوهات التي وجدتها في الفيسبوك أو تلك التي بعثها لي بعض الأصدقاء من الداخل .
الصورة فلسفيا تعني لقطة أخُذت في لحظة ما ، لذا فهي معبرة عن ماضٍ فات. عندما انظر الى صورتي وانا صغير لم اتجاوز سبع سنين لا تثير فيّ تلك الصورة أي شجن أو فرح ، إنها تعبير عن لحظة زمنية تم تجميدها عبر تلك اللقطة. تعتبر الفلسفة الصورة أهم وسيلة تعبير فهي تنقل الأشياء كما هي في بعض الأحيان . فهي انطباع عن حقيقة تم إعادة إنتاجها عبر تلك اللحظة التي نقلتها الصورة. البعض يعتقد انها قد تكون صناعة يراد منها اخفاء حقيقة ما، وهذه المسألة من ضمن الممكنات. هناك صور قامت بتجميد لحظة من حياتنا وهناك صور مخادعة تلجأ اليها السلطات لإعطاء تصور عن شفافيتها وهناك صور تعيد بناء اللحظة التي التقطت بها.
ما يميز صور الشباب العراقي (نساءا ورجالاً ) الثائر هو انها غير جامدة ولا تعبر عن لحظة وجدت ثم ماتت . الكثير من قرُّاء هذه الكلمة يتذكر صورة الطفلة الفيتنامية تركض في الشارع وهي عارية بعد ان أصُّيبت بقنابل النابالم المحرقة . تلك الصورة لعبت دوراً مذهلاً في انهاء الحرب الامبريالية الامريكية في ذلك البلد. أُخذت تلك الصورة من قبل مصور امريكي ، لم يكن يتصور أنها ستُخلد وستشير دوما الى الدمار الذي تعرضت له فيتنام على يد الامريكان .

** * ** * ** *

يهدف هذا المقال التعليق على بعض صور ساحة التحرير التي أصبحت ترمز للعراق بكل أطيافه .
انما وقبل ذلك دعونا اولاً أن نتعرف على مصطلح المهمشين ، يتبادر الى الذهن لأول وهلة إنهم فقراء المدن العاطلين عن العمل. في تقديري يشكل الفقراء والمعدمين جزءا من المهمشين، ولكنه يتسع الى فئات كثيرة من المجتمع العراقي لاتعاني فقرا وعوزاً. في هذا المقال الذي يتضمن مديحاً لكل المتظاهرين ، قصدت بهذا المصطلح كل شرفاء العراق ممن لم يتلوث بمباهج السلطة الفاسدة ، النساء، الأطفال ، الشيوخ وبطبيعة الحال الشباب قادة هذا الحراك . السلطة الحالية القائمة على مبدأ توزيع الغنائم ساهمت وخلقت من العراق بلد المهمشين . هناك أقلية طفيلية إثنية وطائفية تستولي وتنهب معظم واردات هذا البلد وما تبقى من فتات توزعه على الآخرين ....
ودعونا ثانيا ندخل بمحاولة توصيف هذا الحراك المذهل. البعض قال انه كرنفال، البعض شبهه بكمونة باريس الخ من التوصيفات. هذا الحراك هو حراك المهمشين أي غالبية الشعب العراقي. لكل حراك آلياته ودوافعه وطرقه في التعبير عن ذاته.
حراك اكتوبر العراقي لا يشبه اي حراك آخر بل لم يشهد تاريخ هذا البلد مثيلاً له منذ اللحظة السومرية ولحد الآن .
الشباب خارج الأحزاب السياسية وخارج المفاهيم المتعارف عليها سياسياً.
هذا الحراك يشبه جدولاً صغيراً تحّول الى نهر جامح فخرج عن طوره وعن مجراه وتحول الى فيضان فكسر السدود وهدم البيوت وشرد الناس .
هذا الجدول الصغير البائس لم يعر له أحدا اهتماماً فأذهل جميع المراقبين للوضع العراقي ، بل لو خرج علي الوردي من قبره فسيبقى فاهه فاغراً ولا يمكنه تصديق ما يراه بأم عينيه، ولو عاد فالح عبد الجبار فسيصاب بالعجب .كتب البعض عن هذا الحراك وبعضهم أصدقاء وأجادوا في كتاباتهم ، انما سنحتاج الى زمن طويل لفهم ما حصل . ثورة الشباب الفرنسيين في عام 1968 كثورة الشباب العراقي الأكتوبرية ، لم ينتبه لها احد ولا زالت الأطروحات الجامعية والمؤلفات الرصينة تتناول تلك الانتفاضة في تاريخ فرنسا المعاصر . صحيح ان النظام لم يسقط إذ حل جورج بومبيدو بدلاً من شارل ديغول المتهم بالتسلط من قبل الشباب، بيد ان تلك الانتفاضة غيّرت فرنسا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا.

الصورة الأولى : لقطة تمثل حشودا بشرية تٌعّدُ بالمئات وربما أكثر كأمواج البحر تتهادى على إيقاعِ واحد : أريد وطناً ! تلك الصورة هي من اولى الصور التي نشرت عند قيام أول تظاهرة .
عندما تتفحص الصورة وتلك اللقطة المذهلة التي جمعت الآف المتظاهرين في تلك الساعة العظيمة ، تقف منذهلاً امام تلك الامواج البشرية التي كانت تهتف ( اريد وطناً) . ارتبطت تلك الصورة بذهني بصورة تمثل الحشود التي تتجاوز الملايين فيما يطلق عليه ( الزيارات الملونية) ويقصد بها احياء شعائر المذبحة التي تعرض لها الحسين واهله واصحابه .
صورة ساحة التحرير عّبرت عن وعي جماهيري متقدم ، ذلك انها رفعت شعار اريد وطناً في حين مثلت الصور عن الحشود المليونية عن قطيع من الناس مسلوبي الإرادة يقادون للاحتفاء بموت رجل قتل قبل أكثر من 1400 سنة ، في حين لم يتوقف نزف الدم في العراق لا سيما في زمن البعث وفي زمن قطاع الطرق الذين يحكمون العراق الآن . لو خرج الحسين وهو كما تصفه المصادر الشيعية في جنات نعيم ، لقال لتلك الجموع : تسعة أعشار ما يروى عني باطل ويراد به الضحك عليكم ، لا تصدقوا الدجالين والسفلة ، فكروا بمستقبل ابنائكم ومستقبل بلدكم الآيل للسقوط ، لا تبكوا على حالي بل على حالكم .
المسيرات المليونية مسيرات أفيونية ( من أفيون ) يراد بها تخدير الطيبين. الصورة الأولى لساحة التحرير التي تمثل عودة الوعي على هذا النحو الفذ عند الشباب ، وتشير ان أفينة الشيعة ذات الطابع الصفوي قد ولت .

الصورة الثانية : التكتك . وسيلة النقل المتواضعة في عراق التفاوت الطبقي والريعي والطفيلي . التكتك والتي يطلق عليها في الهند الركشا ، البلد الذي خلقها وصنعّها أصبحت أسطورة ساحة التحرير. اللقطات العديدة التي أخُذت لهذه العربة ودورها في حرب تحرير العراق سمحت لي ان أتوقف أمام تلك اللقطات والتعليقات .التكتك شخصية معنوية لذا لا يمكننا ان نتوجه بالكلام لها ولكن لمن يقودها ، انها رمزٌ حيث قام سائقوا تلك العربات ذات العجلات الثلاثة بنقل المصابين الى المستشفيات والمساهمة في أن تبقى شعلة الحراك متقدة. اسمح لنفسي واوجه كلامي الى هذه الاسطورة . لقد اطلقوا عليك ( ام سليمان ) وربما لا تعلمين ان إضافة أم أو أب الى الأسم الأول يتضمن تكريما لمن يطلق عليه ، لقد اختار لك الشباب اسما يليق بمكانك فاصبحتِ أم سليمان ، لم يكتفوا بذلك بل اصدروا جريدة تتعلق بنشاطات ساحة التحرير اطلقوا عليها جريدة تكتك! انا على يقين يا ام سليمان لم تحظ اي ركشا وتكتك في العالم كما حظيتِ انتِ . لقد خلقت ساحة التحرير منك اسطورة وستكتب عنك الاطروحات الجامعية والكتب الجادة وسيتناول أمرك شعراء وكتابٌ مرموقون .

الصورة الثالثة لشاب يحث الخطى نحو اعوام النضج واسمه حسن الكناني وصورته التي نشرت في الفيسبوك توحي ان ذلك الشاب قتل على يد العصابات الصفوية وقد رثيته اذ ابكتني صورته وهوفي ذلك البهاء من اجل ان يعانق صبية مثله ويقبلها ويرقص معها في ليلة مقمرة ، مع تمنياته في ان لا يخرج الليل من نوره ...
صورة الشاب الجميل حسن ، لم تكن وحيده فقد لحقه عدد كبير من الشباب كانوا براعم لورود وأزهار كانت في الطور الأول في نموها. فكل من لحق به في درب الاستشهاد تجاوز المائتين وخمسين من تلك القناديل التي ترمز الى مستقبل العراق كان يعلم انه قد يقتل في اية لحظة ، بيد ان الأمل كان يحذوه في عراق يتسع لكل الطيبين. الصور التي التقطت لهؤلاء الأبطال أصبحت وقودا للشباب الثائر.

الصورة الرابعة لصفاء السراي أبن ثنوه : كل الصور التي نشرت عنه تشير الى شاب في حالة غضب. لم يبحث صفاء في كل ما شاهدت له من صور عن ارضاء من يشاهد صورته بل كان يعبر عن ذاته عن اعماقه، عن روحه . لقد اضطر ذلك الشاب النبيل والجميل الى العمل بشتى المهن بل اصبح حمّالا في سوق الشورجة. عندما تمكن ان يخرج من حالة البؤس التي كان فيها ،لم يخرج عن طوره فساهم في كل المظاهرات ضد سلطة المرتزقة في بغداد وجُرح عدت مرات ، انما كانت اصابته قاتلة في انتفاضة اكتوبر فلم تتهاون معه قنبلة مسيلة للدموع فأدت الى موته . ليس هناك قنابل مسيلة للدموع قاتلة ، إلا في البلد الذي تتحكم بمفاصله الصفوية ايران .
صورة الجميل صفاء السراي وهو غاضب هي الطاغية . بل حتى عندما قامت الفنانة العراقية لمياء الراوي بعمل بوتريه له ، لم يخنها حسها الفني فصورته وهو في حالة غضب. تحول ابن ثنوه الى اسطوره كما يقول الكاتب الفرنسي رولان بارت. فالأسطورة تعني ما نخلقه في حياتنا وهنا تجتمع عدة عوامل لصنع الاسطورة : الصورة،المخيلة ، المقال الصحفي، الموسيقى ، الافلام السينمائية الخ .. تحول ابن ثنوه اليتميم انما الشريف والشديد الغنى في سلوكه وفي وعيه ، في بضعة ساعات بعد قتلته الشنيعة الى اسطورة. الطوفان به حول نصب الحرية، تنفيذا لوصيته من قبل أصدقائه والفعل الواعي ذو الطابع المسرحي، ساهما في ان يصنعا منه اسطورة ساحة التحرير. التكتك ايضاً تحولت الى اسطورة تسير بيننا وتخترق مخيلتنا حتى نحن بعيدين عن ساحة التحرير. الطوفان بصفاء السراي حول نصب الحرية للفنان الكبير جواد سليم، تجاوز ما كان يحلم به ابن ثنوه . عندما شاهدت ذلك الفيديو علقّت وها انا اعود واقول اختار ابن ثنوه كما كان يحلو له ان يسمي نفسه فقد توفت أمه بمرض السرطان اللعين وتوفي والده قبل ذلك بزمن بعيد ، في وصيته الاخيرة ان يطاف به حول نصب الحرية . لقد خرج هذا الشاب الذكي والثائر على مفاهيم الافينة ( من أفيون ) التي جاء بها ابطال المظلومية ، ولم يحلم ان يصلى عليه في مراقد هّمْ القائميين عليها ابقاء الاستعباد قائما . واختار الحرية . وهنا كما في الصورة الأولى عن الجموع البشرية التي تعبر عن مفهوم الجماهير في لحظة وعي وتألق، نجد ان الطٌوفان هنا تم في اجواء مفتوحة تنزع كرمز وتشير الى مفاهيم الانعتاق والتحرر.
هناك اشخاص تمكنوا من السلطة والمال ودفعوا ملايين الدولارات الى صحفيين مرتزقة والى سينمائيين مرتزقة والى فنانيين وشعراء مرتزقة من أجل ان تبقى ذكراهم خالدة . الاسطورة لا تصنعها الاموال الطائلة ولا السلطات بكل جبروتها ،بل اعظم ما فيها ان معظم من اصبحوا اساطير كانوا مهمشين. هلاّ نظرت الى المسيح ، الحلاج ، السهروردي وقبل ذلك الى علي بن ابي طالب،نعم لذلك الانسان الشريف الذي تحوّل الى اسطورة.
الصورة الخامسة : عبارة عن فيديو قصير لصبية عراقية بعمر الورد نحيقة مياّلة الى القصر تحمل كماناً وتعزف النشيد الوطني وكان الجمهور امامها متفاعلاً معها .توقفت كثيراً عند هذه اللقطة فقد تصورتها في البداية صورة والسبب هو ان هذه الفتاة الهيفاء خرجت لوحدها ولم تكتف بذلك بل قامت بعزف النشيد الوطني . ليس سرا ان الفتاة العراقية وفي زمن الطفيلين ضاقت بها السبل وأصبحت ولادتها في بلد مثل العراق لعنة . لقد اخبرني بعض أصدقائي في داخل العراق ان التحرش بالنساء حتى وهم بمعية اهلهن سلعة رائجة في العراق .
لقد أطلقت هذه الانتفاضة طاقات وثقافات وسلوكيت لم يعرفها هذا البلذ قبل هذه اللحظات . أهم ما يميز هذه الانتفاضة هو مشاركة النساء الفاعلة فيها وهذه احدى واهم محاسن هذه الانتفاضة العظيمة .وعندما اعود الى تلك اللقطة لعازفة الكمان فاجد انها تعبر عن سلوك فردي لا يوفره الحيز الجماعي. هذه الفتاة الهيفاء بقيامها بذلك الفعل ارادت ان تقول ( نازلة اخذ حقي ) . ملامحها وطريقتها بالتعبير عن ذاتها لا تشير انها في عوز وفاقة ، بل اناقة روحها انطلقت في لحظة العزف العظيمة تلك . هذه الفتاة عبّرت عن صنف اخر من المهمشين وهنا اقصد النساء بالذات.
الثقافة الصفوية التي جاء بها حكام العراق الجدد ارادت ان تحول العراق الى مبغى كبير عبر التسويق لزواج المتعة . كرجل قانون لا يمكنني القبول بزواج لمدة ساعة! الزواج حتى في المجتمعات الغربية من طبيعته الدوام . زواج المتعة بغاء بغطاء اسلامي ، أحد الأمراض الخطيرة في الجسد الشيعي بالذات . العقد الذي لا يدوم أكثر من ساعة هو البغاء بعينه . لقد جاء هؤلاء الناس وخلفهم المؤسسة الدينية ذات البنى الصفوية بمشروع يتمثل بالمسيرات الأفيونية وزواج المتعة كمشروع لدخول العصر الراهن! في العراق والى لحظة خروجي في عام 1978 ، كان الطلاق من الأمور النادرة جدا ، في عهد أبطال المظلومية اصبح الطلاق امراً عادياً جداً ، بل اخبرني صديق عراقي قانوني ومثقف وهو من مدينة كربلاء بأن نسب الطلاق أصبحت تهدد مستقبل العراق !

الصورة السادسة : الطفلة زينب التي جاء بها والدها من مدينة الفلوجة لتناول العلاج في بغداد. أبكتني صورة تلك الطفلة البريئة وهي تحمل العلم العراقي . صورة زينب ككل الصور التي اتيت على ذكرها وجدت لتبقى ، فهي تعبر عن حالة غالبية العراقيين الشرفاء . زينب التي سقط شعر رأسها نتيجة العلاجات الكيماوية، جاءت الى بغداد ليس لأخذ العلاج فحسب بل لتقول لنا جميعا ( نازلة اخذ حقي ) ففي صورة ثانية لها نجدها تضع لافتة مكتوب عليه (الفاسدون سرقوا علاجي ) وترفع العلم العراقي في يد اخرى .ارادات ان تقول لنا تلك الطفلة التي لم تفارق الابتسامة شفتيها مع ان مصيبتها كبيرة (انا زينب من المهمشين ايضاً) .

الصورة السابعة :الشباب الابطال يحولون نفق ساحة التحرير الى قصر من قصور الف ليلة وليلة ! فقام بعض الشبان والشابات بغسل ذلك النفق القذر، بعد ذلك زينوا جدرانه بلوحات جميلة تعبر عن هذه الانتفاضة العظيمة ، لم يكتفوا بذلك بل طلوا جدران النفق بألوان زاهية وبذوقهم الرفيع اصلحوا ارصفته وزينوها بباقات الورد. هذه الصورة تكشف عن الأمل في قيام عراق تعلوه الزهور لا الكتب الصفراء التي تحث على الكراهية وقتل الأخر وتكفيره وإقصائه. في تلك اللقطات نجد الشابات الجميلات يقمن بكنس الشوارع . من اليقين القول كما أعلمني أصدقائي وصديقاتي في ساحة التحرير ، ان الكثير منهن جئن من حي المنصور الشهير في بغداد، لذل فأن حضورهن الفاعل ليس بسبب الفقر والعوز بل بسبب تهميشهن، حسهن الوطني ان العراق سيموت، أطلق طاقاتهن. لقد خرجت الفتيات الجميلات على ضوء شعار الانتفاضة العظيم ( نازل اخذ حقي ) وياله من شرف كبير لكل العراق .
الصورة الثامنة : توقفت ملياً امام احبتي ابناء العراق الأصلاء المسيحين ممن شارك اخوتهم في ساحة التحرير وهم على طريقتهم ارادوا ان يقولوا لنا ( نازل اخذ حقي) . في تلك المظاهرة هناك صورة لسيدة مسيحية ربما وصلت الى الستين من عمرها وفي يدها صليب بحجم الكف مصنوع من خشب فائق الجودة . فوق ذلك الصليب الممعن في الصغر كتبت هذه العبارة( الله محبة) . استوقفتني تلك العبارة . فأمام ذلك الحيز المفتوح والذي هو ساحة التحرير بدت عبارة ( الله محبة ) المكتوبة بخط انيق فوق ذلك الصليب ، أكبر ما شاهدت عن الله عبر عمري وهو ليس بالقصير . ارادات ان تقول تلك السيدة المؤمنة اذا لم يكن الله اله محبة فلا يستحق العبادة إذا فهو باطلُ كل البطلان .

الصورة التاسعة لأمرأة كبيرة في السن في داخل تكتك وهو توزع الخبز على المنتفضين . بملابسها السوداء والوشم المرسوم على محياها تشير الى انها جنوبية من سكنة الاحياء الفقيرة في بغداد. ابتسامتها العذبة وهي تقوم بتوزيع الخبز على الشباب تملاً الارض حبوراً. من نشر تلك الصورة كان ذكياً فقد كتب فوق تلك الصورة هذه العبارة ( حجية اسرائيلية توزع صمون سعودي للمتظاهرين ؟) السلطة العراقية ومعها ايران الصفوية تتهم المتظاهرين بالعمالة لإسرائيل وأمريكا، لذا فتلك العبارة للسخرية من العصابات الحاكمة.

الصورة العاشرة : محاميات من بغداد يقمن بتطييب الخبز في ساحة التحرير. بناطيل الجينز والأحذية الرياضية لكل الشابات البديعات العراقيات ، تكشف ان وراء هذا الحجاب المفروض عليهن رغبة جامحة في الخروج من عالم العصور الوسطى الى العالم المعاصر، لقد حضرن لأخذ حقهن فقد ادركن ان الحرية تؤخد ولا تعطى .
في احد الفيديوهات محامية شابة تقوم بترويض العجين بين يديها الرقيقتين لتصنع منه خبزا . لقد ذكرتني تلك اللقطة بأمي إذ كانت تقوم بتطييب الخبز كل يوم . ما يميز هذه الفاتنة عن امي انها متعلمة ومحامية في حين امي كانت امرأة امية . امي كانت تقوم بذلك الفعل من اجل لأودها ، في حين ما قامت به تلك المحامية وهي ليست وحيدة في هذا الشأن ، فعل كريم غاية الكرم فهي وكل المناضلات في ساحة التحرير، لا ينتظرن جميلاً من احد ولم يقمن بذلك من اجل كسب احد ما ، لقد قمن بذلك من اجل عراق قائم على قدميه وتجد فيه المرأة المكان اللائق بها .

الصورة الاخيرة : استاذ جامعي كردي من جامعة صلاح الدين ، باناقته وهو في اللباس الكردي التقليدي وبطلعته البهيه ، وجه رسالة الى ابطال الانتفاضة الى كل شرفاء العراق . معتبراً نفسه جزء من الشعب العراقي وخرج عن السرب . بدأ رسالته على هذا النحو( من كردي حر في أربيل إلى اخوته المرابطين في ساحة التحرير ببغداد وساحات العز كافة في المحافظات العراقية ) ،ارفع قبعتي لهذا المواطن الشريف حيث وقع رسالته على النحو ( أخوكم د. رعد رفعت محمد ، استاذ مساعد بجامعة صلاح الدين ورئيس مجلس البحوث لمؤسسة ستاندر . اربيل 2/11/2019 ). الاستاذ رعد رفعت محمد ليس بالمواطن المجهول فهو استاذ جامعي ومن أسلوبه تدرك ان الرجل على مستوى ثقافي يستحق التقدير. انه موقف يحسب له كما ان الكتاب والمثقفين الأكراد أصدروا بيانا أعلنوا فيه وقوفهم مع الشعب العراقي ضد القتلة والفاسدين .
** * ** * ** *
بدأت مقالي بعبارة عالم الانثربولوجيا الفرنسي كلود ليفي شتراوس ان يوماً واحد في حياة قرية من قرى الأمازون ستحتاج العمر كله لتصويره والكتابة عنه . الصور كثيرة ولو وقفت امام كل الصور فسيتحول هذا المقال الى كتاب . فقد ادمعت عيني النساء اللواتي يقم بتطييب الطعام للشباب المتظاهر ، لسيدة تحمل بين يدها لافتة مكتوب عليها( يمه مسلم خلصت فاتحتك واجيت بمكانك) . غير العراقي لا يفهم هذه العبارة (يمه ) فالنساء من الاجيال القديمة كن ينادين ابنائهن بعبارة يمه والتي تعني يا ولدي يا فلذة كبدي . وهذا السيدة المحترمة لم تكن الوحيدة فهناك عدد من كبير من المتظاهرين ممن يعبر عن الرغبة الجامحة للمشاركة فقد وجدت صورة لشاب يحمل هذه اللافتة ( انتهت فاتحتك يا والدي ، عدت الى ساحة التحرير).
وصورة الطبيبة العراقية الأصيلة سيلين باسل التي جاءت من فرنسا مع علمها من انها قد تقتل لمعالجة ابناء بلدها. وهي ليست وحيدة فعدد الاطباء والصيادلة والممرضون والممرضات يستحق كل اشادة وتقدير.
فيديو يصور عشرات العراقيين نساءا ورجالا وهم يرقصون في وسط ساحة التحرير. شابة تسير على كرسي متحرك ترفع العلم العراقي بيد وفي اليد الاخرة لاقته مكتوب عليه ( نازل اخذ حقي ) ... الخ
وفيديو قصير عن شابة عراقية تقوم بالعزف على البيانو وحولها مجموعة من الشباب يغني على ضوء ما تجود به اناملها الرقيقة .
صورة لمكتبة في داخل النفق تقدم الكتب مجانا لمن يهوى القراءة... صورة للشباب فوق سطح بناية المطعم التركي .... ومع كل ما ذكرته ابقى بعيداً عن الألمام بهذا النهر العظيم الذي خرج عن طوره وترك اخاديده دون الرغبة بالعودة اليها، ذلك انه في طريقه ان يغير مجراه ويختار المكان الذي تصب فيه مياهه.
** * ** * ** *
في عام 2007 خرج اخويّ محمد وحسين بسيارتهم كعادتهم كل يوم باتجاه ساحة عنتر ، فتصدى لهم في الطريق ملثمون واطلقوا عليهما النار، مات اخي محمد والذي كان الأقرب لي من الناحية الفكرية فورا، وأصيب اخي حسين بتسع طلقات ولا زالت إحدى تلك الطلقات ترقد في عموده الفقري .
عندما قامت هذه الانتفاضة العظيمة ، انطلقت عيناي وانهمرت دموعي ولم تزل في كل مرة اعود الى هذه الصور،حتى انني كلمت صديقي العزيز حسين كركوش على النحو التالي( ولك حسين انا ابكي عندما ارى صور هذه الانتفاضة العظيمة ) ، طمأنني الصديق حسين بهذه الكلمات ( فالح انت لست وحيدا ، انا مثلك واعتقد ان هناك اعداداً كبيرة من العراقيين مثلنا)
لم شحّت عيناي عندما قتل اخي الغالي على قلبي محمد وانطلقتا الان وكأنهما سيل جارف ؟اخي وحبيبي محمد سامنحي فدموعي التي لم تنهمر في مصابك الأليم،ولم يجودا عليّ بدمعة واحدة، انطلقنا الان لكنه بكاء يامحمد لا يشبه اي بكاءا اخر.
لقد تحوّل موت اخي محمد واصابة اخي حسين بتسع طلقات من قبل متطرفين سنة الى غضب عارم عبّرت عنه عبر كتاباتي . تزوج والديَّ في ثلاثينيات القرن المنصرم في بيت بالقرب من جامع الإمام الأعظم وعشنا جل حياتنا في حي الاعظمية ! انه عمى الأيديولوجيا الذي يقود الاغبياء الى ارتكاب افظع الجرائم بأسم رب مفترض. ولو اتيح لهذا الرب الفرصة للتعبير عن ذاته لقال : كم من الجرائم والمذابح والفضاعات ارتكبت بأسمي!
النظام الذي يحكم العراق الان هو امتداد لما قام في العراق منذ ذلك الانقلاب المشؤوم في 1963 ولا سيما في سنوات الحرب مع ايران وسنوات الحصار ولجوء صدام حسين الى الدين فاصبح الرئيس المؤمن بل قام بحملة اطلق عليها الحملة الايمانية ...
من الناحية السوسيولوجية تلجأ الشعوب والجماعات الى الدين في الفترات الحرجة في تاريخها كالحروب والمجاعات مثلاً. عاد الدين بقوة بعد الحرب العالمية الاولى في اوربا، وعاد الى بولندا اثناء الحكم الشيوعي بل عاد الى روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وأصبح الروس من اشد المعادين للشيوعية . ولم تتوقف تلك الكتابات والسلوكيات المعادية للشيوعية إلا مع فلادمير بوتين .
لقد تم افراغ العراق من معظم مثقفية وكتابه في زمن المقبور صدام حسين . لذا وعند سقوط ذلك النظام غير المؤسوف عليه. وجد الحكام الجدد ذوي الثقافة الصفوية التربة صالحة لنشر سمومهم.
انما وبعد مرور ستة عشر عاما خرج العراقيون بكل اطيافهم وهم يرفعون شعارا اساسيا( اريد وطن ) . هذه الحلم بوطن يعيش فيه الناس على قدم المساواة امام القانون ولهم نفس الحقوق والوجبات وينزع عن كاهله داء الطفيلية بكافة اشكالها وأمراض الريعية ويقوده الكفؤ من ابناء هذا البد ، بدات ملامحه تتشكل ذلك ان ألف خطوة تبدأ بالخطوة الأولى.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,227,916,773
- رسالة الى مقتدى الصدر
- رسالة الى عادل عبد المهدي الذي كان صديقاً في يوم ما!
- مقالة الدكتور كاظم الحبيب عن السفالة
- المفاهيم الاسطورية في الدستور الايراني


المزيد.....




- مقتل 4 من المتظاهرين وإصابة أكثر 100 آخرين في مدينة الناصرية ...
- العراق.. مصادر تتحدث عن مقتل 4 متظاهرين في احتجاجات الناصرية ...
- زراعة -القنب الهندي- في حقول جبال كتامة .. عرَق الفقراء يبلل ...
- طلاب الاشتراكي بالخارج يدين التعسفات التي يتعرض لها الطلاب ا ...
- الآلاف من أنصار الحراك الشعبي يحتشدون في شوارع العاصمة الجزا ...
- شاهد تطورات الناصرية.. مقتل 3 متظاهرين في الاحتجاجات
- مراسل العالم: مقتل 3 وإصابة 90 آخرين جراء اشتباكات بين القوا ...
- ألمانيا ـ الحكم بالسجن على مسؤول بحزب العمال الكردستاني المح ...
- العراق.. مقتل متظاهرين اثنين وإصابة العشرات في اشتباكات مع ا ...
- العراق.. مقتل متظاهرين اثنين وإصابة العشرات في اشتباكات مع ا ...


المزيد.....

- الحركة الاجتماعية بين التغيير السلمي وراديكالية الثورة / زهير الخويلدي
- النظرية والتطبيق عند عمونيال كانط / زهير الخويلدي
- فتيات عدن في مواجهة الاستعمار البريطاني / عيبان محمد السامعي
- أسباب ثورة 14 تموز 1958، (الوضع قبل الثورة)* / عبدالخالق حسين
- دفاعا عن الماركسية - ليون تروتسكي - الجزء الثاني / احمد حسن
- دفاعا عن الماركسية - ليون تروتسكي - مقدمة جوروج نوفاك / احمد حسن
- من تدويناتي بالفيسبوك / صلاح الدين محسن
- صفحات من كتاب سجين الشعبة الخامسة / محمد السعدي
- مع الثورة خطوة بخطوة / صلاح الدين محسن
- رسالة حب إلى الثورة اللبنانية / محمد علي مقلد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - فالح مهدي - انتفاضة المهمشين