أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - فهد المضحكي - عن الليبرالية العربية!















المزيد.....

عن الليبرالية العربية!


فهد المضحكي

الحوار المتمدن-العدد: 6370 - 2019 / 10 / 5 - 12:40
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


لم يكن المشروع الليبرالي الأوروبي كما تبلور في نهايات القرن الثامن عشر بشقيه السياسي والاقتصادي، نبت الصدفة، بل كان نتيجة لمقدمات تاريخية استغرقت قرونًا عدة أدت إلى نموه ونضجه في رحم المجتمع الأوروبي، ثم خروجه إلى الحياة كمشروع حضاري جديد بديلاً لمشروع قديم منهار.

وبالمثل لم يكن المشروع الليبرالي الأروربي مجرد مجموعة من الخواطر الفاضلة المتناثرة التي جاءت بها قرائح المفكرين الأوروبيين، بل على عكس ذلك، كان ضرورة اجتماعية أفرزتها حاجات المجتمع ومتغيراته وبررتها، ونظرت لها كتابات المفكرين في مجال السياسة والمجتمع والاقتصاد.

ما موقع الليبرالية من السياق السياسي في الدول العربية؟ وهل تجد لها جذورًا أينعت وتم قطفها في مجتمعاتنا، أم أن الأمر كله لا يخرج عن إطار تحيزات الصفوة السياسية والثقافية وتفضيلاتها القيمة؟

هذا السؤال يطرحه أحد أساتذة القانون في مصر، الدكتور محمد نور فرحات في كتابه (البحث عن العدل).

في تصوره أن فترات التحديث والتوجه الرأسمالي والتفتح العقلي والإصلاح الدستوري جاءت كلها بمبادرات مباشرة من السلطة السياسية المركزية الحاكمة، في صورة إصلاحات جذرية أدخلها في بنية المجتمعات العربية حكام فضلاء على غرار محمد علي باشا في مصر. قد يكون التراكم الرأسمالي الذي حدث في مصر منذ القرن الثامن عشر وزيادة نفوذ طبقة التجار هو العامل الذي ألهم محمد علي باشا لخطو أولى خطواته نحو رأسمالية الدولة، ولكن هذه التغيرات الاجتماعية أثرت تأثيراتها في مجتمعات الشرق من خلال قناة إلهام الحكام لا إرغامهم، وفرق بين التغيرات الاجتماعية التي تنتج نتيجة فوران الجماهير وتلك التي تأتي نتيجة تضرع الجماهير لحكامها.

-وكما يوضح- انه مع التحولات نحو الرأسمالية التي أشرقت على المجتمعات العربية منذ مطلع القرن الماضي لم يكن العقل العربي مثقلاً بهموم صياغة مشروع ليبرالي يعلي قيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والحرية الاقتصادية، كما كان الحال في المشروع الأوروبي، والمتصفح لبنود التشريعات الاقتصادية التي حقق بها محمد علي أهداف تحديث الاقتصاد والمجتمع سرعان ما سيذهل لمدى امتهان الكرامة الانسانية الذي كانت تؤكده العقوبات الملحقة بهذه التشريعات، حتى أنه يمكن القول إن التحديث الرأسمالي كان في ذلك الوقت تحديثًا بالسخرة.

يضيف إلى ما سبق، لم يبدأ في مصر الحديث عن أفكار الحكومة الدستورية المقيدة واحترام حقوق الانسان وتقنين أحكام القانون في مجموعات على غرار المجموعات القانونية الأوروبية إلا عندما عادت أفواج البعثات التعليمية التي أوفدها محمد علي إلى أوروبا محملة بكل القيم والتيارات الفكرية التي كانت تموج بها المجتمعات الأوروبية في ذلك الوقت.

فقد كانت هذه البضاعة الفكرية الليبرالية الثمينة مرغوبًا فيها بشدة من الطبقات الاجتماعية الصاعدة في ذلك الوقت، فكان مبدأ الحرية الاقتصادية والسياسية وتحديث القضاء والقانون شروطًا لازمة للبرجوازية المصرية الناشئة لكي تعيد ترتيب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لصالحها، ومع ذلك فقد كانت هذه البرجوازية أكثر تعلقًا بالجانب الاقتصادي لليبرالية من تعلقها بالجانب السياسي لها، وقد يلقي ذلك الضوء على حقيقة تخلي الأجنحة المحافظة من البرجوازية المصرية عن الاستمرار في دعم الثورة العربية وتأييدها لها.

ففي هذه الثورة كانت تكمن أولى الإمكانات الحقيقية لتحقيق الليبرالية بواسطة الجماهير، وكانت تكمن أيضًا أولى الإمكانات الحقيقية في جعل مصر حقيقة وفعلاً للمصريين وإنهاء النفوذ الأجنبي في مصر، ولكن لأن البرجوازية المصرية كانت ضيقة المصالح ضيقة الأهداف محدودة الوسائل، ولأنها لم تكن ترمي إلى تحقيق أهدافها الخاصة في إطار مشروع نهضة شامل للتحرر يكفل الحرية لجموع المواطنين، كما كان الشأن بالنسبة للبرجوازيات الأوروبية، فقد أدارت ظهرها لثورة الشعب والفقراء وولت وجهها شطر الارتباط بالمصالح الأجنبية ومباركة لاحتلال الأجنبي للبلاد.

فالليبرالية المصرية -على حد قوله- كانت ليبرالية مبتورة عرجاء، اقتصرت على بعض جوانب المشروع الليبرالي دون البعض الآخر، ويستطيع الحكام العصف بها إن راق لهم ذلك ومتى رأوا منها بادرة خطر تهدد وجودهم أو وجود المحتل الأجنبي على أرض الوطن، وتلك في نظرة هي خلاصة ما يسمى بالحقبة الليبرالية في التاريخ المصري الحديث.

وكذلك الحال بالنسبة لليبرالية العربية، فإن مصيرها لم يكن مماثلاً لمصير الليبرالية الأوروبية، ففي حين أسفرت حركات التطور الاجتماعي الطبيعي في المجتمعات الأوروبية عن أن أخلت الليبرالية الاقتصادية المكان لسطوة الاحتكارات وظهور المؤسسات العملاقة متعددة القوميات، وأخلت الليبرالية السياسية المكان لنظم ترفع راية الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في الشكل وتدير آليات السياسة لخدمة مصالح الاحتكارات في المضمون، ففي حين حدث كل ذلك في مسار التطور الاجتماعي الهادئ في المجتمعات الأوروبية، فقد شهدت المنطقة العربية عواصف عاتية بكل ما كانت تتلهى به البرجوازيات ونظم الحكم العربية من ليبرالية شوهاء، بل وحملتها المسؤولية عن كل المشاكل السياسية والاجتماعية التي يعاني منها المواطن، في ظل الشعار الشهير أن الديمقراطية الاجتماعية وحرية رغيف الخبز مقدمان على الديمقراطية السياسية وحرية التعبير.

وهكذا، فكما أهلّت الليبرالية على العالم العربي نبتًا غريبًا غير متأصل الجذور أو مستقيم القسمات فقد رحلت عنها غير مأسوف عليها دون أن تتقدم شريحة اجتماعية واحدة من شرائح المجتمع وطبقاته للدفاع عنها.

إلى جانب ذلك، إن الغريب في الأمر هو ذلك التراجع الذي شهدته «الحركة الثورية» العربية منذ أوائل السبعينات، وإن كان قد أعلن جهارًا نهارًا براءته وتوبته عن الشعارات الاجتماعية والاقتصادية لمرحلة الثورة الاجتماعية، فهو لم يعلن في المقابل انحيازًا للجانب السياسي الليبرالي أو تأمين الديمقراطية وحقوق الإنسان، حتى أن المتتبع لبانوراما التاريخ العربي الحديث ربما لا يلحظ ظاهرة ثابتة تحظى بالإصرار والتأكيد قدر ظاهرة تغول السلطة السياسية على حقوق المواطنين وإهدارها لها وانتهاكها المستمر لحقوق الإنسان، وقدر ظاهرة الانفراد بالسلطة وتقديس الحكام وامتهان حقوق المواطنين في المشاركة في اتخاذ القرار وحقوق الجماعات الاجتماعية في تداول السلطة السياسية. لقد كانت السلطة السياسية ومازالت في التاريخ العربي القديم والوسيط والحديث قرينة بالسيف أيًا كان توجهها، وأيًا كان محتواها، وأيًا كان قيمها، وأيًا كانت الشعارات التي ترفعها.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تجديد الخطاب الديني
- منصات التواصل الاجتماعي والتحريض على العنف والكراهية!
- المثقف والنرجسية!
- سباق تسلح جديد!
- لماذا؟ أسئلة العرب مطلع الألفية الثالثة
- خيري شلبي
- عن حقوق الإنسان
- الجوع في العالم يرتفع مجددًا!
- مخاطر الليبرالية الجديدة!
- الإعلام و«سوق» الفتاوى!
- إمام عبدالفتاح إمام
- اضطهاد المرأة في إيران!
- إشكالية الأقليات والتعدد الإثني!
- مناهج التعليم والتفكير النقدي!
- التطرف والإرهاب حالتان متلازمتان!
- المفكر طيب تيزيني
- مجلة الفيصل: الفلسفة أسئلة مشروعة وتفكير بلا قيود
- ابراهيم المصري
- الإسلام السياسي والسلطة!
- تقارير عن انتهاك حقوق الأطفال!


المزيد.....




- الجزائر.. تفكيك شبكة نشطت في النصب وابتزاز رجال الأعمال
- فرنسا.. القبض على 6 جنود أداروا شبكة دعارة
- الجهادي الجزائري طايع ولد محمد الذي نشط في مالي يسلم نفسه لل ...
- كلوب: قدم صلاح اليسرى أفضل من قدم كريستيانو رونالدو
- أسانج إلى الأضواء مجددا.. مسيرة تأييد لمؤسس ويكيليكس في لندن ...
- محامي الأسير زكريا الزبيدي يكشف معلومات حول هروب زكريا من سج ...
- شاهد ماذا يحدث لجزيرة لا بالما.. هزة أرضية تؤجج البركان وتسر ...
- باكستان.. جماعة -لبيك باكستان- تعلن مقتل 7 من أنصارها بمواجه ...
- بتحية عسكرية للرئيس تبون.. والد الصحفي الجزائري الراحل كريم ...
- إيران.. افتتاح معرض للسيارات الملكية القديمة في طهران (فيديو ...


المزيد.....

- الهجرة والثقافة والهوية: حالة مصر / أيمن زهري
- المثقف السياسي بين تصفية السلطة و حاجة الواقع / عادل عبدالله
- الخطوط العريضة لعلم المستقبل للبشرية / زهير الخويلدي
- ما المقصود بفلسفة الذهن؟ / زهير الخويلدي
- كتاب الزمن ( النظرية الرابعة ) _ بصيغته النهائية / حسين عجيب
- عن ثقافة الإنترنت و علاقتها بالإحتجاجات و الثورات: الربيع ال ... / مريم الحسن
- هل نحن في نفس قارب كورونا؟ / سلمى بالحاج مبروك
- اسكاتولوجيا الأمل بين ميتافيزيقا الشهادة وأنطولوجيا الإقرار / زهير الخويلدي
- استشكال الأزمة وانطلاقة فلسفة المعنى مع أدموند هوسرل / زهير الخويلدي
- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - فهد المضحكي - عن الليبرالية العربية!