أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نافع شابو - انتشار المسيحية في عهد الأمبراطورية الساسانية قبل ظهور الأسلام ج1















المزيد.....


انتشار المسيحية في عهد الأمبراطورية الساسانية قبل ظهور الأسلام ج1


نافع شابو

الحوار المتمدن-العدد: 6303 - 2019 / 7 / 27 - 14:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقدمة
عاشت الكنيسة الشرقية قرنها ألأول والثاني الميلادي في المنطقة الفارسية تحت ظل تسعة ملوك فرثيين من السلالة ألأرشاقية . ولا تتوفر لدينا معلومات ثابتة عن علاقة الملوك الفرثيين بالديانة المسيحية إنما أخذت المسيحية في عهد هذه السلالة تنتشر في شتى أنحاء ما بين النهرين ، حتى بلغت البلاد البابلية الجنوبية نفسها ..
كانت المملكة الفرثية تنقسم الى مقاطعات او ممالك صغيرة مستقلة الواحدة عن الأخرى ولكل منها ملك يحكم عليها ويخضع للأرشاق(الأمبراطور الفرثي) . لهذا سُمييّة ملوك الفرثيين بملوك الطوائف لتوزع أراضيهم بين ملوكيات صغيرة .وأشهر هذه الممالك هي
1 - مملكة الرها ( أورفا) . 2 – مملكة تدمر وكانت في برّ الشام . 3- وإمارات حطارا (حضر) وكانت قريبة من تكريت . 4 – وإمارت ميشان وكانت في موقع البصرة في جنوب العراق حاليا .5 – وإمارة سنجار شمال غرب العراق حاليا . 6- وإمارة حدياب وكانت في أرض الموصل وما جاورها . وكانت الأخيرة ألأفضل موقعا وألأههم سياسيا في جميع بلاد آشور واسمها يشمل جميع الأصقاع ألآشورية .وسمّاها العرب "حزّة" وكانت هذه الأمارة تمتد من شرقاط الى نيصيبين وقاعدتها مدينة اربيل ....وربما دامت هذه الأمارة على استقلالها ألأداري (عن الفرثيين) الى ما بعد تملك الساسانيين .إذ يُذكر أحد ملوكها وهو سنحاريب وما جرى له من قتل ولديه (بهنام وسارة) لأنّهما كفرا بعبادة ألأوثان وأعتنقا عبادة اله الحق (المسيحية ) على يد الشيخ متي الناسك في جبل القاف .ولكن سنحاريب قتلهما مع من ذهب مذهبهما من أصحابه سنة 352ميلادية، ثُم ندم سنحاريب على ما فعل فنبذ عبادة ألأوثان وعمَّر هيكلا آخر في مكان قتلهما ودفنهما فيه باكرام عظيم [لازال الدير معروفا باسم دير مار بهنام وقد قامت داعش بتخريب جزء كبير من هذا الدير].
وعلى ما يؤيّده أدي شير إنّ هذه الممالك كانت كلدانية آرامية . فكانت تارة تستقل وأخرى تخضع للفرثيين أو للرومانيين .لسوء الحظ لم يحفظ لنا التواريخ إلاّ النزر القليل من إخبار هذه الدول التي تشكلت قبل المسيح بزمن قليل ودامت الى بعد المسيح باجيال قليلة.. كان سكان حدياب من الجنس ألآرامي على ما يثبته دونال بقوله : إنّ ألآراميين (وهم النبط) كانوا يقطنون سوريا ومابين النهرين والولايات الشرقية كحدياب وبيت كرماي وغيرها وبينهم شعوب أخرى كان الآراميون قد تغلبوا عليها بانتشار لغتهم ألآرامية التي كانت حينئذ اللغة الدارجة في قسم عظيم من آسيا ، أي بلاد الشام والجزيرة والعراق وآثور(آشور) وما يجاور هذه البلاد .فإنّ المملكة الآثورية وبعدها المملكةالكلدانية نشرتا لغتهما ألآرامية في جميع البلاد التي كانت تابعة لملوكها .ولم تفقد هذه اللغة (ألآرامية ) رونقها بعد سقوط هاتين المملكتين وأستيلاء الفرس عليهما بل لبثت هي اللغة السائدة في جميع انحاء البلاد التي خضعت لهما كمصر وآسيا الصغرى وسوريا وإنتشرت أيضا في شمال جزيرة العرب الى حدود الحجاز ، وذلك في القرون ألأولى من التاريخ الميلادي، فقد وُجِدت في شبه جزيرة سيناء كتابات آرامية لا تُحصى أبقاها لنا عرب تلك الجهات [ وقد سبق أن تطرقنا الى جذور لغة القران السريانية (ألآرامية) في مقالاتنا السابقة للمستشرق كريستوفر لوكسنبرغ في كتابه "الجذور السريانية للقرآن ].
وأيّد دوفال أن اللسان ألآرامي كان عاما ومنتشرا من سواحل البحر المتوسط الى طرسوس فالخليج الفارسي فحدياب (الخليج الفارسي كان يُطلق عليه خليج "كلدي" نسبة الى المملكة الكدانية). على أنَّ أهالي حدياب كانوا من ألآراميين جنسا ولغة وكان العرب يسمّونهم النبط . وقد أطلق بعض مؤرخيهم هذه التسمية أي "النبط" على الفرثيين من الفرس [هذا ما سوف يكتشفه الباحثون امثال سامي فريد في ابحاثه عن ان الفرثيين هم من اصل سامي اي قد يكونوا عرب/آرم كما جاء في مقالة بعنوان "هل كان البارثيين عرب؟ ]
منذ القرن السابع بعد الميلاد بدأت اللغة العربية تقرض اللغة الآرامية شيئا فشيئا حتى الغتها في القرن الخامس عشر الميلادي وسادت مكانها .
انتشرت المسيحية في شتى انحاء بين النهرين منذ سنة( 117-138م) بسبب نزوح جماعات رومانية الى الشرق بسبب اضطهاد المملكة الرومانية لهم ومنهم الأسقف "نقريطي " ومجيئه الى كرخ بيث سلوخ (كركوك ) .
. في 28 نيسان سنة 224 م أطاح أرداشير ألأول بالحكم الأرشاقي وأسس السلالة الساسانية التي ستحكم البلاد أكثر من أربعة قرون .
ولكي يعيد امجاد الأمبراطورية الفارسية ارسل ارداشير رسولا الى الكسندر سوبروس أمبراطور الرومانيين وطلب منه أن يخلي آسيا ، وعلى هذا ثارت بينهما حروب اسفرت على انكسار الرومانيين . فاستولى ارداشير على بيت كرماي وحدياب وسائر بلاد ما بين النهرين . هكذا أدخل الفرس الساسانيين المنطقة في حروب مع الرومان ، فمرة كانوا يستولون على جميع المناطق القديمة للأمبراطورية الفارسية ومرات يفقدونها .
فوجيء الساسانيّون بأنتشار المسيحية في شتى أرجاء بلادهم وتغلغُلهم في مختلف ميادين الحياة
انتشرت المسيحية وتأصلت في الأمبراطورية الساسانية وخاصة في مناطق الرها وحدياب(اربيل) والبصرة وجنديسابور وسلوقية طيسفون(عاصمة الساسانيين) التي اصبحت مركزا لبطاركة "النساطرة" . ومن هناك انتشرت في البحرين وعمان (بيت قطرايا) ، وتحوّل الكثير من عرب الحيرة الى المسيحية وعُرفوا بالعباد . أما العربية الشرقية فقد دخلتها المسيحية من الشمال من الحيرة ومن البحر من تجار الروم ، فوجدت سبيلا الى البحرين وقطر وبعض جزر الخليج ، وكانت النصرانية في هذه البلاد على المذهب النسطوري ، مذهب نصارى العراق وفارس . وكان لأتباعه عدة أساقفة في مواقع من الخليج العربي
كما كان للهاربين من المملكة البيزنطينية ، بسبب ألأضطهاد "الهرطقي" ، فضلٌ كبير في نشر المسيحية في البلاد الفارسيةعامة
عمّ الفساد في زمن الملوك الساسانيين ، وبسبب الحروب الطاحنة مع الرومان والأرمن ، أمتازت هذه الفترة بقتل آلآلاف من الشهداء المسيحيين ، وكثرت المؤامرات والدسائس وقتل الملوك لآبائهم والآباء لأبنائهم [هذا سيستمر في عهود الخلفاء المسلمين وخاصة في عهد العباسيين والعثمانيين ، حيث كان ألآبناء يتمردون على آبائهم ويقتلونهم والآباء يقتلون أبنائهم ، والأخوة يقتلون اخوانهم بسبب الطمع في السلطة والمال والنساء ].
كانت الفتن المشاعة في عهد الساسانيين علامة بيّنة على خراب هذه المملكة الجائرة وما زادت ألأحوال سوءا في اواخر الأمبراطورية الساسانية بسبب حروبها مع الأمبراطورية البيزنطينية ، حيث ضعفت المملكة وانقسمت على نفسها وتنافس الأخوة للعائلة الساسانية على السلطة والجاه .بالأضافة الى اطماع بعض الأسر الأخرى مثل المهرانية . استغل العرب ضعف هذه المملكة واستطاعوا بالتعاون مع المسيحيين النصارى اسقاط المملكة الساسانية سنة 653 في عهد آخر ملوكها يزدجرت الثالث .
المسيحية في عهود ملوك الساسانيّين
الملك أردشير ألأول (226-241)
في عهد ه أعلن أنه عابد "لمزدا" وتظهر علامة النار المقدسة على النقود التي ضربها
احترم هذا الملك كنيسة "كوخي "( ولا زالت اثارها شاخصة قرب بغداد في منطقة الدورة حاليا )، وضمّها الى المدينة التي شيّدها تجاه قطيسفون وسمّاها "فيه أردشير "
في زمن الملك شابورألأول (241-272) م .
ستنتشر المسيحية في عهده بواسطة السبايا الذين أتى بهم من المنطقة الرومانية في حروبه الكثيرة ، وغزواته وخاصة من انطاكيا ، وجلا الكثير من سكانها الى البلاد البابلية (العراق الجنوبي) . كان الباطريرك ألأنطاكي نفسه من ظمن المجليين الى مدينة "كوندي شابور" في الأهواز (بيث لافاط في الأهواز) سنة 257م .
معظم السبايا كانوا مسيحيين وأخذوا ينشرون ديانتهم المسيحية حينما حلوا ، ويتغلغلون في شتى المجالات ألأجتماعية وينظّمون شؤون الكنيسة .
وردت على لسان شابور الأول هذه العبارة التي تؤكد أنّه قام بغزوات ثلاثة في المنطقة الرومانية وجلب ألأسرى المسيحيين : "إنَّنا إستولينا على كل الناس وأتينا بهم سبايا وأسكنّاهم في مملكتنا إيران ، وفارس ، وفرثية وهوزستان وأثورستان (منطقة بابل) وفي جميع البلدان ألأخرى توجد ممتلكات أبينا وأجدادنا ألأقدمين ".
- ظمن الأسرى كان "ديمتريانس " بطريرك إنطاكيا وألأمبراطور الروماني الأسير "فاليريانس " الذي ساهم أيضا بمهندسين في إقامة السد المسمّى الى الآن باسمه "بندي قيصر" أسد قيصر .
شُيِّدت الكنائس في إيران – شهر وفي روارداشير التي أصبحت بعئذ مركزا لمطرافوليط فارس .بالأضافة الى كنيسة للبيزنطينيين واخرى لسكان كرمان أي الفرس .
ومن بين السبايا جاءت قوافل كبيرة من سنجار وبيث ( بيت ) عربايي وبيث زبدي ، وقردو وأرزن وأرمينيا ومن أمكنة أُخرى مختلفة .
هرمزد ألأول (272 -273)
في عهده أظهر المجوسي"كرتير" حقدا دفينا وعداء شديدا للمسيحيين ، بعد ان اصبح "موبيدا" اي رئيس الشعبة الدينية لدى المجوس
بهرام الأول (273- 276)
في عهد هذا الملك شرع :كرتير : في تنفيذ خططه العوانية ضد المسيحيين . وقد شن في المرحلة الأولى اضطهادا سافرا على المانويين الذين رأى فيهم خطرا يهدد الديانة الزرادشتية ، ريثما يتسنى له ألأيقاع بالمسيحيين عامة .
بهرام الثاني (276-293) .
اشرف على تربية بهرام أساتذه مسيحيّون علموه الأخلاق الرفيعة، ولقنوه حتى اللغة السريانية كان في مستهل عهده مسالما متفهما للمسيحيين ، حتى انه استطلع بعض الأساقفة عن معتقداتهم ، وكان له زوجة مسيحية ، هي "قنديرة " الرومانية . الا انه في اواخر حكمه انقلب على المسيحيين تحت تأثير "كرتير " الذي حصل منه على مرسوم يقضي بملاحقة المسيحيين وكل الذين يدينون بمذاهب مناوئة للديانة الزرادشتية . وهكذا فقد شمل ألأضطاهاد زوجة الملك المسيحية نفسه وهُدم عدد من الكنائس . ولكن هذا الأضطهاد خُمد في السنين ألأخيرة من عهد هذا الملك .
بهرام الثالث ونرسي (293-303)
كان فترة سمح ببناء الكنائس المهدومة للمسيحيين
هرمزد الثاني (303-309)
استأنف هذا الملك الأضطهاد ضد المانويين(هرطقة مسيحية ) تحت تأثير المجوس . ولكن هذا الملك لم يلحق اذى بالمسيحيين الذين واصلوا نشاطهم وشرعوا ينظمون شؤون كنيسة المشرق ويرسِّخون كيانه .
شابور الثاني 309-379
حالة المسيحيين تغيّرت حينما بلغ شابور الثاني الحكم . فاخذ يطالب الرومان بإعادة المقاطعات الخمس التي أُقتُطعت من المملكة الفارسية في عهد غاليريوس ملك الرومان (305-311). وسرعان ما اتخذت هذه الخصومات طابعا دينيا بين ألأمبراطورية الفارسية الوثنية والأمبراطورية الرومانية المسيحية [وهذا سوف يتكرر ايضا بين الحروب الأسلامية المسيحيية المعروفة بالحروب الصليبيية والتي كانت دائما الضحية هم مسيحيي الشرق ].
يقال ان قسطنطين الكبير هيّأ حملة ضد الفرس ، وأعدَّ كنيسة متنقلة لأقامة الصلوات أثناء الحملة . إلاّ أنّ المنية عاجلته في 22 ايار سنة 327م ، قبل أن ينفذ ضد الفرس خططه الحربية الواسعة النطاق . وانتهز شابور هذه الفرصة ، فزحف على المقاطعات الشرقية (المسيحية ) وحاصر نصيبين مدة 63يوما . ولكنه ما إن احسّ بقدوم قسطنطين الثاني (337-363) م ترك المدينة وعاد الى بلاده يجر أذيال الخيبة والفشل .
وعند رجوعه انتقم من المسيحيين الذين تحت حكم الساسانيين . حيث جاء في أعمال مار شمعون برصباعي (الباطريك المشرقي ) أنَّ شابور"كتب رسالة من بيث هوزايي(ألأهواز حاليا) الى حكام بيث ارامايي(التي كنت تظم جنوب العراق الى الخليج العربي) جاء فيها :
"حالما تطلعون على أمرنا هذا نحن ألآلهة في كتابنا هذا الذي أرسلناه طيّا ، عليكم أن توقفوا شمعون زعيم النصارى وألاّ تخلوا سبيله الى أن يوقّع سندا فيه يتعهد بجباية ودفع جزية الرأس مضاعفة وضرائب مضاعفة من شعب النصارى الذين يسكنون في أرضنا نحن ُ ألآلهة وتحت سلطتنا . لأننا نحن ألآلهة نتعرض للضيقات والحروب ، وهم (النصارى ) يتمتعون بالراحة والهناء . إنهم يقطنون بلادنا وهم موالون عدوّنا " .
[عندما نقارن بين ما فعله الفرس الوثنيون بما فعله المسلمون بحق النصارى (المسيحيين ) سنكتشف التطابق التام بين الديانتين بحق اضطهاد المسيحيين في الشرق عبر التاريخ وما فرض الجزية بحق المسيحيين كما ورد في سورة التوبة 29 الا شرعا ماخوذا من الزرادشتية لا بل الأسلام الحالي له جذور زرادشتية وهذا ما تؤكده الأبحاث الحديثة وسوف نتطرق الى هذه الحقيقة في مقالاتنا التالية].
عندما أعلن مار شمعون برصباعي عدم امكانية تلبية رغبة الملك ، ثار ثائره وقال في سورة غضبه " إنّ شمعون يريد تحريض تلاميذه وشعبه على القيام بثورة على مملكتي .إنّه يريد جعلنا عبيدا لقيصر ، ولذا هو لايريد اطاعة أوامري " . وساهم اليهود في إذكاء نار الحقد في قلب الملك على المسيحيين قائلين له:
"إن أرسلتَ أنت ملك الملوك وسيد الأرض كلها رسائل جليلة وحكيمة الى القيصر مع هدايا فاخرة ، ومواهب نفيسة ، فإنها لاتلقي استحسانا في نظره . أما إذا وجّه اليه شمعون رسالة في قصاصة ورق حقيرة ، فإنّه يتناولها بكلتا يديه راكعا وينجز أمره بكل إهتمام . وبالأضافة الى ذلك فليس سر في مملكتك ما لم يطلع شمعون قيصر عليه ".
[لوتأملنا بهذه الرسالة التحريضية لليهود واتهام المسيحيين (وعلى راسهم الباطريك شمعون بالتجسس لصالح الروم دون وجه حق ) ونقارنها بالمعاهدات الفارسية اليهودية قبل الأسلام واثناء انتشار الأسلام لبطل العجب.
الأسلام الحالي هو اصلا مستمد جذوره من النصرانية (الأبيونية –اليهودية) والنسطورية والزرادشتية وكان هناك تحالف بين الهاجريين (ألأسلام الأول ) وبين اليهود المتنصرين. وليس غريبا هذا على علماء المسلمين عندما يعترفوا بذلك في موضوع "ألأسرائيليات" في التراث الأسلامي
هذا ما اشرنا اليه في مقالاتنا السابقة بعنوان(الأسلام الأول كان طائفة نصرانية يهو- مسيحية ) . كما أنَّ الأسلام اصلا انبثق من اواسط اسيا وفارس وتأثر بالديانة البوذية و الزرادشتية والمانوية والمزدكية، والهندوسية ، والذين كتبوا القرآن والسيرة المحمدية في العهد العباسي ، حوالي 200 سنة بعد البعثة المحمدية ، ساهم فيه اليهود والفرس وآخرين وهذا واضح من اسمائهم وأصولهم ، كما توصل اليه الباحثون المعاصرون.
المسيحيين المشرقيين في ظل الأمبراطورية الساسانية ومن بعدهم ألأسلام ، لم يجدوا الراحة والهناء ، بل لم تتوقف الأضطهادات الا لفترات وجيزة ، بالرغم من ولاء المسيحيين وطاعتهم للسلطات الحاكمة . ألمسيحيّون كانوا دوما يُحسبون غرباء ودخلاء ، بل خونة متآمرين ، بينما هم أهل البلاد ألأمناء ألأصلاء ألمسالمون !!. وعلى مرّ التاريخ والى يومنا هذا لازال المسيحييون يُضطهدون وهم بين مطرقة الغرب ، المحسوب على المسيحية ، وبين سندان الأسلام وقبلهم الفرس الزرادشتيي ].
بدأ ألأضطهاد ألأربعيني وهو الأضطهاد الكبير ضد المسيحيين في زمن شابورالثاني ، حوالي سنة 341م ، وكان الجاثليق مار شمعون برصباعي ورفاقه المئة والثلاثة في الدفعة الأولين الذين راحوا ضحية هذا الأضطهاد الهائل ....المجوس واليهود لم يكفّوا عن تحريض الملك على المسيحيين . وقد تربصوا فرصة غضب الملك عليهم ليوقعوا بهم ويهدموا كنائسهم ويشرّدوا شعبهم ..كان استشهاد شمعون برصباعي بدء اضطهاد عنيف دام عشرة ايام لم يشفقوا فيه على أحد . فكل من صرح بكونه مسيحيا ذاق الموت دون استجواب او محاكمة . فهرع طوابير الشهداء الى الموت بشوق وفرح وكأنهم ذاهبون الى عرس ....، الى ان حلَّ ألأحد الجديد الذي يلي قيامة المسيح . وخلفت هذه المجازر الرهيبة في كرخ ليدان وضواحيها جُثثا لا تُحصى ومنظرا تقشعر له ألأبدان . استمر الأضطهاد لمدة 40 سنة . يقال بلغ عدد الشهداء 200 الف شهيد.
وإذ فقدت كنيسة المشرق العديد من رؤسائها وأبنائها في ألأضطهاد الأربعيني ، فإنَّ هذا الأضطهاد عجز عن إخماد أنفاسها والقضاء عليها . فإنها خرجت من هذه المحننة الدامية ناصعة جميلة ، راسخة في إيمانها ، ثابتة في مبادئها وشجاعة في المجاهرة بالقيم السامية وألأخلاق العالية . وحقا لقد أصبح الدم الغزير الذي أرتوت منه أرض فارس بذرا خصبا للمسيحيين الذين ما أن خمد ألأضطهاد الأربعيني حتى راحوا يستعيدون كيانهم وينظمون شؤونهم وينشرون هذه الديانة التي تعذّر على السيوف والحراب القضاء عليها.
صدق احد علماء الكتاب المقدس عندما يقول : "الكنيسة لاتزدهرالا في ايام الأضطهادات ، ولا توجد كنيسة بدون اضطهادات ."
اردشير الثاني(379-383)م
تولى الملك بعد شابور الثاني أخوه أرداشير وحذا حذوه في معاداته للرومان وأضطهاده للمسيحيين ، وكان قد قتل من هؤلاء خلقا كثيرا حينما كان حاكما على مقاطعة حدياب وبيث كرماي (الموصل واربيل حاليا )ومنفذا لأوامر أخيه الطاغية شابور الثاني .
شابور الثالث( 383- 388) م
خلف أرداشير الثاني وغير خطّته متبعا طريق السلام . وكان على إتصال مع تاودوسيوس ألأول الروماني (379-399) ، وأرسل اليه سفراء وهدايا كثيرة ونفيسة من اللآلئ والحرائر ومن خيول أصيلة .
بهرام الرابع كرمنشاة(388-399) م
ازدادت في عهده هذه العلاقات الطيبة رسوخا وتعاون مع الرومان لدرء خطر الهونيين الزاحفين من المناطق الشمالية على كلتا ألأمبراطوريتين .
ورغم هذه الفترة العصيبة التي مرت بها الكنيسة الشرقية ، فقد أنجبت هذه الكنيسة أشخاصا كان لهم القدح المعلى في مضمار العلوم وألآداب الآرامية . فإن الجاثليق الشهيد مار شمعون برصباعي زودها بتراتيل شجية تأخذ بمجامع القلوب . ويعقوب أفراهاط الحكيم الفارسي (بعد 346 م ) وضع ألأسس ألأولى للاهوت الشرقي في بيناته الشهيرة (وقد اخذ المسلمون سورة لقمان من هذا الحكيم بل الدراسات الحديثة تقول ان نهج البلاغة المنسوبة للأمام علي معضمها منقولة من حكم أفراهاط الحكيم ). وماروثا الميافرقيني (420)م نظّم سير الشهداء ووضع لهم أناشيد عذبة تشيد مآثرهم وتُخلد ذكراهم وتغذي تقوى المؤمنين مدى الأجيال(لازالت هذه التراتيل تتلى في الكنائس الشرقية).
وكفى القرن الرابع فخرا أنّه احتضن القديس أفرام(307- 373)م ، (المُلقّب بكنارة الروح القدس ) الذي أقرّت له المسيحية بألأمامة وهو في قيد الحياة وتناشدت شعره وأقبلت على تسبيح العزة الألهية بأناشيده العذبة . ومن ظمن ما كتبه هذا القديس هو "أناشيد الفردوس" [التي استمد منها القرآن عن وصف جنة ألأسلام بألأنهار والأشجار والمياه العذبة وعناقيد العنب البيض (حور العين ) ولكن كان افرام يصف الجنة مجازيا وليس حرفيا ولكن المسلمون بعد حوالي 400 سنة نقلوا وصف الجنة من افرام السرياني واخذوها حرفيا بل حرفوا معانيها الروحية السامية بجنة شهوات جسدية ارضية. راجع ابحاث العالم الألماني كريستوفر لوكسنبرغ عن معنى حور العين في كتابه القرآن وجذوره السريانية ].
يزدجرت ألأول(399-420) .
إنّ الشخص الثالث الذي ساهم في إعادة النظام والسلام الى كنيسة المشرق كان ملك الملوك يزدجرد ألأول الذي تبنى منذ بداية حكمه سياسة تختلف كل ألأختلاف عن سياسة أسلافه الساسانيين ,فإنّه عقد صُلحا مع الرومان وأحسن الى المسيحيين ، ولم يعتبرهم كغرباء في مملكته . ولاتجد المصادر المسيحية عبارات وافيه للثناء على ألطاف هذا الملك .
في عهد هذا الملك عُقد "مجمع ساليق" (مار اسحق) سنة 410 م . وهذا المجمع الكنسي يشيد بأمجاد الملك يزدجرد ألأول الذي حقق في الشرق ما قام به قسطنطين الكبير في الغرب قبل مئة سنة بإعلانه مرسوم ميلانوا الشهير سنة 313 م . فإنّ يزدجرد أيضا أصدر أمرا في بلاده كلها بأن تبنى من جديد كُلّ الكنائس المهدومة ، وأن يُطلق سراح كُلِّ الذين كانوا رهن السجون لأجل دينهم المسيحي ، وأن تُمنح الحرية لجميع رجال الدين . ويعود الفضل في هذا القرار الى ماروثا الذي أقبل الى المنطقة الفارسية حاملا رسائل من "ألآباء الغربيين" : كانت ألأولى منها تخوّل ماروثا صفة رسمية لدى يزدجرد ولدى ألأساقفة الشرقيين .
يُعتبر مجمع مار إسحق أول مجمع هام في الكنيسة الشرقية ، لأنّه انطلاقا من قوانين المجمع النيقاوي (325) ومنصورة ألأيمان التي أقرَّ بها ألآباء الثلثمائة والثمانية عشر ، سنّ واحدا وعشرين قانونا ، تطرق فيها الى الحياة المسيحية ونظم علاقات المؤمنين برؤسائهم على اختلاف مراتبهم وارتباط هؤلاء الرؤساء برئيسهم ألأعلى على جاثليق الشرق الجالس على كرسي ساليق ...وقد حُدد في هذا المجمع المقاطعات الكبرى في الكنيسة الشرقية وهي:
1 – ساليق ، وهي كرسي الجاثليق الذي تمتد سلطته المباشرة الى أسقف كشكر الذي يعتبر ساعده ألأيمن في إدارة شؤون الكنيسة الشرقية.
2- بيث لافاط (جنديسابور) ، وهي أولى المطرافوليطيات
3- نصيبين ، وتمتدّ هذه الأبرشية الى منطقة بيث عربايي كلها .
4 – فرات ميشان ، وهي منطقة البصرة الحالية .
5- حدياب ، وهي منطقة أربيل الحالية .
6 – كرخ سلوخ ، أي كركوك الحالية .
يروي لنا تاريخ الكنيسة عن نفوذ اسحق الجاثليق على بلاط يزدجرد ، لأنّه أفلح في إقناع "بيهور" ابن أخي يزدجرد المتولي على منطقة فارس ، بالعدول عن مناوأة عمه ملك الملوك .
المجوس لم يروا بعين الرضى إزدهار المسيحية وتقدمها وتكاثر عدد ألأسقفيات في البلاد الفارسية وتهافت الناس على الدين المسيحي ، وكان منهم من ينتمي الى أعرق ألأسر ألأيرانية . وحاول الملك يزدجرد الأول بشتى الوسائل صد هذا المد الذي أفزعه ، ورد المهتدين الى دينهم الأصلي ، أي الزرادشتية . هكذا وجّه الملك ضربات أخرى الى فئات من المسيحيين ، وأفسد في نهاية حياته ما أنجزه من ألأعمال الحميدة طيلة حياته .
بهرام الخامس (421-438)
الملقبّ ب"كور" –أي الحمار الوحشي – وهو ابن يزدجرد الأول ، الذي أعتلى العرش بمؤازرة المنذر إبن النعمان ألأعور (ألأكبر –ألأول – السائح) ملك الحيرة . وكان بهرام كور قد تربى في صباه في الحيرة برعاية النعمان ألأكبر (403-431)م . وأراد هذا الملك أن يكسب عطف رؤساء الديانة المزدكية ليكونا سندا له في حكمه. فأخذ يستميلهم إليه ويتبع نصائح رئيس لهم يُدعى "ميهر شابور" ، ووضع قواته الملكية تحت امرتهم .فانتهز المجوس هذه الفرصة المؤاتية وشرعوا ينتقمون من المسيحيين ويضطهدونهم ويسومونهم شر العذابات ).(2)
--------------------------------------------------------------------------------------------
المصادر
(1)
تاريخ الموصل الأب سليمان صائغ الموصلي
(2)
تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية من انتشار المسيحية حتى مجيئ الأسلام
للأب البير أبونا الجزء الأول






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القرآن من خلال ألأبحاث والدراسات النقدية ج3 ماقاله الباحثون ...
- جذور ألأسلام النصرانية وأكذوبة -العصر الجاهلي- في التراث الأ ...
- الأسلام عقيدة ايدولوجية اخطر من النازية والفاشية وعلى الحضار ...
- القرآن من خلال ألأبحاث والدراسات النقدية ج2
- ألأسلام ألأول كان طائفة -نصرانية- ج7
- ألآريوسية وتأثيرها على العقيدة الأسلامية !!
- جذور ألأسلام النصرانية وأكذوبة -العصر الجاهلي- في التراث الأ ...
- الأسلام عقيدة ايدولوجية اخطر من النازية والفاشية وعلى الحضار ...
- المانويَّة وتاثيرها على ألعقيدة ألأسلامية !!!
- خدعوك أخي المسلم عندما قالوا لك انّ - محمد - هو -الصادق ألأم ...
- القرآن من خلال ابحاث ودراسات نقدية -الجزء الأول *
- الأسلام عقيدة ايدولوجية اخطر من النازية والفاشية وعلى الحضار ...
- ألأسلام عقيدة *أيدولوجية أخطر من **النازية و***الفاشية وعلى ...
- خلاصة الحروب والغزواة في التاريخ ألأسلامي
- ألأسلام ألأول كان طائفة -نصرانية - ج6 5 – عقائد وشرائع ومضمو ...
- ألأسلام ألأول كان طائفة -نصرانية - الجزء الخامس
- ألأسلام ألأول كان طائفة -نصرانية - الجزء الرابع القرآن يشهد ...
- خدعوك أيُّها المسلم عندما قالوا لك: -أنَّ الكتاب المقدَّس قد ...
- ألأسلام ألأول كان طائفة -نصرانية ج2 القرآن هو كتاب النصارى


المزيد.....




- وزير الأوقاف الأردني يحذر من تمكين اليهود المتطرفين لممارسة ...
- وزير الأوقاف الأردني يحذر من تمكين اليهود المتطرفين من ممارس ...
- إيران: نشهد آخر أنفاس الحظر.. والثورة الإسلامية أجبرت العدو ...
- عنوانها الإطاحة بالقاضي البيطار.. التحقيق بانفجار مرفأ بيروت ...
- تنوير الأطفال بواسطة الترفيه
- باحث اسلامي: كلما طال الزمن تتوسع مسيرة الزيارة الاربعينية ا ...
- مئات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى ويؤدون طقوسا تلمودية.. ...
- مفتي مصر السابق في مقطع فيديو متداول: النبي محمد من مواليد ب ...
- مئات المستوطنين يقتحمون المسجد الإبراهيمي في الخليل
- حركة الجهاد الاسلامي تزف شهـــيدها -أسامة ياسر صبح-


المزيد.....

- حول الدين والدولة والموقف من التدين الشعبي / غازي الصوراني
- الأمويون والعلمانية / يوسف حاجي
- نشوء الكون وحقيقة الخلق / نبيل الكرخي
- الدين المدني والنظرية السياسية في الدولة العلمانية / زهير الخويلدي
- صابئة فلسطين والغنوصية المحدثة / أحمد راشد صالح
- حوارات ونقاشات مع قوى الإسلام السياسي في العراق / كاظم حبيب
- العَلمانية في الحضارة العربية الإسلامية (التحديات والآفاق) / شاهر أحمد نصر
- كشف اللثام عن فقه الإمام / سامح عسكر
- أفيون الشعب – الكتاب كاملاً / أنور كامل
- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نافع شابو - انتشار المسيحية في عهد الأمبراطورية الساسانية قبل ظهور الأسلام ج1