أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد برازي - من هو: يزنيك ده كولب في «الله» أو «البدع»















المزيد.....


من هو: يزنيك ده كولب في «الله» أو «البدع»


محمد برازي
(Mohamed Brazi)


الحوار المتمدن-العدد: 6292 - 2019 / 7 / 16 - 17:44
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أوَّل فيلسوف أرمنيّ. وُلد في كولب. عاش في القرن الخامس (399-450 تقريبًا). لعب دورًا كبيرًا مع المترجمين، ولم يترك أثرًا خاصٌّا سوى هذا الكتاب الذي نُشر أوَّلاً بعنوان »البدع«. ثمَّ صُحِّح العنوان فصار: الله. بعد المقدِّمة (عدد 1-3) ينقسم الكتاب قسمين كبيرين. في القسم الأوَّل (4-357)، كما يتحدَّث الكاتب عن مسألة الشرِّ مع ضلالة »الثنويَّة« التي يواجهها. يردُّ على اليونان (4- 144) ثمَّ على الفرس (145-230). كما يتحدَّث عن الخلق (267-375) فيردّ على الحلوليَّة حيث يتماهى الله مع العالم كما على البوليتاويَّة أو تعدُّد الآلهة. وفي القسم الثاني (358-431) يقدِّم يزنيك ده كولب نهجَ مرقيون ويردُّ عليه. من هذا القسم الأخير نأخذ. قُسِّم الكتاب إلى مقاطع مرقَّمة ونحن نورد المقطع مع الرقم:

* * *

358. ما إن ضلَّ مرقيون حتّى أدخل شخصًا غريبًا تجاه إله الشريعة. ومع هذا الأخير وضع الهيولى التي هي في ذاتها (أي: لم تُخلَقْ) وثلاث سماوات.

قالوا: في السماء الأولى صنعَ الغريبُ مسكنَه. وفي الثانية، إلهُ الشريعة، وفي الثالثة جيوش هذا الأخير. وعلى الأرض، الهيولى، ودعاها: قدرة الأرض.

وجاء النظام الذي تبعه (مرقيون) في عرضه، حول العالم والخلائق شبيهًا بالنظام الذي تتبعه الشريعة في خبره، ولكنَّه أضاف أيضًا أنَّ (إله الشريعة) شارك المادَّة فخلقَ كلَّ ما خلق، وكأنَّ الهيولى أنثى، امرأة، تزوَّجها. وبعد خلق العالم، صعد هو وجيوشه إلى السماوات. ولبثت الهيولى وأبناؤها على الأرض. وهكذا سيطر كلُّ واحد على موضعه: الهيولى على الأرض، وإله الشريعة في السماوات.

ولمّا رأى إلهُ الشريعة أنَّ العالم جميل، نوى في قلبه أن يخلق فيه الإنسان. فنزل لدى الهيولى، إلى الأرض، وقال لها: »أعطيني طينك وأنا أعطي نفسًا أُخرجُها منّي. ولنخلق إنسانًا على شبهنا«. أعطته الهيولى من أرضها، فكوَّنها ونفخ فيها نفسًا، فأتى آدم إلى الوجود تُنعشه نسمةُ الحياة. لهذا دُعيَ آدم لأنَّه من الطين خُلق.

وبعد أن كوَّنهما هو وامرأته، وضعهما في الفردوس، كما تقول الشريعة. وكانا (إله الشريعة والهيولى) يأتيان إلى هناك (الفردوس) على الدوام، فيعطيانه الوصايا، ويجدان فرحهما فيه كما في ابنٍ مشترَك.

وأخذه على حدة وقال له: »آدم، أنا هو الله! فلا إله آخر غيري. لا يكن لك إله آخر سواي. لهذا، إذا أخذتَ إلهًا آخر سواي، فاعلم أنَّك تموت موتًا«.

ولمّا قال له هذا وتركه يتذكَّر اسمَ الموت ويرتعد ارتعادًا، أخذ آدم يفترقُ شيئًا فشيئًا عن الهيولى.

والهيولى التي أتت، كعادتها، تقدِّم وصاياها، رأت أنَّ آدم لا يصغي إليها، بل يحاول أن يُفلت منها، وأن يبتعد عنها ابتعادًا ولا يأتي إليها أبدًا.

بعد أن عبرت الدهشة التي حلَّت في فكرها، فهمَت الهيولى أنَّ ربَّ الخلائق احتال عليها. فقالت: »من ينبوعي تأتي المياهُ العكرة إلى العين. ما هذا؟ فآدم لم يتكاثر بعدُ بفعل الولادة، وسرقها منّي بفضل اسم »الله« الذي يحمل. لهذا سأخلق »آلهة«! وآلهة كثيرة. وأملأُ كلَّ العوالم التي ستُوجَد. وهكذا يبحث (آدم) من هو »الله« ولن يجده (= إله الشريعة).

قالوا: وخلقت (الهيولى) عددًا كبيرًا من الأصنام ودعتها »آلهة« وملأت العالم منها.

وفي الحال، غرق اسم »الله« أي ربُّ الخلائق، وسط أسماء عدد كبير من »الآلهة« وما استطاع أحدٌ أن يجد الله.

وضلَّت سلالة آدم، واقتادتها الآلهة فما عادت تقدِّم العبادة (لإله الشريعة)، لأنَّ الهيولى اجتذبتهم كلَّهم إليها، وما سمحت ولو لواحد منهـم، أن يعبـد هذا (= إله الشريعة).

وقالوا: حينئذٍ غضبَ ربُّ الخلائق لأنَّهم تركوه وحده وأخذوا يصغون إلى الهيولى.

فغضب ورمى الخارجين من أجسادهم في جهنَّم، الواحدَ بعد الآخر. ورمى آدم أيضًا في جهنَّم بسبب تلك الشجرة المعروفة. وهكذا رماهم كلَّهم في جهنَّم.

وقالوا: ورأى الإله الصالح والغريب (عن العالم) الذي يُقيم في السماء الثالثة، أنَّ أجيالاً عديدين ذهبوا إلى الهلاك والعذاب (بعد أن وقعوا) بين محتالين، إله الخلائق والهيولى. تألَّم (هذا الإله الصالح) لأنَّه رأى أنَّهم سقطوا في النار وفي العذاب.

فأرسل ابنه لكي يمضي ويخلِّصهم ويأخذ صورة عبد ويكون شبه إنسان وسط أبناء إله الشريعة.

قال (له): »اشفِ البُرص فيهم، أعدِ الحياة إلى موتاهم، افتحْ (عيون) عميانهم، اصنع أشفية باهرة، مجّانًا، بحيث يأتي إليك ربُّ الخلائق فيُبغضك ويَحسدك ويعلِّقك على الصليب.

»وبعد أن تموت، تنزل إلى الأسافل (جهنَّم) وتُخرجهم من هناك. فالأسافل ما اعتادت أن تحتفظ بالحياة في حضنها. لهذا تَصعد على الصليب لكي تُشبه الموتى، فتفتح الجحيمُ فمها لكي تتقبَّلك، فتدخل في حضنها وتُفرغه«.

قالوا: وحين رفعه (إله الشريعة) على الصليب، نزل (ابن الإله الصالح) إلى الجحيم وجعلها فارغة.

وبعد أن أخرج النفوسَ من حضنها، اقتادهم إلى أبيه، إلى السماء الثالثة.

حينئذٍ اشتعل ربُّ الخلائق غيظًا، فمزَّق، في غضبه، رداءه وحجاب الهيكل، وجعل السماء مظلمة، وألبس العالمَ السواد وجلس حزينًا في الحداد.

بعد ذلك، نزل يسوع كما في مرَّة ثانية بشكل لاهوته، فوجد ربَّ الخلائق يقيم مرافعةً قضائيَّة مع يسوع حول موته.

وحين رأى ربُّ الخلائق بعينيه ألوهيَّة يسوع، عرف حالاً أنَّ هناك إلهًا آخر غيره.

فقال له يسوع: »أُقيمُ دعوى عليك، ولا يحكم أحد بيننا، إلاَّ شريعتُك التي كتبتَ«.

وحين وضعا الشريعة بينهما، قال له يسوع: »أما أنتَ كتبتَ في شريعتك: »الذي يقتلُ يموت«. ثمَّ: »الذي يسفك دم البارِّ يَسفكون دمه«؟

فقال له (إله الشريعة): »أجل، أنا كتبتُ (هذا)«.

فقال له يسوع: »سلِّمْ نفسك إلى يديَّ لكي أقتلك وأسفك دمك، كما قتلتَني وسفكتَ دمي. لأنّي بالحقيقة عادلٌ مثلك، وصنعتُ لدى خلائقك حسناتٍ كبيرة جدٌّا«. وأخذ يعدِّد له الحسنات التي صنعها لدى خلائقه.

وحين رأى ربُّ الخلائق أنَّ (يسوع) انتصر عليه، ما عاد يعرف ماذا يقول، لأنَّه حُكم عليه انطلاقًا من شريعته. وما عاد يُحير جوابًا لأنَّه خرج من القضاء بعد أن حُكم عليه بالموت، انتقامًا لموت (يسوع). في الحال ارتمى متوسِّلاً ورفع إليه هذه الصلاة: »لقاء الذنب الذي اقترفتُه دون أن أعلم من أنت خ لأنّي ما عرفت أنَّك الله، بل حسبتك إنسانًا - أمنحُك مقابل هذا العذاب المنتقم، جميع الذين يؤمنون بك فتأخذهم إلى حيث تريد«.

بعد هذا الاتِّفاق، وبعد أن تركه يسوع يمضي، أخذ بولس في غزو وكشف له ثمن (فدائنا)، وأرسله يبشِّر أنَّنا اشتُرينا بثمن غالٍ، وأنَّ كلَّ من يؤمن بيسوع هو مُباع بيد (الإله) العادل (للإله) الصالح.

هذا ما نجد في أصل بدعة مرقيون، ولم نحسب حساب سائر البشاعات. هذا ما لا يعرفه الجميع، بل بعضٌ منهم فقط. ويَنتقل التعليمُ تقليديٌّا شفهيٌّا من الواحد إلى الآخر. يقولون: »هو الغريب الذي دفع الثمن، فاشترانا من ربِّ الخلائق«. أمّا أن يعرفوا كيف أو بأيِّ ثمن استطاع أن يَشترينا، فهذا ما لا يعرفه الجميع.

ويأتي الردُّ فيدلُّ على عدميَّة التجديدات الرئيسيَّة والأصيلة لمرقيون!!

* * *

359. الجواب. في الحقيقة كما يقول الرسول المطوَّب: »حكمة هذا العالم جهالة قدَّام الله«.

ماذا استعاروا؟ ماذا رقَّعوا؟ لغة من يتكلَّمون؟

إذا كان (الإله) الحقيقيّ (لمرقيون) هو إله الشريعة، الذي يطرحه على أنَّ منه خرجت جميعُ الخلائق، يتبع من هذا أنَّ الغريب الذي أدخله وكأنَّه يهزأ (بإله الشريعة)، يجب أن لا يَحسد خلائقَه، مهما يكن وضعها سواء كانت في العذاب أم في الراحة.

فلو كان اللهَ، لاق به هو شخصيٌّا أن يخلق خلائق، لا أن يحسد خلائق أخر.

وبما أنَّه لم يخلق شيئًا، فمن الواضح أنَّه غير موجود في الحقيقة، جذريٌّا.

فلو وُجد على أنَّه الله لكانت قدرته في ذاته.

ولنفترض أنَّه لم يمتلك في ذاته بعض الحكمة (الخالقة)، من هذا النوع كان عليه وهو ينظر خالق الكون يعمل أن يتعلَّم منه مهنة (الخالق).

وإذا لم يكن باستطاعته أن يقتدي، فليقتدِ أقلَّه بالهيولى، التي كانت تتجرجر على الأرض، ومع ذلك صارت مشارِكة في خلق الخلائق.

فمن الواضح إذًا أنَّ هذه البدعة يمقتها الفكرُ ولا يمكن أن تكون في الحقّ.

360. ولنبدأ الآن: أن نطرح إله الشريعة والهيولى على ذات المستوى، فمثل هذا الطرح مسروق من الفلاسفة، الذين وضعوا في الله عدم القدرة القطعيَّة، فأكَّدوا أنَّه من لا شيء لا يمكن أن يُوجَد، أن يَخلق، بل أَخذ من مادَّة تساعدُه.

ومع أنَّه، عبر ألف دورة ودورة لجأوا إلى اسم الغريب وابنه يسوع الذي دعوه »المحسن« (أو: الخيِّر) عن طريق الاستعارة، فلا فرق بينهم وبين الوثنيّين. بل هم مثلهم يعترفون بالبوليتاويَّة ويكرزون بعدد كبير من الآلهة.

رؤساء عديدون ينتظرهم الموت، لأنَّ إله الشريعة خلقهم فارتبطوا باسم الغريب كما يفعل الخونة لربِّهم. وهذا مع أنَّه بين أسياد (هم بشر) فلا علاقة بينهم. فما أحد يتجرَّأ، إذا كان في خدمة ملك الملوك، أن يمضي ويلتجئ إلى ملك (باسيلوس، ملك بيزنطية). ولا أحد في خدمة هذا الملك، يتجرَّأ وينتقل إلى الساسانيّ، وإلاَّ سوف يحمل وزره على رأسه.

ونعود إلى (الفلاسفة والوثنيّين): فأولئك يقدِّمون لك سلسلةً تضمّ عددًا كبيرًا من الآلهة، وهؤلاء (المرقيونيّون) يقولون إنَّ جميع الخلائق خُلقت في زواج إله الشريعة مع الهيولى. فهل يكونون إلاَّ مجوسًا يُخرجون في طروحاتهم، الآلهةَ من الزواج.

361. فليبيِّنوا لنا ذاك الروح الذي أعطاهم هذه الشريعة؟ فهم رفضوا الروح القدس الذي تكلَّم بالأنبياء وبالرسل.

362. وقالوا: خُطف بولس إلى السماء الثالثة، وسمِعَ كلمات لا يمكن التلفُّظ بها، وهي تلك التي نشرحها في مواعظنا.

363. إذن لنرَ! قال بولس: »... لا يُسمَح لإنسان أن يتلفَّظ بها«.

فمرقيون هذا، ونحن نفترض أن يكون من هؤلاء الناس، يرى أنَّ هذه الكلمات لا يمكن التلفُّظ بها. فهو إنسان في الحقيقة بل آخر جميع الناس الذي ما اكتفى بأن يترك روح الحقّ، بل جلس وأخذ يهذي خرافات.

وها هو يتجرَّأ بالروح الذي جعل إبليس كما هو، فيغرق في نبيئات الروح القدس، ويختار نصف الإنجيل ويرمي القسم الآخر مثل نفاية. وكذا يفعل في الرسائل الرسوليَّة أيضًا. ويَرذُل العهد القديم كلَّه كما لو أنَّه بحسب فكره، عطيَّة محتال لا (عطيَّة) الصالح!

أمّا الرسول فقال: »لا يمكن أن نتلفَّظ بالألفاظ التي سمعها«. ومرقيون قال: »أنا سمعتُها!«

إذًا، من نسمع؟ الرسول الذي اعتبر أن هذه الكلمات لا يمكن التلفُّظ بها، أم مرقيون الذي حطَّها وجعل من هذه الكلمات مجرَّد دواء؟

* * *

لا تعارضَ بين الشريعة القديمة والشريعة الجديدة.

405. يقولون: تتعارض شريعة الديّان مع نعمة يسوع: هناك تُعطى الطوبى للأغنياء والشقاء للفقراء. وهنا، الطوبى للفقراء والشقاء للأغنياء.

* هناك يقول (الديّان): لا تقتل. وهنا يقول (يسوع): »من غضب على قريبه من دون وجه حقّ، يستحقُّ جهنَّم«.

* هناك قال (الديّان): »لا تزنِ«. وهنا قال (يسوع): »من نظر إلى امرأة متزوِّجة ليشتهيها زنى بها في قلبه«.

* هناك قال (الديّان): »لا تحنث بل أوفِ للربِّ تعهُّداتك«. وهنا قال (يسوع): »لا تحلفوا البتَّة«.

406. فكيف يمكن أن يكون تعارض بين الشريعة والنعمة؟

* فإبراهيم لأنَّه استقبل الغرباء والمساكين، دُعيَ »صديق الله«. وقال المسيح: »مضى الفقير إلى حضن إبراهيم، والغنيّ إلى عذاب النار«.

المسيح أعطى الطوبى للفقراء، وللرحماء أيضًا، يعني أنَّهم ينتظرون أن يجدوا الرحمة. وإله الشريعة يدلُّ على رحمته بحيث إنَّه (دافع) عن بعير لعدوٍّ سقط تحت الحمل، فمنعه أن يواصل طريقه، سواء كان هذا (العدوُّ) من شعب (إسرائيل) أو من الأمم الغريبة. والجدي، يُمنع أن يُطبَخ في حليب أمِّه. ويدافع عن الطير - الأمّ الجالسة على البيض أو على الصغار، ويمنَع أن تُوخَذ مع صغارها.

هناك قال (الديّان): »تحبُّ قريبك مثل نفسك«. وهنا قال (يسوع): »تحبُّ الربَّ من كلِّ قلبك وتحبُّ قريبك مثل نفسك، لأنَّ بهاتين الوصيَّتين تتعلَّق الشريعة والأنبياء«.

ثمَّ قال: »ما جئتُ لأنقض الشريعة أو الأنبياء، بل لأكمِّلها«. فكيف يكون معارضًا للشريعة، ذاك الذي جاء ليتمَّ الشريعة والأنبياء؟

وقال للأبرص الذي طهَّره: »امضِ وقرِّب قربانك عن طهرك كما أمر موسى في الشريعة«.

وإلى معلِّم الشريعة الذي سأله: »ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديَّة؟« قال: »أنتَ تعرف الوصايا؟«. وأجابه على سؤاله الثاني: »أيُّ وصايا؟«: »لا تزنِ، لا تسرق، لا تقتل«. هذا يعني أنَّ النفي »لا« لا يتعارض مع الشريعة التي يُعلِّم، بل يتوافق معها.

* ومقابل (ما يقولون) »لا تغضب«، »لا تقتل«، فهذا لا يتعارض بل يتوافق. فحين لا يغضب الإنسان لا يحمل فكرة القتل للإنسان في عقله وينفِّذها.

* وأيضًا: لا تشتهِ. هي لا تتعارض مع »لا تزنِ«، بل تتوافق معها. فإذا الإنسان لا يشتهي، يعني أنَّه لا يميل إلى فعل الزنى.

* لا تحلف أبدًا. لا تتواجه مع »لا تشهد بالزور«، بل تترافق معها. فلنفترض إنسانًا لا يعتاد أن يحلف بتواتر، فهو لا يشهد بالزور يومًا.

هناك كانوا يحلفون على اسم الأوثان. فقال (الديّان): »أوفِ نذورك للربّ«. (وهناك) قال: »على اسمي يجب أن تحلف، أنا الحيّ، لا على اسم الأوثان التي ليست حيَّة«.

أمّا هنا فالمسيح الذي أراد أن يجعل من الذين صاروا تلاميذه، كاملين، قال: »لا تحلفوا البتَّة... وليكن النعم نعم واللا لا وما زاد على ذلك فهو من الشرّير«. ولتفترض أنَّ ما يزيد على النَعَم واللا هو من الشرّير، فكم بالأحرى الحلف كذبًا على الاسم المرهوب!

* * *

حول قيامة الأجساد. ماذا يقولون؟ (420) والجواب (421-423) مع توقُّف عند 1 كو 15: 50: »اللحم والدم لا يرثان ملكوت الله، ولا يسع الفساد أن يرث اللافساد«.

420. شيء آخر: قيامة الأجساد. الأسباب التي تمنعنا أن نؤمن بها. من أين جاء بها مرقيون وماني وسائر الذين من مستواهما؟

يقولون: قال الرسول: »اللحم والدم لا يرثان ملكوت الله. ولا الفسادُ اللافسادَ«. وأيضًا: »أرغب أن أخرج من هذا (الجسم) البشريّ لكي أكون مع الربّ«.

ويقولون: هذا يبيِّن بوضوح: بما أنَّ اللحم يخرج من الهيولى (المادَّة). لهذا لا يكون أهلاً للقيامة.

421. لنفترض أنَّ اللحم الذي خرج من الهيولى ليس أهلاً للملكوت، فالنفوس التي كوَّنها الديّان، تصبح هي أيضًا غير أهلاً لملكوت (الاله) الصالح.

422. ثمَّ إنَّ الرسول عينه يردُّ عليهم في الموضع عينه بالضبط، وهو الذي دلَّ بإصبعه على لحمه: »هذا الفاسد يجب أن يلبس اللافساد، وهذا الجسد، الخاضع للموت، يلبس اللاموت (الخلود)«. ينتج من هذا أنَّه لا يجعل النفوس عرضةً للفساد وخاضعةً للموت، بل الأجساد.

422. ويقول في الرسالة الأخرى (إلى الكورنثيّين): »كلُّنا نمثُل أمام منبر المسيح لينال كلُّ واحد منّا بجسده (الخاصّ، بالنسبة إلى ما عمل من قبل) خيرًا (المكافأة) أو شرٌّا (العقوبات)«. ترى أنَّنا نختبر الخير (أي الطوبى) أو الشرور (أي جهنَّم) في الأجساد، لا في النفوس فقط.

424. ولكنَّهم يقولون: »كلمة الرسول قاطعة الفساد لا يرث عدم الفساد!«

425. يا عازق الكلمة (الإلهيَّة)، يا مرقيون! مرَّة يسمع شيئًا، ومرَّة أخرى يُرسلُ أذنًا صمّاء. لو أنَّه سمع (أو: فهم) في معنى صحيح هذا القول: »الفساد لا يرث عدم الفساد«، لتمكّن من الصمود في الحقّ، لأنَّ الرسول يؤكِد هنا قيامة الأجساد ويقدِّم عددًا كبيرًا من الأمثلة.

426. أوَّلاً، قيامة المسيح هي باكورة كلِّ شيء وأصله: »مات المسيح بحسب الكتب ودُفن وقام في اليوم الثالث«.

ثمَّ دار حول الموضوع وقدَّم برهانًا معلِّلاً لكي يُثبت ويقوّي (واقع) قيامة (المسيح).

427. وصاح بصوت أقوى في أذن مرقيون وماني فقال: »إن كان الموتى لا يقومون، ما الذي يفعل أولئك الذين يعتمدون في سبيل الموتى؟«

أنتما (يا مرقيون ويا ماني) قلتما إنَّ الأجساد لا تقوم لأنَّها نالت وجودها من الهيولى. لنفترض أنَّ الأجساد الخاضعة للموت لا تقوم، فالأنفس الحيَّة لماذا تُعلنُ إيمانها من أجل فائدة هذه الأجساد الميِّتة؟ أو لماذا الأجساد الخاضعة للموت، تعتمد محلّ النفوس الحيَّة إذا كانت الأجساد الخاضعة للموت لا تقوم؟

هكذا يُفهَم الكلام الذي تُعنى به، لا كما يفعل مرقيون الذي يظنُّ في ثرثرته أنَّه يجب على قريبه الحيّ أن يتقبَّل المعموديَّة محلّ موعوظ مات، لكي يُحسَب ذلك في العلاء. في الواقع، هذا ما يفعل المرقيونيّون.

ولكنّ كلام الربّ يردُّ عليهم فيقول: »إن لم يُولَد الإنسان من جديد، لا يقدر أن يرى ملكوت الله«. وأيضًا: »إن لم يُولَد الإنسان من الماء والروح، لا يدخل ملكوت السماوات«. هذا يبيِّن بوضوح أنَّ على كلِّ واحد أن يعتمد لا أن يعتمد واحدٌ محلَّ آخر.

وأيضًا نستخرج بوضوح من تشبيه الزروع، برهان قيامة الأجساد، كما يلي. كما الحبَّة التي تُزرع لا تنمو غير ما كانت، فيحلُّ شيء محلّ آخر. ومع أنَّ عددًا كبيرًا من (الأنواع) المختلفة تلبس الجمال. ثمَّ إنَّك لا تزرع شعيرًا فتحصد قمحًا ولا تزرع ذرة فتحصد جيدر، بل ما تزرع هو نفسه ما تحصد. كذلك يقول (الرسول): الجسد الذي يسقط (في الموت) يقوم مطابقًا.

428. مرَّة أخرى، يقول الرسول: »اللحم والدم لا يرثان ملكوت الله، والفساد لا يرث عدمَ الفساد«. نحن لا نفهم هذا في معنى مرقيون الذي يفهمه أنَّ الأجساد جاءت إلى الوجود من الهيولى بحيث لا تقوم. ولكنَّنا نفهمه في شكلين اثنين:

* التأويل الأوَّل

429. (الشكل) الأوَّل: ما دام الإنسان أفكارًا وأعمال لحم (بشر)، هو نفسيٌّ وهو لحم ودم. ولأنَّه يفكِّر فقط ويفعل بحسب اللحم والدم، فليس أهلاً لأن يدخل ملكوت السماوات.

وكما كتب الرسول في الرسالة الأولى إلى تلاميذه: »فالذين هم تحت تاثير اللحم، تكون أفكارهم أفكار لحميَّة. أمّا أنتم فلستم تحت تأثير اللحم، بل تأثير الروح«. هل كان وقتَ الذي كتب إلى تلاميذه، نصفُهم من لحم (وعظم) والنصف الآخر لا؟ ينتج من هذا أنَّهم كانوا كلُّهم من لحم (وعظم)، كلُّهم في أعمال اللحم والروح.

* التأويل الثاني

430. وفي معنى آخر أيضًا يُفهَم (هذا النصّ): تقوم الأجساد في لحم ودم، ولكنَّها صُنعت جديدةً بالقيامة. كانت فاسدة (على الأرض)، فورثت عدم الفساد. (والرسول) يتجوَّل في دائرة هذه الأفكار عينها حين يقول: »عند النفخ في البوق الأخير يقوم الأموات الذين (ماتوا) في المسيح، بلا فساد. ونحن نُصنع من جديد!«

431. وهكذا بُرهن أنَّ الأجساد التي صُنعَتْ من جديد بالقيامة، تحرَّرت من جميع الشهوات وقامت. وابتُلع الموتُ بالغلبة ساعة »الفاسدون لبسوا عدم الفساد«، والمائتون على الأرض (لبسوا) اللاهوت (الخلود). زُرعوا في الضعف فلبسوا القوَّة. رُموا بالذلّ في الأثلام، (فلبسوا) المجد.

وما من جسد كان ترابًا فبقي ترابًا. بل إنَّ الأنفس التي تلبس كلُّ واحدة جسدها، تقف في لمحة بصر أمام العرش المرهوب. بعضها إلى الحياة الأبديَّة والبعض الآخر إلى عذابات قاسية بعد الدينونة.

* * *

في النهاية، نقرأ عن مرقيون الشخص الذي هو بلا كرامة

432. مرقيون هذا، أصله من مقاطعة البنطس. وهو ابن أسقف.

وبما أنَّه دنَّس عذراء، هرب لأنَّ الكنيسة رذلته، في شخص والده.

وإذ مضى إلى رومة لكي يُقبَل للتوبة إلى الذين كانوا (مسؤولين) في ذلك الوقت، ولكنَّه لم يحصل، مال في غيظه ضدَّ الإيمان.

وحين طرح ثلاثة مبادئ، أعطى تعليمه حول الصالح والديّان والشرّير .

واعتبر العهدَ الجديد في الزمن الذي نحن فيه، غريبًا عن العهد القديم في الزمن الماضي. وذاك الذي يتكلَّم في هذا.

رمى جانبًا قيامة الأموات.

وما أعطى معموديَّة واحدة، بل ثلاثًا بعد المعصية.

ومحلَّ الموعوظين الذين توفّوا، أجبر آخرين بأن يتقبَّلوا ختم (المعموديَّة).

ووصل إلى هذه الدرجة من التهوُّر حتّى رسم نساء كخادمات المعموديَّة، وهو أمرٌ لم تجسر أن تفعله واحدةٌ من البدع الأخرى، ولا أن تضع ختم (المعموديَّة) مرَّتين بل ثلاث مرّات، ولا أن تجعل النساء في مصفِّ الكهنة.

وماذا أقول؟ هو أيضًا من أين أتى بكهنوته؟ هو الذي دنَّس عذراء، أبعده والده بأمر مبرم من الكنيسة، بحيث لم يستطع أن يصل ولا أن يُقبَل للتوبة.

في الحقيقة، هو لم يكن أهلاً لها، لأنَّه تجرَّأ فوضع يده على نبوءات الروح القدس، فحذف النصف ورماه مثل نفاية، واختار النصف الآخر فأخذه على أنَّه صالح بعض الشيء.

وهذا ألا يَعرفُ؟ حين نقطع من جسم إصبعًا واحدة، فالجسم كلُّه شاهد على هذا العضو المقطوع مهما كان صغيرًا.

ويردُّ عليه بالحريّ ذاك الذي تمَّم الشريعة وهو الذي قال: »ما جئت لأنقض الشريعة والأنبياء، بل لأكمِّلها«. وقال الرسول: »المسيح هو سلامنا. جعل من الاثنين واحدًا«. له المجد في دهر الدهور. آمين.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محمَّد بن اسحق و مذاهب المنانيَّة
- الكنسيه الاولى و الخلافات فيها
- النقاوة
- كنائس في الهرطقة و غنوصية النقولاويين
- الإشادة بالأطفال المُتْعِبين
- الإشادة بالأطفال المُتْعِبين الجزء 2
- الإشادة بالأطفال المُتْعِبين الجزء 3
- الإرشاد التنموي الجزء 2
- الإرشاد التنموي
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 7
- اوطاخي و هرطفته
- بالأفعال وليس بالأقوال
- بالأفعال وليس بالأقوال الجزء 2
- عبادة العذراء عند الكاثوليك و الأرثوذكس
- الطفل الماديّ
- شاشات الانعزال عند الاطفال
- شاشات الانعزال عند الاطفال الجزء 2
- شاشات الانعزال عند الاطفال الجزء 3
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 6
- توقعات الآباء الكبيرة


المزيد.....




- صناعة الطائفية الدينية..
- إغلاق المساجد في رمضان
- بمشاركة 4 آلاف عامل.. غسل مطاف المسجد الحرام في 5 دقائق
- الشريعة والحياة في رمضان- عبد الرشيد صوفي: فضل الله رمضان عل ...
- شؤون الحرمين تطيب الكعبة والمسجد الحرام بأجود أنواع البخور
- سريلانكا تحظر 11 منظمة إسلامية قبل الذكرى الثانية لتفجيرات ...
- المفتي العام للقدس يدعو لإنقاذ المسجد الأقصى المبارك
- سريلانكا تحظر 11 منظمة إسلامية قبل الذكرى الثانية لتفجيرات ...
- المفتي العام يدعو لإنقاذ المسجد الأقصى قبل فوات الأوان
- لجنة فلسطين النيابية تدين انتهاكات الاحتلال بالمسجد الأقصى


المزيد.....

- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور
- خَلْق الكون في مقاربته القرآنية! / جواد البشيتي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد برازي - من هو: يزنيك ده كولب في «الله» أو «البدع»