أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد ابداح - حروب الآلهة -1














المزيد.....

حروب الآلهة -1


محمد ابداح

الحوار المتمدن-العدد: 6287 - 2019 / 7 / 11 - 09:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في ليلة متأخرة من ليالي الشتاء الباردة طلب أحد سلاطين الدولة العثمانية من كبير الخدم في القصر تجهيز غرفة أخرى من غرف القصر كي ينام فيها، لأن أصوات نعيق الغربان فوق جثث أعداءه في جدارية إحدى معاركه المُكللة بالنصر كان يمنعه من النوم، ونحن المؤمنين بجدوى الصمت في أوطاننا العربية قد يقلقنا مغزى الحكاية، رغم أن المنطق الذي يحكمها قد يخلق حقلا مغناطيسيا للنقد الجاد، إلا أنه بالتأكيد ملف مزعج للجهات الأمنية، لأن تلك العلاقة بين صورة الواقع والصمت تستبيح ذلك الشك الغافي في أعماقنا حول حقائق نُسخت بالذاكرة أكثر مما نُسخت بالنسيان، وبات لكل موقف منها عيدٌ يأتي بموعده. وتركيا على أية حال في ركب الغرب وذلك الأرق الذي يصيب سلاطينها من نعيق الغربان لا يمت بصلة لنا نحن العرب.
لكن من أين أتتنا تلك الفكرة؟ بأن الصورة تعبر عن ألف كلمة، وبأن لها روحا تتنفس، وبأن تأمل المريض في صور الكون كالسماء الزرقاء والبحر والقمر والنجوم والزهور يساهم في تحسن حالته الصحية. لعلّ الأمر يتعلق بأشخاص من بيننا أي أولئك الذين حددوا لنا قِيَمنا وطرقنا التي ينبغي المسير فيها، ومن هنا قد يصبح الوضع أكثر إزعاجا من نعيق الغربان، فإنسان الماضي كان ليؤمن بصورة سواءا أكانت كونية أم من صنع يديه، حتى يسمع حديثها ويحاورها ويعبدها ويتقرب إليها، وفي المثال السابق شواهد تتجاوز التمثيل، فعظمة المشهد يسري أثره في جسد المتأمّل، وبذلك تتشكل تلك الروابط السريالية المقدسة ما بين الصورة والعقل، وبذلك يصبح للصورة سلطة فعلية.
لكن قد نتسائل كيف أمكن حدوث ذلك النفوذ ؟ وكيف تم توظيفه فكريا ودينيا وسياسيا؟ هل حاول سقراط الذي (أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض – شيشرون) من خلال صمته أمام الصور الدينية فلم يُروى عنه قط إساءته أو تدنيسه لأي من المعتقدات الدينية رغم أنه لم يضاهيه أحد في قدرته على الإقناع، وفي محاربته للسلطة السياسية، وهل مات الرواندي دون أن يشهد تغير الأوضاع النمطية الغامضة للصور، والتي لا تنفك عن دحرجة أكثر يقيناتنا ثباتا من قمة هرم عقولنا المتعبة؟ إذن فمالذي تغير في العقل الغربي حتى استغني بحبة دواء عن الصور والقرين وطرد الجن والشياطين؟
إن كل تلك الأسئلة لاتعد من نافلة القول بالقدر الذي قد تبدو عليه، فالأمر يتعلق بمنعطف حضاري، لكنه حاد وذو مسار إجباري مما يسترعي استثارة بعض الحواس الغافية فينا، فمن المعقول أن المرء يفضل أخذ حبة دواء لازالة الصداع على التمعن في صورة الحدائق المعلقة، كما أن صورالمسجد الأقصى التي تزين معظم شوارع العواصم العربية لم تمنع من سقوط القدس، وعلى النقيض فإن صور الخميني التي تملأ شوارع إيران لم تمنح طهران كل ذلك النفوذ السياسي والعسكري باليمن وسوريا ولبنان والعراق، وبالقطع ليست طريقة وخز دمى الأعداء بالإبر ( الفودو) هي من مكن إثيوبيا من لجم ردة فعل مصر أمام بناء سد النهضة.
وإذا ما استثنينا - الراسخون في العلم- في الدول العربية فإن آثار الصور الصامتة والناطقة على حد سواء قد باتت عضوا في جسد حياتنا العامة بكل ما لها من تداعيات وانحرافات بالغة، غير أن الذي تغير هو انفلات تلك الإنحرافات من قبضة رجال الدين لصالح الأنظمة السياسية الحاكمة، أي أن الصورة قد انتقلت من قبضة السماء لقبضة البشر، تماما كما قيل في سقراط ( أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض). ورغم ذلك المشهد المؤسف هل فقدت القوة الفاعلة للصورة المقدسة صولجانها في العقل العربي؟ حال الواقع ليس كذلك، فمن المؤكد أن عيوننا لازالت تُمطر بغزارة ونحن ننظر لصور فتنة القبر وعذاب النار، وفتنة الخروج على طاعة ولي الأمر، وهي ليست كفتنة جدارية قصر السلطان العثماني، وهي بالتأكيد ليست كصور الزعماء العرب المليئة بالنعيق المزروع في كل زاوية من زوايا حياتنا العامة والتي لا يجرء أحد على التفكير بإزالتها من جدران المباني الضخمة والمكاتب العامة. نحن نعلم جيدا بأن الصورة النمطية الثابتة بكافة أشكالها على مر التاريخ أريد لها أن تمارس فعلا وتحث على الفعل.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تكوين المُدرك
- لكي نبقى على الأرض 2
- لكي نبقى على الأرض
- العلّة الغائبة
- قوة الفكرة
- نرجسية الأديان
- المجتمعات البريئة
- السُحُب الفارغة!
- الإتجاه الجغرافي للتاريخ
- القيمة العلمية للأديان السماوية
- ضجيجُ الموتى!
- المتغيّر والثابت في الوطن العربي!
- الصحافة الرسمية الرائجة
- المعارفُ والقناعات!
- الجمهورية العربية الثالثة!
- العودة المستحلية!
- دول المخاض العربي!
- هوّية الهيمنة الدّينية والسّياسية
- تقنين الفساد المالي والإداري في الدول العربية المعاصرة
- قواعد النّقد السياسي-8


المزيد.....




- تغير المناخ: فرنسا ماضية باتجاه حظر رحلات الطيران الداخلية ا ...
- فتاة تتعرض لموقف ساخر أثناء ركن السيارة... فيديو
- مقتل شخص في إطلاق نار بولاية تينيسي الأمريكية
- هل يصبح اليمن بؤرة لجائحة كورونا.. بعد تفشى الوباء بصورة مرع ...
- الكويت تحدد لمواطنيها الشروط المطلوبة للراغبين بأداء العمرة ...
- فون دير لاين محذرة: لن نسمح بتكرار ما حصل في أنقرة
- دولة عربية ثانية تعلن الأربعاء أول أيام رمضان
- تركيا وليبيا.. التزام باتفاق الحدود البحرية
- لافروف: كييف تخوض قتالا ضد شعبها
- العراق.. مرسوم رئاسي يحدد موعد الانتخابات


المزيد.....

- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد ابداح - حروب الآلهة -1